النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الْلُ (٢٩) - المُعَلَاجِ: ٧٠/ ٣٦-٤٤
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أنكر الله تعالى على الكفار حول النبي وَّر مسارعتهم إلى الكفر
والتكذيب برسالته والاستهزاء به، فما بالهم يسرعون إليه ويجلسون حواليه،
ولا يعملون بأوامره، وتراهم عن يمينه وشماله حِلَقاً حِلَقاً، وجماعات متفرقين.
◌َ - ثم أنكر عليهم تناقضهم وتعارض أقوالهم ومواقفهم، فهم يكذِّبون
برسالة النبي ◌ّ﴾ ويستهزئون بأصحابه، وينكرون البعث، ثم يقولون: لئن
دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئاً لنعطين أكثر منه !!
فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿أَيَطَّمَعُ كُلُّ أَقْرٍِ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (®﴾ أي
إنهم منكرون للبعث، فكيف يطمعون في دخول الجنة؟
٣ - أيأسهم الله تعالى من دخول الجنة، فأخبر بأنهم لا يدخلونها،
الاستكبارهم، فهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة؛
كما خلق سائر جنسهم، فلا يليق بهم هذا التكبر، وليس لهم فضل يستوجبون
به الجنة، وإنما تُستَوجب الجنة بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى.
روي أن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير رأى المهلب بن أبي صُفْرة يتبختر في
مُظْرَف(١) خَزٍّ، وجُبَّة خَزّ، فقال له: يا عبد الله، ما هذه المِشْية التي يبغضها
الله؟ فقال له: أتعرفني؟ قال: نعم، أولُك نُطفة مَذِرةٍ(٢)، وآخرك جيفة قَذِرة،
وأنت فيما بين ذلك تحمل العَذِرة، فمضى المهلب وترك مشيته.
٤ - أقسم الله لإثبات البعث والرد على المشركين المنكرين له بمشارق
الشمس ومغاربها على أنه قادر على إهلاكهم والذهاب بهم، والمجيء بخير منهم
(١) المطرف: واحد المطارف: وهي أردية من خز مربعة لها أعلام.
(٢) مذرة: فاسدة.

١٤٢
الجُرُ (٢٩) - المعلاةِ: ٧٠ / ٣٦-٤٤
في الفضل والطوع والمال، لا يفوته شيء، ولا يعجزه أمر يريده، ولم يقع
التبديل، وإنما هدد تعالى القوم بذلك ليؤمنوا.
ه - أوعد الله تعالى المشركين وهددهم بعذاب القيامة، آمراً نبيه عليه
السلام أن يتركهم يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم، على جهة الوعيد،
وأن يشتغل بما أُمر به، ولا يهمه شركهم، فإن لهم يوماً يلقون فيه ما وُعِدوا.
٩ - وصف الله حال المشركين يوم البعث بأنهم حين يسمعون الصيحة
الآخرة إلى إجابة الداعي يخرجون مسرعين من القبور، كأنهم كما كانوا في
الدنيا يسرعون ويتسابقون إلى النُّصُب: أي ما نُصب فعبد من دون الله.
ووصفهم أيضاً بأن أبصارهم تكون ذليلة خاضعة، لا يرفعونها لما يتوقعونه
من عذاب الله، وتغشاهم مذلة وهوان.
لاً - إن هذا اليوم وهو يوم القيامة الذي يكون فيه الكفار على تلك
الأوصاف هو اليوم الذي كانوا يوعدونه في الدنيا أن لهم فيه العذاب، ووعد
الله آتٍ لا محالة.

١٤٣
الجُزُ (٢٩) السورة (٧١) نورج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ نوج
مڪية، وهي ثمانٍ وعشرون آية
تسميتها:
سميت سورة نوح باسم نبي الله نوح عليه السلام وقصته مع قومه من بداية
دعوته إلى الطوفان، كما جاء في مطلع السورة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾.
مناسبتها لما قبلها:
هناك وجهان لاتصال هذه السورة بما قبلها :
ا - تشابه مطلع السورتين في ذكر العذاب الذي وعد به الكفار: قوم محمد
وَل* في سورة المعارج، وقوم نوح عليه السلام في هذه السورة.
أَ - لما قال تعالى في أواخر المعارج: ﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ، عَلَى أَنْ تُبَيِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾
[٤١] عقبه بقصة نوح المشتملة على إغراق قومه إلا من آمن، وتبديلهم بمن
هم خير منهم، فوقعت موقع الاستدلال وإثبات خبر القدرة على التبديل، كما
وقعت قصة أصحاب الجنة في سورة ﴿ت﴾ موقع الاستدلال على ما ختم به
﴿تَبَرَكَ﴾.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة كغيرها من السور المكية التي عنيت بغرس أصول العقيدة،

١٤٤
الُعُ (٢٩) السورة (٧١) نوع
وتبيان عناصر الإيمان، من عبادة الله وطاعته، وإبطال عبادة الأصنام
والأوثان، والاستدلال على وجود الله ووحدانيته وقدرته.
افتتحت السورة ببيان إرسال الله تعالى نوحاً إلى قومه، وقيامه بإنذارهم
ومطالبتهم بالإقلاع عن ذنوبهم، ليغفر الله لهم، وليمدهم بالأموال والبنين،
وليجعل لهم جنات، يفجر فيها الأنهار، ولكنهم أبوا دعوته، وأمعنوا في
الضلال والعصيان: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
[الآيات ١- ١٤].
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
ثم أمرهم تعالى للاستدلال على وجوده ووحدانيته وقدرته والإقبال على
طاعته وتعرف نعمه بالنظر في خلق السماوات والأرض، والتأمل في خلق
الإنسان، وفيما أنعم به على الناس من تذليل الأرض وتسخيرها للنفع،
وإيداع الكنوز والمعادن فيها، والتنقل في نواحيها، وسلوك السبل الواسعة
إلى قوله: ﴿لِتَسْلُكُواْ
فيها: ﴿أَلَمَّ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ◌َّـ
[الآيات: ١٥ - ٢٠].
مِنْهَا سُبُلًا فِيجَاجًا لـ
وختمت السورة ببيان كفر قومه وإصرارهم على عبادة الأصنام، وعقابهم
في الدنيا والآخرة، ودعاء نوح عليه السلام على قومه بالهلاك والدمار بعد
جهاد طويل في الدعوة دام تسع مئة وخمسين سنة، دون أن يقلعوا عن الشرك،
ولم ينتفعوا بالإنذار والتذكير: ﴿قَالَ نُحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ
[الآيات: ٢١-٢٨].
اغْفِرْ لى وَلَوَلِدَىّ

١٤٥
لُرُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ١-٤
إرسال نوح عليه السلام إلى قومه
﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، أَنْ أَنْذِرُ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ
يَغْفِرْ لَكُمْ
٣
قَالَ يَقَوْمِ إِنِّ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينُّ ◌َ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَجَلِ فُسَمِّىَّ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَ لَا يُؤَخَّرٌّ لَوْ كُمْ
٤
تَعْلَمُونَ
القراءات:
﴿أَنِ أَعْبُدُواْ﴾ :
كسر النون وصلاً: أبو عمرو، وعاصم، وحمزة. وضمها الباقون.
﴿ وَيُؤَخِزَكُمْ﴾، ﴿لَا يُؤَخٍّّ﴾ :
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (ويوخركم، لا يوخر).
الإعراب:
﴿أَنْ أَنَذِرْ قَوْمَكَ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما مفسرة بمعنى (أي) لتضمن الإرسال معنى
القول، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وإما في موضع نصب بتقدير
حذف حرف الجر، أي بأن أنذر.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ أَنَذِرُ﴾ أي بأن أنذر، أو بإنذار. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ﴾ إن لم يؤمنوا.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم، في الدنيا بالطوفان، وفي الآخرة بنار جهنم. ﴿ نَذِيرٌ مُينٌ﴾
بَيِّن الإنذار. ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ بأن اعبدوا الله. ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِّن﴾ زائدة،
فإن الإيمان يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد . ﴿وَيُؤَخِّزْكُمْ﴾

١٤٦
لدُعُ (٢٩) - نوج: ٧١ / ١-٤
بلا عذاب. ﴿أَجَلٍ مُسَتَّىَ﴾ أجل مقدر بوقت معلوم لا يتجاوزه، وهو أقصى
ما قدر لكم، وهو أجل الموت. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ إن الأجل الذي قدّره. ﴿إِذَا
جَاءَ﴾ على الوجه المقدر به أجلاً. ﴿لَا يُؤَخَّرُ﴾ فبادروا في أوقات الإمهال
والتأخير. ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك،
ولآمنتم. وفيه دلالة على أنهم لانهماكهم في حب الحياة العاجلة، كأنهم
شاكون في الموت.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّا أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، أَنْ أَنَذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(٤) أي إنا بعثنا نوحاً أول رسول أرسله الله إلى قومه، وقلنا له: أنذر
قومك بأس الله قبل أن يأتيهم عذاب شديد الألم، وهو عذاب النار، أو
الإغراق بالطوفان، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم.
﴿قَالَ يَقَوْمٍ إِّ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِئُ ﴾﴾ قال نوح لقومه: إني منذر من عقاب
الله ومخوِّف لكم، بيِّن الإنذار، واضح الإعلام، أبيِّن لكم ما فيه نجاتكم،
ومضمون الإنذار:
﴿أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ أي آمركم أن تعبدوا الله وحده لا
شريك له، وأن تؤدوا حقوقه، وتمتثلوا أوامره، وتجتنبوا ما يوقعكم في عذابه؛
وتطيعوني فيما آمركم به، فإني رسول إليكم من عند الله تبارك وتعالى.
والتقوى: امتثال الأوامر، واجتناب المحارم والمآثم.
والتكليف بهذه الأمور الثلاثة له ثمرتان:
﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىَّ﴾ أي يستر لكم بعض
ذنوبكم، ويسامحكم فيما فرط منكم من الزلّات، وبمد في أعماركم ويؤخر
موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدّره الله لكم، إن آمنتم وأطعتم، وهذا وعد

١٤٧
الُرُ (٢٩) - نؤريج: ٧١ / ١-٤
على العبادة والطاعة بشيئين: أحدهما - دفع مضار الآخرة: وهو غفران
الذنوب، والثاني - تحقيق منافع الدنيا، وهو تأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.
وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها
في العمر حقيقة، كما ورد في الحديث الذي رواه أبو يعلى عن أنس: ((صلة
الرحم تزيد في العمر)) . قال الزمخشري: قضى الله مثلاً أن قوم نوح إن آمنوا
عمّرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم، أهلكهم على رأس تسع مئة، فقيل
لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي إلى وقت سماه الله وضربه أمداً تنتهون
إليه، لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف(١).
﴿إِنَّ أَجَلَ اُللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرِّ لَوْ كُمْ نَعْلَمُونَ﴾ أي ما قدّره لكم إذا جاء،
وأنتم باقون على الكفر، لا يؤخر بل يقع لا محالة، فبادروا إلى الإيمان
والطاعة، لو كنتم تعلمون، لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر عن وقته.
والمعنى: إن الأجل حتمي لا يؤجل، ولكن له تعلقاً وارتباطاً بشيء آخر، ففي
حال الإيمان والطاعة يكون الأجل الأطول، ثم لا بدّ من الموت، وفي حال
الكفر والمعصية يكون الأجل الأقصر، ثم يكون الموت.
والعاقل هو الذي يبادر إلى الطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر تعالى
بالعقاب لا يرد ولا يمانع. وأضاف تعالى الأجل إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - أرسل الله تعالى رسوله نوحاً عليه السلام إلى قومه، لينذرهم ويخوفهم
إن أصروا على الكفر العذاب المؤلم وهو عذاب النار في الآخرة، وما نزل
(١) الكشاف: ٢٧٠/٣

١٤٨
الزُعُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ١-٤
عليهم من الطوفان في الدنيا. روى قتادة عن ابن عباس عن النبي وَّ قال:
((أول رسول أُرسِل نوح، وأرسل إلى جميع أهل الأرض)). فلذلك لما كفروا
أغرق الله أهل الأرض جميعاً.
٢ - امتثل نوح عليه السلام أمر ربه، فبلَّغ قومه رسالته قائلاً: يا قوم إني
لكم نذير واضح الإنذار، فمن عصى الله دخل النار، وآمركم أن توحدوا الله
وتعبدوه حق العبادة الخالصة له، وأن تخافوه، وأن تطيعوه فيما آمركم به،
فإني رسول الله إليكم. والأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من
أفعال القلوب وأفعال الجوارح. والأمر بالتقوى يتناول الزجر عن جميع
المحظورات والمكروهات، والطاعة تشمل إطاعة جميع المأمورات والمنهيات.
فإن التزمتم العبادة والخوف من الله والطاعة لأوامره، غفر لكم بعض
الذنوب، وهو ما لا يليق بحقوق المخلوقين، وينسئ في أعماركم. والمعنى: أن
الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا، بارك في أعمارهم، وإن لم
يؤمنوا عوجلوا بالعذاب.
٣ - إذا جاء الموت المحتم وقوعه لا يؤخر، بعذاب كان أو بغير عذاب. ولو
كنتم أيها الناس تعلمون، لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم يؤخّر. وهذا زجر
لهم عن حب الدنيا، والإعراض عن أحكام الدين أوامره ونواهيه.

١٤٩
الُعُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
مناجاة نوح ربه وشكواه إليه
وَإِنِی
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِي دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًا (٢َ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَدِىّ إِلَّا فِرَارًا
كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِيّ ◌َذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ
وَأُسْتَكْبَرُواْ أُسْتِكْبَارًا ﴿٣ ثُمَّ إِنِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٩) ثُمَّ إِّيَّ أَعْلَنَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَمْ
يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
إِسْرَارًا
وَيُمْدِدَّكُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا ﴿ مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ
لِلَّهِ وَقَارًا
﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (٨٤٦ أَمَ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا
١۵
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُرِّ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ اْلْأَرْضِ
سَاتًا
ثُمَّ يُعِيذَكُمْ فِهَا وَيُخرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
١٩
لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
القراءات:
﴿دُعَاءِىّ إِلَّ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (دعائيَ إلا).
﴿إِنَّّ أَعْلَتُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أعلنت).
الإعراب:
جِهَارًا﴾ منصوب على المصدر بـ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ لأن الجهار أحد نوعي
الدعاء، فنصب به، مثل قعدت القرفصاء، أو صفة لمصدر دعا أي دعاء
جهاراً، أو حال، أي مجاهراً.

١٥٠
الزُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾﴾ ﴿يُرْسِلٍ﴾: مجزوم لأنه جواب الأمر،
بتقدير إن، أي إن تستغفروا ربكم يرسل السماء عليكم مدراراً. و﴿ مِّدْرَارًا﴾:
حال من السماء، ولم تؤنث مدراراً؛ لأن مفعال في المؤنث يكون بغير تاء،
مثل: امرأة معطار ومذكار ومئناث؛ لأنها في معنى النسب، كقولهم: امرأة
طالق وحائض وطامث، أي ذات طلاق وحيض وطمث . ﴿أَطْوَارًا﴾ في موضع
الحال.
﴿طِبَاقًا﴾ إما صفة لـ (سَبْعَ﴾ أو منصوب على المصدر. ﴿وَجَعَلَ اُلْقَمَرَ
فِيهِنَ﴾ أي في إحداهن.
(1) ﴿نَبَاتًا﴾: منصوب على المصدر،
﴿وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا
والعامل فيه إما مقدر، تقديره: والله أنبتكم من الأرض فنبتم نباتاً، أو يكون
مصدر ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ على حذف الزائد.
البلاغة:
﴿لَيْلًا﴾ و﴿وَنَهَرًا﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿جِهَارًا﴾ و﴿إِسْرَارًا﴾ وبين
﴿أَعْلَنَتُ﴾ و﴿وَأَسْرَرْتُ﴾ وبين ﴿يُعِيذُكُمْ﴾ و﴿ وَيُخْرِجُكُمْ﴾.
جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِىَ ءَذَانِهِمْ﴾ مجاز مرسل، إذ المراد رؤوس أصابعهم، من
إطلاق الكل وإرادة الجزء.
﴿وَاَللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (٣)﴾ استعارة تبعية في ﴿أَنْبَّكُمْ﴾ شبه
إنشاءهم وخلقهم أطواراً بالنبات الذي ينمو تدريجياً.
﴿وَأَسْتَكْبَرُواْ أُسْتِكْبَارًا﴾ ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ذكر
المصدر للتأكيد، وهو ما يسمى بالإطناب. وبين ﴿يُعِيذُكُمْ﴾ و﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾
طباق.

١٥١
الجُرُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
﴿مِّدْرَارًا﴾، ﴿أَنْهَرًا﴾، ﴿وَقَارًا﴾، ﴿أَطْوَارًا﴾ إلخ سجع مرصع مراعاة
لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿دَعَوْتُ قَوْمِى﴾ أي إلى الإيمان. ﴿لَيْلًا وَنَهَرًا﴾ أي دائماً متصلاً. ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾
هرباً عن الإيمان والطاعة وتفلتاً منهما . ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْنُهُمْ﴾ إلى الإيمان
والطاعة. ﴿جَعَلُوْ أَصَبِعَهُمْ فِيَ ءَاذَانِهِمْ﴾ سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة.
﴿ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ﴾ تغطوا بها لئلا يروني كراهة النظر إلي. والتعبير بصيغة
الدعوة أو الطلب للمبالغة. ﴿وَأَصَرُّواْ﴾ وأكبوا على الكفر والمعاصي.
﴿ وَأُسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان واتباعي. ﴿أَسْتِكْبَارًا﴾ عظيماً.
(جِهَارًا﴾ بأعلى صوتي. ﴿أَعْلَنَتُ﴾ صوتي. ﴿وَأَسْرَرْتُ﴾ الكلام، أي
دعوتهم مرة بعد أخرى، وكرة بعد أولى، على أي وجه أمكنني. وكلمة .
لتفاوت الوجوه والتفنن في الأسلوب والدعوة. ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ اطلبوا
المغفرة من الكفر أو الشرك، بالتوبة من ذلك. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ للتائبين.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ أي المطر، وكان قد حبس الله عنهم المطر أربعين سنة،
وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه،
ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء . ﴿مِّدْرَارًا﴾ غزيراً متتابعاً كثير الدرور.
﴿جَنَتٍ﴾ بساتين. ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ﴾ لا تخافون أو لا تأملون. ﴿وَقَارًا﴾
عظمة وإجلالاً وتوقيراً، والمعنى على قوله: ((لا تأملون)): ما لكم لا تكونون
على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب. وإنما عبر عن الاعتقاد
بالرجاء المشتمل على أدنى الظن مبالغة. ﴿أَطْوَارًا﴾ جمع طور أي أحوالاً
وهيئات وعلى مراحل وأدوار في النمو والخلقة، كأنه قال: ما لكم لا تؤمنون
بالله، والحال هذه، وهي حال موجبة للإيمان به؟! خلقكم أولاً من تراب، ثم
من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم خلق العظام واللحم، ثم أنشأكم
خلقاً آخر، من طفولة، فشباب، فكهولة.

١٥٢
الجزء (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
﴿أَلَمَ تَرَوْأ﴾ تنظروا. ﴿طِبَاقًا﴾ متطابقة، بعضها فوق بعض. ﴿ وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ
فِهِنَ﴾ أي في السماوات، وهو في السماء الدنيا. ﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ أي
كالسراج وهو المصباح المضيء الذي يزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض. ﴿ وَاللَّهُ
أَنْبَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (٣)﴾ أي خلقكم وأنشأكم من الأرض إنشاء، إذ خلق
أباكم آدم منها، فاستعير الإنبات للإنشاء؛ لأنه أدل على الحدوث والتكون من
الأرض. ﴿ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيَهَا﴾ مقبورين. ﴿وَنُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ بالبعث والحشر،
وأكده بالمصدر، كما أكّد به قوله: ﴿أَنْبَكُمْ﴾ للدلالة على أن الإعادة محققة
كالبدء، وأنها تكون لا محالة.
﴿بِسَاطًا﴾ ممهدة منبسطة كالبساط، تتقلبون عليها، ﴿فِجَاجًا﴾ واسعة،
جمع فج.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى عن إرسال نوح عليه السلام إلى قومه، وامتثاله أمر
ربه، ذكر مناجاته لربه وشكواه إليه، أنه دعاهم وأنذرهم، فعصوه وتمردوا
عليه، بالرغم من تغيير أساليب الدعوة، والوعد بإنزال الأمطار، والإمداد
بالأموال والبنين، وتخصيص الجنات والأنهار، وبالرغم من إقامة الأدلة على
عظمة الله وقدرته، من خلق الإنسان على أطوار، وخلق السماوات السبع
الطباق، وتزيينها بالشمس والقمر، وجعل الأرض ممهدة كالبساط.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى أنواع الشكوى من نوح عليه السلام على قومه، فقال:
- ﴿ قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوِْى لَيْلًا وَهَرًّا ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِىّ إِلَّا فِرَارًا ﴾﴾ أي
قال نوح مشتكياً إلى ربه عز وجل ما لقي من قومه وما صبر عليهم في مدة
طويلة هي ألف سنة إلا خمسين عاماً: إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن

١٥٣
الزرع (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
أدعوهم إليه من الإيمان، دعاء دائماً متصلاً في الليل والنهار، من غير تقصير،
امتثالاً لأمرك وابتغاء لطاعتك، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً مِمّا دعوتهم إليه،
وبعداً عنه، أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق، فرُّوا منه، وحادوا عنه. ثم
ذكر أنهم عاملوه بأشياء:
- ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا (٣)﴾ أي وكلما دعوتهم إلى سبب المغفرة،
وهو الإيمان بك، والطاعة لك، سدّوا آذانهم برؤوس أصابعهم، لئلا يسمعوا
ما أدعوهم إليه، وغطوا بثيابهم وجوههم لئلا يروني، ولئلا يسمعوا كلامي،
واستمروا على الكفر والشرك العظيم، واستكبروا عن قبول الحق استكباراً
شديداً، أي استنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له.
- ﴿ثُمَّ إِِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿َ ثُمَّ إِّ أَعْلَنَتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا
٩
أي إنني نوّعت أساليب الدعوة، فدعوتهم إلى الإيمان والطاعة جهرة بين
الناس، أي مجاهراً لهم بها، ثم جمعت في الدعوة بين الإعلان بها والإسرار.
والمراد بالآيات أنه كان لدعوته ثلاث مراتب:
بدأ بالمناصحة في السر ليلاً ونهاراً، ففروا منه.
ثم ثنّى بالمجاهرة؛ لأن النصح بين الملأ تقريع وتغليظ، فلم يؤثر.
ثم جمع بين الأمرين: الإسرار والإعلان، كما يفعل المجتهد المتحير في
التدبير فلم ينفع. ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الدلالة على تباعد الأحوال، وتفاوت درجة
الأسلوب، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من
إفراد أحدهما.
وهذا مشابه لمراحل الدعوة التي قام بها النبي ◌َّ في مكة وجزيرة العرب،
فكان موقف كفار قريش مماثلاً لموقف قوم نوح: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا
تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (®َ﴾
[فصلت: ٢٦/٤١] .

١٥٤
الجزء (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
ثم فسر الدعوة وأبان مضمونها بقوله:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (٣)﴾ أي فقلت لهؤلاء القوم: سلوا
ربكم غفران ذنوبكم السابقة بإخلاص النية، وتوبوا إلى الله من الكفر
والمعاصي، إن ربكم الذي خلقكم وربَّاكم كثير المغفرة للمذنبين.
وفيه دلالة على أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء، لأن الفقر
والقحط والآلام والمخاوف بشؤم المعاصي، فإذا تابوا واستغفروا، زال الشؤم
والبلاء، وعاد الخير والنماء.
ثم وعدهم على التوبة من الكفر والمعاصي بخمسة أشياء، فقال:
١ - ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُ مِّدْرَارًا ﴿ وَيُعْدِدَكُ بِأَمْوَلِ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتِ
وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا (٣)﴾ أي إن استغفرتم ربكم يرسل المطر عليكم متتابعاً، كثير
الدرور والغزارة، فيكثر الخير والخصب والغلال والثمار، ويعم الرخاء
والاطمئنان والسعادة والاستقرار، ويمددكم بالأموال الكثيرة ويعطكم
الخيرات الوفيرة، ويكثر لكم الذرية والأولاد بسبب الأمن والرفاه والشعور
بالاستقرار والسعادة، ويجعل لكم البساتين النضرة الخضراء العامرة
بالأشجار والثمار والفواكه، ويجعل لكم أنهاراً جارية بالماء العذب، التي
يكثر بها الزرع والثمر والغلة.
وهذا دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع
الأرزاق، لذا كان مأموراً به في صلاة الاستسقاء، كما أن الآية تدل على أن
الإيمان بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة، الخصب والغنى في الدنيا.
وبعد الدعوة بالترغيب، وبخهم ولجأ إلى الدعوة بالترهيب قائلاً:
٢ - ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾﴾ أي ما لكم لا
تخافون عظمة الله، فتوحدوه وتطيعوه، في حين أنه هو الذي خلقكم على

١٥٥
المُرُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
أطوار مختلفة، بدءاً من النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام فاللحم، ثم
تمام الخلق وإنشائكم خلقاً آخر، تمرون في دور الطفولة، ثم الشباب، ثم
الكهولة، ثم الشيخوخة، فكيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه
الأطوار البديعة؟
لكن لم يجز الرازي تفسير الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء في اللغة ضدّ
الخوف، ورجح تفسير الزمخشري، وهو: ما لكم لا تأملون لله توقيراً أي
تعظيماً، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم.
و﴿لِلَّهِ﴾ بيان للموقر.
وهذا دليل على وجود الله سبحانه ووحدانيته، معتمد على النظر في النفس
الإنسانية، ثم أتبعه بدليل آخر من العالم العلوي، فقال:
٣ - ﴿أَمْ تَرَوْأْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَ نُورًا
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (٨)﴾ أي ألم تنظروا فوقكم كيف خلق السماوات السبع
المتطابقة بعضها فوق بعض، وجعل القمر في السماوات، وهو في السماء
الدنيا منهن، منوِّراً لوجه الأرض، لا حرارة فيه، وجعل الشمس كالمصباح
المضيء الذي يزيل ظلمة الليل، وينشر الحرارة والضياء.
وقدر للقمر منازل وبروجاً تدل على مضي الشهور، وتدل الشمس على
مرور السنين كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اْلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
[يونس: ١٠ /٥].
۵
يُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
ثم ذكر الله تعالى دليلاً من العالم الأرض السفلي، فقال:
٤ - ﴿وَاللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ اْلْأَرْضِ نَبَانًا (٣) ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا
(4) أي والله أوجد أباكم آدم من التراب، وجعله ينمو ويكبر كالنبات،

١٥٦
الجزء (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
وجعل نموكم معتمداً على الغذاء من نتاج الأرض، وتحولها إلى نبات أو
حيوان، ثم يعيدكم في الأرض، تموتون، وتتحلل أجزاؤكم، حتى تعود تراباً
مندمجاً في الأرض، ثم يخرجكم أحياء منها بالبعث يوم القيامة، إخراجاً دفعة
واحدة، لا إنباتاً بالتدرّج كالمرة الأولى. قال الزمخشري: استعير الإنبات
للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.
لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
٥ - ﴿ وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (٦)
٢٠
أي ومن نعمه تعالى على الإنسان أنه جعل لكم الأرض ممهدة كالبساط،
وثبّتها بالجبال، وجعلكم تتقلبون في أنحائها بحثاً عن الرزق، وأوجد لكم طرقاً
واسعة بين الجبال وفي الوديان والسهول.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - استمر نوح عليه السلام في دعوة قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له
طوال ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يفتر ولم يكلّ ولم يملّ ليلاً ونهاراً، سراً
وجهراً، امتثالاً لأمر الله وابتغاءً لطاعته. ولكنهم بالرغم من هذه المدة الطويلة
لم تزدهم دعوته للاقتراب من الحق إلا تباعداً عن الإيمان.
أَ - ذكر الرازي أن آية: ﴿إِنِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهاًا﴾ من الآيات الدالة على
أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره.
◌َّ - صور الله تعالى نفور قوم نوح من دعوته إلى العبادة والتقوى والطاعة،
لأجل أن يغفر الله لهم بصورة مادية محسوسة، وهي أنه كلما دعاهم إلى سبب
المغفرة، وهو الإيمان بالله والطاعة له، سدّوا منافذ أسماعهم، لئلا يسمعوا
دعاءه وطلبه، وغطّوا بثيابهم وجوههم لئلا يروه، واستكبروا عن قبول الحق
استكباراً عظيماً. وهذا دليل على وجود الحجاب الكثيف، والغطرسة النفسية

1
١٥٧
الُرُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
عن سماع دعوة الحق، وتلك مبالغة تتفق مع أوضاعهم، فإنهم إذا جعلوا
أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم مع ذلك، صار المانع من السماع أقوى.
٤ - سلك نوح عليه السلام في دعوة قومه إلى التوحيد وطاعة الله تعالى
مراتب ثلاثاً: فبدأ بالمناصحة سراً، ثم ثنى بالمجاهرة، ثم جمع بين الإعلان
والإسرار، وتلك سياسة ناجحة، وأسلوب ناجع استنفد فيه كل جهوده، إذا
توافر التجاوب مع الدعوة، والتفاعل مع كلام الداعية.
- إن الاشتغال بطاعة الله سبب يوجب زيادة البركة والنماء، وانفتاح
أبواب الخيرات، وإدرار الأمطار، وزيادة الغلال، ووفرة الثمار، وقد
وعدهم الله على الطاعة بخمسة أشياء: إنزال المطر، والإمداد بالأموال،
والبنين، وجعل الجنات (البساتين)، وجعل الأنهار.
عن الحسن البصري رحمه الله: أن رجلاً شكا إليه الجدب، فقال: استغفر
الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم
كلهم بالاستغفار، فقال له بعض القوم: أتاك رجال يشكون إليك أنواعاً من
الحاجة، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا له الآية: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ
كَانَ غَفَارًا
ويلاحظ أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة، لذا أطمعهم نوح
بالخيرات في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ غَرِيبٌ﴾
[الصف: ١٣/٦١].
أَ - آية الاستغفار هذه دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار.
قال الشعبي: خرج عمر يستسقي، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع،
فأمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت بمجاديح(١)
(١) المجاديح: جمع مجدح: وهو نجم من النجوم، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر،
فجعل الاستغفار مشبهاً بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفونه، لا قولاً بالأنواء. وجاء بلفظ الجمع
ليشمل جميع الأنواء التي يزعمون أن من شأنها المطر.

١٥٨
لُرُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٥-٢٠
السماء التي يستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: ﴿ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُ مِّدْرَارًا
٧ - رغّبهم نوح بالعبادة والطاعة، فقال: ما لكم لا تخافون لله عظمة
وقدرة على أحدكم بالعقوبة؟ أي فلا عذر لكم في ترك الخوف من الله، وقد
جعل لكم في أنفسكم آية دالة على توحيده. ثم هددهم ووبخهم بالعذاب إن
أعرضوا عن دعوته، ثم استدل على وجود الله ووجوب طاعته بما يأتي.
٨ - أقام نوح عليه السلام الدليل على وجود الله وتوحيده وقدرته وعظمته
بالنظر في النفس البشرية، والعالم العلوي من السماوات والشموس
والأقمار، والعالم السفلي من التذكير بكنوز الأرض وخيراتها من معادن
ونباتات وحيوانات.
فالله سبحانه هو الذي خلق الإنسان في الأصل من التراب، ثم جعل سبب
بقاء نوع الإنسان بالتزاوج والتوالد، والعناية بالإنسان في أطوار حياته.
والله هو الذي خلق السماوات السبع المتطابقة بعضها فوق بعض، كل
سماء مطبقة على الأخرى كالقباب، وجعل القمر نوراً منيراً في سماء الدنيا،
والشمس مصباحاً مضيئاً لأهل الأرض، للتمكن من العمل والتصرف من
أجل المعايش.
وكما خلق آدم من أديم الأرض كلها، وتناسلت ذريته من بعده، يعيد الله
الناس إلى الأرض موتى بالدفن في القبور، ثم يخرجهم منها بالنشور للبعث يوم
القيامة. والعودة إلى دلائل الأنفس هنا كالتفسير لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ .
والله سبحانه جعل لعباده الأرض مبسوطة، لسلوك الطرق الواسعة الميسرة
فيها.
وقد بدأ هنا بدلائل الأنفس؛ لأن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه، وقد
يبدأ بدلائل الآفاق؛ لأنها أبهر وأعظم.

١٥٩
الزُُّ (٢٩) - توزيع: ٧١ / ٢١-٢٨
والخلاصة: أورد الله تعالى على لسان نوح عليه السلام أربعة أدلة على
التوحيد: الأول - ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾﴾ والثاني - خلق السماوات
والشمس والقمر، والثالث - الإنبات من الأرض، والرابع - جعل الأرض.
منبسطة ذات طرق واسعة.
أنواع من قبائح قوم نوح وأقوالهم وأفعالهم
﴿قَالَ نُحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا
٢١
وَقَالُوْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ
وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (َّ
مِّمَّا
وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا نَزِدِ الظَِّينَ إِلَّ ضَلَلًا (٦َ)
وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
خَطِيَِّمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (﴿ وَقَالَ نُعُ رَّبِّ
لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَبَّارًا ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوَّأَ
إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴿ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الَِّينَ إِلَّا نَبَارًا
٢٨
القراءات:
﴿ وَوَلَدُهُنْ﴾: قرئ:
١- (وَوُلْده) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي.
٢- (وَوَلَده) وهي قراءة الباقين.
وقرأ نافع (وُدّاً).
﴿خَطِيَِمْ﴾:

١٦٠
لُهُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨
وقرأ أبو عمرو (خطاياهم).
﴿يَسْتِ﴾:
قرأ حفص (بيتي) وقرأ الباقون (بيتي).
الإعراب:
﴿ مَن لَّْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ: إِلَّا خَسَارًا﴾ ﴿وَوَلَدُهُ﴾ مفرد، وقرئ: (وُلْده) بضم
الواو وسكون اللام إما جمع (ولد) أو لغة في (ولد) كنُحل ونَحْل، وحُزْن.
وحَزَن، وسُقْم وسَقَم.
﴿وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ﴾ ممنوعان من الصرف للتعريف ووزن الفعل.
﴿لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ ديار: فيعال، من (دار يدور)
وأصله: (دَيْوار) فاجتمعت الياء والواو، والسابق منهما ساكن، فقلبت الواو
ياء، وجعلتا ياء مشددة، ولا يجوز أن يكون (فعّالاً) لأنه لو كان (فعّالاً)
لوجب أن يقال (دوّار) فلما قيل (ديّار) دلّ على أنه (فيعال) لا (فعَّال).
البلاغة:
﴿ وَقَالُوْ لَ نَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَ سُوَاعًا﴾ إلخ فيها ذكر الخاص بعد
العام. وعكسه ذكر العام بعد الخاص في قوله تعالى: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ
وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ وكلاهما من باب الإطناب.
المفردات اللغوية:
﴿عَصَوْنِ﴾ فيما أمرتهم به. ﴿وَأَّبَعُواْ﴾ أي مجموع القوم الأدنياء. ﴿مَن لَّْ
يَزِدَّهُ مَالُ وَوَلَدُهُ﴾ وهم الرؤساء أو القادة المنعم عليهم بذلك. ﴿ إِلَّا خَسَارًا﴾
خسراناً في الآخرة.﴿وَمَكَرُواْ﴾ أي الرؤساء، عطف على ﴿مَن لَّمْ يَزِدْهُ﴾
والضمير لمن جمعه للمعنى . ﴿كُبَّارًا﴾ كبيراً في الغاية، عظيماً جداً؛ لأنهم
كذبوا نوحاً وآذوه ومن اتبعه.