النص المفهرس

صفحات 701-720

٧٠١
اِلُ (٢٨) - التَّخرية: ٦٦ / ٦-٩
وأنت رسول الله وصفوتُه، وهذه خزانتك! فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى
أن تكون لنا الآخرة، ولهم الدنيا؟! قلت: بلى)).
الوقاية من النار والتوبة النصوح وجهاد الكفار
﴿يَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا
يَكَأَيُّهَا
مَكَتِكَةُ غِلَاظُ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُواْ أَلْيَوْمٌّ إِنَّمَا تُجْزَّوْنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبِّكُمْ أَنْ يَكَفِّرَ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمِ نُورُهُمْ يَسْعَى
بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّأَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغُْطْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَهُمْ
جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
القراءات:
النَّبِىِّ﴾:
وقرأ نافع (النبيء).
﴿ وَمَأْوَنَهُمْ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وماواهم).
﴿وَیث﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبيس).
الإعراب:
﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ ﴿قُواْ﴾: فعل أمر من (وقى، يقي) وأصله (أوقيوا) بوزن
أفعلوا، فحذفت الواو. كما حذفت من (يقي) لوقوعها بين ياء وكسرة.

٧٠٢
لالُ (٢٨) - الْتَّخْتَلْ: ٦٦ / ٦-٩
﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ ﴿مَآ أَمَرَهُمْ﴾: بدل من لفظ الجلالة، أي لا
يعصون أمر الله. ﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ إنما قال: ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ ولم يقل (نصوحة)
على النسب، كما قالوا: امرأة صبور وشكور، على النسب. وقرئ (نُصوحاً )
بضم النون، وهو مصدر كالذهوب والجلوس والفسوق.
البلاغة:
﴿قُوّاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ مجاز مرسل، من قبيل ذكر المسَّبب وإرادة
السبب، أي لازموا على الطاعة، لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله.
المفردات اللغوية:
﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ اجعلوا لأنفسكم وقاية من النار بترك المعاصي
وفعل الطاعات، واحملوا أهليكم على ذلك بالنصح والتأديب، ﴿وَقُودُهَا﴾ ما
توقد به النار . ﴿النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ بجعلهما ناراً تتقد بهما اتقاد غيرها
بالحطب، والمراد بالناس: الكفار، والحجارة: الأصنام التي تعبد، لقوله
تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
[الأنبياء: ٢١ /٩٨] .
وَرِدُونَ لَِّّ
﴿عَلَيْهَا مَلَبِكَةُ﴾ خزنة وعدتهم تسعة عشر، كما في سورة المدثر (الآية
٣٠) .
﴿غِلاَظُ﴾ غلاظ الخَلْق والطباع. ﴿شِدَادٌ﴾ أقوياء البدن على الأفعال
الشديدة. ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ لا يعصون أمر الله في الماضي. ﴿وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ﴾ في المستقبل، وهو تأكيد لما سبق. قال الجلال المحلي: والآية
تخويف للمؤمنين عن الارتداد، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم.
﴿لَا تَعْنَذِرُواْ أَلْيَوْمٌ﴾ يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، أي لأنه لا ينفعكم
الاعتذار، أو لأنه لا عذر لكم . ﴿إِنَّمَا تُجُزَوْنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاء
عملکم.

٧٠٣
اِلُ (٢٨) - التَّخرية: ٦٦ / ٦-٩
﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ صادقة، بالغة في النصح، وهي الندم على ما فات،
والعزم على عدم العود إلى مثله في المستقبل. سئل علي رضي الله عنه عن التوبة،
فقال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، والفرائض
الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على ألا تعود، وأن تربي
نفسك في طاعة الله كما ربَّيتها في المعصية.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ عسى من الله تدل على وجوب الوقوع، وذكر بصيغة
الإطماع جرياً على عادة الملوك، وإشعاراً بأنه تفضل، وأن العبد ينبغي أن
يكون بين خوف ورجاء . ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين. ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ
النَّبِىَ﴾ يوم ظرف متعلق بـ ﴿وَيُدْخِلَكُمْ﴾ و﴿لَا يُخْزِى﴾: لا يفضح. ﴿ بَيْنَ
أَيْدِهِمْ﴾ أمامهم، أي يسعى بهم نور الإيمان على الصراط. ﴿ يَقُولُونَ﴾ كلام
مستأنف جديد . ﴿رَبََّآ أَتَّمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ إلى الجنة، أما المنافقون فيطفأ نورهم.
﴿وَأَغْفِرْ لَنَاً﴾ واسترنا يا ربنا.
﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بمختلف أنواع الأسلحة كالسيف وغيره. ﴿وَالْمُنَفِقِينَ﴾
أي وجاهدهم باللسان والحجة، فالجهاد يكون تارة بالسيف، وتارة بالحجة
والبرهان. ﴿وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾اشتد عليهم بالانتهار والمقت والقتل بحق.
﴿وَمَأْوَنِهُمْ﴾ مكان الإيواء والإقامة.
المناسبة:
بعد أن أمر الله نساء النبي ◌َّلو بالتوبة عما حدث من الزلات، وحذرهم
من مخالفته ووعظهم وأدبهم وهددهم بالطلاق، أمر المؤمنين بطائفة من
المواعظ والنصائح، وأولها وقاية أنفسهم وأهليهم من النار بترك المعاصي
وفعل الطاعات، ثم أخبر الكفار بما يقال لهم يوم دخولهم النار: لا عذر
لكم، ثم أمر المؤمنين بالتوبة الخالصة النصوح من الخطايا والذنوب، وتوَّج
جميع ذلك بالأمر بجهاد الكفار المعتدين، والمنافقين المتسترين، والمجاهدة قد
تكون بالقتال، وقد تكون بالحجة والبرهان، ثم يكون جزاء الفريقين النار.

٧٠٤
الُعُ (٢٨) - التَّجرير: ٦٦ / ٦-٩
التفسير والبيان:
﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ﴾ أي
يا أيها الذين صدّقوا بالله تعالى ورسوله وَلقر، أدبوا أنفسكم وعلموها،
واتخذوا لها وقاية من النار، وحافظوا عليها بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم
عنه، وعلِّموا أهليكم وأمروهم بطاعة الله وانهوهم عن معاصيه، وانصحوهم
وأدبوهم حتى لا تصيروا معهم إلى النار العظيمة الرهيبة التي تتوقد بالناس
وبالحجارة، كما يتوقد غيرها بالحطب. قال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم
عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به، وتساعدهم عليه، فإذا
رأيت معصية، قذَعتهم عنها، وزجرتهم عنها.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ٢٠/
@ [الشعراء:
٢١٤
١٣٢] وقوله سبحانه مخاطباً نبيه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ
٢١٤/٢٦]. وروى جماعة من أهل الحديث (أحمد وأبو داود والحاكم) عن عبد الله
ابن عمرو عن النبي ◌ُّله: ((مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها
العشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع)). وقال: فيما رواه الترمذي والحاكم عن
عمرو بن سعيد بن العاصي: ((ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن)) .
وروى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة
عن أبيه عن جده (أي سمرة بن جندب) قال: قال رسول الله وَله: ((مُروا
الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها)) .
وقال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلِّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده
ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وقال ابن جرير: فعلينا أن نعلّم
أولادنا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب.
والمراد بالناس الكفار، وبالحجارة: الأصنام التي تعبد من دون الله، لقوله
تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:
٩٨/٢١]، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخدَم.
٠٠۔

٧٠٥
الُ (٢٨) - التَّخرية: ٦٦ / ٦-٩
والآية دليل على أن المعلِّم يجب أن يكون عالماً بما يأمر به وما ينهى عنه.
﴿عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ غِلَاظُ شِدَادُ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
أي على النار خزنة من الملائكة يلون أمرها وتعذيب أهلها، غلاظ
أطباعهم، قد نُزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، شداد عليهم،
تركيبهم في غاية الشدة والصلابة والمنظر المزعج، لا يرحمونهم إذا
استرحموهم، إنما خلقوا للعذاب، عددهم تسعة عشر ملكاً هم زبانيتها كما
جاء في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣)﴾ [المدثر: ٣٠/٧٤] يتميزون بالطاعة
الكاملة لله ربهم، فهم لا يخالفون أوامر الله تعالى، يؤدُّون ما يؤمرون به في
وقته المحدد له من غير تراخ، فلا يؤخرونه عنه ولا يقدّمونه، وهم قادرون
على الفعل، ليس بهم عجز عنه.
وفائدة الإتيان بالجملتين: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
أن الأولى في الماضي، ولبيان الطواعية، فإن عدم العصيان يستلزم امتثال
الأمر، ولنفي الاستكبار عنهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾
[الأنبياء: ١٩/٢١] والثانية للمستقبل وفورية التنفيذ والامتثال ونفي التراخي
والكسل عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩/٢١].
ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار، فقال:
﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُواْ الْيَوْمِّ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٣)﴾ أي
يقال للكفرة عند إدخالهم النار يوم القيامة، تأييساً لهم وقطعاً لأطماعهم: لا
تعتذروا، فإنه لا يقبل منكم العذر، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا،
وإنما تجزون اليوم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا.
والمراد بهذا أن الدنيا دار جهاد وعمل صالح، والآخرة دار مقر وجزاء،
والدنيا مزرعة الآخرة، فإن زرع فيها أو غرس الزرع أو الغرس الصالح، جنى
طيباً، وإن زرع أو غرس نباتاً أو شجراً رديئاً، حصد ما فعل.

٧٠٦
الُءُ (٢٨) - التَّخْرَمَّ: ٦٦ / ٦-٩
وبما أن العذر أو التوبة لا يفيدان في الآخرة، أرشد المؤمنين إلى طريق
التوبة النصوح، فقال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبِّكُمْ أَن يَكَفِّرَ عَنَكُمْ
سَبِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله وَّو، ارجعوا
إلى الله تعالى، وتوبوا إليه توبة خالصة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من
السيئات: وهي الندم بالقلب على ما مضى من الذنب، والاستغفار باللسان،
والإقلاع بالبدن، والعزم على ألا يعود، لعل الله أن يمحو سيئات أعمالكم
التي اقترفتموها، ويدخلكم بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها
الأنهار، حين لا يعذب ولا يذل ولا يفضح الله نبيه محمداً وَّله، ولا يعذب
ولا يذل الذين آمنوا به واتبعوا شريعته، بل يكرمهم ويُعزّهم.
وكلمة ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ كما قال الزمخشري: إطماع من الله لعباده، وفيه
وجهان :
أحدهما - أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة لعسى ولعل،
ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، فإنهم إذا أرادوا فعلاً يقولون: عسى
أن نفعل كذا.
والثاني- أن يجيء به تعليماً للعباد أن يكونوا بين الخوف والرجاء.
والخلاصة: إن ﴿عَسَى﴾ من الله موجبة تفيد التحقق.
وقوله: ﴿لَا يُخْزِى﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَنْ
تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢/٣].
قال العلماء: التوبة النصوح: هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم.
على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل.

٧٠٧
◌ِلُ (٢٨) - الْتَجْرِير: ٦٦ / ٦-٩
روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي وَل
يقول :
((الندم توبة))، وثبت في الصحيح: ((الإسلام يجبُّ ما قبله، والتوبة تجبُّ
ما قبلها)).
ثم ذكر الله تعالى أثر الإيمان، فقال:
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُرَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّأَّ إِنَّكَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن نور المؤمنين يضيء لهم طريقهم، ويسعى أمامهم
وعن أيمانهم حال مشيهم على الصراط، كما جاء في سورة الحديد: ﴿ وَيَجْعَل
لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [٢٨]، ويدعو المؤمنون حين يطفئ الله نور المنافقين
يوم القيامة، قائلين تقرباً إلى الله: ﴿رَبََّا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، أي أبقه لنا، فلا
ينطفئ حتى نتجاوز الصراط، واستر ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا، ولا تفضحنا
بالعقاب عليها حين الحساب، فإنك على كل شيء قدير، ومنه إتمام نورنا،
وغفران ذنوبنا، وتحقيق رجائنا وآمالنا، فأجب دعاءنا.
ثم أمر الله نبيه مو بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة، فقال:
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمّ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي يا أيها الرسول النبي قاتل الكفار بالسيف، والمنافقين
بالحجة والبرهان وإقامة الحدود عليهم إذا ارتكبوها، وشدّد عليهم في الدعوة
في الإسلام في الدنيا، واستعمل العنف والقسوة والشدة مع الفريقين فيما
تجاهدهما به من القتال والمحاجة والوعيد، لذا أمر النبي وَلّ بطرد بعض
المنافقين من الجامع قائلاً: اخرج يا فلان، اخرج يا فلان. وهذا عذابهم في
الدنیا.
وسيكون مقر الفريقين ومسكنهما في الآخرة جهنم، وبئس المرجع والمثوى
والمقيل.

٧٠٨
الُعُ (٢٨) - التَّخْرَتْ: ٦٦ / ٦-٩
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يلي:
ا - أمر الله- والأمر للوجوب - بأن يقي المؤمنون أنفسهم النار بأفعالهم،
وأهليهم بالنصح والوعظ والإرشاد. وهذا يتطلب الالتزام التام بأحكام
الشرع أمراً ونهياً، وترك المعاصي وفعل الطاعات، ومتابعة القيام بالأعمال
الصالحة، وحث الزوجة والأولاد على أداء الفرائض واجتناب النواهي،
ومراقبتهم المستمرة في ذلك.
أَ - عذاب المخالفين من الكفار والعصاة عذاب شديد في نار جهنم التي
تتقد بالناس والحجارة، ويقوم بأمرها ملائكة تسعة عشر هم الملائكة الزبانية
غلاظ القلوب، لا يرحمون إذا استُرِْموا، خُلقوا من الغضب، وحُبِّب إليهم
عذاب الخلق، كما حُبِّب لبني آدم أكل الطعام والشراب، شداد الأبدان
والأفعال، غلاظ الأقوال، لا يخالفون أمر الله بزيادة أو نقصان، ويفعلون ما
يؤمرون به في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدّمونه.
◌َّ- لا تقبل التوبة من أحد من الكفار يوم القيامة، ولا يقبل منهم العذر،
وسيجزون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، وكون عذرهم لا ينفع، والنهي
عن الاعتذار لتحقيق اليأس، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَيِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
[الروم: ٥٧/٣٠] .
١٥٧
مَعْذِرَتُهُمْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
٤- أمر الله بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل
الأزمان، والتوبة المطلوبة هي التوبة البالغة في النصح والصدق، وهي كما
ذكر النووي التي تستجمع ثلاثة أمور: الإقلاع عن المعصية، والندم على
فعلها، والعزم على ألا يعود إلى مثلها أبداً.
وقال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله

٧٠٩
الجُزْءُ (٢٨) - التَّخْرَةٌ: ٦٦ / ٦-٩
أو للآدميين، فإن كان حقاً لله كترك الصلاة، فإن التوبة لا تصح منه حتى
ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن ترك صوماً أو فرط في الزكاة.
وإن كان ذلك ما يوجب القصاص أو الحد الذي فيه حق لآدمي كالقذف،
وطلب منه، مكَّن نفسه من العقوبة، إلا إذا عفي عنه، فيكفيه الندم والعزم
على ترك العود بالإخلاص، أما إن كان الحد من الحدود الخالصة لله كالزنى
والشرب، فيسقط عنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح، وقد نص الله
تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، ولا يسقط
عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم.
فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه
والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً،
فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه.
وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله
أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه، فقد سقط الذنب عنه.
وإن أساء إلى رجل بأن فزَّعه بغير حق، أو غمَّه، أو لطمه، أو صفعه بغیر
حق، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم استعفى منه، حتى طابت نفسه، فعفا عنه،
سقط عنه ذلك(١).
٥- يقبل الله التوبة النصوح من التائب، ويكفر عنه سيئاته، ويدخله
الجنان؛ لقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ وعسى من الله واجبة، وقوله ◌َّ فيما
رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس، وهو ضعيف:
((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
٩- إن للإيمان نوراً يمشي بصاحبه على الصراط، ويسعى به إلى النجاة،
(١) تفسير القرطبي: ١٩٩/١٨ - ٢٠٠

٧١٠
الُرعُ (٢٨) - النَّجَّيْلٌ: ٦٦ / ١٠-١٢
ويدعو المؤمنون في الآخرة حين يطفئ الله نور المنافقين بقولهم: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ
لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. وطلب المغفرة لا يعني أن
الذنب لازم لكل إنسان، وإنما التقصير لازم لكل مؤمن.
٧- أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى
الله، ويجاهد المنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة،
وأنهم لا نور لهم يَجُوزون به الصراط مع المؤمنين، علماً بأن مأوى الصنفين
جهنم، وبئس المرجع.
أمثلة من النساء المؤمنات والكافرات
﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أُمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ
أُدْخُلَا النَّارَ مَعَ الذَّاِخِينَ
إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَنَِّى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجْنِى مِنَ
اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن
رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْفَنِينَ
١٢
القراءات:
﴿ أَمْرَأَتَ﴾، ﴿ أَبْنَتَ﴾ :
رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿ وَقِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.

٧١١
الُعُ (٢٨) - التَّجرير: ٦٦ / ١٠-١٢
﴿وَّكْتُبِهِ﴾:
قرأ حفص، وأبو عمرو (وكتبه)، وقرأ الباقون (وكتابه).
الإعراب:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ ﴿مَثَلًا﴾ و﴿ أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾
مفعولا ﴿ضَرَبَ﴾، وقيل: ﴿أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ بدل من (مثل) على تقدير حذف
مضاف، تقديره: مثل امرأة نوح، ثم حذف﴿مَثَلًا﴾ الثاني لدلالة الأول علیه.
وكذلك القول في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ
فِرْعَوْنَ﴾.﴿ وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمُرَنَ﴾ منصوب بالعطف على ﴿أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾.
البلاغة:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ و﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
مقابلة بين المثلين، لتكون النساء في الإخلاص كالمؤمنتين، لا كالكافرتين
الخائنتين.
﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ فيه تغليب الذكور على الإناث.
﴿الَّاخِلِينَ﴾ ﴿الَّالِمِينَ﴾ ﴿اُلْقَنِينَ﴾ سجع مرصّع.
المفردات اللغوية:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أي أورد حالة غريبة لمعرفة حال أخرى مشابهة لها في
الغرابة . ﴿كَانَنَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أي في عصمتهما. ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ بالنفاق في
أمر الدين، إذ كفرتا، وكانت امرأة نوح واسمها واغلة أو واعلة تقول لقومه:
إنه مجنون، وامرأة لوط واسمها والهة أو واهلة تدل قومه على أضيافه، بإيقاد
النار ليلاً، وبالتدخين نهاراً. ﴿فَمَّ يُغْنِيَا عَنْهُمَا﴾ لم يفيداهما أي نوح ولوط.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من عذابه. ﴿أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ أي قيل لهما: ادخلا

٧١٢
لُرُ (٢٨) - النَّجَرَة: ٦٦ / ١٠-١٢
النار مع كفار قوم نوح وقوم لوط. وهذا تمثيل حالهم في إيقاع العقاب بهم
بكفرهم دون مجاملة أو محاباة للنبي ◌ّ والمؤمنين بنسب أو غيره.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ شبه حالهم في عدم التأثر ببيئة الكفر
وعمالقة الكافرين وأن صلة الكفر لم تضرهم بحال آسية امرأة فرعون، واسمها
آسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى آمنت به، فعذبها عذاباً شديداً لصدها عن
الإيمان . ﴿إِذْ قَالَتْ﴾ في حال التعذيب: ﴿رَبِّ ابْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾
قريباً من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين . ﴿ وَتَجِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾
خلصني من طغيان فرعون وتعذيبه وعمله الشنيع. ﴿ وَتَّجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ
اَلَّالِمِينَ﴾ هم أقباط مصر الوثنيون التابعون لفرعون في الظلم.
﴿ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظته وصانته من الرجال، والمراد به كونها عفيفة.
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ في الفرج. ﴿مِن رُوحِنَا﴾ أي من روح خلقناه بلا توسط
أب، قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير: أن الفرج جيب الدِّرع (القميص).
ومعنى (أحصنته) منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا
زوج لها، تسليةً للأرامل وتطبيباً لأنفسهن. ﴿وَصَدَّفَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا
وَكُتُبِهِ،﴾ آمنت بشرائعه وكتبه التي أنزلها على رسله . ﴿مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ من عداد
الطائعين المواظبين على الطاعة.
المناسبة:
بعد الحض على التوبة النصوح والإيمان والإخلاص وجهاد الأعداء،
ضرب الله مثلين رائعين فذّين لأهل الكفر وأهل الإيمان، لبيان حال الكافرين
بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة أمثالهم من
غير مراعاة نسب أو زوجية أو قرابة أو محاباة، فتعاقب امرأة نوح وامرأة لوط
اللتان كانتا في بيت النبوة، ولكنهما كفرتا بالله وبالنبي، فلم تفدهما الرابطة
الزوجية من عذاب الله شيئاً.

٧١٣
لُعُ (٢٨) - النَّجَرْتَرِ: ٦٦ / ١٠-١٢
وجاء المثل الثاني الأروع للمؤمنين والمؤمنات للإشارة إلى أن من واجبهم
أن يكونوا في الإخلاص وصدق العزيمة وقوة اليقين كهاتين المؤمنتين: آسية
امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما، لم
يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً.
التفسير والبيان:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَنَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ
أُدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّارِينَ ﴾﴾ أي جعل الله مثلاً لحال الكفار في مخالطتهم
المسلمين ومعاشرتهم لهم أنه لا يغني أحد عن أحد، وأن ذلك لا يجدي عنهم
شيئاً، ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم، فمجرد الخلطة
أو النسب أو الزوجية لا فائدة فيها ما دام الشخص كافراً.
وذلك المثل أن امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام، كانتا في عصمة
نكاح نبيين رسولين، وفي صحبتهما ليلاً ونهاراً، يؤاكلانهما ويعاشرانهما أشد
العشرة والاختلاط، لكنهما خانتاهما في الإيمان والدين، فلم تؤمنا بهما، ولا
صدّقتاهما في الرسالة، فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما
شيئاً من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله، ولا دفعا عنهما محذوراً، مع
كرامتهما على الله، وحاق بهما سوء العذاب والعقاب.
قيل: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر
قومه بأضیافه لیفجروا بهم.
وقيل للمرأتين في الآخرة عند دخول النار: ادخلا النار مع الداخلين فيها
من أهل الكفر والمعاصي، جزاء كفرهما وسيئاتهما.
وهذا تعريض بأميّ المؤمنين، وهما حفصة وعائشة، لما فرط منهما، وتحذير

٧١٤
الُعُ (٢٨) - الشَّجَرَّةِ: ٦٦ / ١٠-١٢
وتخويف لهما ولغيرهما بأنه لا يفيدهن شيئاً زواجهن بالنبي وَ قو إن عصين الله
تعالى. قال يحيى بن سلام: هذا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله
وَالر حين تظاهرتا عليه، ببيان أنهما، وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله
تعالى، وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئاً. وقد عصمهما الله
عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة.
ثم ضرب الله مثلاً آخر للمؤمنين بامرأتين أخريين يرشد إلى عكس المثل
السابق أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانو محتاجين إليهم، فقال عن
المرأة الأولى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أُمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ عِندََ
بَيْنًا فِى الْجَنَّةِ وَفِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِنِى مِنَ الْقَوْمِ الطَّالِمِينَ ﴾﴾ أي
وجعل الله مثلاً آخر للمؤمنين حال امرأة فرعون آسية بنت مزاحم وعمة
موسى عليه السلام، آمنت بموسى حين سمعت قصة إلقائه عصاه، فعذبها
فرعون عذاباً شديداً بسبب الإيمان، فلم تتراجع عن إيمانها، مما يدل على أن
صولة الكفر لا تضر المؤمنين. كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر
الكافرين، وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم.
وذلك حين قالت: يا رب ابن لي بيتاً قريباً من رحمتك في أعلى درجات
المقرَّبين منك، ونجني من ذات فرعون ومما يصدر عنه من أعمال الشر،
وخلصني من القوم الظالمين هم كفار القبط.
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ضر امرأته
كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل، لا يؤاخذ
أحداً إلا بذنبه.
وقال ابن جرير: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها
أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.

٧١٥
الُ (٢٨) - التَّجرير: ٦٦ / ١٠-١٢
والآية دليل على صدق إيمان امرأة فرعون بالله وبالبعث، وبالجنة والنار،
وبأن العمل الصالح طريق الجنة، والعمل السيئ سبب النار. وهي دليل آخر
على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.
وقال عن المرأة الثانية:
﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَِّيِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ
بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ ﴾﴾ أي وضرب الله مثلاً للذين
آمنوا مريم ابنة عمران أم عيسى عليهما السلام، جمع الله لها بين كرامة الدنيا
والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين في عصرها، مع كونها بين قوم عصاة،
صانت فرجها عن الرجال والفواحش، فهي مثال العفة والطهر، فأمر الله
جبريل أن ينفخ في فرجها، وقال بعض المفسرين وهو من بدعهم: في جيب
الدرع (القميص) فحملت بعيسى، وصدّقت بشرائع الله التي شرعها لعباده،
وبصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، وبكتبه الكتب الأربعة الكبرى المنزلة
على الأنبياء، وما خاطبها به الملَك، وهو قول جبريل لها: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ
رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩/١٩]، وما أخبرها به من البشارة بعيسى وكونه من
المقرَّبین کما في سورتي آل عمران (الآيات ٤٢-٤٨) ومريم (الأيات ١٦ -٣٦).
وكانت من القوم المطيعين لربهم، كان أهلها أهل بيت صلاح وطاعة، ومن
عداد الناسكين العابدين المخبتين لربهم.
روى أحمد عن ابن عباس قال: ((خطّ رسول الله وَ له في الأرض أربعة خطوط،
وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله تليفون :
أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خُوَيلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة
عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)).
وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي وَّ قال: ((كُمُل من
الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران،

٧١٦
الُعُ (٢٨) - التَّجَرّية: ٦٦ / ١٠-١٢
وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر
الطعام)) .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - دل المثل الأول للكافرين على أنه لا يغني أحد في الآخرة عن قريب ولا
نسيب إذا فرّق بينهما الدِّين. فقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين، فلم
يفدهما شيئاً من عذاب الله نوح ولا لوط مع كرامتهما على الله تعالى، كانت
امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وكانت
خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين. قال ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قط.
وهذا المثل تعريض لحفصة وعائشة أنهما إن صدرت منهما معصية، لن
يفيدهما كونهما من زوجات النبي ◌ّر لدفع العذاب. ويقال: إن كفار مكة
استهزؤوا وقالوا: إن محمداً وَليه يشفع لنا؛ فبين الله تعالى أن شفاعته لا تنفع
كفّار مكة، وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته، وشفاعة لوط
لا مرأته، مع قربهما لهما لكفرهما.
ويقال في الآخرة لامرأتي نوح ولوط: ﴿ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّاِخِينَ﴾ كما
يقال لكفار مكة وغيرهم.
◌َ - ودل المثل الثاني للمؤمنين على أن الاختلاط بالكفار لا يضر، ما دام
الاعتصام بالله والإيمان هو السمة المهيمنة على المؤمن، وهو مثل ضربه الله
يحذر به عائشة وحفصة عن المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله وَله.
وكان المثل بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، ترغيباً في التمسك بالطاعة
والثبات على الدّين، وحثاً للمؤمنين على الصبر في الشدة، كصبر آسية على
أذى فرعون، وكانت آسية آمنت بموسى، وصبر السيدة مريم البتول على أذى

٧١٧
اِلُ (٢٨) - التَّجرير: ٦٦ / ١٠-١٢
اليهود واتهامها بالفاحشة، فصبر المؤمن والمؤمنة على الذى ينجي من القوم
الظالمين، والترقب إلى الله يكون بالطاعات، لا بالوسيلة والشفاعات.
فعلى الرغم من تعذيب فرعون لزوجته آسية دعت قائلة: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ
عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَنَِّى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِ مِنَ اُلْقَوْمِ اٌلَّلِمِينَ﴾.
ومريم العذراء أم عيسى عليهما السلام ضرب الله بها مثلاً لصبرها على أذى
اليهود الذين اتهموها بالفاحشة، مع أنها كانت عفيفة طاهرة صانت نفسها عن
الفواحش، ولكن الله أرسل لها جبريل، فنفخ في فرجها روحاً من أرواحه
وهي روح عيسى، فحملت به ثم ولدته من غير أب، وصدقت بشرائع الله
وكتبه ورسالاته وبما أخبرها به جبريل: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم:
١٩/١٩] وكانت من المطيعين.
روى قتادة عن أنس عن رسول الله وسلم قال: ((حسبك من نساء العالمين
أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خُوَيلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية
امرأة فرعون بنت مزاحم)) .
قال الرازي: أما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة، وامرأة لوط
المسماة بواهلة، فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا الله تعالى:
منها : التنبيه للرجال والنساء على الثواب العظيم والعذاب الأليم.
ومنها: العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر
المصلح.
ومنها: أن الرجل، وإن كان في غاية الصلاح، فلا يأمن المرأة، ولا يأمن
نفسه، كالصادر من امرأتي نوح ولوط.
ومنها: العلم بأن إحصان المرأة وعفتها مفيدة غاية الإفادة، كما أفاد مريم

٧١٨
لُعُ (٢٨) - التَّجَرِيرٌ: ٦٦ / ١٠-١٢
بنت عمران، وكما أخبر الله تعالى، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَتَكِ وَطَهَّرَكِ
وَأَصْطَفَنكِ﴾ [آل عمران: ٤٢/٣].
ومنها: التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة الله تعالى وسيلة إلى
الخلاص من العقاب، وإلى الثواب بغير حساب، وأن الرجوع إلى الحضرة
الأزلية لازم في كل باب، وإليه المرجع والمآب(١).
تم الجزء الثامن والعشرون ولله الحمد
(١) تفسير الرازي: ٥١/٣٠

٧١٩
فهرس المجلد الرابع عشر
فهرس المجلد الرابع عشر
فهرس الجزء السابع والعشرون
الموضوع
الصفحة
سورة الذاريات:
٥
تسميتها ومناسبتها لما قبلها وما اشتملت عليه السورة
٥
القسم على وقوع البعث
٧
جزاء المتقين وأوصافهم
١٣
قصة ضيف إبراهيم ومهمتهم في إهلاك قوم لوط
٢٣
قصص أنبياء آخرين مع أقوامهم
٣٦
٤٢
إثبات وحدانية الله وعظيم قدرته
٤٧
تهديد المشركين بالعذاب لتكذيب النبي
سورة الطور:
٥٥
٥٥
تسميتها ومناسبتها لما قبلها
ما اشتملت عليه السورة
٥٦
وقوع القيامة وإثبات العذاب في اليوم الموعود
٥٧
جزاء المتقين ونعم الله عليهم يوم القيامة
٦٥
متابعة التذكير والموعظة بالرغم من المكائد
٧٨

٧٢٠
فهرس الجزء السابع والعشرون
الموضوع
الصفحة
إثبات الخالق وتوحيده بالأنفس والآفاق
٨٤
الإعراض عن الكفار لمكابرتهم في المحسوسات
٩٠
سورة النجم:
٩٩
تسميتها ومناسبتها لما قبلها
٩٩
ما اشتملت عليه السورة
١٠٠
فضلها
١٠١
إثبات النبوة وظاهرة الوحي
١٠٢
منع الإشراك وبيان عدم فائدة الأصنام
١١٥
توبيخ المشركين لتسميتهم الملائكة بنات الله
١٢٢
١٢٧
جزاء المسيئين والمحسنين وأوصاف المحسنين
توبيخ بعض كبار المشركين الأغنياء لإعراضه عن اتباع الحق ١٣٤
الاتعاظ بالقرآن وبرسالة الرسول والتحذير من أهوال القيامة
١٤٦
سورة القمر:
١٥٣
تسميتها ومناسبتها لما قبلها
١٥٣
ما اشتملت عليه السورة
١٥٤
انشقاق القمر وموقف المشركين منه
١٥٥
إعادة قصص الأمم الخالية المكذبة للرسل
١٦٥