النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
المُرُ (٢٩) - المُتَفِّلَ: ٧٣ / ١١-١٨
اً - هدد الله صناديد قريش وأمثالهم من المستهزئين والمترفين الطغاة
والمكذبين بآيات الله والكفر برسالة نبيه وي لتر، وتوعدهم بأشد العذاب في الدنيا
والآخرة. أما في الدنيا فعوقب رؤساء مكة في موقعة بدر، وأما في الآخرة فنار
جهنم تنتظرهم.
أَ - إن أنواع العذاب الشديد في الآخرة هي الأنكال أي القيود، والنار
المؤججة، والطعام الذي لا يستساغ، فلا هو نازل ولا هو خارج، وهو
الغِسْلين والزّقوم والضريع وهو شوك كالعَوْسج.
◌َّ - زمان هذا العذاب هو يوم القيامة، الذي تضطرب وتتحرك فيه
الأرض والجبال بمن عليها، وتصبح الجبال فيه رملاً مجتمعاً سائلاً متناثراً غير
متماسك.
٤ - التشابه في الجريمة والعقاب: اشترك أهل مكة في تكذيب النبي محمد
زَل﴾ والاستخفاف به، مع فرعون وقومه الذين كذبوا موسى عليه السلام، قال
مقاتل: ذكرَ - أي الله - موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ازدرَوْا محمداً وَه
واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرى موسى؛ لأنه ربّاه ونشأ
فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمَّ ثُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨/٢٦] فكان
التشابه في الأحوال سبباً لذكر قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر
الرسل والأمم.
لذا عوقب فرعون وأتباعه بالعقاب الثقيل الشديد وهو الغرق في البحر،
وعوقب كفار مكة بالهلاك يوم بدر. ويكون الرسول # شاهداً على قومه يوم
القيامة بكفرهم وتكذيبهم.
٥ - وبخ الله تعالى الكفار وقرَّعهم على كفرهم بطريق التساؤل بقوله: كيف
تتقون عذاب يوم يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وتتفطر فيه السماء؟ وهذا
وصف لهول يوم القيامة بأمرين: الأول - يجعل الولدان شيباً، وهذا مثل في

٢٢٢
المُعْ (٢٩) - المُتَمِّل: ٧٣ /١٩-٢٠
الشدة. والثاني- تتصدع فيه السماء. وكلاهما وصف لليوم بالشدة الشديدة،
فهو يوم يشيِّب نواصي الأطفال، والسماء على عظمتها وقوتها تتفطر فيه، فما
ظنك بغيرها من الخلائق؟
٦ - إن وعد الله تعالى بالقيامة والحساب والجزاء كائن لا شك فيه ولا
خُلْف.
لاً - دلت آية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ على أن القياس حجة؛ لأنه استقر
عند العقلاء وعند المشركين في مكة وغيرهم أن الشيئين اللذين يشتركان في
مناط الحكم ظناً، يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام على
هذه الصورة.
تذكير وإرشاد بأنواع الهداية
إِنَّ رَبَّكَ يَغْلَمُ
١٩
﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ أُتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا
أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِن ◌ُلَُّى الََّّلِ وَنِصْفَهُ وَتُلْتَهُ وَطَيِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّلَ
وَالنَّهَ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخْصُوُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُ واْ مَا تَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ
مِنْكُم ◌َرَْىٌّ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنَّاً وَمَا
نُقَدُِّواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَخْرً وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
القراءات:
﴿وَنِصْفَهُ وَثُلْتَهُ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر (ونصفِه وثلثِه).

٢٢٣
الُرُ (٢٩) - المُتَمِلَ: ٧٣ / ١٩-٢٠
الإعراب:
﴿وَطَيِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ﴾ طائفة مرفوع عطفاً على الضمير المرفوع في
﴿ تَقُومُ﴾. وإنما جاز العطف على الضمير المرفوع المستكن في ﴿تَقُومُ﴾ لوجود
الفصل، والفصل يقوم مقام التوكيد في تجويز العطف.
﴿وَنِصْفَهُ وَثُلْتَهُ﴾ بالجر عطفاً على ﴿قُلُنِى الَّلِ﴾ وبالنصب عطفاً على
﴿أَدْنَ﴾.
﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنَكُمْ فَرْضَىٌ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، والسين عوض عن
التشديد، وقد يقع التعويض بسوف وقد وحرف النفي، كما يعوض بالسين
جبراً لما دخل الحرف من النقص.
﴿َجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿َجِدُوهُ﴾ والهاء: هي
المفعول الأول، و﴿هو﴾ ضمير فصل على قول البصريين، ولا موضع له من
الإعراب، ويسميه الكوفيون عماداً، وله موضع من الإعراب.
البلاغة:
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ استعارة، حيث شبه الترخيص بقبول التوبة؛ في رفع
التبعة.
﴿ فَقْرَءُواْ مَا تَسَرَ مِنَ اُلْقُرْءَانِ﴾ مجاز مرسل، أراد به الصلاة، من إطلاق
الجزء وهو القراءة على الكل وهو الصلاة.
﴿وَمَا نُقَدِعُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ عام بعد خاص، عمم بعد ذكر الصلاة
والزكاة والإنفاق، ليشمل جميع أعمال الخير والصلاح.
﴿ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا﴾ استعارة تبعية، شبه التصدق على المحتاجين
بإقراض الله تعالى؛ لأنه هو الذي يعطي الثواب المقابل.

٢٢٤
الزُعُ (٢٩) - المُنَّمِِّ: ١٩/٧٣-٢٠
﴿هُوَ خَيْرًا﴾ قال ذلك للتأكيد والمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ الآيات الموعدة أو المخوفة. ﴿بَذْكِرَةٌ﴾ عظة. ﴿فَمَنْ شَآءَ﴾
أن يتعظ. ﴿أَمَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ طريقاً يتقرب به إلى الجنة، بالتزام الإيمان
والطاعة أو التقوى والاحتراز عن المعصية. ﴿أَدْنَ﴾ أقل منه. ﴿وَاَللَّهُ يُقَدِّرُ
اَلَيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ يعلم مقادير ساعاتهما. ﴿أَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ﴾ أي لن تستطيعوا تقدير
الأوقات وضبط الساعات لتقوموا قيام الليل، فيحصل قيام الكل وهو أمر
شاق عليكم . ﴿فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بالتيسيرِ والتخفيف والترخيص في ترك القيام.
﴿ فَأَقْرَءُواْ مَا تَبَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ أي فصلُّوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر
عن الصلاة بالقراءة.
﴿ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ﴾ يسافرون للتجارة. ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾.
يطلبون من فضله ورزقه بالتجارة وغيرها . ﴿ وَءَاخَرُونَ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾
يجاهدون، وكل من الفئات الثلاث يشق عليهم قيام الليل، فخفف عنهم بقيام
ما تيسر منه، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ المفروضة.
﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ الواجبة. ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا﴾ أنفقوا في سبيل الخيرات
فيما عدا المفروض من المال، عن طيب نفس. ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ أفضل مما أنفقتم.
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُ﴾ في جميع أحوالكم ومجالسكم، فإن الإنسان لا يخلو من تفريط.
المناسبة:
بعد بيان أحوال المؤمنين السعداء وترغيبهم، وأحوال الأشقياء وتهديدهم
بأنواع العذاب في الآخرة، ختمت السورة بتذكيرات مشتملة على أنواع الهداية
والإرشاد، فمن أراد الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية، فليفعل، ثم
خفف عن المؤمنين مقدار قيام الليل لما يطرأ لهم من أعذار المرض، أو السفر
للتجارة ونحوها، أو الجهاد في سبيل الله تعالى.

٢٢٥
الُعُ (٢٩) - المُتَمِّلَ: ٧٣ / ١٩-٢٠
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ هَذِهِ، نَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾﴾ أي إن ما تقدم في
هذه السورة من الآيات المخوفة موعظة لأولي الألباب، فمن أراد اتعظ بها،
واتخذ الطاعة طريقاً توصله إلى رضوان الله في الجنة. وبعد نزول أوائل السورة
استعد النبي ◌َ ◌ّ لقيام الليل، وترك الرقاد، ثم خفف الله عنهم قائلاً:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِن تُلْنَى الَّلِ وَنِصْفَهُ وَتُثَهُ وَطَاِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ﴾
أي إن الله يعلم أنك أيها الرسول تقوم ممتثلاً أمر ربك أقلّ من ثلثي الليل
أحياناً، أو تقوم نصفه أو ثلثه، وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك،
والله سيجازيكم على ذلك أحسن الجزاء.
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّتْلَ وَالنَّهَارُّ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخُصُوهُ فَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يعلم الله
صِے
مقادير الليل والنهار حقيقة، ويعلم القدر الذي تقومونه من الليل، ولكن الله
علم أنكم لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به، ولن تتمكنوا من ضبط
مقادير الليل والنهار ولا إحصاء الساعات، أو علم الله أنكم لن تطيقوا قيام
الليل أو الفرض الذي أوجبه عليكم، فعاد عليكم بالعفو والترخيص في ترك
القيام إذا عجزتم، ورجع بكم من العسر إلى اليسر. وأصل التوبة: الرجوع.
قال مقاتل: لما نزلت ﴿قُّمِ اَلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ شقّ ذلك عليهم، وكان
الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يُصبح مخافة أن يخطئ،
فانتفخت أقدامهم، وامتُقعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم، فقال
تعالى: ﴿عَلِّمَ أَن لَّنَ تُخْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾(١). والمراد بقوله: ﴿لَّنَ تُحْصُوهُ﴾ أي لن
تطيقوه، لصعوبة الأمر، لا أنهم لا يقدرون عليه.
﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ أي صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل،
فالمراد بالقراءة الصلاة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما تقدم بيانه.
(١) تفسير القرطبي: ٥٣/١٩

٢٢٦
لُزُرُ (٢٩) - المُتَمِّل: ٧٣ /١٩-٢٠
وهذه الآية نسخت قيام الليل، ويؤكده الحديث الصحيح عند مسلم
والنسائي والترمذي واللفظ له عن أنس بن مالك الذي فيه: قال السائل
لرسول الله وَّر: هل عليّ غيرها؟ يعني الصلوات الخمس، فقال: ((لا، إلا أن
تَطَّوَّع)) فهو يدل على عدم وجوب غير تلك الصلوات المفروضة، فارتفع بهذا
وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة.
ثم ذكر الله تعالى أسباب التخفيف وأعذاره أو حكمته قائلاً:
﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُم ◌َرْضَّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِىِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ
وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي علم الله عز وجل بطروء أعذار ثلاثة هي
المرض والسفر والجهاد، فقد يكون منكم مرضى لا يطيقون قيام الليل،
وآخرون يسافرون في الأرض للتجارة والربح، يطلبون من رزق الله ما
يحتاجون إليه في معاشهم، فلا يطيقون قيام الليل، وقوم آخرون هم المجاهدون
في سبيل الله لا يطيقون قيام الليل، فوجود هذه الأعذار المقتضية للترخيص
سبب لرفع فرضية التهجد عن جميع الأمة.
ثم ذكر الحكم الدائم بعد الترخيص، فقال تعالى:
﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَّاً﴾ أي
فصلوا ما تيسر واقرؤوا ما تيسر من القرآن، وقد أعيد الأمر هنا لتأكيد
الرخصة وتقريرها، وأدوا الصلاة المفروضة قائمة بفروضها وأركانها وشرائطها
واحتضار الخشوع فيها دون غفلة عنها، وآتوا الزكاة الواجبة في الأموال،
وأنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقاً حسناً على الأهل وفي الجهاد وعلى
المحتاجين، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ:
أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥/٢].
ثم أكّد الطلب على الصدقة ورغَّب فيها، فقال:

٢٢٧
لُعُ (٢٩) - المُتَمِل: ٧٣ / ١٩-٢٠
﴿ وَمَا نُقَدِّعُواْ لِأَفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ أي وجميع ما
تقدمونه من الخير المذكور وغير المذكور، فثوابه حاصل لكم، وهو خير مما
أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا، ومما تؤخرونه إلى عند الموت، أو توصون به
ليخرج من التركة بعد موتكم.
أخرج البخاري والنسائي وأبو يعلى الموصلي عن الحارث بن سويد قال:
قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله وَلجر: ((أيكم ماله أحب إليه من مال
وارثه؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه،
قال: اعلموا ما تقولون، قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال: إنما
مال أحدكم ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر)).
ثم ختم السورة بالأمر بالاستغفار فقال:
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي أكثروا من الاستغفار لذنوبكم وفي
أموركم كلها، فإنكم لا تَخْلُون من ذنوب اقترفتموها، وإن الله كثير المغفرة لمن
استغفره، كثير الرحمة لمن استرحمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - كل ما جاء في سورة المزمل وفي آياتها عظة للمتعظ، فمن أراد أن يؤمن
ويتخذ إيمانه وطاعته طريقاً إلى رضا ربه ورحمته، فليرغب وليفعل، فذلك
ممكن له؛ لأنه تعالى أظهر له الحجج والدلائل.
أَ - قام النبي ◌َّله وصحابته بما أمروا به من قيام الليل في أول السورة:
﴿قُمِ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (هـ
نَّصْفَهُ: أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ثم نسخت
فرضية القيام بهذا المقدار الثقيل بآخر السورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ
تَقُومُ﴾. وكان النسخ بإيجاب الصلوات الخمس.

٢٢٨
الُزُحُ (٢٩) - المُتَمِّل: ٧٣ /١٩ -٢٠
◌َّ - خفف الله عن الأمة وعاد عليهم بالعفو. وهذا يدل - كما قال القرطبي
- على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به. والأولى أن يقال: تاب عليكم
من فرض القيام إذا عجزتم. قال أبو نصر القشيري: والمشهور أن نسخ قيام
الليل كان في حق الأمة، وبقيت الفريضة في حق النبي ◌َّ. وقيل: نسخ
التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب، كقوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾
[البقرة: ١٩٦/٢] فالهدي لا بدَّ منه، كذلك لم يكن بُدُّ من صلاة الليل، ولكن
فُوّض قدره إلى اختيار المصلي. وهذا مذهب الحسن. ومذهب الشافعي: النسخ
بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً.
٤ - أمر الله بقراءة ما تيسر من القرآن، والمراد من هذه القراءة: الصلاة؛
لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، أي فصلوا ما
تيسر لكم، والصلاة تسمى قرآناً، كقوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَحْرِ﴾ [الإسراء:
٧٨/١٧] قال ابن العربي: وهو الأصح؛ لأنه عن الصلاة أخبر، وإليها يرجع
القول.
وقيل: المراد القراءة نفسها، أي فاقرؤوا فيما تصلونه بالليل ما خفف
عنكم. قال السدِّي: مئة آية، وقال الحسن: من قرأ مئة آية في ليلة لم يحاجّه
القرآن. وقال كعب: من قرأ في ليله مئة آية كُتب من القانتين. وقال سعيد بن
المسيب: خمسون آية. قال القرطبي: قول كعب أصح؛ لما أخرجه أبو داود
الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ◌َّ قال: ((من قام
بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن
قام بألف آية كُتب من المقَنْطِرِين)) أي أعطي من الأجر قنطاراً.
وصحح القرطبي القول الثاني حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول
الآخر مجاز، فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله.
٥ - أبان الله تعالى حكمة هذا النسخ، وذكر علة تخفيف قيام الليل؛ فإن

٢٢٩
الُعُ (٢٩) - المُتَمِّل: ٧٣ / ١٩-٢٠
الخَلْق منهم المريض، ويشق عليه قيام الليل، والمسافر في التجارات قد لا
يطيق قيام الليل، وكذلك المجاهد، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء.
أَ - سوّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال
الحلال للنفقة على أنفسهم وعيالهم، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة
الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. روى إبراهيم عن علقمة قال: قال
رسول الله وَالى: ((ما من جالب يجلب طعاماً من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه
إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء)) ثم قرأ رسول الله وقال: ﴿وَءَآخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
اً - إذا كان المراد من آية ﴿فَأَقْرَءُ واْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ هو القراءة في الصلاة عملاً
بظاهر اللفظ، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ في الصلاة.
فقال مالك والشافعي وأحمد: فاتحة الكتاب لا يجزئ العدول عنها، ولا
الاقتصار على بعضها؛ لما رواه السبعة عن عبادة بن الصامت أنه و الإ قال: ((لا
صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وظاهر النفي انعدام الصلاة الشرعية لعدم
قراءة الفاتحة فيها. ورويت أحاديث كثيرة في معنى ذلك.
وقال أبو حنيفة: الفرض مطلق قراءة، وهو آية واحدة طويلة من القرآن،
أو ثلاث آيات قصار؛ لأنها أقل سورة. ودليله ما ثبت في الصحيحين من
حديث المسيء صلاته عن النبي وَلّه قال له: ((اقرأ ما تيسر معك من القرآن))
فلو كانت الفاتحة بخصوصها ركناً لعيَّنها وعلمه إياها إن كان يجهلها، وما
روى أبو داود عن أبي هريرة من قول النبي وَ الر: ((لا صلاة إلا بقرآن، ولو
بفاتحة الكتاب)) فإنه ظاهر في عدم تعين الفاتحة.
٨ - أوجب الله تعالى إقامة الصلاة المفروضة وهي الخمس لوقتها، وإيتاء
الزكاة الواجبة في الأموال. والمراد من الصلاة: ما كان مفروضاً في النهار أول

٢٣٠
الجُرْ (٢٩) - المُتَفِّل: ٧٣ / ١٩-٢٠
الأمر ((ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي)) والمراد بالزكاة: زكاة المال
المفروضة التي فرضت في السنة الخامسة من البعثة على الراجح.
ـو - حث الله تعالى على القرض الحسن: وهو ما قصد به وجه الله تعالى
خالصاً من المال الطيب. وذلك إشارة أيضاً إلى صدقة التطوع.
٠ ١ - أي عمل يقدمه العبد في الدنيا يبتغي به منفعته في الآخرة، سواء
أكان متعلقاً بالمال أم بغيره، فإنه يلقى به عند ربه جزاء أحسن منه وأكثر نفعاً؛
لإعطائه بالحسنة عشراً. وهذا حث على الإنفاق مطلقاً.
١١ - طلب الله تعالى من عباده مداومة الاستغفار مما عسى أن يقع في
الأعمال من الخلل أو التقصير، ووعد سبحانه بالرحمة والمغفرة لمن يلجأ إلى
جنابه الكريم، إذا أخبر بأنه عظيم المغفرة واسع الرحمة. وهذا تحريض على
الاستغفار في جميع الأحوال، وإن كانت طاعات، لما عسى أن يقع فيها من
تفريط.

٢٣١
اِلُ (٢٩) السورة (٧٤) المقدِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ المُدرِ
مكية، وهي ست وخمسون آية
تسميتها:
سميت سورة المدَّثر لافتتاحها بهذا الوصف الذي وصف به النبي (وَچآ،
وأصل المدثر المتدثر: وهو الذي يتدثر بثيابه لينام أو ليستدفئ. والدثار: اسم
لما یتدثر به.
مناسبتها لما قبلها:
صلة السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة هي:
اً - تتفق السورتان في الافتتاح بنداء النبي ◌َل﴾.
اً - صدر كلتيهما نازل في قصة واحدة. وقد نزلت المدثر عقب المزمّل.
٢ - بدئت السورة السابقة بالأمر بقيام الليل (التهجد) وهو إعداد لنفسه
ليكون داعية، وبدئت هذه السورة بالأمر بإنذار غيره، وهو إفادة لسواه في
دعوته.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة إرشادات للنبي وَل في بدء دعوته، وتهديدات لزعيم من
زعماء الشرك، وأوصاف جهنم.

٢٣٢
لُ (٢٩) السورة (٧٤) المُذْرِ
بدأت السورة بتكليف النبي ◌َّ بالقيام بالدعوة إلى ربه، وإنذار الكفار،
[الآيات: ١ - ٧].
والصبر على أذى الفجار: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ
ثم وصفت يوم القيامة الرهيب الشديد، لما فيه من الأهوال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى
﴾ [الآيات: ٨-١٠].
<
النَّاقُورُ
ثم انطلقت تهدد إنساناً في أقوى وأشد صور التهديد، وهو الوليد بن المغيرة
الذي أقرّ بأن القرآن كلام الله تعالى، ثم من أجل الزعامة والرياسة، زعم أنه
سحر، فاستحق النار: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾﴾ [الآيات: ١١-٢٦].
وناسب ذلك تعداد أوصاف النار، وعدد خزنتها وحكمة ذلك، وبروزها
للناس: ﴿وَمَّا أَدْرَئِكَ مَا سَقَرُ (®﴾ [الآيات: ٢٧-٣١].
وزاد الأمر تهويلاً قسم الله بالقمر والليل والصبح على أن جهنم إحدى
[الآيات: ٣٢ -٣٧].
الدواهي العظام: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ
وأوضحت السورة مسؤولية كل نفس بما كسبت وتعلقها بأوزارها،
وبشارة المؤمنين بالنجاة، والكفار بالعذاب، وتصوير ما يجري من حوار بين
[الآيات: ٣٨-٤٨].
٣٨
الفريقين: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةُ
وختمت السورة ببيان سبب إعراض المشركين عن العظة والتذكر والإيمان:
[الآيات: ٤٩-٥٦].
٤٩
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
فضلها:
ثبت في صحيح البخاري عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من
وخالفه الجمهور، فذهبوا إلى أن أول القرآن
القرآن: ﴿يَأَيُهَا الْمُدَّثِّرُ
نزولاً قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ
﴾ [العلق: ١/٩٦].
سبب نزولها:
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: حدثنا رسول الله وَله، فقال:

٢٣٣
الُعُ (٢٩) السورة (٧٤) المؤلِّ
((جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت، فنُوديت، فنظرت عن يميني،
فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً،
ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي، فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة،
فقلت: دُثِّروني، وصُبُّوا عليّ ماءً بارداً، قال: فدَّروني وصبوا على ماء بارداً،
))) . ورواه مسلم
وَرَبَّكَ فَكِّرْ
فنزلت: ﴿بَأَتُهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ قُرْ فَأَذِرْ
خَلَقَ الْإِنسَنَ
بلفظ آخر يدل على أن أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ
مِنْ عَلَقِ
الَّذِىِ عَلَّمَ بِالْقَلِمِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
﴾ [العلق: ١/٩٦-٥].
ووجه الجمع بين الرأيين: أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة،
كما قال الإمام أحمد والشيخان عن جابر أنه سمع رسول الله و لم يقول: (( ثم
فتر الوحي عن فترة، فبينا أنا أمشي، سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري
قِبَل السماء، فإذا الملَك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض،
فجُثثت - اقتلعت - منه فَرَقاً - أي خوفاً -، حتى هويت إلى الأرض، فجئت
أهلي، فقلت لهم: زمّلوني زمّلوني، فزمَّلوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِّرُ
﴿ قُ قَدِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِرْ ﴿ وَثِيَبَكَ فَطَهِّرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَأُهْجُزْ @) ثم حمي
الوحي وتتابع )».
وأخرج الطبراني(١) عن ابن عباس قال: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش
طعاماً، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم:
ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم:
ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال
بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي
﴿ قُ فَأَذِرْ
وَالر، فحزن وقنَّع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
(١) بسند ضعيف.

٢٣٤
الُرُ (٢٩) - المصدرِ: ٧٤ /١-١٠
وَرَبَّكَ فَكِرْ
٣
٣
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
٤
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
۵
٦
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
٧
إرشادات للنبي
في بدء الدعوة
كا الله
علبة
وسلم
﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ قُرْ فَأَذِرْ
٢
وَرَبَّكَ فَكِرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ ﴿ وَالرُّجْزَ
فَذَلِكَ
فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُرِ
٧
فَأَهْجُرْ جَ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿ وَلِرَبِكَ فَاصْبِرْ
يَوْمَيِدٍ يَوْمُ عَسِيرُ
١٠)
عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
القراءات:
﴿ وَالرُّجْزَ﴾:
قرأ حفص (والرُّجز)، وقرأ الباقون (والرِّجز).
الإعراب:
﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّتِرُ ﴾﴾ أصله المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتقارب
مخرجهما. ولم تدغم الدال في التاء؛ لأن التاء مهموسة، والدال مجهورة،
والمجهور أقوى من المهموس، فكان إدغام الأضعف في الأقوى أولى من
العكس.
﴾ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
الحال، أي ولا تمنن مستكثراً.
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُورِ ﴿َ﴾ ﴿ فِى النَّاقُورِ﴾ إما في موضع الرفع؛ لأنه قام مقام
النائب للفاعل، وإما في موضع النصب؛ لأن المصدر قام مقام الفاعل،
فاتصل الفعل به بعد تمام الجملة، فوقع فضلة، فكان في موضع نصب.

٢٣٥
الزُعُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ /١-١٠
﴿) ﴿فَذَلِكَ﴾ مبتدأ، و﴿يَوْمَيِدٍ﴾ بدل منه، و﴿ يَوْمُ
﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ
عَسِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، ولا يجوز أن يتعلق ﴿يَوْصِدٍ﴾ بقوله: ﴿عَسِيرُ﴾ لأن ما
تعمل فيه الصفة لا يجوز تقدمه على الموصوف. والعامل في ﴿فَإِذَا﴾ في قوله:
﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾ ما دلت عليه الجملة، أي اشتد الأمر.
البلاغة:
تقديم المفعول به
وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ (أَا﴾
٤
وَثِيَبَكَ فَطَهِرْ
﴿وَرَبَّكَ فَكَتِرْ
لإفادة الاختصاص.
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُرِ جَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿عَسِيرُ﴾ و﴿يَسِيرٍ﴾ بينهما طباق، وجناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿الْمُدَِّّرُ﴾ المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه، وأصله: المتدثر، وأجمعوا
على أن المدثر هو رسول الله وَل﴾، وهو لابس الدثار: وهو الثوب الظاهر
الذي يلبس فوق لباس داخلي يلاصق الجسد ﴿قُرْ﴾ من مضجعك، أو قيام
عزم وجدّ ﴿فَذِرْ﴾ خوِّف أهل مكة وغيرهم النار إن لم يؤمنوا. ﴿فَكَبِرْ﴾ عظّم.
﴿فَطَهِّرْ﴾ أي طهر ثيابك من النجاسات، فإن التطهير واجب في الصلاة،
محبوب في غيرها، وذلك بغسلها، أو بحفظها عن النجاسة، أو طهر نفسك من
الأفعال والأخلاق الذميمة.
﴿وَالرُّجْزَ فَأُهْجُرْ جَ﴾ أي اترك الأسباب والمآثم المؤدية إلى العذاب،
وداوم على هجرها، والرجز: بضم الراء وكسرها: العذاب، قال تعالى:
﴿لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤/٧]. ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾﴾ أي
لا تعط شيئاً فتطلب أكثر منه، أو لا تمن على الله بعبادتك مستكثراً إياها، أو
على الناس بالتبليغ مستكثراً به الأجر منهم أو مستكثراً إياه . ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُورِ

٢٣٦
الزُءُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ / ١-١٠
نفخ في الصور (وهو القَرْن) النفخة الثانية. ﴿فَذَلِكَ﴾ أي وقت النقر.
﴿يَوْمُ عَسِيرٌ﴾ شديد على الكفار. ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ غير سهل عليهم.
سبب النزول:
تقدم، وملخصه: أخرج الشيخان عن جابر قال: قال رسول الله عَليه :
((جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري، نزلت، فاستنبطت الوادي،
فنوديت، فرفعت رأسي، فإذا الملَك الذي جاءني بحراء، فرجعت، فقلت:
﴿ قُّ فَأَنَذِرْ
دثروني. فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِّرُ
التفسير والبيان:
﴿يَأَيُهَا الْمُدَّتُِّ ﴿ قُرْ فَأَذِرُ ﴾﴾ أي يا أيها النبي الذي قد تدثر بثيابه،
أي تغطى بها رُعْباً من رؤية الملَك عند نزول الوحي أول مرة، انهض، فخوّف
أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.
وَثِيَابَكَ فَطَّهِرْ ﴿﴾ أي عظم الله وصفه بالكبرياء، في
﴿ وَرَبَّكَ فَكِرْ
عبادتك وكلامك وجمیع أحوالك، فإنه أكبر من أن یکون له شريك، وطهِّر
ثيابك واحفظها عن النجاسات. وقال قتادة: أي طهرها من المعاصي
والذنوب، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يفٍ بعهد الله: إنه لدنس
الثياب، وإذا وفّى وأصلح: إنه لمطهر الثياب. وكلا المعنيين صحيح، فإن
الطهارة الحسية أو النظافة تلازم عادة الطهارة المعنوية، أي التجرد والتباعد
من المعاصي، والعكس صحيح، فإن وجود الأوساخ ملازم لكثرة الذنوب.
والآية دليل على تعظيم الله مما يقول عبدة الأوثان، وعلى النظافة وتحسين
الأخلاق واجتناب المعاصي.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ جَ﴾ أي اترك الأصنام والأوثان، فلا تعبدها، فإنها
سبب العذاب، واهجر جميع الأسباب والمعاصي المؤدية إلى العذاب في الدنيا
والآخرة، فالآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل المعاصي.

٢٣٧
الُرعُ (٢٩) - المفلترِ: ٧٤ /١-١٠
والنهي عن جميع ذلك لا يعني تلبسه بشيء منها، وإنما يبدأ به لكونه قدوة،
وللمداومة على الهجران، فهو كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِع
اَلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١/٣٣] وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ
هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢/٧]
فمثل هذا الخطاب للنبي يراد به الأمر بالدوام والمتابعة، واستمرار تجنب
الفساد.
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (﴾﴾ أي لا تمن على أصحابك وغيرهم بتبليغ
الوحي، مستكثراً ذلك عليهم، أو إذا أعطيت أحداً عطية، فأعطها لوجه
الله، ولا تمنّ بعطيتك على الناس، أو لا تضعف أن تستكثر من الخير، فإن
﴿تَمْنُنْ﴾ في كلام العرب تضعف.
(ج) أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل،
﴿وَلِرَبِكَ فَاصْبِرْ
فإنك ◌ُّلت أمراً عظيماً، ستحاربك العرب عليه والعجم، فاصبر عليه لله.
واصبر أيضاً على طاعة الله وعبادته. وبعد إرشاد النبي ◌َّ في دعوته، أبان الله
تعالى وعيد الأشقياء، فقال:
عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ
٨
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُورِ
(٣) أي اصبر على أذاهم، فأمامهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم، فإذا
نفخ في الصور النفخة الثانية للبعث من القبور، فوقت النقر يومئذ يوم شديد
جداً على الكفار، غير سهل عليهم.
أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة والإمام أحمد عن ابن عباس في قوله
(ج) قال: قال رسول الله وَله: ((كيف أَنْعُم،
تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِىِ النَّاقُورِ
وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر، فينفخ؟ فقال
أصحاب رسول الله صل18: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله
ونعم الوكيل، على الله توكلنا)).

٢٣٨
لُعُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ /١-١٠
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
ملاطفة في الخطاب ولين في الكلام
اَ - قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
من الله؛ إذ ناداه ربه بحاله، وعبَّر عنه بصفته.
اً - أمر الله نبيه بتخويف أهل مكة وغيرهم من الناس قاطبة، وبتحذيرهم
العذاب إن لم يُسْلِموا.
٣ - ما أُمر النبي ◌َلّ بالإنذار إلا لحكمة بالغة، ومهمات عظيمة، لا يجوز
له الإخلال بها.
أولها - تعظيم الله ووصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد، كما
يقول عبدة الأوثان.
ثانيها - تطهير الثياب من النجاسة المادية أو الحكمية، وتطهير النفس من
المعاصي المؤدية إلى العذاب، وتجميلها بمحاسن الأخلاق.
ثالثها - هجر الأوثان والمآثم التي هي سبب العذاب، ويراد بذلك الأمر
بالمداومة على ذلك الهجران.
رابعها - عدم الامتنان على الله بالأعمال الشاقة، كالمستكثر لما يفعل، وإنما
الواجب الصبر على ذلك لوجه الله تعالى، متقرباً إليه، غير ممتنّ به عليه،
وعدم الامتنان على الناس بتعليم أمور الدين والوحي كالمستكثر لذلك
الإنعام، وبالنبوة لأخذ أجر يستكثر به ماله. وقال أكثر المفسرين: المعنى: ولا
تعط مالك لأجل أن تأخذ أكثر منه، حتى تكون عطاياه لأجل الله عز وجل،
لا لأجل طلب الدنيا. وهذا سمة أهل الجود والكرم.
خامسها - الصبر على أداء الفرائض والعبادات وإيذاء الناس بسبب تبليغ
الدين.

٢٣٩
الزُرُ (٢٩) - المصدر: ٧٤ / ١١-٣٠
والخلاصة:
إن الله تعالى وضع أساسين لنجاح دعوة الرسول ويقول بعد استكمال العقل
وتحرره من الشرك، واستكمال النفس بالخلق الكامل، وهما: الجود والصبر.
٤ - هدد الله الكفار الأشقياء بأهوال يوم القيامة، فإنه إذا نفخ إسرافيل في
الصور - وهو كهيئة البوق - النفخة الثانية، كان ذلك اليوم يوماً شديداً على
كل من كفر بالله وبأنبيائه، غير سهل ولا هيِّ عليهم، فإنهم دائماً يواجهون
صعاباً أشد، بخلاف المؤمنين الذين يتجهون دائماً إلى ما هو الأخف، حتى
يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى. وقد فهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿عَلَى
كون ذلك اليوم يسيراً على المؤمن، وهذا حجة لمن
اُلْكَفِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
قال بدليل الخطاب أنه حجّة.
تهديد زعماء الشرك
﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَّا مَّمْدُودًا
وَبَنِينَ شُهُودًا
١٣
كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لَِّيَنْنَا عَنِيدًا
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ◌َ)
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
سَأُرْهِقُ صَعُودًا (﴿َ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَّدَرَ
ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَّدَّرَ
١٩
ثُمَّ عَسَ وَبَسَرَ
◌ُمَّ نَظَرَ
ثُمَّ أَذْبَرَ وَاُسْتَكْبَرَ
٢٢
فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِمْرٌ يُؤْثَرُ
٢٣
إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
سَأُصْلِهِ سَقَرَ ﴿َ وَمَا أَدْرَكَ مَا سَقَرُ ﴿لَ لَا نُبقِى
٢٥
٣٠
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
وَلَا نَذَرُ الََّ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
الإعراب:
﴿ذَرْبِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾﴾ ﴿وَحِيدًا﴾ حال من هاء ﴿خَلَفْتُ﴾
المحذوفة، وتقديره: خلقته وحيداً.
﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٣)﴾ ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي لواحة.

٢٤٠
الُرءُ (٢٩) - المُدْرِ: ٧٤ / ١١-٣٠
تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ مبتدأ، مبني على الفتح، لتضمنه
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
معنى الحرف، وهو واو العطف، وأصله: تسعة وعشر، ولما حذفت الواو؛
تضمنا معنى الحرف، فوجب أن يبنيا، وبنيا على الفتح؛ لأنه أخف الحركات.
و﴿ عَلَيْهَا﴾ خبره.
البلاغة:
إطناب بتكرار الجملة لزيادة
٢٠
ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
(*) الاستفهام للتهويل والتفخيم.
التوبيخ. ﴿وَمَآ أَدْرَكَ مَا سَقَرُ
المفردات اللغوية:
﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَفْتُ وَحِيدًا ﴾ دعني واتركني وحدي وإياه، فإني أكفيكه.
﴿ مَمْدُودًا﴾ مبسوطاً كثيراً، فقد كان للوليد الزرع والضَّرْع والتجارة. ﴿شُهُودًا﴾
حضوراً معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم ولقائهم، لا يحتاجون إلى سفر لطلب
المعاش، استغناء بنعمته، ويشهدون المحافل وتسمع شهادتهم. قيل: كان له
عشرة بنين أو أكثر، كلهم رجال، فأسلم منهم ثلاثة: خالد وعمار وهشام.
﴿ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (٣)﴾ بسطت له الرياسة والجاه العريض، حتى لقب:
ريحانة قريش، والوحيد، أي باستحقاق الرياسة والتقدّم.
كلمة ردع
﴿ُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾﴾ يطمع في الزيادة على ما أوتيه .
وزجر، أي لا أزيده على ذلك. ﴿عَنِيدًا﴾ معانداً لها ومكابراً. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا
١٧)
سأكلفه وأحمله عذاباً شاقاً صعباً لا يطاق، وهو مثل لما يلقى من
تعليل للوعيد، أي تأمل في القرآن، وهيأ
١٨
الشدائد. ﴿إِنَُّ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
الأمر في نفسه . ﴿فَقُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿4﴾ تعجب من تقديره استهزاء به، أي لعنه
تكرير للمبالغة،
الله كيف توصل إلى ما تريد قريش.﴿ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
﴾ للدلالة على أن الثانية أبلغ من الأولى. ﴿ثُمَّ نَظَرَ ﴾﴾ في وجوه قومه
أو فيما يقدح به فيه.