النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ الجُرُ (٢٩) - الملكِ: ٦٧ / ١٢-١٥ حال غيبتهم عن أعين الناس، فيطيعونه سراً وعلانية. ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ثواب عظيم وهو الجنة، يصغر دونه لذائذ الدنيا. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في الضمائر أو النفوس. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء على وفق حكمته. ﴿اللَّطِيفُ﴾ العالم بدقائق الأمور وخفاياها التي لا يدركها العالمون. [الخَبِيرُ﴾ المطلع على ظواهر الأشياء وبواطنها. ﴿ذَلُولًا﴾ سهلة منقادة لينة يسهل لكم السير فيها والانتفاع بها . ﴿مَنَاكِهَا﴾ جوانبها وطرقها، جمع منكِب: وهو في الأصل مجتمع ما بين العضد والكتف . ﴿اُلنَّشُورُ﴾ الخروج من القبور، والحياة بعد الموت، والرجوع إلى الله بعد البعث للجزاء. سبب نزول الآية (١٣): ﴿ وَأَسِرُواْ﴾: قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله وَّة، فخَّرَه جبريل عليه السلام بما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم لئلا یسمح إله محمد. المناسبة: بعد وعيد الكفار بعذاب النار، ذكر الله تعالى للمقابلة وعد المؤمنين بالمغفرة والأجر الكبير، ثم عاد إلى تهديد الكافرين والناس جميعاً بأنه عليم بكل ما يصدر عنهم في السر والعلن، وأقام الدليل على ذلك بأنه هو الخالق والقادر الذي ذلّل الأرض للعالم، وأذن لهم بالانتفاع بما فيها من خيرات وكنوز ظاهرة وباطنة كالزروع والثمار والمعادن. التفسير والبيان: أي إن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (4) الذين يخافون عذاب ربهم ولم يروه، فيؤمنون به خوفاً من عذابه، ويخافون الله ٢٢ الزُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ١٢-١٥ في السر والعلن، فيخشون ربهم إذا كانوا غائبين عن الناس، بالكف عن المعاصي والقيام بالطاعات، حيث لا يراهم أحد إلا الله تعالى، هؤلاء لهم مغفرة عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم، وثواب جزيل، وهو الجنة. ثبت في الصحيحين: ((سبعة يظلّهم الله تعالى في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله .. منهم: ورجل دَعَتْه امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) . ثم نَّه الله تعالى على أنه مطّلع على الضمائر والسرائر، فقال: ﴿ وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣)﴾ أي سواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم به، فالله عليم به، يعلم ما يخطر في القلوب وما تكنّه الضمائر، لا يخفى عليه منه خافية، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالله عليم به، فاحذروا من المعاصي سراً كما تحترزون عنها جهراً، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى. وقدَّم السر على الجهر؛ لأنه مقدم عليه عادة، فما من أمر إلا وهو يبدأ أولاً في النفس ثم يجهر به، وللتحذير من التكتم والسر الذي قد يظن عدم العلم به. وقوله: ﴿إِنَُّ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ كالعلّة لما قبله. والآية خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، وتشمل ما كانوا يسرون به من الكلام في أمر رسول الله وَلتر، قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله وَّ، فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ﴾ لئلا يسمع إله محمد، فأنزل الله هذه الآية. ثم أقام الله تعالى الأدلة على سعة علمه، فقال: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيُ ﴾﴾ أي ألا يعلم الخالقُ خلقه، فهو الذي خلق الإنسان وأوجد السرَّ ومضمرات القلوب؟ فهو تعالى الذي ٢٣ الُرءُ (٢٩) - المملكِ: ٦٧ / ١٢-١٥ خلق الإنسان بيده، وأعلم شيء بالمصنوع صانعه، وهو العليم بدقائق الأمور، وما في القلوب، والخبير بما تسرُّه وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية. والمراد: ألا يعلم الشّر من خلق السّر؟ وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟ قال ابن كثير: والأول (أي ألا يعلم الخالق) أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾. والواقع أن كلا المعنيين محتمل، فيمكن جعل ﴿مَنْ﴾ اسماً للخالق جل وعز، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه؟ كما يمكن جعلها اسماً للمخلوق، ويكون المعنى: ألا يعلم الله من خلق. ولا بدّ من أن يكون الخالق عالماً بما خلقه وما يخلقه. ثم أقام الله تعالى الدليل على قدرته، ونَّه إلى تمام نعمته، فقال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ اُلُّشُورُ ﴾ أي إن الله هو الذي سخّر لكم الأرض وذلّلها لكم، وجعلها سهلة لينة قابلة للاستقرار عليها، لا تميد ولا تضطرب، بما جعل فيها من الجبال، وفجّر فيها الينابيع، وشقّ الطرق، وهيَّأ المنافع، وأنبت فيها الزروع وأخرج الثمار، فسيروا في جوانبها وأقطارها وأرجائها حيث شئتم بحثاً عن المكاسب والتجارات والأرزاق، ولا يغني السعي شيئاً عن تيسير الله، لذا قال تعالى: ﴿ وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ أي مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض، ومكّنكم من الانتفاع بها، وأعطاكم القدرات على تحصيل خيراتها، ثم اعلموا أنكم في النهاية صائرون إليه، فإليه النشور، أي البعث من قبوركم، لا إلى غيره، وإليه المرجع يوم القيامة، فاحذروا الكفر والمعاصي في السر والعلن. والآية دليل على قدرة الله ومزيد إنعامه على خلقه، وعلى أن السعي واتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل على الله، وعلى أن الاتجار والتكسب مندوب إليه. أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَدليل يقول: ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، ٢٤ الجُزءُ (٢٩) - الملكِ: ٦٧ / ١٢-١٥ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً)) فأثبت لها غُدُوّاً ورَواحاً، لطلب الرزق، مع توكلها على الله عز وجل، وهو المسخِّر المسيِّر المسبِّب. وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قُرَّة قال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم، فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكلون، قال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبَّه في بطن الأرض، وتوكل على الله عز وجل. ويكون المراد من الآيتين هذه وما قبلها تهديد الكافرين بأن الله عالم بسرهم وجهرهم، وأنه هو المنعم المتفضل عليهم بما يسَر لهم من خيرات الأرض، فاحذروا عقابه، فكأنه تعالى قال: أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم وجهركم، فكونوا خائفين مني، محترزين من عقابي، فقد أسكنتكم في هذه الأرض التي ذلَّلتها لكم، وجعلتها سبباً لنفعكم ورزقكم، وإني إن شئت خسفت بكم هذه الأرض، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: اَ - إن خشية الله، والخوف من عذابه وعقابه، ومجاهدة الشيطان واجب كل إنسان، وإن الذين يخافون الله، ويخافون عذابه الغائب عنهم وهو عذاب يوم القيامة، ويراقبون الله في سرهم وعلنهم، لهم مغفرة لذنوبهم، وثواب كبير وهو الجنة. أَ - إن الله تعالى عالم على السواء بالجهر وبالسر، وبما في الصدور من خطرات وخفايا وبما في القلوب من الخير والشر. وعليه يكون ما أخفاه المشركون من الكلام في أمر محمد بَله، وما جهروا به معلوماً تمام العلم لله عز ٢٥ الجُرُ (٢٩) - الملكِ: ٦٧ / ١٦-١٩ وجل. كذلك كل ما يكيد به الناس للإسلام وقرآنه ونبيه وَ لير وأهله في كل عصر، دولاً وأفراداً، يعلم به الله، ويعاقب أهل الكيد والمكر والشر والضلال عليه. ٣ - الدليل على كونه تعالى عالماً بجميع الأشياء السرية والعلنية أنه هو الخالق للإنسان وأفعاله وأقواله، ومن خلق شيئاً لا بدّ وأن يكون عالماً بمخلوقه. ٤ - إن الأرض وما فيها من خيرات ومنافع وكنوز مسخرة للإنسان هي من نعمة الله وفضله، وهي حقل التجارب، ومرصد السلوك الإنساني، والله الذي ذلَّلها ويشَر لعباده الأرزاق فيها قادر أيضاً على أن يخسفها بأهلها وسكانها، ويكون المصير والمرجع إليه بعد البعث من القبور للحساب والجزاء، فما على الناس إلا استعمال الأرض في الخير، والبعد عن الشر والمنكرات والكفر والمعاصي. أنواع من الوعيد والتهديد والعبرة بالأمم السابقة ﴿وَأَمِنْثُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ﴿﴿ أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًّا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَفَ كَنَ نَكِيرِ (® أَوَلَمْ يَوْاْ إِلَى الَطَيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَّفَّتٍ وَيَقْبِضَنَّ مَا ١٩ يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُّ إِنَُّ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرُ الإعراب: ﴿أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ﴿أَنْ﴾: في موضع نصب على البدل من ﴿مَّن فِ السَّمَآءِ﴾ وهو بدل اشتمال. وكذا قوله: ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ بدل من ﴿مَّن﴾. ﴿صَفَّتِ﴾ حال منصوب؛ لأن المراد بالرؤية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَأْ﴾ رؤية ٢٦ للُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ١٦-١٩ العين، لا رؤية القلب. وقوله: ﴿وَيَقْبِضْنَّ﴾ عطف على ﴿صَفَّتٍ﴾ والجملة في موضع الحال، وتقديره: قابضات، وعطف هنا الفعل المضارع على اسم الفاعل؛ لما بينهما من المشابهة. البلاغة: ﴾ بينهما طباق؛ لأن المعنى صافات وقابضات. ج وَيَقْبِضَنَّ صَفّاتٍ ﴿نَذِيرٍ﴾، ﴿نَكِيرٍ﴾، ﴿بَصِيرُ﴾ سجع مرضّع مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿وَأَمِنْتُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين، أو بقلب الهمزة الأولى واواً، أو بتسهيل الثانية مع الفصل، أو بلا فصل، أو مع إدخال ألف بينهما، أو بإبدال الثانية ألفاً، والأمن: ضد الخوف. ﴿مَن فِي السَّمَِّ﴾ هو الله، على زعم العرب أنه تعالى في السماء . ﴿أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ أن يغوِّر بكم الأرض، ويغيبكم فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اُلْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١/٢٨]. ﴿ تَمُورُ﴾ ترتجّ وتتحرك وتضطرب. ﴿حَاصِباً﴾ ريحاً شديدة فيها حصباء ترميكم بها وتهلككم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عند معاينة العذاب . ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي إنذاري بالعذاب أنه حق، وتخويفي به. ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم. ﴿نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بإنزال العذاب، وهو تسلية للرسول وصل*، وتهديد لقومه المشركين. ﴿ أَوَلَمْ يَوْا﴾ ينظروا. ﴿فَوْقَهُمْ﴾ في الهواء. ﴿صَفَّتٍ﴾ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها. ﴿ وَيَقْبِضْنَّ﴾ أي وقابضات يضممنها تارة أخرى. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ عن الوقوع في حال البسط والقبض. ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ بقدرته، الشامل رحمته كل شيء. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ﴾ يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب. والمعنى: ألم يستدلوا بطيران الطير في الهواء على قدرتنا أن نعذبهم كما عذبنا الأمم المتقدمة؟ ٢٧ الجُزءُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ١٦-١٩ المناسبة: بعد بيان الأدلة على علم الله وقدرته لترهيب الكافرين وتخويفهم، أورد تعالى أدلة أخرى بقصد الوعيد والتهديد، من إمكان الخسف العاجل بأهل الأرض، أو إرسال الريح الحاصب التي تدمر كل شيء، مع التذكير بإهلاك الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم نوح وفرعون وجنوده، وإقدار الطير على الطيران في جو السماء. التفسير والبيان: ﴿وَأَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (®﴾ أي هل تأمنون أن يخسف أو يغور ويقلع الله بكم الأرض، كما خسف بقارون بعدما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها، فإذا هي تضطرب وتتحرك وتموج بكم؟ والمراد بهذا الاستفهام الوعيد والإخبار بأنه تعالى قادر على تعذيب من كفر بالله وأشرك معه إلهاً آخر. قال ابن عباس: أأمنتم من في السماء إن عصيتموه. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَىَّ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥/٦]. ولكن من لطفه ورحمته تعالى بخلقه أنه يَحْلُم ويصفح، ويؤجل ولا يعجِّل كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ﴾﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥]. ثم أتبع الله تعالى ذلك بوعيد آخر: ﴿أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ أي بل هل أمنتم ربكم الله الذي هو في السماء كما تزعمون، وهل أمنتم سلطانه وملكوته وقهره أن يرسل عليكم ريحاً مصحوبة بحجارة من السماء، كما ٢٨ الُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ١٦-١٩ أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل في مكة، وحينئذ تعلمون إذا عاينتم العذاب كيفية إنذاري وعقابي لمن خالف وكذب به، ولكن لا ينفعكم هذا العلم؟! ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا (﴿َ﴾ [الإسراء: ٦٨/١٧]. ثم ذكر الله تعالى بعذاب الأمم المتقدمة مؤكداً تخويف الكفار بالمثال والبرهان، أما المثال فهو: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَّفَ كَانَ تَكِيرِ ﴿1﴾ أي إن الكفار الذين كانوا قبلهم، والذين كذبوا الرسل، شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم، كعاد وثمود وكفار الأمم، فحاق بهم سوء العذاب، وانظروا كيف كان إنكاري عليهم بما أوقعته بهم من العذاب الشديد؟ وأما البرهان فقد ذكر تعالى عدة براهين على كمال قدرته، مما يدل على كونه تعالى قادراً على إيقاع جميع أنواع العذاب بالكفار. وهذا هو البرهان الأول: ﴿أَوَلَمْ يَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَّفَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ (®﴾ أي أو لم ينظروا إلى الطير فوقهم في الجو أو الهواء، وهن باسطات أجنحتهن تارة، وقابضات ضامّات لها تارة أخرى، ما يمسكهن في الهواء عند الطيران والقبض والبسط إلا الإله الرحمن القادر على كل شيء، بما سخّر لهن من الهواء برحمته ولطفه، إنه سبحانه عليم بصير بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء من دقائق الأمور وعظائمها. ونظير الآية: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوّ السَّمَاءِ مَا (9)) [النحل: ٧٩/١٦]. يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٢٩ الْجُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ١٦-١٩ قالوا: وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى؛ لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها، وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: اَ - الله تعالى هو القادر على أن يخسف بالكافرين والظالمين الأرض، عقوبة على كفرهم، كما خسف بقارون وبداره الأرض، فإذا الأرض تذهب وتجيء وتغور بهم وتبتلعهم. وإنما خصَّ الله تعالى هنا السماء في قوله: ﴿َأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاءِ﴾ فللتنبيه على سلطان الذي تنفذ قدرته في السماء، فضلاً عمن يعظمونه في الأرض، مع العلم بأنه تعالى إله في السماء وفي الأرض، كما قال: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِ السَّمَآءِ [الزخرف: ٤٣ /٨٤] . (٨٤) إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ وقد احتج المشبِّهة على إثبات المكان لله تعالى بقوله: ﴿َأَمِثُم مَّن فِ السَّمَآءِ﴾ وأجابهم الرازي بأن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطةً به من جميع الجوانب، فيكون أصغر من السماء، والسماء أصغر من العرش بكثير، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئاً أصغر من العرش، وذلك محال باتفاق أهل الإسلام؛ لأن العرش أكبر المخلوقات في السماء والأرض. ولأنه تعالى قال: ﴿قُل لِّمَن ◌َا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢/٦] فوجب صرف الآية عن ظاهرها إلى التأويل. وللتأويل وجوه أولاها: تقدير الآية: أأمنتم من في السماء سلطانه وملكه وقدرته؟ والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِى الْأَرْضِّ﴾ [الأنعام: ٣/٦] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين(١). (١) تفسير الرازي: ٧٠/٣٠ ٣٠ لُرُ (٢٩) - المملك: ٦٧ / ١٦-١٩ أَ - إن الله تعالى هو الذي أنعم على عباده بتذليل الأرض، وجعلها سهلة للاستقرار عليها، وامتن عليهم، فأباح لهم السير في نواحيها وأقطارها وآكامها وجبالها بحثاً عن الرزق وللاتجار والتكسب، وأذن لهم بالأكل مما أحله لهم، ثم هم في النهاية مرجعهم إلى الله، فإن الذي خلق السماء لا تفاوت فيها، والأرض ذلولاً، قادر على أن يبعثهم وينشرهم من قبورهم أحياء. ٢ - إن الله عز وجل هو القادر أيضاً على تعذيب الكفار بإرسال حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وحين وقوع العذاب يعلمون كيف إنذار الله بالعذاب أنه حق. ٤ - أكد الله تعالى تخويفات الكفار بضرب المثل بمن كانوا قبلهم، فإنهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم، وكفار هذه الأمم المتقدمة، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَذْين وأصحاب الرَّسّ وقوم فرعون. ٥ - من البراهين الدالة على قدرته تعالى: أنه كما ذلَّل الأرض للإنسان، ذلل الهواء للطيور، وما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عز وجل، وهو عليم بصير بكل شيء وبما يصلح كل شيء من مخلوقاته. ٣١ لُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٠-٢٧ توبيخ المشركين على عبادة الأصنام وإثبات قدرة الله واختصاصه بعلم البعث ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِ هُوَ جُنٌُّ لَّكُمْ يَنْصُرُّكُ مِّنِ دُونِ الرَّحْمَنَّ إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُم بَل لَّجُوْ فِى عُنُقِّ وَنُفُورٍ ﴿جَ أَفَنَ قُلْ هُوَ الَّذِىّ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) قُلْ هُوَ الَّذِى ٢٣ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ٢٥ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ ذَرَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (َ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ٢٦ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَعُونَ ٢٧ القراءات: (صِرَاطٍ﴾: وقرأ قنبل (سراط). [سِيَّتْ﴾ : بإشمام كسرة السين الضمة قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي. وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. ﴿وَقِيلَ﴾: بإشمام كسرة القاف الضمة، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. الإعراب: ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنِدٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ﴾ أم: حرف عطف، ٣٢ لُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٠-٢٧ ومَنْ: في موضع رفع بالابتداء، و﴿هَذَا﴾: مبتدأ ثانٍ، و﴿ الَّذِى﴾: خبره، و﴿هُوَ جُنُّدٌ لَّكُمْ﴾: صلته، و﴿يَصُرُّكُ﴾: جملة فعلية في موضع رفع صفة لـ ﴿جُنُّدٌ﴾. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول. وجواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَ﴾ محذوف دلَّ عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم؟ ﴿أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبر مَنْ محذوف دلَّ عليه خبر (مَنْ) في الجملة السابقة وهو أهدى. ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾: نعت لمصدر محذوف، و﴿مَّا﴾: زائدة، و﴿ تَشْكُرُونَ﴾: مستأنف أو حال مقدرة، أي تشكرون شكراً قليلاً. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ﴾ ﴿هَذَا﴾: في موضع رفع بالابتداء، و﴿ اُلْوَعْدُ﴾: صفة له، أو بدل، و﴿مَتَى﴾: خبره، وفيه ضمير يعود على ﴿اُلْوَعْدُ﴾ البلاغة: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى﴾ استفهام إنكار. ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ- أَهْدَىّ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ ٢٢ استعارة تمثيلية، مثَّل المؤمن بمن يمشي سوياً على صراط مستقيم، ومثّل الكافر بمن يمشي مكباً على وجهه إلى طريق جهنم. غُرُورٍ﴾، ﴿ وَنُفُورٍ﴾ سجع مرصع لمراعاة رؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿ أَمَّنْ هَذَا﴾ أي من هذا (جُنٌُّ لَّكُمْ﴾ أعوان لكم. ﴿يَنصُرُّكُ﴾ يدفع العذاب عنکم. ﴿مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ﴾ أي غيره يدفع عنکم عذابه، أي لا ناصر لكم .﴿ إِنِ اُلْكَفِرُونَ﴾ أي ما الكافرون. ﴿إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾ غرَّهم الشيطان بأن العذاب لا ينزل بهم، والمراد أنه لا معتمد لهم. ٣٣ الزُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٠-٢٧ ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ﴾ من هذا الذي يرزقكم غير الله؟ ﴿إِنَّ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ إن منع عنكم رزقه، بإمساك المطر وسائر أسباب المعيشة، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله تقديره (فمن يرزقكم) أي لا رازق لكم غيره. ﴿الَّجُواْ﴾ تمادَوْا واستمروا . ﴿فِى عُنُّوٍ﴾ أي تكبر وعناد عن قبول الحق. ﴿ وَنُفُورٍ﴾ إعراض وتباعد عن الحق. ﴿مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ واقعاً على وجهه من حين لآخر. ﴿سَوِيًا﴾ معتدلاً منتصب القامة. ﴿عَلَى صِرَطٍ﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ قويم مستوي الأجزاء أو الجهة، والمراد تمثيل المؤمن المتدين والمشرك الكافر. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب والعقول لتتفكروا وتعتبروا. ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ باستعمال الحواس فيما خلقت من أجله، وما: مزيدة، والجملة مستأنفة. ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم متكاثرين موزعين. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون للحساب والجزاء. ﴿مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ﴾ أي الحشر أو إيقاع العذاب من الخسف والحاصب. ﴿إِن كُنْتُمُ صَدِقِينَ﴾ فيه أيها النبي والمؤمنون به . ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ العلم بوقته وبمجيئه. [عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يطلع عليه غيره. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ رسول منذر بيِّن الإنذار. ﴿فَلَّا رَأَوْهُ﴾ رأوا الوعد الموعود به. ﴿زُلْفَةً﴾ أي ذا زلفة، أي قريباً منهم. سِيّئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ اسودَّت وعلتها الكآبة وساعتها رؤية العذاب. ﴿وَقِيلَ﴾ قال لهم الخزنة. ﴿هَذَا﴾ العذاب. ﴿تَدَّعُونَ﴾ تطلبون وتستعجلون استهزاء واستنكاراً. وهذه حكاية حال ستأتي، عبر عنها بلفظ الماضي للدلالة على تحقق وقوعها. المناسبة: بعد أن أورد الله تعالى البرهان الأول على كمال قدرته وهو تمكين الطيور من الطيران، وبَّخ المشركين على عبادة الأصنام، وردّ على اعتقادهم شيئين أو ٣٤ الجُرُ (٢٩) - الملكِ: ٦٧ / ٢٠-٢٧ أمرين: وهما القوة في الأعوان، وجلب الخير من الأصنام، ثم أورد تعالى برهانين آخرين على كمال قدرته: وهما خلق الناس وحواسهم، وتكاثر الخلق واستمرارهم وتوزيعهم في الأرض ثم حشرهم إليه. ثم ذكر شيئين قالهما الكفار لمحمد 18َ لما أمره ربه بتخويفهم بعذاب الله، وهما مطالبته بتعيين وقت العذاب، ودعاؤهم عليه وعلى المؤمنين بالهلاك، وهذا الأخير موضع الفقرة التالية. فتكون البراهين الثلاثة على كمال قدرة الله هي الاستدلال أولاً بأحوال الطيور من الحيوانات، ثم الاستدلال بصفات الإنسان وهي السمع والبصر والعقل وحدوث ذاته، ثم الاستدلال بضمان تكاثر الخلق وحفظ النوع الإنساني وتوزيعه في أنحاء الأرض والحشر يوم القيامة. التفسير والبيان: يرد الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، يبتغون عندهم النصر والرزق، فيقول منكراً عليهم ما اعتقدوه، ومخبراً أنهم لن يحصلوا على ما أمّلوہ: اً - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنِدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ إِنِ اَلْكَفِرُونَ إِلَّا فِىِ غُرُورٍ (٥) أي بل من هذا الجند أو العون الذي يعينكم ويمنعكم من عذاب الله إن أراد بکم سوءاً؟! الواقع أنه ليس لكم من دون الله من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره، ولهذا فإن الكافرين هم في خداع وغرور عظيم من جهة الشيطان، غرهم بأن العذاب لا ينزل بهم. والتعبير بقوله: ﴿مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ﴾ إشارة إلى أن بقاء الناس في الأرض مع كفرهم وظلمهم هو برحمة الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء. والآية ردّ على الكفار الذين كانوا يمتنعون من الإيمان، ويعتمدون في ٣٥ لُرُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٠-٢٧ زعمهم واعتقادهم المخطئ على القوة من جهة الإخوة والأعوان، مخبراً إياهم أنه لا ناصر لهم سوى الله سبحانه. ٠ ثم ردَّ الله تعالى على ادعائهم وجود رازق غير الله، وأن الأصنام مصدر جميع الخيرات لهم، ودفع كل الآفات عنهم، فقال: أَ - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُواْ فِى عُنُوٍّ وَنُفُورٍ ٢١ أي بل من هذا الذي إذا منع الله عنكم رزقه، رزقكم بعده بالأمطار وغيرها؟ والمعنى أنه لا أحد يعطي وبمنع، ويرزق وينصر إلا الله عز وجل، وحده لا شريك له، وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره، لذا وصفهم تعالى بقوله: ﴿بَل لَّجُواْ فِى عُنُقِّ وَنُفُورٍ﴾ أي بل تمادوا واستمروا في عناد واستكبار عن الحق، ونفور عنه، وتابعوا طريقهم في طغيانهم وإفكهم وضلالهم، ولم يعتبروا ولم يتفكروا. فدلت الآيتان على أنه لا ناصر ينصر من عذاب الله، ولا رازق يرزق غير الله إن حجب رزقه عن مخلوقاته. ثم ضرب الله مثلاً للمؤمن والكافر أو الموحد والمشرك، فقال: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ، أَهْدَىَ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطِ أُسْتَقِيمٍ ٢٢ أرأيتم حال المؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبّاً على وجهه، أي يمشي متعثراً في كل وقت، منحنياً غير مستوٍ، لا يدري أين يسلك، ولا کیف یذهب، بل هو تائه حائر ضال. أهذا أهدى أم ذلك المؤمن الذي مثله كمن يسير معتدلاً ناظراً أمامه على طريق مستو، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه؟ فهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، سواء في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا إذ يسير على منهج الله يكون على هدى وبصيرة، وفي الآخرة يحشر على طريق مستقيم يؤدي به إلى الجنة. ٣٦ للهُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٠-٢٧ وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سوياً على صراط مستقيم أهدى. ثم ذكر الله تعالى البرهان الثاني الدال على كمال قدرته قائلاً: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن الله ربكم هو الذي ابتدأ ٢٣ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ به، وحاسة البصر لرؤية بدائع خلق الله، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات الله وإدراك حقائق الأشياء، ولكن قلَّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره، وفيما خُلقت لأجله من الخير، وذلك هو الشكر الحقيقي لهذه الطاقات، لا مجرد ترداد الشكر باللسان، وملازمة العصيان؛ لأن شكر نعمة الله تعالى: هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه، فإذا لم تستعمل هذه القوى في طلب مرضاة الله، فأنتم ما شكرتم نعمته مطلقاً. فقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم هذه القوى العظيمة، ولكنهم ضيَّعوها في غير ما خلقت لأجله. وإنما خصت هذه الجوارح بالذكر؛ لأنها أداة العلم والفهم. ثم ذكر الله تعالى البرهان الثالث على كمال قدرته، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اَلَّذِى ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ ﴾ أي وقل لهم أيضاً: إن الله هو خلقكم وبثكم ووزعكم في أنحاء الأرض، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم، واختلاف ألوانكم وأشكالكم، ثم إليه تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، فهو يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم للحساب والجزاء. وبعد أمر الله محمداً وَ ل بتخويف الكفار بعذاب الله، ذكر مقالة الكفار ومطالبتهم بتعيين وقت البعث استهزاء واستنكاراً، فقال: ٣٧ للُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٠-٢٧ أي ويقول المشركون لمحمد ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ والمؤمنين تهكماً واستهزاء: متى يقع ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة، والخسف والحاصب في الدنيا؟ إن كنتم يا محمد والمؤمنون به صادقين فيما تدعونه، فأخبرونا به، أو فبيِّنوه لنا. فأجابهم الله بقوله: ﴾ أي قل لهم أيها النبي: ٢٦ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ إنما علم ذلك عند الله، فلا يعلم وقت الساعة والعذاب على التعيين إلا الله عز وجل، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة، فاحذروه، وإنما أنا منذر لكم، أنذركم وأخوّفكم عاقبة كفركم، فعليَّ البلاغ وقد أديته لكم. ثم وصف تعالى حال أولئك الكفار عند رؤية العذاب، فقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيْئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ، تَّدَّعُونَ ٢٧ أي فلما رأوا العذاب الموعود به قريباً في الدنيا، وقامت القيامة وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريباً؛ لأن كل ما هو آت قريب وإن طال زمنه، اسودّت وجوههم، وعلتها الكآبة، وغشيتها الذلة والمهانة، وقالت لهم ملائكة العذاب الخزنة على وجه التقريع والتوبيخ: هذا الذي كنتم في الدنيا تطلبونه وتستعجلون به استهزاء، في قولكم لرسول الله وَله: ﴿فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢/٤٦]. ونظير الآية: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اُللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ، وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتٌ [الزمر: ٣٩ /٤٧-٤٨] . مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ٣٨ لِلُعُ (٢٩) - الملكِ: ٦٧ / ٢٠-٢٧ اً - لا ناصر ولا رازق للمؤمن والكافر في الحقيقة والواقع إلا الله عز وجل، ولكن الكافرين في غرور من الشياطين تغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب، وفي تمادٍ واستمرار في طغيانهم وضلالهم ونفورهم عن الحق. أَ - مثل الكافر في ضلاله وحيرته كالرجل المنكّس الرأس الذي لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، والذي لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه، ومثل المؤمن في هدايته وتبصره كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المستقيم المهتدي له. ولا شك بأن الثاني أهدى من الأول. ◌َّ - هناك براهين ثلاثة على كمال قدرة الله تعالى: وهي تمكين الطيور من الطيران في الهواء، وخلق الإنسان وتزويده بطاقات السمع والبصر والفؤاد أو العقل، وخلق الناس موزعين مفرقين على ظهر الأرض ثم حشر الناس يوم القيامة، لمجازاة كلٍّ بعمله؛ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة. ٤ - غالب الناس لا يشكرون نعم الله باستعمال حواسهم فيما خلقت لأجله، ولا يوحدون الله تعالى. ٥ - طالب الكفار بعد تخويفهم بعذاب الله بتعيين الوقت الموعود به استهزاء وإنكاراً. أَ - الجواب عن تساؤلهم واستعجالهم: أن علم وقت قيام الساعة عند الله وحده، فلا يعلمه غيره. وما مهمة الرسول إلا البلاغ المبين والإنذار والتخويف البيِّن من العذاب. ٣٩ الُعُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٨ -٣٠ والمؤمنين بالهلاك صَلى الله وسلم دعاء كفار مكة على النبي ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِ ضَلَلِ تُبِينٍ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيَكُمْ بِمٍَ مَّعِينٍ القراءات: ﴿ أَهْلَكِِّىَ اللَّهُ﴾ : وقرأ حمزة (أهلكنيْ الله). ﴿ فَعِىَ أَوْ﴾: قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وابن عامر (معيَ أو). وقرأ الباقون (معيْ أو). ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ﴾ : وقرأ الكسائي (فسيعلمون). الإعراب: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيُ اَلْكَفِرِينَ﴾ إنما جاءت الفاء في قوله: ﴿فَمَن يُجِيرُ﴾ جواباً للجملة؛ لأن معنى ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ انتبهوا، وتقديره: انتبهوا فمن يجير، كما تقول: اجلس فزيد جالس، وليست جواباً للشرط. وجواب الشرط ما دلَّ عليه ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾. ويجوز أن تكون الفاء زائدة، ويكون الاستفهام قائماً مقام مفعول . ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ مثل: أرأيت زيداً ما صنع. وهكذا الكلام على الفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيَكُمْ﴾. ومنهم من قال: الفاء جواب الشرط. ٤٠ الجُرُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٨ -٣٠ ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي غائراً، وهو خبر ﴿أَصْبَحَ﴾. وقوله: ﴿مَّعِينٍ) إما فعيل من (معن) الماء: إذا كثر، فتكون الميم أصلية، أو يكون مفعولاً من (العين) وأصله (معيون) فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فبقيت الياء ساكنة، والواو ساكنة، فحذفت الواو لسكونها وسكون ما قبلها، وكسر ما قبل الياء مناسبة لها؛ لأنه ليس في كلامهم ياء قبلها ضمة. المفردات اللغوية: ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿أَهْلَكِىَ﴾ أماتني. ﴿وَمَن مَّعِىَ﴾ من المؤمنين. ﴿أَوَ رَحِمَنَا﴾ بتأخير آجالنا . ﴿فَمَن يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي لا ينجيهم أحد من العذاب، و﴿يُجِيرُ﴾ ينجي أو يمنع. ﴿غَوْرًا﴾ غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء ونحوها. ﴿مَّعِينٍ﴾ جار كثير، سهل التناول. والمراد: لا يأتي به إلا الله تعالی، فکیف تنكرون أن يبعثكم؟! ويستحب أن يقول القارئ عقب قوله ﴿مَّعِينٍ﴾: الله رب العالمين، كما ورد في الحديث. سبب النزول: روي أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله وَّله وعلى المؤمنين بالهلاك، فنزلت الآية. المناسبة: هذا هو الأمر الثاني الذي حكاه الله عن الكفار بعد تخويفهم بعذاب الله، فطالبوا أولاً بتعيين وقت الحشر والبعث والعذاب، ثم دعوا على رسول الله وَّه وعلى المؤمنين بالهلاك، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ تََّبَّصُ بِهِ، رَيْبَ [الطور: ٣٠/٥٢] وقال: ﴿بَلّ ظَنَنْتُمْ أَن لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ اُلْمَنُونِ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢/٤٨].