النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الزُعُ (٢٩) - المعراجِ: ٧٠ /١-١٨
﴾ أي لا استعجال ولا جزع فيه، ولا اضطراب
﴿فَأَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
۵
قلب، والكلام متعلق بـ ﴿سَأَلَ﴾ لأن السؤال كان استهزاءً أو تعنتاً، وذلك
مما يضجره، والمعنى: قرب وقوع العذاب، فاصبر، فقد اقترب موعد
الانتقام . ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يرون العذاب أو يوم القيامة. ﴿بَعِيدًا﴾ من الإمكان،
قريباً من الوقوع.﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ﴾ ظرف
غير واقع. ﴿وَرَهُ قَرِيبًا ﴾﴾
لكلمة ﴿قَريبًا﴾ أو متعلق بمحذوف تقديره: يقع. ﴿كَالمُهْلِ﴾ هو مائع الزيت،
أو دردي الزيت (ما يكون في قعر الإناء) أو هو مائع الفلزات (المعادن)
المذابة، كذائب الفضة. ﴿كَأَلْعِهْنِ﴾ كالصوف المنفوش أو المندوف، أو
قريب قريبه،
ج
كالصوف المصبوغ ألواناً.﴿ وَلَا يَسْثَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
الاشتغال كل واحد بحاله، فالحميم: القريب. ﴿يُصَّرُونَهُمْ﴾ أي ينظر المؤمنون
إلى الكافرين في النار. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ يتمنى الكافر أو المذنب . ﴿لَوْ يَفْتَدِى﴾
أي يفتدي. ﴿وَصَحِبَتِهِ،﴾ زوجته. ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ عشيرته، لفصله منها . ﴿تْوِيِهِ﴾
تضمه ويأوي إليها. وهو دليل على اشتغال كل مجرم بنفسه، بحيث يتمنى أن
يفتدي بأقرب الناس وأعلمهم بقلبه، فضلاً عن أن يهتم بحاله ويسأل عنها.
﴿وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ من الثقلين أو الخلائق. ﴿ثُمَّ يُنُجِبِهِ﴾ عطف على
﴿يَفْتَدِى﴾ أي ثم لو ينجيه الافتداء، وثم للاستبعاد.
كَلَّ﴾ ردع للمجرم، وردّ لما يودّه، فهي كلمة تفيد الزجر عما يطلب.
﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ أي إن النار هي النار الملتهبة أو جهنم؛ لأنها تتلظى، أي تتلهب
على الكفار . ﴿لِّلِشَوَى﴾ أعضاء الإنسان، أو جلدة الرأس، تنتزعها، ثم تعود
إلى ما كانت عليه. ﴿تَدْعُواْ﴾ تجذب وتحضر. ﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ عن الإيمان والحق.
﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الطاعة. ﴿وَجَمَعَ﴾ المال. ﴿فَأَوْعَ﴾ جعله في وعاء، وكنزه حرصاً
وتأميلاً، ولم يؤدّ حق الله فيه.

١٢٢
الجُزءُ (٢٩) - المُغَرِجْ: ٧٠ /١-١٨
سبب النزول:
نزول الآيتين (٢،١):
أخرج النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾
قال: هو النضر بن الحارث، قال: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ
عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨]. وأخرج ابن أبي
حاتم عن السُّدي في قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ قال: نزلت بمكة في النضر بن
الحارث، وقد قال: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية.
وكان عذابه يوم بدر. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: نزلت ﴿سَأَلَ سَآِلٌ
فقال الناس: على من يقع العذاب؟ فأنزل الله: ﴿لِلْكَفِرِينَ
بِعَذَادٍ وَاقِعٍ اَ
لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ
التفسير والبيان:
لِّلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾﴾ أي دعا داعٍ
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَادٍ وَاقِعٍ (٦)
وطالب بعذاب واقع بلا شك، يقع في الآخرة، كائن للكافرين، نازل بهم،
لا يمنع ذلك العذاب الواقع أحد إذا أراده الله. والسؤال للاستهزاء والتعنت.
والسائل: هو النضر بن الحارث بن كَلْدة أو غيره حين قالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا
بِعَذَادٍ، أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨].
﴿مِّنَ اْللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ (٣)﴾ أي واقع من جهة الله سبحانه ذي المصاعد
التي تصعد فيها الملائكة، قال ابن عباس: ﴿ذِى الْمَعَارِجِ﴾: أي ذي
السماوات، وسماها معارج؛ لأن الملائكة يعرجون فيها. وقال قتادة: ذي
الفواضل والنعم؛ وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب، وهي تصل إلى
الناس على مراتب مختلفة.

١٢٣
للجُعُ (٢٩) - المُغَرِجْ: ٧٠ /١-١٨
والمراد: أن العذاب الذي طالب به الكفار واستعجلوه واقع بلا شك.
﴿تَعْرُجُ اٌلْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
أي تصعد إلى الله عزّ وجلّ في تلك المعارج الملائكة وجبريل عليهم السلام في
مدة يوم يقدّر بخمسين ألف سنة من سنوات الدنيا لو أراد البشر الصعود
إليها، ولكن الملائكة الروحانيين تصعد إليها في زمن قليل. وليس المراد من
الخمسين التحديد بعدد معين، بل المقصود الكثرة المطلقة، وأن صعود الملائكة
في مكان بعيد المدة. وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ إلى عرشه أو حكمه، أو إلى حيث تهبط
أوامره، أو إلى مواضع العزّ والكرامة، وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ في رأي الأكثرين
متعلق بقوله: ﴿تَعْرُجُ﴾ أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم، بقصد وصف
اليوم بالطول مطلقاً.
والمراد باليوم في رأي آخر، وهو قول ابن عباس والحسن البصري: هو يوم
القيامة تهويلاً وتخويفاً للكفار، والمراد أن موقفهم للحساب، حتى يفصل بين
الناس، خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم يستقر أهل النار في دركات
النيران. وسبب الربط بين سؤال العذاب وبين عروج الملائكة: المقارنة بين
اليوم في نظرهم وبين اليوم عند الله، فهم يرون الدنيا طويلة الأمد، وأما عند
الله فالدنيا قصيرة إذا قيست باليوم عند الله.
والجمع بين هذه الآية وبين آية السجدة: ﴿فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ
سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥/٣٢] أن القيامة مواقف ومواطن، فيها خمسون موطناً، كل
موطن ألف سنة.
وهذا إنما يكون في حق الكافر، أما في حق المؤمن فلا؛ لقوله تعالى:
[الفرقان: ٢٤/٢٥]،
٢٤
﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
واتفقوا على أن ذلك المقيل والمستقر هو الجنة، ولما أخرجه الإمام أحمد وابن
جرير عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله، ما أطولَ هذا اليوم؟!
٤

١٢٤
الُعُ (٢٩) - المعززة: ٧٠ /١-١٨
فقال ◌َله: ((والذي نفسي بيده، إنه ليخفّف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه
من صلاة مكتوبة، يصليها في الدنيا)) .
﴿فَأَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (2) أي لا تأبه يا محمد بسؤالهم العذاب استهزاءً
وتعتُّاً وتكذيباً بالوحي، ولا تضجر، واحلُم على تكذيبهم لك، وكفرهم بما
جئت به، واستعجالهم العذاب استبعاداً لوقوعه، واصبر صبراً جميلاً: لا
جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله، وهذا معنى الصبر الجميل.
وَذَهُ قَيِبًا (٣) أي إنهم يرون وقوع العذاب
﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
بعيداً، وقيام الساعة في اعتقاد الكفرة مستحيل الوقوع، ويرون أيضاً يوم
القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة مستبعداً محالاً، ونحن نعلمه كائناً قريباً
ممكناً غير متعذر؛ لأن كل ما هو آتٍ قريب.
ثم ذكر الله تعالى بعض أوصاف ومظاهر ذلك اليوم، فقال:
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَلْعِهْنِ ﴿ وَلَا يَسْئَلُ حَمِيدٌ
٨
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَمُهْلِ
حَمِيمًا (6) أي إن يوم القيامة ذلك اليوم الذي تصير السماء فيه كعكر
(دُرْدِيّ) الزيت، أو المذاب من النحاس، والرصاص، والفضة، أي تكون
السماء واهية غير متماسكة الأجزاء، مبددة، وتكون الجبال كالصوف
المنفوش إذا طيَّرته الريح؛ ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه أو حاله في ذلك
اليوم، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره، لما يرى من شدة
الأهوال.
وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ
يُصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِدٍ بِبَنِیهِ
١٢
﴾ أي يبصر كل
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُوِيِ ﴿ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُجِيهِ
حميم حميمه ويراه، ويعرّفه، لا يخفى منهم أحد عن أحد، دون أن يكلم
بعضهم بعضاً، ويتمنى الكافر وكل مذنب ذنباً يستحق به النار أن يفتدي نفسه
من عذاب يوم القيامة الذي نزل به، بأعز ما يجده من المال أو بأعز الناس

١٢٥
لُعُ (٢٩) - المغَّةِ: ٧٠ /١-١٨
وأكرمهم لديه، من أولاده وإخوته وزوجته، وقبيلته وعشيرته الأقربين الذين
ينتمي إليهم في النسب، أو يضمونه عند الشدائد، ويأوي إليهم، وينصرونه،
بل يودّ المجرم لو افتدى بمن في الأرض جميعاً من الثقلين وغيرهما من الخلائق،
ولا يقبل منه الفداء، ولا ينجيه الافتداء من عذاب جهنم، ولو جاء بأهل
الأرض.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى
وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ [لقمان:
٣٣/٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْنٌَ﴾ [فاطر: ١٨/٣٥]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَآَ
[المؤمنون: ١٠١/٢٣]، وقوله عزّ
١٠١
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ
لِكُلّ آمْرِيٍ
وَصَحِبَنِهِ، وَبِهِ
٣٥
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٤
وجلّ: ﴿يَوَمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ
مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ (صَ﴾ [عبس: ٣٤/٨٠-٣٧]. والخلاصة: أنه تعالى ذكر أربع
صفات ليوم القيامة: تكون السماء فيه کالمهل، وتكون الجبال فیہ کالعهن،
ولا يسأل حميم حميماً، ويود المجرم الكافر الافتداء من عذاب ذلك اليوم بأعز
الناس لديه وجميع من في الأرض.
ثم أكّد تعالى رفض قبول الفداء منه واستبعاده قائلاً:
﴿َ تَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَلَّى (﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَ
﴿كَلَّ إِنَّهَا لَظَىِ ﴿ نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى
١٨
، أي لا يقبل الفداء من المجرم، ولو افتدى بأهل الأرض وبمال الدنيا
جميعاً، إنها جهنم الشديدة الحر مأواه كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى
[الليل: ١٤/٩٢]، والتي تنزع اللحم عن العظم حتى لا تترك فيه شيئاً،
وتنزع جلدة الرأس وجلد أطراف اليدين والرجلين ولحم الساقين، ثم يعود
كما كان، وتنادي جهنم كل من أدبر عن الحق والإيمان في الدنيا، وتولى عنه،
وجمع المال فجعله في وعاء، فلم ينفق منه شيئاً في سبيل الخير، ومنع حق الله

١٢٦
الجُهُ (٢٩) - المُعَزِجْ: ٧٠ /١-١٨
فيه من الواجب عليه من النفقات وإخراج الزكاة. قال الحسن البصري: يابن
آدم سمعت وعيد الله، ثم أوعیت الدنيا.
وكلمة ﴿كَلَّ﴾ ردع للمجرم عن تلك الأمنية، وبيان امتناع قبول الفداء
منه، وضمير ﴿إِنَّهَا﴾ للنار، ولم يجر لها ذكر؛ لأن العذاب دلّ عليها، ويجوز
أن يكون ضميراً مبهماً ترجم عنه الخبر، أو ضمير القصة، أي إن القصة.
والدعاء على حقيقته كما روي عن ابن عباس، أو هو مجاز حيث شبه تهيؤ
جهنم وظهورها للمكذبين بالدعاء والطلب لهم، فهو مجاز عن إحضارهم،
كأنها تدعوهم فتحضرهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - طلب كفار مكة تعجيل العذاب الموعود به استهزاءً وتعتُّناً، والعذاب
من الله صاحب معارج السماء أو معارج الملائكة واقع حتماً بالكفار في
الآخرة، لا يدفعه عنهم أحد.
اً - تصعد الملائكة وجبريل في المعارج التي جعلها الله لهم إلى المكان الذي
هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنها محل بِّه وكرامته، فليس المراد من قوله
﴿إِلَيْهِ﴾ المكان، بل المراد انتهاء الأمور إلى مراده، وهو موضع العزّ والكرامة.
وعروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على غيرهم لو
صَعِد خمسين ألف سنة. وهذا هو الرأي الأصح في تقديري، وهو قول
·· الأكثرين كما تقدم، وقيل: المراد باليوم هو يوم القيامة الموصوف بأنه بمقدار
خمسين ألف سنة تهويلاً وتخويفاً للكفار. قال ابن عباس: هو يوم القيامة،
جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار.
قال القرطبي عن قول ابن عباس: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن
شاء الله، بدليل حديث أبي سعيد الخدري المتقدم، وحديث أبي هريرة فيما
رواه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والنسائي عن النبي ◌َلقر أنه قال: ((ما

١٢٧
لِلُعُ (٢٩) - المَعَزِذَجِ: ٧٠ /١-١٨
من رجل لم يؤدِّ زكاة ماله إلا جعل شجاعاً (١) من نار تكوى به جبهته وظهره
وجنباه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس)) فهذا
يدل على أنه يوم القيامة(٢).
وهذا كما تقدم بالنسبة للكافر، وأما بالنسبة للمؤمن فيكون يوم الحساب
في القيامة بمقدار ما بين الصلاتين، كما ثبت في الحديث الصحيح.
ا - أمر الله نبيّه بالصبر الجمیل علی أنی قومه الذین یرون العذاب بالنار
بعيداً، أي غير كائن، وهو في تقدير الله قريب الحصول؛ لأن ما هو آتٍ فهو
قريب. والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله.
٤ - ذكرت الآيات أوصافاً أربعة: هي صيرورة السماء كدُرْدِيّ الزيت
وعَكَره، أو كالمذاب من المعادن من الرصاص والنُّحاس والفضة، وجعل
الجبال كالصوف المنفوش أو المصبوغ، ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه لشغل
كل إنسان بنفسه، مع أن الرجل يرى أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله
ولا يكلمه، لاشتغالهم بأنفسهم، ويتمنى الكافر أن يفتدي من عذاب جهنم
بأعزّ من كان عليه في الدنيا من أقاربه، فلا يقدر، ويودّ لو فُدي بهم لافتدى،
ثم يخلِّصه (ينْجيه) ذلك الفداء.
٥ - كلّ، كما قال تعالى للزجر والردع، ليس ينجيه من عذاب الله
الافتداء، إن له جهنم تتلظى نيرانها، وتنزع جلدة الرأس، واللحم عن العظم
في الأطراف والجسد، وتطلب إليها كل من أدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولى
عن الإيمان، وجمع المال فجعله في وعائه، ومنع منه حق الله تعالى، فكان
مجموعاً منوعاً؛ لأنه لم يؤدِّ الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن دينه،
وزها باقتنائه وتكبر.
(١) الشُّجاع: الحية الذكر.
(٢) تفسير القرطبي ٢٨٢/١٨ وما بعدها.

١٢٨
الزُُ (٢٩) - المعززة: ٧٠ /١٩-٣٥
الخصال العشر التي تعالج طبع الإنسان
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ
﴿﴿ إِنَّ اُلْإِنِسَنَ خُلِقَ هَذُوْعًا ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا
وَالَّذِينَ فِىِّ أَمَهِمْ
الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاِهِمْ دَايِعُونَ
إِلَّا الْمُصَلِينَ
مَنُوعًا
حُ مَعْلُومٌ
وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَّوْمِ اٌلِيْنِ
٢٥
لِلسَّآِلِ وَالْمَحْرُومِ
٢٤
) وَالَّذِينَ هُمٌ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
٢٨
عَذَابٍ رَبِهِم مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ
فَمَنِ ابْنَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ
إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَتْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
٣٩٦
وَالَّذِينَ هُم ◌ِشَهَدَتِهِمْ قَيِّمُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنِهِمْ وَعَهْدِهِمْ زَعُونَ (٣)
٣١
فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
٢٥
أُوْلَئِكَ فِ جَنَّتٍ تُكْرَمُونَ
٣٤
وَالَّذِينَ هُ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ
(٣٣)
القراءات:
لأماناتهم﴾ وقرأ ابن كثير (لأمانتهم).
قرأ حفص (بشهاداتهم) وقرأ الباقون (بشهادتهم).
الإعراب:
إِنَّ اُلْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوَعًا ﴿٣َ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (٣) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ
مَنُوعًا (®َ﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾ الأولى: (هلوع) وفي ﴿إِذَا﴾ الثانية: (منوع) .
و﴿هَلُوعًا﴾ حال من ضمير ﴿خُلِقَ﴾ وهذه الحال تسمى الحال المقدَّرة؛ لأن
الهلعَ إنما يحدث بعد خلقه، لا في حال خلقه. و﴿جَزْوُعًا﴾ و﴿مَنُوعًا﴾: خبر
كان مقدرة، وتقديره: يكون جزوعاً ويكون منوعاً.
البلاغة:
بينهما مقابلة.
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا جَ

١٢٩
الزُّعُ (٢٩) - المُعَاجِ: ٧٠ /١٩-٣٥
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ﴾ أريد بالإنسان الناس، فلذلك استثني منه ﴿إِلَّ الْمُصَلِينَ
﴿هَلُوْعًا﴾ سريع الحزن والجزع، شديد الحرص قليل الصبر، قال
الزمخشري: الهلع: سرعة الجزع عند مسّ المكروه، وسرعة المنع عند مسّ
الخير. ﴿الثَّرُّ﴾ أي الضّر. ﴿جَرُوعًا﴾ كثير الجزع، والمراد أنه يؤوس قنوط،
والجزع: حزن يصرف الإنسان عن مهامّه. ﴿اَلْخَيْرُ﴾ السعة أو المال والغنى.
﴿مَنُوعًا﴾ كثير المنع، يبالغ في الإمساك. وهذه الأوصاف الثلاثة (الهلع
والجزع والمنع) طبائع جبل الإنسان عليها.
أي المؤمنين، استثناء من الموصوفين بالصفات
﴿إِلَّا الْمُصَلِّيْنَ
مواظبون لا يشغلهم عنها
المذكورة. ﴿﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِعُونَ
شاغل.﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ نصيب معين واجب كالزكاة والنذور. ﴿لِلِسََّبِلِ﴾ الفقير
الذي يستجدي. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ الفقير المتعفف الذي لا يسأل، فيظن أنه غني،
فُيُحرم .﴿ يُصَدِّفُونَ بِيَوْمِ اٌلِيْنِ﴾ يصدقون بيوم الجزاء تصديقاً قلبياً وعملياً،
فيجتهد في العبادة، وينفق من ماله، طمعاً في المثوبة الأخروية .﴿ مُشْفِقُونَ﴾
خائفون على أنفسهم. ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونِ (٦) غير مأمون النزول،
وهي جملة اعتراضية تدلّ على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله، وإن بالغ
في طاعته.﴿ وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (®﴾ محافظون عليها من الحرام. ﴿أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ من الإماء الرقيقات حينما كان الرّق قائماً موجوداً.
اُلْعَادُونَ﴾ المتجاوزون الحلال إلى الحرام، أو الحدود المسموح بها شرعاً.
{لِأَمَتَنِهِمْ﴾ ما ائتمنوا عليه من أمور الدين والدنيا. ﴿وَعَهْدِهِ﴾ ما عاهدوا
عليه والتزموا الوفاء به .﴿زَعُونَ﴾ حافظون. ﴿بِشَهَدَتِهِمْ﴾ جمعت لاختلاف
أنواعها. ﴿قَابِعُونَ﴾ يؤدون الشهادة ولا يكتمونها. ﴿ يُحَافِظُونَ﴾ يؤدونها في

١٣٠
الجُرُ (٢٩) - المعلاة: ٧٠ / ١٩-٣٥
أوقاتها، مراعين شرائطها وفرائضها وسننها. وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها
أولاً وآخراً للدلالة على فضلها. ﴿ُّكْرَمُونَ﴾ بثواب الله.
المناسبة:
بعد بيان أوصاف يوم القيامة الرهيبة، نَّه الله تعالى إلى طبائع البشر
واتصافهم بالهلع والجزع والمنع التي تجمع أصول الأخلاق الذميمة، ثم استثنى
المؤمنين الذين يعملون صالح الأعمال، ويتصفون بصفات عشر لعلاج
أمراض النفس البشرية، وليكونوا قدوة للإنسانية ومثلاً أعلى يحتذى به.
التفسير والبيان:
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ
﴿ إِنَّ الْإِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (٨٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (٦٥)
مَنُوعًا (3) أي إن الإنسان جبل على الضجر، أو الهلع: وهو شدة
الحرص، وقلة الصبر، فلا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء، وفسر ذلك
بأنه إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك من الضّر، فهو كثير الجزع
أو الحزن والشكوى، وإذا أصابه الخير من الغنى والسعة أو المنصب والجاه أو
القوة والصحة ونحو ذلك من النعم، فهو كثير المنع والإمساك والبخل على
غيره.
روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَير: ((شرّ ما في رجل: شحّ هالع، وجبن خالع)).
ثم استثنى الله تعالى من اتصف بالصفات العشر التالية، وهي:
الَّذِينَ هُمْ عَلَى
٢٢
اَ - كَّ: أداء الصلاة والمواظبة عليها: ﴿إِلَّا الْمُصَلِينَ
صَلَاِهِمْ دَآئِعُونَ (٣)﴾ أي إن الناس يتصفون بصفات الذّم إلا الموفقين المهديين
إلى الخير، وهم الذين يؤدون صلاتهم، ويحافظون على أوقاتها وواجباتها، فلا

١٣١
الجُزُ (٢٩) - المغذِيِّ: ٧٠ / ١٩-٣٥
يتركونها في شيء من الأوقات، ولا يشغلهم عنها شاغل، ولا يخلون بشيء من
فرائضها وسننها، ويتمثلون حقيقتها من الصلة بالله والسكون والخشوع،
فهؤلاء ليسوا على تلك الصفات من الهلع والجزع والمنع، وإنما هم بإيمانهم
وكون دين الحق في نفوسهم على صفات محمودة وخلال مرضية.
وهذا دليل على وجوب المواظبة على العبادة، كما جاء في الصحيح عن
عائشة رضي الله عنها عن رسول الله وسلم أنه قال: ((أحب الأعمال إلى الله
أدومها وإن قَلَّ)) وفي لفظ ((ما داوم عليه صاحبه)) قالت: وكان رسول الله وَلـ
إذا عمل عملاً داوم عليه، أو أثبته. فيكون المراد بالآية الذين يداومون على
الصلوات في أوقاتها، وأما الاهتمام بشأنها فيحصل برعاية أمور سابقة على
الصلاة كالوضوء، وستر العورة، وطلب القبلة وغيرها، وتعلق القلب بها إذا
دخل وقتها، ورعاية أمور مقارنة للصلاة، كالخشوع، والاحتراز عن الرياء،
والإتيان بالنوافل والمكملات. ورعاية أمور لاحقة بالصلاة، كالاحتراز عن
اللغو وما يضادّ الطاعة؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكاب
المعصية بعد الصلاة دليل على عدم قبول تلك الصلاة.
لّلِسَّابِلِ
◌َّ - أداء الزكاة والواجبات المالية: ﴿وَالَّذِينَ فِ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ مَعَلُومُ
وَالْمَحْرُومِ ﴾ أي والذين في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات
والبائسين، سواء سألوا الناس أو تعففوا، وذلك يشمل الزكوات المفروضة
وكل ما يلزم الإنسان نفسه به، من نذر، أو صدقة دائمة، أو إغاثة مستمرة.
وهذا دليل على وجوب العبادة المالية ذات الأهداف الاجتماعية، بعد وجوب
العبادات البدنية ذات المغزى الأخلاقي المربي للنفس، والغاية الدينية السامية،
فيكون المراد بالحق: الزكاة المفروضة، بدليل وصفه بأنه معلوم، واقترانه
بإدامة الصلاة. وقيل: هو ما سوى الزكاة، وإنه على طريق الندب
والاستحباب.

١٣٢
الُرُ (٢٩) - المعلاةِ: ٧٠ / ١٩ -٣٥
أي والذين
٤ - التصديق بيوم الجزاء: ﴿وَلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَّوْمِ الدِّينِ الَـ
يوقنون بيوم القيامة أو بالمعاد والحساب والجزاء، لا يشكُّون فيه ولا
يجحدونه، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. وهذا دليل
على أن العمل له غاية تدفع إلى تصحيح الاعتقاد والقول والفعل.
٥ - الخوف من عذاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابِ رَبِهِم مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ
مَأْمُو
مُونِ
أي والذين هم خائفون وجلون من عذاب الله إذا تركوا
٢٨
غَيْرُ
الواجبات، واقترفوا المحظورات، فإن العذاب واقع حتماً، ولا ينبغي لأحد
أن يأمنه، وعلى كل واحد أن يخافه، إلا بأمان من الله تعالى.
ونظير الآية: ﴿﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢/٨]. وقوله عزّ
وجلّ: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ
[المؤمنون: ٦٠/٢٣].
وهذا دليل على أن الخوف من العقاب باعث على الطاعة وزاجر عن
المعصية، وأنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله، وإن بالغ في الطاعة.
إِلَّا عَلَ
٢٩
أَ - العفة والبعد عن الفاحشة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيِرُ مَلُومِينَ ﴿٣ فَمَنِ أُبَغَى وَرَّهَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْعَادُونَ (3) أي والذين يكفون فروجهم عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في
غير ما أذن الله فيه، وهو الزوجة ومِلْك اليمين الذي هو الإماء، فلا لوم في
الاستمتاع المشروع بهما، أما من قصد غير ذلك فهم المتجاوزون الحدود،
المعتدون الذين يلحقون الضرر بأنفسهم وبأمتهم.
وهذا دليل على حرمة كل ما عدا الزواج ونحوه من الاستمتاع بالإماء،
حينما كان الرق قائماً في العالم.
٧ - ٨ً: أداء الأمانات والوفاء بالعهود: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَتَنِهِمْ وَعَهْدِهِمْ زَعُونَ

١٣٣
الجُزُ (٢٩) - المُغَذِهِ: ٧٠ / ١٩-٣٥
أي الذين يؤدون الأمانات التي يؤتمنون عليها إلى أهلها، ويوفّون
٣٢١
بالمعاهدات، ولا ينقضون شيئاً من العهود التي يعقدونها على أنفسهم، فإذا
اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا. وهذه صفات المؤمنين، وضدها
صفات المنافقين، كما ورد في الحديث الصحيح: ((آية المنافق ثلاث: إذا
حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وفي رواية: ((إذا حدث
كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) .
أي الذين يؤدون
١ - أداء الشهادة بحق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ قَبِعُونَ
الشهادة عند القضاة بحق، ويحافظون عليها دون زيادة ولا نقصان، ودون
مجاملة لقريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها.
أي
٣٤
١٠
.١ - الحفاظ على الصلاة الكاملة :
عَلَى
وَالَّذِينَ
والذين يحافظون على مواقيت الصلاة وأركانها وواجباتها ومستحباتها، لا
يخلّون بشيء منها، ولا يشتغلون بشاغل عنها، ولا يفعلون بعدها ما يتناقض
أو يتعارض معها، فيبطل ثوابها ويحبط أجرها، فيدخلون في صلاتهم بحماس
ورغبة، ويفرغون قلوبهم من شواغل الدنيا، ويفكرون فيما يقرؤون أو
يرددون من الأذكار، وتحضر قلوبهم مع الله، ويفهمون آي القرآن الكريم.
مُحَافِظُ
صَلَاتِهِم
٣٥
أي أولئك الموصوفون بالصفات السابقة،
أُوْلَكَ فِي جَنّتٍ مُكرَمُونَ
مستقرون في جنات الخلود، مكرمون بأنواع الكرامات، وألوان الملاذ
والمسارّ، كما جاء في الحديث الذي رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي
سعيد: ((في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - كل إنسان مخلوق بطبائع معينة أساسها الحرص والجزع، ويجمعها صفة

١٣٤
الزُءُ (٢٩) - المُعَذِيِّ: ٧٠ / ١٩ -٣٥
الهلع، وهو في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، فلا يصبر على خير
ولا شر، حتى إنه يفعل فيهما ما لا ينبغي، فإذا مسّه الخير لم يشكر، وإذا مسّه
الضر لم يصبر.
أَ - إن شأن المؤمنين المصلين البعد عن الصفات الذميمة المبنية على الهلع،
فصلاتهم الصحيحة الكاملة تربي فيهم الأخلاق الكريمة، وتمنعهم عن
الأوصاف السيئة.
فتراهم يؤدون الصلاة المكتوبة على وجهها الصحيح، وفي مواقيتها المطلوبة
شرعاً، ويداومون عليها دون انقطاع ولا تضييع، ويؤدون الزكاة المفروضة
للفقراء والمساكين، ويؤمنون بيوم الجزاء وهو يوم القيامة، ويخافون من عذاب
ربّهم، فهو العذاب الشديد الذي لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن
يخافه ویشفق منه.
ويحافظون على فروجهم من الزنى أو الفاحشة، ولا يستمتعون بالنساء إلا
من طريقين فقط، هما : الزواج والتسرّي بالإماء، ومن قصد غير ذلك فهو من
المعتدين المتجاوزين حدود الله تعالى.
ويرعون الأمانات، ويوفون بالمواثيق والمعاهدات، ويؤدون الشهادات عند
الحكام بحق وصدق على من كانت عليه من قريب أو بعيد، ولا يكتمونها ولا
یغیرونها.
ويحافظون على كيفية الصلاة المقررة شرعاً، من وضوء وإتمام ركوع
وسجود، وسكون وخشوع، دون اشتغال عنها بشيء من الشواغل، لا قبل
الدخول فيها، ولا في أثنائها، ولا بعد الفراغ منها بالاحتراز عن الإتيان
بعدها بشيء من المعاصي.
وجزاء هؤلاء المتصفين بالصفات المذكورة، والذي وعد به الله عزّ وجلّ
هو الظفر بالجنات، والإكرام فيها بأنواع المكرمات.

١٣٥
اللُُّ (٢٩) - المُعَزِاجْ: ٧٠ / ٣٦-٤٤
كبذ الله
عَالكلية
وسلم
أحوال الكفار المكذبين بالرسول
في الدنيا والآخرة
أَطْمَعُ
٣٧
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
٣٦
﴿ فَلِ الَِّنَ كَفَرُواْ قِبَكَ مُهْطِعِينَ
فَلَاّ
كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ
٣٨
كُلُّ أَقْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيدٍ (
أُقْسِمُ بِرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ (
عَلَى أَنْ تُبَكِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِنَ
٤١
فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَبَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاعًا
٤٣
خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَفُهُمْ ◌ِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِ كَانُواْ بُوعَدُونَ
كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
٤٤
القراءات:
﴿ نُصُبِ﴾ :
قرأ حفص وابن عامر (نُصُب) وقرأ الباقون (نَصْب).
الإعراب:
﴾ ما: في
٣٧
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ عِزِينَ
٣٦
﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
موضع رفع مبتدأ، وخبره: ﴿ الَّذِينَ﴾ و﴿كَفَرُواْ﴾: صلة (الذين)، و﴿قِبَلَكَ﴾:
ظرف مكان في موضع الحال من ضمير ﴿كَفَرُواْ﴾ أو من المجرور: ﴿الَّذِينَ﴾ أي
كائنين قبلك. و﴿ مُهْطِعِينَ﴾: حال بعد حال، و﴿عِزِينَ﴾: حال من ضمير
﴿ مُهْطِعِينَ﴾ أو ﴿الَّذِينَ﴾. و﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِشِمالِ﴾: من صلة ﴿عِينَ﴾.
و﴿عِينَ﴾ جمع عِزَة، وأصلها عزوة أو عزهة مثل سنة، ثم حذفت اللام،
وجمعت بالواو والنون عوضاً عن المحذوف، مثل (سنون).
﴿إِنَّا لَقَدِرُونَ، عَلَى أَنْ تُبِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ﴿عَ﴾: في موضع نصب، متعلق بـ

١٣٦
لُعُ (٢٩) - المعلاةِ: ٧٠ / ٣٦-٤٤
(قادرون) و﴿تُدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: تقديره نبدّلهم بخير منهم، فحذف المفعول
الأول، وحرف الجر من الثاني.
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاءً﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل من قوله: ﴿يَوْمَعُمُ﴾ في قوله
تعالى: ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَعُ﴾ أي حتى يلاقوا يوم يخرجون. و﴿سِرَاعًا﴾: حال من
واو ﴿ يَخْرُجُونَ﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَأَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ حال من ضمير ﴿يَخْرُجُونَ)
﴿خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ﴾ حال من واو ﴿يُوْفِضُونَ﴾ وكذلك ﴿تَرْهَفُهُمْ ذِلَّةٌ﴾
ج
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواْ يُعَدُونَ﴾ تقديره: ذلك اليوم الذي كانوا يوعدونه،
فحذف المفعول العائد إلى الاسم الموصول وهو ﴿الَِّى﴾ تخفيفاً، مثل: ﴿أَهَذَا
الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١/٢٥] أي بعثه. و﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ وما بعده
الخبر.
البلاغة:
﴿ أَيَطْمَعُ كُلُّ آقْرِيٍ﴾ استفهام إنكاري للتقريع والتوبيخ.
· كناية عن المني، مع نزاهة التعبير،
﴿كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
وحسن التذكير.
كَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ تشبيه مرسل مجمل، وفي التشبيه تهكم بهم،
وتعريض بسخف عقولهم، وتجهيل لهم بعبادة غير الله.
المفردات اللغوية:
﴿قِبَلَكَ﴾ حولك وناحيتك أو نحوك. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين مديمي النظر
نحوك. ﴿عِزِينَ﴾ جماعات متفرقين حلقات، جمع عِزَة، وأصلها عزوة من

١٣٧
الجُزُ (٢٩) - المُغَزَّةِ: ٧٠ / ٣٦-٤٤
العزو، كأن كل فرقة تعتزي وتنتسب إلى غير من تعتزي إليه الأخرى، وتستقل
برأي خاص، وعزين من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضاً من
المحذوف، مثل عضين . ﴿أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ إنكار لقولهم: لو صحَّ ما يقوله
محمد لنكوننَّ فيها أفضل حظاً منهم كما في الدنيا. ﴿كَلَّ﴾ ردع لهم عن الطمع
في الجنة. ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ﴾ أي خلقناهم وغيرهم من نطف مهينة،
فمن لم يستكمل نفسه بالإيمان والطاعة، ولم يتخلق بأخلاق الملائكة، لم يتأهل
لدخول الجنة.
﴿فَلَّ أُقْسِمُ﴾ أي أقسم، ولا: زائدة. ﴿بِرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَبِ﴾ أي للشمس
والقمر وسائر الكواكب . ﴿عَلَى أَنْ تُبِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي نهلكهم ونأتي بخلق أمثل
منهم، أو نأتي بدلهم . ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ بعاجزين أو بمغلوبين. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ اتركهم.
﴿يَخُوضُواْ﴾ يتحدثوا في باطلهم. ﴿ وَيَلْعَبُواْ﴾ في دنياهم. ﴿حَى يُلَقُواْ﴾ يلقوا. ﴿ الَّذِى
يُوعَدُونَ﴾ فيه العذاب.
﴿اْأَحْدَاثِ﴾ القبور، جمع جَدَث. ﴿سِرَاءَا﴾ مسرعين إلى المحشر، جمع سريع.
﴿نُصُرٍ﴾ والنُّصْب جمع أنصاب، والنصب: كل شيء منصوب كالعَلَم أو
الراية، والمراد هنا: ما ينصب للعبادة. ﴿يُوفِضُونَ﴾ يسرعون. ﴿خَشِعَةً﴾ ذليلة
كسيرة. ﴿تَرْهَفُهُمْ﴾ تغشاهم. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ﴾ أي يوم القيامة.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٨):
﴿ أَيَطْمَعُ﴾: قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي وَّ
يستمعون كلامه، ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن
دخل هؤلاء الجنة، لندخلنها قَبْلهم، وليكونَنّ لنا فيها أكثر مما لهم، فأنزل الله

١٣٨
الُُ (٢٩) - المُعَذِهِ: ٧٠ / ٣٦-٤٤
تعالى هذه الآية: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (﴾﴾(١). وهذه
قراءة الجمهور.
المناسبة:
بعد أن وعد الله تعالى المتصفين بصفات عشر بالجنات والإكرام، ذكر
أحوال الكفار في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيسرعون إلى الكفر، لذا
توعدهم الله بالإبادة والهلاك، وأمر رسوله وَّ بالإعراض عنهم حتى يوم
البعث، وأما في الآخرة فيخرجون من قبورهم مسرعين إلى معبوداتهم الباطلة
من الأصنام والأوثان، وتكون أبصارهم ذليلة، وتغشاهم المذلة بسبب
تكذيبهم بيوم القيامة.
التفسير والبيان:
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ﴾﴾ أي ما
﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَكَ مُهْطِعِينَ
بال هؤلاء الكفار حواليك أيها النبي مسرعين إلى الكفر والتكذيب والاستهزاء
بك، وتراهم عن يمين النبي بَّر وعن شماله جماعات متفرقة، شاردين فِرقاً
فِرقاً، وشيعاً شيعاً، فارين منه، متفرقين عنه، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَمْ عَنِ
@) [المدثر:
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَقِ
٥٠
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنِفِرَةٌ
٤٩
التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ
٤٩/٧٤-٥١] .
وقيل: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: مادّي أعناقهم، مديمي النظر إليك.
ثم تهكم الله تعالى بتمنياتهم الجنة، وأيأسهم من دخول الجنات، فقال:
﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرِئٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمِ (٨)﴾؟ أي أيطمع هؤلاء
المشركون، وحالتهم هذه من الكفر والتكذيب والفرار من الرسول و94َ
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٢٥٠

١٣٩
الزُعُ (٢٩) - المُعَلَاةِ: ٧٠ / ٣٦-٤٤
ونفرتهم عن الحق أن يدخلوا جنات النعيم؟! كلا، بل مأواهم جهنم، كما
قال تعالى:
﴿كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ أي كلا، لا أمل في دخولهم الجنة،
فإنا خلقناهم من المني الضعيف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُفَكُم مِّن مَّآءِ مَّهِينٍ
[المرسلات: ٢٠/٧٧]. وهذا تقرير لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي
٢٠
أنكروا حدوثه واستبعدوا وجوده، بدليل الخلق الأول أو البداءة التي يعترفون
بها، فتكون الإعادة في تقدير البشر أهون منها، أما بالنسبة لله عز وجل فالبدء
والإعادة سواء. وبما أنهم خلقوا من الشيء الضعيف، فهم ضعاف لا ينبغي
منهم هذا التكبر.
أخرج أحمد وابن ماجه وابن سعد أن رسول الله وَ له قرأ: ﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٦) إلى قوله: ﴿كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ (٦٩)﴾ ثم بزق
رسول الله وَّل على كفّه، ووضع عليها أصبعه، وقال: ((يقول الله: ابن آدم،
أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سوّيتك وعدّلتك، مشيت بين
بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي أتى
أوان الصدقة)).
ثم أنذرهم الله تعالى بالهلاك إن داموا على الكفر، وهددهم بإيجاد آخرين
مكانهم لكي يؤمنوا، فقال:
عَلَّ أَنْ تُبَِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ
﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ
بِمَسْبُوقِينَ (٤) أي فأقسم بمشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها كل
يوم من أيام السنة، على أننا قادرون أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله ممن
عصوه، ونهلك هؤلاء، ولن يعجزنا شيء، وما نحن بمغلوبين إن أردنا ذلك،
بل نفعل ما أردنا، لكن اقتضت مشيئتنا وحكمتنا تأخير عقابهم.
وهذا دليل على كمال قدرته تعالى على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالقَسَم،

١٤٠
الُعُ (٢٩) - المعززة: ٧٠ / ٣٦-٤٤
وأنه لا يعجزه شيء من الممكنات. وهو تهکم بهم وتنبيه على تناقض کلامهم،
حيث إنهم ينكرون البعث، ثم يطمعون في دخول الجنة، وهم يعترفون بأن الله
خالق السماوات والأرض وخالقهم مما يعلمون، ثم لا يؤمنون بأنه قادر على
خلقهم مرة ثانية.
ثم أمر الله تعالى رسوله وَله بالإعراض عنهم حتى يوم البعث زيادة في
التهديد، فقال:
﴿فَذَرْهُ يَخُوضُواْ وَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَعُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ (@)﴾ أي اتركهم يا محمد
يتحدثون في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم، ويعاندوا في تكذيبهم وكفرهم
وإنكارهم يوم البعث، حتى يلقوا يوم القيامة وما فيه من أهوال، ويذوقوا
وباله، ويجازوا بما عملوا.
ومن أحوالهم في هذا اليوم:
- ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاعًا كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾﴾ أي اذكر يوم
يقومون من القبور بدعوة الرب تبارك وتعالى لموقف الحساب، مسرعين،
متسابقين، كأنهم في إسراعهم إلى الموقف، كما كانوا في الدنيا يهرولون أو
يسرعون إلى شيء منصوب، عَلَم أو راية، والمراد بالنصُب هنا: كل ما ينصب
فيعبد من دون الله سبحانه. وقوله: ﴿ يُوفِضُونَ﴾: يسرعون ويتسابقون إليه.
- ﴿خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواْ يُؤُعَدُونَ (®﴾ أي وتكون
أبصارهم ذليلة كسيرة، وتغشاهم المذلة الشديدة، لهول العذاب الذي
يواجههم، وفي مقابلة استكبارهم عن الطاعة في الدنيا، ذلك اليوم المشتمل
على الأهوال العظام هو اليوم الذي أوعدهم الله به، وأنذرهم بملاقاته،
وكانوا يكذبون به، وليتهم آمنوا به، فنجوا من العذاب.
وعبر عن ذلك اليوم بلفظ الماضي؛ لأن ما وعد الله به يكون آتياً لا محالة.