النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الزُُّ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
واختاره للنبوة والوحي، وجعله من الأنبياء المرسلين لقومه الكاملين في
الصلاح، وأرسله إلى مئة ألف أو يزيدون، فآمنوا جميعاً. ويلاحظ أن كلمة
﴿لَوْلَا﴾ دلت على أن المذمومية لم تحصل. وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ
) - أي من المصلين - ﴿لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ
كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌ جَ
﴾ [الصافات: ١٤٤/٣٧] أي عقوبة له وكان مذموماً، فهذا جزاء عدم
(١٤٤)
التوبة، والنبذ في العراء هنا (المكان الخالي من الشجر أو النبات) بعد التوبة
حيث تتداركه رحمة الله ونعمته.
ثم حذر الله تعالى نبيه وَله من عداوة المشركين، قائلاً:
﴿ وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُرْلِقُونَكَ بِأَبَصَرِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَُّ لَجْنُنٌ
٥١
أي إنهم - كما قال الزمخشري - من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزراً بعيون
العداوة والبغضاء، يكادون يُزِلّون قدمك، أو يهلكونك، وكان هذا النظر
يشتد منهم في حال قراءة النبي ◌َّه القرآن، لشدة كراهيتهم، وحسداً على ما
أوتي من النبوة، ويقولون: إنه مجنون، حيرة في أمره، وتنفيراً عنه، وإلا فقد
علموا أنه أعقلهم. والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن.
وقال بعضهم: المراد أنهم يكادون يصيبونك بالعين، روي أن العين كانت
في بني أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء فيقول فيه :
لم أر كاليوم مثله، إلا عانَه، فأريد بعض العيَّانين على أن يقول في رسول الله
وَيّ مثل ذلك، فقال: لم أر كاليوم رجلاً، فعصمه الله.
قال الْخَرَوي: أراد ليعتانونك بعيونهم، فيزيلوك عن مقامك الذي أقامك
الله فيه، عداوة لك.
ورد ابن قتيبة على ذلك قائلاً: ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم، كما
يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن
نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك.

٨٢
الُهُ (٢٩) - القفلَتِ: ٦٨ / ٤٤-٥٢
ورأى ابن كثير أن المعنى: يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك،
وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية - على رأي البعض - دليل على أن العين
إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية
من طرق متعددة كثيرة.
منها: ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَالتمر :
((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد، والعين حق)) أي بإرادة الله.
ومنها: ما أخرجه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال: قال
رسول اللـه ◌َ﴾: ((قد تدخل الرجلَ العينُ في القبر، وتدخل الجمَلَ القِدْرُ))
وإسناد رجاله كلهم ثقات.
ومنها : ما أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أبي ذر قال: قال رسول الله
وَالى: ((إن العين لتولع الرجل بإذن الله، فيتصاعد حالقاً، ثم يتردى منه))
وإسناده غريب.
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ (٥)﴾ أي ويقولون عن محمد وَّةٍ: إنه لمجنون، أي
لمجيئه بالقرآن، وما القرآن إلا موعظة وتذكير للجن والإنس، فلا يتحمله إلا
من كان أهلاً له من العقلاء، وفيه نسبة الجهل إلى من يقول هذا القول،
وكيف يجنن من جاء بمثله من الآداب والحِكَم وأصول كل العلوم والمعارف؟!
قال الحسن البصري: دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية: ﴿وَإِن يَكَادُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - كفى بالله مجازياً ومنتقماً ممن يكذب بالقرآن العظيم، وإن الله

٨٣
لُحُ (٢٩) - القفلت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
سيأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون، فعذُّبوا يوم بدر. وهذا استدراج من الله
تعالى، والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج.
أَ - إن الله يمهل ولا يهمل، فهو سبحانه يمهل ويطيل المدة للظالمين
والكفار، ثم يعاقبهم، فلا يفوته أحد، وعذاب الله قوي شديد، وتدبيره محكم
لا يمكن التفلت منه. جاء في البحر المحيط: ما يدل على أنه لم يصح خبر في مدة
لبث يونس عليه السلام في بطن الحوت.
ءَّ - ليس للكفار والمشركين علم بالغيب الذي غاب عنهم، فيكون حكمهم
لأنفسهم بما يريدون غلطاً محضاً، وتقوّلاً كاذباً.
٤ - الصبر على قضاء الله وحكمه مطلوب شرعاً، ولا ينبغي لمؤمن العجلة
والتضجر والغضب، كما عجل صاحب الحوت يونس بن متّى عليه السلام
حين تضجر ثم تاب وندم، ودعا في بطن الحوت وهو مملوء غماً، فقال: ﴿لَّاّ
إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧/٢١].
فقبل الله بفضله ومنّه ورحمته ونعمته دعاءه، واصطفاه ربه واختاره وجعله
من الأنبياء الصالحين، بأن أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون هم أهل نينوى،
ولولا قبول توبته، لنبذ في الأرض الخالية الفضاء مذموماً ملوماً. والذم واللوم
بسبب ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. ولم يقع الذم بدليل
كلمة
٥ - اشتدت عداوة الكفار للنبي وَ﴾، فكانوا إذا سمعوه يقرأ القرآن، نظروا
إليه نظرة شديدة ملؤها الحقدوالعداوة والبغضاء، حتى لتكاد نظراتهم تسقطه
وتُزِلّ قدمه، أو تهلكه.
وينسبونه أيضاً إلى الجنون إذا رأوه يقرأ القرآن، مع أن القرآن لا يتحمله
إلا من كان أهلاً له من العقلاء، وهو شرف وتذكير وموعظة للعالمين، شَرُفوا
باتباعه والإيمان به ويل*، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن آتياً على يد مجنون؟
وكيف يجنن من جاء بمثله؟

٨٤
لُ (٢٩) السورة (٦٩) الدِّقلية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَ
سُورَةُ الَّقْلةِ
مڪية، وهي اثنتان وخمسون آية
تسميتها:
سميت سورة الحاقة؛ لافتتاحها بالاستفهام عنها، تفخيماً لشأنها وتعظيماً
لهولها، و﴿الْحَقَّةُ ) اسم من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يتحقق الوعد
والوعيد، ولهذا عظم الله أمرها بالسؤال عنها، أو هي الساعة الواجبة
الوقوع، الثابتة المجيء، التي هي آتية لا ريب فيها.
مناسبتها لما قبلها:
تتعلق السورة بما قبلها من وجهين:
اً - وقع في سورة ﴿تْ﴾ ذكر يوم القيامة مجملاً، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [٤٢] وفي هذه السورة أوضح تعالى نبأ هذا اليوم وشأنه
٣
وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا الْحَاقَّةُ
العظيم: ﴿اَلْحَقَّةُ ﴿ مَا الْحَاقَّةُ
أَ - هدّد الله تعالى في السورة السابقة كل من كذب بالقرآن وتوعده بقوله:
﴿فَذَرْبِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿4﴾ [٤٤] وفي
هذه السورة ذكر أحوال الأمم التي كذبت الرسل وما عوقبوا به، للعظة
والزجر والعبرة للمعاصرين.

٨٥
الُ (٢٩) السورة (٦٩) المقلية
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة كغيرها من السور المكية التي عنيت بأصول العقيدة، وتحدثت
عن أهوال القيامة، وصدق الوحي، وكون القرآن كلام الله، وتبرئة الرسول
وَله من افتراءات الكفار واتهامات الضالين.
بدئت بتفخيم شأن القيامة وتعظيم هولها، وتكذيب الأقوام السابقة بها،
مثل ثمود، وعاد، وقوم لوط، وفرعون وأتباعه، وقوم نوح، وإهلاكهم بسبب
تكذيبهم بها وتكذيب رسلهم، من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿أُذُنُّ وَعِيَةٌ﴾.
ثم وصفت وقائع عذاب الآخرة جزاء على إنكاره في الدنيا في قوله تعالى:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ اُلُّورِ نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ ﴾ إلى ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُرْ خَافِيَةٌ﴾.
وأردفت ذلك ببيان حال السعداء والأشقياء يوم القيامة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُونِى
ج) ﴿وَمَا مَنْ أُوِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ،﴾ إلى
كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَبِيَهْ
V
قوله: ﴿لَّا يَأْكُلُ: إِلَّا الْخَطِئُونَ
ثم أقسم رب العزة قسماً بليغاً على صدق الوحي والقرآن وأنه كلام الله
المنزل على قلب رسوله وَله، وأنه ليس بقول شاعر ولا كاهن: ﴿فَلَّ أَقِْمُ بِمَا
نُصِرُونَ ﴿٣٨) إلى قوله: ﴿نَنِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٤٣
وختمت السورة ببيان البرهان القاطع على صدق الرسول وَله وأمانته في
تبليغ الوحي، وأن القرآن تذكرة وعظة وخبر حق لا مرية فيه، ورحمة
للمؤمنين وحسرة على الكافرين: ﴿ وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَوِيلِ (@)﴾ إلخ
السورة.

٨٦
الجُزءُ (٢٩) - القلم: ٦٩ /١-١٢
تعظيم يوم القيامة وإهلاك المكذبين به
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْحَاقَّةُ
مَا الْحَاقَةُ
الْحَقَّةُ ﴿
وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاعِيَةِ
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامِ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَخْلٍ خَاوِيَةِ ﴿٣ فَهَلْ تَرَى لَهُم ◌ِنُ بَاقِيَةٍ ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ
فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رَِّيَةً
وَأْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ
إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ
COF
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ
حَمَلْنَكُمْ فِ الْجَارِيَةِ
القراءات:
﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾:
وقرأ أبو عمرو، والكسائي (ومَنْ قِبَلَه).
﴿ أُذُنٌ
وقرأ نافع (أُذْن).
الإعراب:
وَمَّ أَدْرَنِكَ مَا الْخَفَّةُ ﴿َ﴾ ﴿الْحَاقَّةُ
اَلْحَقَّةُ ﴿﴿ مَا الْحَقَّةُ.
الأولى: مبتدأ، و﴿مَا﴾ استفهامية، مبتدأ ثان، و﴿الْحَقَّةُ﴾ الثانية: خبر المبتدأ
الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره: خبر عن المبتدأ الأول. وقوله ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾
الأصل: الحاقة ما هي؟ أيْ أيُّ شيء هي؟ فوضع الظاهر موضع المضمر
]) ﴿مَا﴾ استفهامية
للتفخيم والتعظيم، فهو أهول لها . ﴿ وَمَا أَدْرَكَ مَا الْخَفَّةُ
مبتدأ، و﴿مَا﴾ الثانية: مبتدأ ثان، و﴿اَلْحَقَّةُ ﴾﴾ خبره، والمبتدأ الثاني
وخبره في موضع نصب بـ ﴿أَذْرَئِكَ﴾. و﴿أَذْرَئِكَ﴾ والجملة المتصلة به: في موضع
٢

٠ ٨٧
الجُرع (٢٩) - المقلية: ٦٩ /١-١٢
رفع على أنه خبر المبتدأ الأول. و﴿أَدْرَئِكَ﴾ يتعدى إلى مفعولين، والمفعول
الأول: الكاف، والجملة بعده في موضع المفعول الثاني. ولم يعمل ﴿أَدْرَكَ﴾ في
﴿مَا﴾ الثانية؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
﴿ِلطَّاغِيَةِ﴾ إما مصدر كالعاقبة والعافية، وإما صفة لموصوف محذوف
تقديره: بالصيحة الطاغية، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
﴿سَخَّرَهَا عَلَيَّهِمْ﴾ استئناف أو صفة جيء به لنفي توهم كون الأمور
طبيعية.
﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامِ حُسُومًا﴾ حذفت تاء التأنيث من ﴿سَبْعَ﴾
وأثبتت في ﴿وَثَمَنِيَةَ﴾ لأن الليالي جمع مؤنث والأيام جمع مذكر،
و﴿حُومًا﴾: إما منصوب على الوصف لقوله: ﴿أَيَّامٍ﴾ أو منصوب على
المصدر، أي تباعاً. و﴿صَرْعَى﴾ حالٍ من ﴿اَلْقَوْمَ﴾ لأن ﴿فَتَرَى﴾ من رؤية
البصر، و﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾: في موضع نصب على الحال من ضمير
﴿صَرْعَى﴾. وتقديره: مشبهين أعجاز نخل، و﴿خَاوِيَةٍ﴾: صفة لنخل، وقال
{خَاوِيَةٍ﴾ بالتأنيث؛ لأن النخل يجوز فيه التأنيث والتذكير مثل ﴿نَخْلِ مُنْفَعِرٍ﴾.
يقرأ بالإدغام، لقرب التاء من مخرج
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقَِةٍ
اللام.
البلاغة:
﴿اَلْحَقَّةُ جَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) إطناب بتكرار الاسم للتهويل والتعظيم.
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادُ بِالْقَارِعَةِ ﴿) ثم قال: ﴿فَمَّا ثَمُودُ﴾ ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾
تفصيل بعد إجمال، وفيه لف ونشر مرتب.
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ خَاوِيَةٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل، فيه الأداة، وحذف وجه
الشبه.

٨٨
لُحُ (٢٩) - القلم: ٦٩ /١-١٢
﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ استعارة، شبه ارتفاع الماء بطغيان الإنسان على
الإنسان.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْحَاقَّةُ ﴾﴾ أي الساعة الثابتة المجيء، الواجبة الوقوع، وهي القيامة،
التي يحق، أي يثبت ويجب حدوثها وما اشتملت عليه من البعث والحساب
؛ أيْ أيُّ شيءٍ هي؟ وضع
والجزاء الذي أنكره المنكرون. ﴿مَا الْحَاقَّةُ (4)
الظاهر فيها موضع الضمير، تفخيماً لشأنها، وتعظيماً لهولها. ﴿وَمَا أَذَرَنكَ مَا
اَلْحَاقَّةُ (3) أيْ وأيّ شيء أعلمك ما هي؟ أي إنك لا تعلم كنهها، فإنها
أعظم من أن يدري بها أحد، والجملة زيادة تعظيم لشأنها.
﴿بِلْقَارِعَةِ﴾ القيامة التي تقرع القلوب بالإفزاع، وتهز النفوس بأهوالها،
والمواد بالانفطار والانتثار، وإنما وضعت موضع ضمير ﴿الْحَاقَّةُ () زيادة
في وصف شدتها.
﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ الواقعة التي جاوزت الحد في الشدة والقوة، وهي الصيحة أو
الرجفة، أي الصاعقة، وسبب إهلاكهم: تكذيبهم بالقارعة، وطغيانهم
بالكفر والمعاصي. ﴿بِرِيجَ صَرْصَرٍ﴾ شديدة الصوت والبرد، من الصَّة أي
الصيحة، أو من الصِّر أي البرد الذي يضرب النبات والحرث. ﴿عَاتِيَةٍ﴾
شديدة القوة والعصف. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ سلَّطها عليهم بقدرته. ﴿سَبْعَ لَيَالٍ
وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ قال المحلي: أولها من صبح الأربعاء لثمان بقين من شوال،
وكانت في عجز الشتاء وهي أيام العجوز أو العجائز، سميت عجوزاً؛ لأنها
عجز للشتاء. ﴿حُسُومًا﴾ متتابعات، أو من الحسم: وهو القطع والاستئصال.
﴿فَرَ اٌلْقَوْمَ﴾ إن كنت حاضراً في مهابها أو في الليالي والأيام.
﴿صَرْعَى﴾ موتى مطروحين هالكين، جمع صريع. ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ أصول نخل.
﴿خَاوِيَةٍ﴾ ساقطة فارغة. ﴿مِّنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي من نفس باقية. أو بقاء، أو بقية،

٨٩
الُرُ (٢٩) - المقلية: ٦٩ /١-١٢
أو باق، والتاء للمبالغة. ﴿ وَمَن قَبْلَهُ﴾ من تقدَّمه من الأمم الكافرة، وقرئ:
(ومن قِبَله) أي أتباعه وجنوده. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتُ﴾ المنقلبات وهي قرى قوم لوط،
والمراد: أهلها. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ بالخطأ، أو بالفعلة ذات الخطأ. ﴿فَعَصَوْ رَسُولَ
رَبِهِمْ﴾ عصت كل أمة رسولها. ﴿رَّبِيَةً﴾ زائدة في الشدة، زيادة أعمالهم في
القبح، من ربا الشيء: زاد.
﴿َطَفَا الْمَآءُ﴾ جاوز حدّه المعتاد، وارتفع وعلا فوق كل شيء من الجبال
وغيرها زمن الطوفان. ﴿حَلْنَكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم.
﴿الْجَارِيَةِ﴾ السفينة التي تجري في الماء، وهي التي صنعها نوح عليه السلام بإلهام
الله وتعليمه، ونجا بها هو ومن كان معه مؤمناً، وغرق الآخرون. ﴿لِنَجْعَلَهَا
﴾ لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك وإغراق الكافرين. ﴿نَذْكِرَةً﴾
عظة. ﴿وَنَعِيَهَا﴾ وتحفظها. ﴿أُذُنُ وَعِيَةٌ﴾ حافظة لما تسمع، أي من شأنها أن
تحفظ ما يجب حفظه لتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه. وتنكير كلمة
﴿أُذُنّ﴾ للدلالة على قلتها.
التفسير والبيان:
افتتح الله سورة الحاقة بما يدل على تعظيم شأنها، وتفخيم أمرها، وتهويل
يومها فقال :
وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الْحَفَّةُ جَ﴾ ﴿الْحَقَّةُ جَ﴾ هي
﴿اَلْحَاقَّةُ جَ مَا الْحَاقَةُ [و
القيامة، سميت بذلك؛ لأن الأمور تُحَقُّ فيها، وتثبت وتقع من غير شك ولا
ريب، و﴿الَقَّةُ ﴾﴾ يوم الحق؛ لأنها تظهر فيها الحقائق.
والمعنى: القيامة التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، والساعة الواجبة
الوقوع، الثابتة المجيء، أيّ شيء هي في حالها وصفاتها؟ فهي عظيمة الشأن،
شديدة الهول، لا يدرك حقيقتها ولا يتصور أوصافها غير الله عز وجل. وأي
شيء أعلمك بها أيها النبي الرسول؟ فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقين،
لعظم شأنها، وشدة هوها.

٩٠
الُرُ (٢٩) - الأقلية: ٦٩ /١-١٢
قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن: ﴿ وَمَا أَدْرَكَ﴾ فقد أدراه
إياه وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ﴾ فهو مما لم يعلمه.
وقال سفيان بن عُيَيْنة: كل شيء قال فيه: ﴿وَمَآ أَذْرَئِكَ﴾ فإنه أُخبر به، وكل
شيء قال فيه: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ﴾ فإنه لم يخبر به.
ثم ذكر الله تعالى نوع العقاب الذي أوقعه بالأمم السابقة التي كذبت
بالقيامة تخويفاً لأهل مكة وغيرهم، فقال:
- ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَدُ بِالْقَارِعَةِ ﴾﴾ أي كذبت قبيلة ثمود قوم صالح،
وقبيلة عاد قوم هود بالقيامة، وهي القارعة التي تقرع الناس بأهوالها، والمواد
بالانفجار والانتثار. ثم فصل الله تعالى أنواع العقاب ونتائجه فقال:
﴿ فَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ (3) أي فأما جماعة ثمود قوم صالح عليه
السلام، فأهلكوا هلاكاً تاماً بالطاغية: وهي الصيحة أو الصاعقة أو الرجفة
التي جاوزت الحد في الشدّة، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾
[هود: ٦٧/١١] أي الصاعقة، وقال سبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى
٧﴾ [الأعراف: ٧٨/٧، ٩١] أي الزلزلة، فالألفاظ مختلفة،
ولكن معانيها واحدة.
دَارِهِمْ جَثِمِينَ
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ
﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ
وَثَمَنِيَّةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ وأما قبيلة عاد قوم هود عليه السلام، فأهلكوا هلاكاً
ساحقاً بريح شديدة الصوت، شديدة البرد، قاسية شديدة الهبوب، جاوزت
الحد لشدة هولها، وطول زمنها وشدة بردها، عتت عليهم بغير رحمة ولا
شفقة، وسلطها الله وأرسلها عليهم طوال مدة مستمرة هي سبع ليال وثمانية
أيام لا تنقطع ولا تهدأ، وكانت تقتلهم بالحصباء، متتابعات، تحسمهم
حسوماً، أي تفنيهم وتذهبهم.

٩١
الُعُ (٢٩) - الأقلية: ٦٩ /١-١٢
وكانت عادة القرآن تقديم قصة عاد على ثمود، إلا أنه قلب ههنا؛ لأن قصة
ثمود بنيت على غاية الاختصار، ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.
﴿فَتَرَ اُلْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقَِةٍ
﴾؟ أي فتشاهد إن كنت حاضراً أولئك القوم في ديارهم أو في تلك الأيام
٨
والليالي مصروعين بالأرض موتى، كأنهم أصول نخل ساقطة أو بالية، لم يبق
منهم أحد، فهل تحس منهم من أحد من بقاياهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم
يجعل الله لهم خلفاً، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّ مَسَكِنْهُمْ﴾
[الأحقاف: ٤٦ /٢٥] .
وثبت في الصحيحين عن رسول الله وَ﴿ل أنه قال: ((نُصرت بالصَّبا،
وأُهلكت عاد بالدَّبور)).
﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْنَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴿﴾ أي وأتى الطاغية فرعون
ومن تقدمه من الأمم الكافرة وأهل المنقلبات قرى قوم لوط بالفعلة الخاطئة،
وهي الشرك والمعاصي.
﴿ فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةَ رَّبِيَّةً ﴾﴾ أي فعصت كل أمة رسولها
المرسل إليها، فأهلكهم الله ودمّرهم، وأخذهم أخذة أليمة شديدة زائدة على
عقوبات سائر الكفار والأمم.
ونظير مطلع الآية قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ
[ص: ١٤/٣٨] وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤/٥٠]
ومن كذب برسول فقد كذّب الجميع، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوج
الْمُرْسَلِينَ
[الشعراء: ٢٦ /
: [الشعراء: ١٠٥/٢٦] ﴿كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ
١٠٥
[الشعراء: ١٤١/٢٦] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ
١٤١
١٢٣] ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
[الشعراء: ١٦٠/٢٦].
٣

٩٢
لِلُعُ (٢٩) - النقلة: ٦٩ /١-١٢
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةَ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ
﴿إِنَّا لَمَّا كَفَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِيِ الْجَارِيَّةِ
(1) أي إننا لما تجاوز الماء حده وارتفع بإذن الله، وجاء الطوفان في زمن
نوح عليه السلام، حملنا آباءكم المؤمنين وأنتم في أصلابهم، في السفينة التي
تجري في الماء، لينجوا من الغرق، ولنجعل نجاة المؤمنين، وإغراق الكافرين
عبرة وعظة، تستدلون بها على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، وشدة انتقامه،
ولتفهمها وتحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت. فقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُنْ
نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَاَ﴾ عائد إلى الواقعة المعلومة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة.
روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن مكحول مرسلاً قال: لما نزل على
رسول الله وَله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌّ وَعِيَةٌ﴾ قال رسول الله وَّه: ((سألت ربي أن
يجعلها أُذُنَ عَلِيٍّ)) قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله وَ ◌ّل
شيئاً قط، فنسيته. وأما خبر بريدة في أن الآية نزلت بسبب علي رضي الله
عنه فهو غير صحيح.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
اً - تفخيم شأن القيامة، وتعظيم أمرها، والتخويف من أهوالها، ولا
شك أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض
بالدق، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.
أَ - وجوب الاتعاظ والاعتبار بمصير الأمم السابقة التي كذبت رسلها،
وقد ذكرت الآيات هنا ثلاث قصص: قصة عاد وثمود الذين كذبوا بالقارعة
وهي القيامة التي تقرع الناس بأهوالها، وقصة فرعون ومن تقدمه وقوم لوط،
وقصة نوح عليه السلام مع قومه.
أما ثمود فأهلكوا بالصيحة الطاغية، أي المجاوزة للحدّ، حد الصيحات من

٩٣
الُعُ (٢٩) - الأقلية: ٦٩ / ١٣-١٨
الهول، وأما ثمود فأهلكوا بريح باردة تحرق ببردها كإحراق النار، شديدة
الهبوب، غضبت لغضب الله عز وجل، أرسلها وسلطها الله تعالى عليهم سبع
ليال وثمانية أيام متتابعة، لا تفتر ولا تنقطع، فصار القوم في تلك الليالي
والأيام موتى هالكين، كأصول نخل بالية متآكلة الأجواف لا شيء فيها.
وأما فرعون وجنوده فأهلكوا بالإغراق في البحر، وأما المؤتفكات أهل
قرى لوط، فدمروا بالريح التي ترميهم بالحصباء تدميراً شاملاً بعقوبة زائدة في
الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على
أفعال سائر الكفار، وهي الكفر والفواحش.
وأما قوم نوح فأغرقوا بالطوفان، ونَّى الله نوحاً ومن آمن معه بركوبهم في
السفينة التي صنعها نوح بإلهام من الله تعالى، ليجعل الله ذلك تذكرة وعظة لهذه
الأمة، وتحفظها وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله.
بعض أهوال القيامة
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَّلَّةً وَحِدَةً
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الْصُورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ ()
١٤)
فَيَؤَمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنْشَقَتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَىّ
أَرْجَائِهَاً وَيَحِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَّهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَنِيَةٌ ﴿ يَوْمَِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُرْ
خَافِيَةٌ
القراءات:
لا
تَفَى﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي (لا يخفى).
الإعراب:
﴿نَفْخَةُ وَحِدَةٌ﴾ نائب فاعل، ووصفت ﴿نَفْخَةٌ﴾ بـ ﴿وَحِدَةٌ﴾ وإن كانت

٩٤
لُعُ (٢٩) - القلة: ٦٩ / ١٣-١٨
النفخة لا تكون إلا واحدة، على سبيل التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا
نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١/١٦] وإن كان الإلهان لا يكونان إلا اثنين
للتأكيد. وجاء تذكير ﴿نُفِخَ﴾ لأن تأنيث النفخة غير حقيقي.
﴿فَيَؤْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (٣)﴾ يومئذ: ظرف منصوب متعلق بـ ﴿وَقَعَتِ﴾،
وكذلك ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثانية يتعلق بـ ﴿وَاهِيَةٌ﴾ وكذلك يومئذ في ﴿يَوْمَبِذٍ تُعْرَضُونَ﴾
يتعلق بـ ﴿تُعْرَضُونَ﴾.
البلاغة:
﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ بينهما جناس اشتقاق، وكذلك مثله ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُرْ
خَافِيَةُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ اُلْضُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ
هي النفخة الأولى التي عندها خراب
١٣
العالم، والصور: البوق. ﴿وَحُلَتِ الْأَرَضُ وَاَلْجِبَالُ﴾ رفعت من أماكنها. ﴿فَدُّكَّنَا
دَكَةٌ وَحِدَةً﴾ دقتا وضرب بعضها ببعض، فصارت أرضاً مستوية لا عوج
فيها، وكتلة واحدة. والدك والدق متقاربان في المعنى، غير أن الدك أبلغ.
﴿فَيَوَمَيِدٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (٣) أي فحينئذ قامت القيامة، والواقعة: النازلة.
﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ﴾ تصدعت وتشققت وتبددت. ﴿وَاهِيَةٌ﴾ مختلة ضعيفة
مسترخية لا تماسك بين أجزائها.
﴿وَالْمَلَكُ﴾ الملائكة، فالمراد به الجنس. ﴿عَلَىَّ أَرْجَبِهَا﴾ جوانب السماء
وأطرافها، جمع رجا أي جانب . ﴿فَوْقَهُمْ﴾ فوق الملائكة الذين هم على
الأرجاء . ﴿ثَمَنِيَةٌ﴾ ثمانية أملاك. ﴿تُعْرَضُونَ﴾ للحساب. ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ
خَافِيَةٌ﴾ لا تخفى سريرة من السرائر.
المناسبة:
بعد أن بالغ الله تعالى في تهويل القيامة، وذكر القصص الثلاث لبيان مآل

٩٥
الُعُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ١٣-١٨
المكذبين بها، تفخيماً لشأنها، وتنبيهاً على إمكانها، شرع سبحانه في بيان
تفاصيل أحوال القيامة وأهوالها، وابتدأ بمقدماتها.
التفسير والبيان:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُورِ نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ ﴾﴾ أي فإذا نفخ إسرافيل النفخة الأولى
التي يكون عندها خراب العالم. وهذا إخبار عن أهوال يوم القيامة.
﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَّلَّةً وَحِدَةً ﴾﴾ أي رفعت من أماكنها،
وأزيلت من مواقعها بالقدرة الإلهية، فضرب بعضها ببعض ضربة واحدة،
حتى صارت كتلة واحدة، ورجعت كئيباً مهيلاً منثوراً، وتبددت وتغيرت عما
هو معروف، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ
[إبراهيم: ٤٨/١٤] . والدك أبلغ من الدق.
لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ (جَا﴾
فحينئذ قامت القيامة، ووقعت النازلة.
﴿فَيَؤْمَيٍِ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (شَّ
﴿ وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ بَوْمِذٍ وَاهِيَةٌ.
أي وتصدعت السماء، فهي في
٦
ذلك اليوم ضعيفة مسترخية غير متماسكة الأجزاء بعد أن كانت قوية محكمة
البناء.
أي وتكون
﴿ وَلْمَلَكُ عَلَىَّ أَرْجَائِهَاْ وَيَحْمِلُ عَرَشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَّةٌ
الملائكة على جوانب السماء وحافاتها على أهبة الاستعداد لتنفيذ ما يأمرهم به
الله عز وجل، ويحمل عرش ربك فوق رؤوس الملائكة الذين هم على الأرجاء
ثمانية أملاك، وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عددهم إلا الله عز
وجل. والعرش: أعظم المخلوقات. وحمل العرش مجاز؛ لأن حمل الإله محال،
فلا بدّ من التأويل، وهو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفون، وعلى سبيل الرمز،
كإيجاد البيت (الكعبة) وجعل الحفظة على العباد، لا للسكنى في البيت، ولا
بسبب احتمال النسيان.

٩٦
الُُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ١٣-١٨
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴿4﴾ أي في ذلك اليوم يعرض العباد
على الله لحسابهم، فلا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم وأقوالكم وأفعالكم
وأموركم خافية كائنة ما كانت، فهو يعلم السرّ وأخفى، ويعلم بالظواهر
والسرائر والضمائر، وتعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً، ليكتمل
سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.
والعرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة، شبه ذلك بعرض السلطان
العسكر، لتعرف أحواله، وقد صور الله تعالى تلك الصورة المهيبة، لا لأنه
يقعد على السرير.
وفي هذا تهديد شديد، ووعيد وزجر أكيد، وإخبار بخطورة الحساب
العسير.
روى ابن أبي الدنيا عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب رضي
الله عنه: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزَنوا،
فإنه أخف عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض
الأكبر: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري قال:
قال رسول الله وَلقر: ((يُعرض الناس يوم القيامة ثلاث عَرْضات، فأما
عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تَطَّيَّرُ الصحُف في الأيدي،
فآخذٌ بيمينه، وآخذٌ بشماله)) لكن الترمذي رواه عن أبي هريرة. ورواه ابن
جرير أيضاً عن عبد الله بن مسعود.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
اً - من مقدمات القيامة: نفخة إسرافيل في الصور (البوق). والمراد النفخة

٩٧
لُ (٢٩) - الأقلةِ: ٦٩ /١٣-١٨
الأولى، قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا
مات.
اً - من أهوال القيامة ومخاوفها: صيرورة الأرض والجبال كالجملة
الواحدة متفتتة متكسرة إما بقدرة الله من غير وساطة، وإما بالزلزلة التي تكون
في القيامة، وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال، أو
بملك من الملائكة.
◌َّ - بعد النفخة الأولى في الصور وتفتت الأرض والجبال تقوم القيامة،
وتتصدع السماء وتتفطّر، وتصبح ضعيفة واهية غير متماسكة الأجزاء، إيذاناً
بزوالها وتبدلها وخرابها، بعدما كانت محكمة شديدة.
٤ - تكون الملائكة حين انشقاق السماء على أطرافها، بعد أن كانت
السماء مكانهم، فإذا انشقت صاروا في أطرافها، ينتظرون ما يؤمرون به في
أهل النار من السَّوْق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة.
٥ - يكون فوق أولئك الملائكة ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف لا يعلم
عددهم إلا الله يحملون العرش الذي أراده الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ اُلْعَرْشَ﴾
[غافر: ٧/٤٠] وقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَافِيْنَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٣٩/
٧٥]. ذكر الثعلبي عن النبي وَلا ير: ((أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم
القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية)). وخرَّجه الماوردي عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يحمله اليوم أربعة، وهم يوم القيامة
ثمانية)) .
٩ - في يوم القيامة الرهيب يعرض العباد على الله للحساب والجزاء، كما
قال تعالى: ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَا﴾ [الكهف: ٤٨/١٨] وليس ذلك عرضاً يعلم
به ما لم يكن عالماً به، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة، فلا
يخفى على الله من أمورهم شيء، فالله عالم بكل شيء من الأعمال. وكل من

٩٨
الجزء (٢٩) - القلة: ٦٩ / ١٩-٢٤
الحمل والعرض لا يعني التجسيم والتشبيه بالمخلوقات، وإنما للتصوير والرمز
والتقريب إلى الأذهان.
حال الأبرار الناجين بعد الحساب
إِنّ ◌َظَنْتُ أَنّى مُلَفٍ
١٩
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْقِىَ كِنَهُ بِيَمِنِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَهْ
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
٢٣
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
حِسَابِيَهُ ﴿٣٠َ فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ
٢٣
كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
٢٤
الإعراب:
﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِتَبِيَهُ﴾ ﴿هَآؤُمُ﴾: اسم فعل أمر بمعنى خذوا، و﴿كِنَبِيَهُ﴾:
مفعول منصوب لـ ﴿اقْرَءُواْ﴾ وفيه دليل على إعمال الفعل الثاني، ولو أعمل
الأول لقال: ((اقرؤوه)) ففيه تنازع بين ﴿هَاؤُمُ﴾ و﴿اقْرَءُوا﴾.
﴿هَنِيَا﴾ حال، أي متهنئين.
﴿كُواْ﴾ إنما جمع الخطاب في ﴿كُلُواْ﴾ بعد قوله: ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ﴾ لقوله:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِ﴾ و﴿مَنْ﴾ مضمّن معنى الجمع.
البلاغة:
مقابلة مع ما
﴿فَأَّا مَنْ أُوِى كِنَبَهُ بِمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنََِهُ
بعده: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ﴾.
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴿َ حُواْ
٢٣
) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
٢١
﴿فَهُوَ فِى عِشَةٍ رََّضِيَةٍ
وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِ اْأَّمِ الْخَالِيَةِ
توافق الفواصل مراعاة
(٢٤)
لرؤوس الآيات، ويسمى في علم البديع السجع المرصع.
:

٩٩
الُعُ (٢٩) - الدولة: ٦٩ / ١٩-٢٤
المفردات اللغوية:
﴿فَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُ﴾ تفصيل للعرض على الله. ﴿فَيَقُولُ﴾ تفاخراً.
﴿هَاؤُمُ﴾ خذوا. ﴿ظَنَنْتُ﴾ تيقنت أو علمت. ﴿مُلَقٍ﴾ معاين. ﴿رَّاضِيَةِ﴾ ذات
رضا، يرضى بها أصحابها. ﴿عَلِيَةٍ﴾ مرتفعة المكان والدرجات. ﴿قُطُوفُهَا﴾
ثمارها، أي ما يجتنى من الثمر، جمع قِطْف: وهو ما يجتنى بسرعة، والقَطْف
بالفتح: المصدر . ﴿دَانَةٌ﴾ قريبة، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع.
﴿كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَّا﴾ أي يقال لهم: أكلاً وشرباً هنيئاً، أو هنئتم هنيئاً، أو
متهنئين. ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ الماضية في الدنيا.
المناسبة:
بعد الإخبار بأن جميع العباد يعرضون على الله للحساب والجزاء دون أن
يخفى عليه شيء من أمورهم، أخذ في تفصيل عرض الكتب، ومردودها على
أصحابها، مبتدئاً بأهل اليمين، ثم بأهل الشمال.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه بيمينه يوم القيامة وفرحه بذلك،
فقال :
®)(١) أي فأما من
﴿فَمَّا مَنْ أُوتِ كِنَبَهُ بِمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَفْرَءُواْ كِنَبِيَهُ
أعطي كتابه الذي كتبته الحفظة عليه من أعماله بيمينه، فيقول من شدة فرحه
وابتهاجه لكل من لقيه: خذوا هذا الكتاب فاقرؤوا ما فيه، لعلمه أنه صار من
الناجين، بعد أن كان خائفاً مضطرباً شأن أهل المحشر، كما قال تعالى:
ـر
﴿إِنّ ◌َظَنَنْتُ أَنِّى مُلَقٍ حِسَانِيَة (٣٥)﴾ أي غلب على ظني أني ألاقي حسابي،
فيؤاخذني الله بسيئاتي، ولكنه تعالى تفضل علي بالعفو، ولم يؤاخذني بها.
(١) أما: حرف تفصيل، فصل بها ما وقع في يوم العرض.

١٠٠
للزُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ١٩-٢٤
والمعنى عند أكثر المفسرين: علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في
الآخرة، وأن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم
مُلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦/٢]. قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو
يقين، ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا
شك.
قال الزمخشري: وإنما أجري الظن مجرى العلم (اليقين) لأن الظن الغالب
يقام مقام العلم في العادات والأحكام، يقال: أظن ظناً كاليقين أن الأمر
کیت و کیت.
ويؤيد المعنى الأول للآية ما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر حين
سئل عن النجوى، فقال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((يُدْني الله العبد يوم
القيامة، فيقرِّرُه بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى: إني
سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته
بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾
[هود: ١٨/١١])).
ثم أبان الله تعالى مصير المؤمن التقي البار أو عاقبة أمره، فقال:
﴿ قُطُوفُهَا دَاِيَةٌ (®﴾ أي
﴿فَهُوَ فِى عِشَةٍ رََّضِيَةٍ ﴿ فِ جَنَّةٍ عَلِيَةِ (
فهو في عيشة مرضية خالية من المكدِّرات، غير مكروهة، في جنة مرتفعة
المكان، رفيعة القدر، عالية المنازل، نعيمة الدور، دائمة الحبور، ثمارها قريبة
التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع.
روى الطبراني عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله اَله: ((لا يدخل
أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن
فلان: أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية)). ورواه الضياء بلفظ: ((يعطى المؤمن
جوازاً على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز
الحكيم لفلان: أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية)).