النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١ لِلُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٨-١٢ ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَثْرِهَا﴾ عاقبة عتوها وكفرها ومعاصيها. ﴿وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ أي خسارة وهلاكاً، وهي خسارة لا ربح فيها أصلاً. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ تكرار الوعيد للتوكيد . ﴿يَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول. ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ أي قرآناً. ﴿رَسُولًا﴾ أي وأرسل محمداً (وَ﴾). ﴿لِيُغْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ الذين آمنوا بعد إنزال الذكر ومجيء الرسول وَّه. ﴿مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهدى. ﴿قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها، وفيه تعجب وتعظيم لما رزقوا من الثواب. ﴿ وَمِنَ اٌلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض، يعني سبع أرضين. ﴿ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن. ﴿لِنَعْلَمُواْ﴾ متعلق بمضمر يعم كلّاً من الخلق والتنزيل فإن كلّاً منهما يدل على كمال قدرته وعلمه، فهو علة للأمرين. المناسبة: بعد بيان أحكام الطلاق والعدة وما يجب للمعتدة من نفقة وسكنى، والنهي عن تجاوز حدود الله، أنذر الله تعالى وتوعد كل من خالف أمره وكذب رسله عليهم السلام، بعقاب مماثل لعقاب الأمم الخالية التي كفرت وكذبت رسلها، ثم أردف ذلك بالتذكير بعظيم قدرته وإحاطة علمه، للحث على التزام الأوامر والعمل بالشريعة والأحكام، فكانت الآيات تحذيراً من مخالفة الأمر بعد بيان الأحكام. التفسير والبيان: توعد الله تعالى كل من خالف أمره وكذَّب رسله، وسلك غير ما شرعه، وأخبر عما حلّ بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَيِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَبْنَهَا عَذَابًا ٦٨٢ لُرُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /٨-١٢ تُكْرًا ﴾﴾ أي وكثير من أهل القرى عصوا أمر الله ورسله، وأعرضوا وتكبروا وتمردوا عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، حاسبها الله بأعمالها التي عملتها في الدنيا، وعذب أهلها عذاباً عظيماً منكراً في الآخرة، وفي الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف. وعبَّر بقوله: ﴿فَحَاسَبْنَهَا﴾ ﴿وَعَذَّبْتَهَا﴾ بالماضي عن المستقبل في الآخرة للدلالة على التحقق والوقوع لوعيد الله، مثل: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١/١٦]، وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ [الزمر: ٦٨/٣٩]، وقوله ﴿ وَنَادَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤/٧]، ونحو ذلك. ثم أخبر عن سبب العذاب، فقال: ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَخْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًّاً ﴾﴾ أي لقيت شدة أمرها وعقوبة كفرها، وكان مصيرها الخسران والهلاك والنكال في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فخسروا أنفسهم وأموالهم وأهلهم. ثم أكّد الوعيد بقوله: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي هيأ الله لهم عذاباً شديد الوقع والألم لكفرهم وعتوهم وتمردهم، وهو عذاب النار. ثم ذكر الله تعالى العبرة من الإنذار والوعيد وهي حث المؤمنين على التقوى، فقال: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْيَبِ﴾ أي فخافوا عقاب الله يا أصحاب العقول الراجحة، والأفهام المستقيمة، فلا تكونوا مثلهم، فيصيبكم مثلما أصابهم. ثم أوضح لهم ما يذكّرهم بنحو دائم، فقال: ﴿الَّذِينَ ءَُوْ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اللَّهِ مُبَيِنَتٍ لِيُخْرِجَ ٦٨٣ لُرُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٨-١٢ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ أي فاتقوا الله يا أولي العقول من هذه الأمة الذين صدقوا بالله ورسله، وأسلموا لله، واتبعوا رسولهم محمداً وَّر، قد أنزل الله إليكم ذكراً دائماً وهو القرآن العظيم، وأرسل إليكم رسولاً بهذا القرآن، فهو الترجمان الصادق، وهو الذي يبلِّغكم وحي الله، ويقرأ عليكم كلام الله وآياته في حال كونها بيِّنة واضحة جلية، يبيِّن فيها للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام، ليخرج الله بالآيات والرسول الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ثم أكرمهم ورغَّبهم ببيان جزاء الإيمان والعمل الصالح، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِلَّهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيَهَا أَبَدٌَّ قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أي ومن يصدق بالله، ويعمل العمل الصالح، فيجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه، يدخله جنات، أي بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبداً على الدوام، وقد وسَّع الله له رزقه في الجنة. ثم نبَّه عباده إلى عظيم قدرته وإحاطة علمه، فقال: ١ - ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي إن الله هو الذي أبدع السماوات السبع، والأرضين السبع، أي سبعاً مثل السماوات السبع، يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه ووحيه من السماوات السبع إلى الأرضين السبع، قال تعالى: ﴿ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣/٦٧] . وثبت في الصحيحين: ((من ظلم قيد شبر من الأرض، ◌ُوِّقه من سبع أرضين)) وفي صحيح البخاري: ((خسف به إلى سبع أرضين)) وفي البخاري وغيره أيضاً: ((اللهم ربّ السماوات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن)) . ٦٨٤ لُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /٨-١٢ وروى ابن مسعود أن النَّبِي وَّ قال: ((ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة)). وقال قتادة: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. ◌َ - ﴿لِنَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ أي فعل ذلك، فخلق السماوات والأرض وأنزل قضاءه وأمره فيهما، لأجل أن تعلموا كمال قدرته، وإحاطة علمه بجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه شيء منهما كائناً ما كان، فاحذروا المخالفة، واعتبروا بمصير الأمم السابقة، فإن الله عالم بأعمالكم كلها، وسيجازيكم عليها. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - حذر الله سبحانه من مخالفة أوامره، من طريق بيان عتو قوم وحلول العذاب بهم، فكثير من أهل القرى الظالمة التي عصت أمر الله ورسله، جازاهم بالعذاب في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف وسائر المصائب، وسيحاسبهم في الآخرة حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً منكراً عظيماً. فذاقوا عاقبة كفرهم، وكان عاقبة أمرهم الهلاك والخسران في الدنيا بما ذكر، وفي الآخرة بجهنم. وقد بيَّن الله تعالى نوع الْخُشر وهو أنه عذاب جهنم في الآخرة. أَ - أمر الله بالتقوى عن الكفر به وبرسوله، وجعل الأمر خطاباً لأهل العقول الراجحة، وللمؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله، والذين أنزل عليهم ٦٨٥ الُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /٨-١٢ القرآن، وأرسل لهم الرسول محمداً وَّ ر الذي يتلو عليهم الآيات البينات الواضحات التي تبين ما يحتاج إليه الناس من الأحكام والشرائع. والتقوى: الخوف من الله والعمل بطاعته، والانتهاء عن معاصيه. والغاية السامية من التقوى والإيمان والعمل الصالح هي الخروج من الكفر والضلالة إلى الهدى والنور. ٣- الدليل على كمال قدرة الله تعالى، وأنه يقدر على البعث والحساب هو خلق السماوات والأرض، والدليل على إحاطة علم الله تعالى بكل شيء: علمه بجميع أحوال أهل السماء وأهل الأرض، وتدبير الكون، وتنزيل الأمر فيهم، وإنفاذ القضاء والحكم والوحي في شؤونهم، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته؛ وهو القادر على مجازاة جميع مخلوقاته، ولا يعلم أجرام السماء ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها في المخلوقات إلا علام الغيوب. ولا خلاف في أن السماوات سبع، بعضها فوق بعض، کما دلّ حديث الإسراء وغيره، واختلفوا في الأرض، فقال الجمهور: إنها سبع أرضين طباقاً، بعضها فوق بعض، ولعل ذلك طبقات الأرض، لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اُلْأَرْضِ مِثْلَهُنَ﴾ أي سبعاً من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق أو فرجة، والأحاديث الصحيحة المتقدمة مثل الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن عائشة وسعيد بن زيد: (( من ظلم قيد شبر من الأرضى طوِّقه من سبع أرضين)). وقيل: إنها أرض واحدة، وأن المماثلة ليست في العدد، وإنما هي في الخلق والإبداع والإحكام. والرأي الأول أصح وأظهر، كما قال القرطبي وغيره من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين؛ لأن الأخبار دالّة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما. ٦٨٦ لُ (٢٨) السورة (٦٦) التَّجَّيْلٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ الْتَّخْرِئَةِ مدنية، وهي اثنتا عشرة آية تسميتها: سميت سورة "التحريم"، لتحريم النبي وَلّ شيئاً على نفسه، وافتتاح السورة بعتابه على سبيل التلطف في قوله سبحانه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ اللَّهُ لَكِّ﴾. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة: اَ - افتتاح السورتين كلتيهما بخطاب النّبي ◌َّ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ أَ- اشتراك السورتين في الأحكام المخصوصة بالنساء. فالأولى سورة الطلاق في بيان أحكام الطلاق والعدة وحقوق المعتدة وحسن المعاشرة، وهذه السورة في موقف بعض نساء النّبي ◌ََّ وكيفية معاملة النّبي ◌ُّ لهنّ بالحسنى واللين والنصح. ٢- إن سورة الطلاق المتقدمة في تحريم ما أحل الله بالطلاق، وإنهاء خصومة بعض نساء الأمة، وهذه السورة في تحريم ما أحل الله من نوع آخر ٦٨٧ الُُ (٢٨) السورة (٦٦) التَّجَرّيْرِ بالإيلاء، وإنهاء خصومة نساء النّبِي وَّر، وإفرادها بأحكامهن تعظيماً لهن، لذا ختمت بذكر امرأتين في الجنة هما : آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المدنية تتضمن بعض أحكام التشريع الخاصة بأمهات المؤمنين لتكون نموذجاً يحتذى لجميع الأمة. ابتدأت السورة بعتاب لطيف للنّي وَّ على تحريمه على نفسه شيئاً مباحاً وهو العسل كما ثبت في الصحيح إرضاء لبعض أزواجه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكٌ﴾ الآية. ثم وجَّهت العتاب لبعض أزواج النبي لإفشائهن السرّ حين أسرّ النبي ◌َّه إلى زوجته حفصة، فأخبرت به عائشة، مما أغضب النّبي ◌َِّ، وهمَّ بتطليق أزواجه، وهَّددهن الله بإبداله أزواجاً خيراً منهن: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ﴾ ﴿ عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾. وناسب هذا التذكير باتقاء أهل بيت الإيمان النار والترهيب من الجزاء، وبالتوبة النصوح، وبجهاد الكفار والمنافقين من غير انشغال بأحوال البيت والأسرة من أزواج وأولاد. وختمت السورة بضرب مثلين عظيمين: أحدهما للكافرين، والثاني للمؤمنين، والأول مثل الزوجة الكافرة: امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام، عند الرجل المؤمن الصالح، والثاني مثل الزوجة المؤمنة: امرأة فرعون، عند الرجل الكافر الفاجر، ومثل المرأة الحرة التقية البتول في غير عصمة أحد، تنبيهاً للناس على وجوب اعتماد الإنسان على نفسه، وأنه لا يغني في الآخرة أحد عن أحد، ولا ينفع حسب ولا نسب إذا ساء العمل. ٦٨٨ المُعُ (٢٨) - التَّخْرتي: ٦٦ / ١-٥ بعض أحوال نساء النبي كيا الله كي وسام ( يَأَّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَ اَللَّهُ لَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ـ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَئِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ وَإِذْ أَسَرَّ ٣ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِيثًا فَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ إِن ثَنُوَبَاً عَنْ بَعَضِّ فَلَمَّا نَبَأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَبَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيُ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ اُلْمُؤْمِنَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ ﴿ عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَئِنَتِ فَبَتٍ عَلِدَاتٍ سَبِحَتٍ ثَمِّبَتٍ وَأَبْكَارًا القراءات: ﴿ النَّىُّ﴾ : وقرأ نافع (النبيء). ﴿عَرَفَ﴾ : وقرأ الكسائي (عَرَف). ( تَظَهَرَا﴾ : قرئ: ١- (تَظَاهرا) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (تَظَّاهرا) وهي قراءة الباقين. ﴿ يُبْدِلَهُ﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو (يُبَدِّله). ٦٨٩ الُعُ (٢٨) - التَّجرير: ٦٦ / ١-٥ الإعراب: ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ ﴿بَبْتَغِى﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جمع القلوب، ولم يقل "قلباكما" بالتثنية؛ لأن كل ما ليس في البدن منه إلا عضو واحد، فإن تثنيته بلفظ جمعه، والقلب ليس في البدن منه إلا عضو واحد. ولو قال: قلباكما أو قلبكما، لكان جائزاً. ﴿هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ إنما قال ﴿ظَهِيرُ﴾ بالإفراد، دون الجمع "ظهراء" لأن ما كان على وزن فعيل يستوي فيه الواحد والجمع، مثل قوله تعالى: ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ [يوسف: ٨٠/١٢] . وقد يستغنى بذكر الواحد عن الجمع، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧/٤٠]. ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِنَكُنَّ﴾ الجملة جواب الشرط، و﴿أَنْ يُبْدِلَّهُ﴾: خبر ﴿عَسَى﴾ البلاغة: ﴿ تُحُرِّعُ مَا أَحَلَّ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿عَرَّفَ﴾ ﴿وَأَعْرَضَ﴾ وبين ﴿ثَيِّبَتِ وَأَبْكَارًا﴾ ﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في العتاب. ﴿غَفُورُ زَحِيمٌ﴾ ﴿اَلْعَلِمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿ظَهِيرٌ﴾ صيغ مبالغة. ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَئِكَةُ﴾ عام بعد خاص، ذكر الملائكة بعد جبريل أحدهم اعتناء بشأن الرسول ◌َّقر ومناصرته. ٦٩٠ الُعُ (٢٨) - التَّجَرْنَةِ: ٦٦ / ١-٥ المفردات اللغوية: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَّ﴾ لم تمنع نفسك من الحلال وهو العسل. ﴿ تَبْتَغِى﴾ تطلب بالتحريم . ﴿مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ رضاهن. ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ غفر لك هذا التحريم، فإنه لا يجوز تحريم ما أحله الله، رحيم بك حيث لم يؤاخذك به، وعاتبك حفاظاً على عصمتك. ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ شرع لكم تحليل الأيمان بالكفارة المذكورة في سورة المائدة [الآية ٨٩]. قال مقاتل: أعتق النبي ◌َل* رقبة، وقال الحسن: لم يكفِّر؛ لأنه وَّر مغفور له. واحتج به من رأى التحريم يميناً، مع احتمال أنه وَلَّهُ أتى بلفظ اليمين، كما قيل ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بما يصلحكم. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ المتقن في أفعاله وأحكامه. ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ﴾ أي واذكر إذ أسرّ إلى حفصة على المشهور ﴿حَدِيثًا﴾ هو تحريم العسل الذي كان يتناوله عند زينب بنت جحش، وأيلولة الخلافة من بعده لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . ﴿نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أخبرت حفصة عائشة بالحديث، ظناً منها ألا حرج في ذلك. ﴿ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أطلعه على المنبّأ به وعلى إفشائه. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ, وَأَغَضَ عَنْ بَعْضٍّ﴾ عرف حفصة بعض ما فعلت وترك بعضه . ﴿اَلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ العالم بكل شيء، ﴿اُلْخَبِيرُ﴾ بما في السماء والأرض، لا تخفى عليه خافية. ﴿إِن تَنُوبَآ﴾ أي حفصة وعائشة، وجواب الشرط محذوف تقديره: تقبل. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ مالت القلوب عما يجب للنّبِي وَّ عليهما من التوقير والتعظيم، بحب ما يحبه، وكراهية ما يكرهه . ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ تتظاهرا وتتعاونا على النّبي بما يسوؤه ويؤذيه أو يكرهه . ﴿مَوْلَئُهُ﴾ وليه وناصره. ﴿وَصَِحُ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ مثل أبي بكر وعمر، هم ناصروه أيضاً، والمراد بالصالح: الجنس. ﴿وَلْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ظهراء أعوان له وأنصار مساعدون، بعد نصر الله والمذكورين. ٦٩١ اْلُ (٢٨) - الْتَخْرَةِ: ٦٦ / ١-٥ ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ, أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنَكُنَّ﴾ هذا على التغليب أو تعميم الخطاب، أي عسى إن طلق النبي أزواجه أن يبدله (بالتشديد والتخفيف) أزواجاً خيراً منهن. ﴿مُسْلِمَتٍ﴾ مقرَّات بالإسلام منقادات. ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مصدقات مخلصات. ﴿قَئِنَتِ﴾ طائعات. ﴿تَبِّبَتٍ﴾ عن الذنوب. ﴿عَبِدَاتٍ﴾ متعبدات لله متذللات لأمر الرسول وَله. ﴿سَبِحَتٍ﴾ صائمات، سمي الصائم سائحاً؛ لأنه يسيح في النهار بلا زاد، أو مهاجرات . ﴿ثَيِّبَتِ وَأَبْكَارًا﴾ مشتملات على الصنفين. ويلاحظ أنه بدأ في وصفهن بالإسلام وهو الانقياد، ثم بالإيمان وهو التصديق، ثم بالقنوت وهو الطواعية، ثم بالتوبة وهي الإقلاع عن الذنب، ثم بالعبادة وهي التلذذ بالمناجاة لله، ثم بالسياحة وهي كناية عن الصوم. وأما الثيوبة والبكارة فلا يجتمعان في امراة واحدة، لذا عطف أحدهما على الآخر، ولو لم يأت بالواو لاختل المعنى. وذكر الجنسين لأن في أزواجه ﴿ ﴿ من تزوجها بكراً، وفيهن الثُّيَّاب. سبب النزول: نزول الآية (١ - ٢): ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ﴾: ذكر العلماء روايات في سبب نزول الآيتين، الصحيح منها كما ذكر ابن كثير وغيره أنهما نزلتا في تحريم العسل، كما قال البخاري عند هذه الآية. أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: ((كان رسول الله وَ ل يجب الخَلْواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلاً، فتواطأتُ أنا وحفصة أنَّ أيّتنا دخل النبي وَّل عليها، فلتقل له: إني أجد منك ريح مَغَافير(١)، أكلتَ (١) المغافير: نبت كريه الرائحة، أي صمغ حلو له رائحة كريهة من شجر العُرْفُط في الحجاز. ٦٩٢ اِلُ (٢٨) - التَّجْرِ: ٦٦ / ١-٥ مغافير، فقال: لا، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وقد حلفتُ، لا تخبري بذلك أحداً)). وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَلويشرب عند سَوْدة العسل، فدخل على عائشة، فقالت: إني أجد منك ريحاً، ثم دخل على حفصة، فقالت مثل ذلك، فقال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزلت: ﴿يَأَيُهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اَللَّهُ لَكَّ﴾. وتذكر الروايات في السيرة أن النّبي ◌َّ حرم العسل أمام حفصة فأخبرت عائشة بذلك، مع أن النبي ◌َّو استكتمها الخبر، كما استكتمها ما أسرَّها به من الحديث الذي يُسِرّها ويُسرّ عائشة، أن أباها وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي. قال ابن العربي: إنما الصحيح أن التحريم كان في العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، وجرى ما جرى، فحلف ألا يشربه، وأسرّ ذلك، ونزلت الآية في الجميع. وقال: أما ما روي أن الآية نزلت في الموهوبة (الواهبة نفسها للنبي) فهو ضعيف السند والمعنى، أما السند فرواته غير عدول، وأما المعنى فما يصح أن يقال: إن ردّ النبي ◌َّ للهبة كان تحريماً، بل هو رفض لها، وللموهوب له شرعاً ألا يقبل الهبة. وأما ما روي عن أنه حرم على نفسه مارية القبطية، كما ذكر الدار قطني عن عمر، فهو وإن قرب من حيث المعنى، لكنه لم يدون في صحيح ولا نقله عدل(١). نزول الآية (٥): ﴿عَسَى رَبُُّ﴾ أخرج البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النّبي وَّه في الغَيْرة عليه، فقلت: عسى ربّه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت هذه الآية. (١) أحكام القرآن: ١٨٣٣/٤ - ١٨٣٤ ٦٩٣ الُ (٢٨) - النَّخْتَرِ: ٦٦ / ١-٥ وأخرج أيضاً عن أنس عن عمر قال: بلغني عن بعض أمهاتنا أمهات المؤمنين شدة على رسول الله بَّله وأذا هنّ إياه، فاستقريتهنَّ امرأة امرأة أعظها، وأنهاها عن أذى رسول الله وَ ل ◌َه وأقول: إن أبيتنّ أبدَله الله خيراً منكنّ، حتى أتيت على زينب، فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، فأمسكت، فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ, أَزْوَجَا خَيْرًا مِنَكُنَّ﴾ الآية. التفسير والبيان: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَ اللّهُ لَكٌ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي يا أيها الرسول النبي، لماذا تمنع نفسك من بعض ما أباح الله لك، قاصداً إرضاء أزواجك، والله غفور لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك، وما تقدم من الزلّة، رحيم بك، فلا يعاقبك على ذنب تبت منه، ولم يؤاخذك به. وهذا عتاب بطريق التلطف، مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣/٩]، وسمى الامتناع عن الحلال ذنباً، وهو مباح لغيره، تعظيماً لقدره الشريف، وإشارة إلى أن ترك الأولى بالنسبة إليه كالذنب، وإن لم يكن ذنباً في الواقع. والمراد بالتحريم: الامتناع من تناول العسل أو الاستمتاع ببعض الزوجات، وليس المراد اعتقاد كونه حراماً بعدما أحله الله؛ لأن تحريم الحلال كفر. قال القرطبي: والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة. وتحريم الحلال يراه أبو حنيفة يميناً في كل شيء، حسبما ينوي، فإذا حرَّم طعاماً فقد حلف على أكله، وإذا حرَّم ملبساً أو شراباً أو شيئاً مباحاً، فهو بمنزلة اليمين، وإذا حرم امرأة فقد حلف يمين الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وإن نوى عدداً معيناً في الطلاق كاثنتين أو ثلاث فعلى ما نوى. ٦٩٤ الُعُ (٢٨) - التَّخرية: ٦٦ / ١-٥ ولا يراه الشافعي يميناً، ولكن سبباً في الكفارة في النساء وحدهن، وإن نوى الطلاق فهو رجعي. فإن حلف ألا يأكل شيئاً فخالف، حنث ويبرّ بالكفارة. ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ اُلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي شرع الله لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة المقرر في سورة المائدة [الآية: ٨٩] وهي: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيٍََّّ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيَّمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وبيَّن لكم ذلك، وليس لأحد أن يحرِّم ما أحل الله، فالتحليل والتحريم إلى الله سبحانه، فإن فعل الإنسان شيئاً من ذلك لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، والله متولي أموركم وناصركم على الأعداء، وهو العليم بما فيه صلاحكم وفلاحكم، الحكيم في أقواله وأفعاله وتدبير أموركم. وسبب إيراد آية التحليل هذه أن التحريم الذي كان من النبي و 98 كان في الظاهر مقترناً بيمين، لظاهر الآية: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ فهو دليل على أن هناك يميناً تحتاج إلى التحلة، وأيد ذلك بعض الروايات، فتكون هذه الآية مناسبة لما قبلها باعتبار كون تحريم المرأة أو العسل يميناً، وهو يمين إيلاء من المرأة. وهل كفَّر النبي وَ لّ عن يمينه هذه؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال الحسن البصري: إنه لم يكفِّر؛ لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وفي هذا نظر؛ لأن الأحكام الشرعية عامة، ولم يقم دليل على التخصيص، لذا قال مقاتل: إنه -أي النبي- أعتق رقبة في تحريم مارية، ونقل عن الإمام مالك في المدونة أنه أعطى الكفارة. أما تحريم الرجل لزوجته كأن يقول لها: أنتِ علي حرام أو الحلال علي ٦٩٥ الُ (٢٨) - التَّجَرَّرِ: ٦٦ / ١-٥ حرام دون استثناء شيء، ففيه كما ذكر ابن العربي(١) خمسة عشر قولاً (٢)، منها ما ذكرناه سابقاً أن أبا حنيفة يقول: إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى، وإلا كانت يميناً، وكان الرجل مولياً من امرأته. وذهب الشافعي ومالك إلى أن ذلك ليس بيمين، لكن إن حرم الزوجة ونوى بالتحريم الطلاق، يقع الطلاق الرجعي. وذهب مالك إلى أنه طلاق بائن يقع به ثلاث تطليقات. وقال أبو بكر الصديق وعائشة والأوزاعي: إنه يمين تكفر. ثم ذكر الدليل على إحاطة علم الله بكل شيء، فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِّ﴾ أي واذكر حين أسرَّ النّبي ◌َّ لزوجته حفصة حديثاً هو تحريم العسل أو مارية، أو أن أباها وأبا عائشة يكونان خليفتيه على أمته من بعده، فلما أخبرت به غيرها، وأطلع الله نبيه على ما وقع منها من إخبار غيرها، عرَّف حفصة بعض ما أخبرت به، وأعرض عن تعريف بعض ذلك. ﴿فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَأَنِىَ اُلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي فحينما أخبرها بما أفشت من الحديث قالت: من أخبرك به؟ قال أخبرني به الله الذي لا تخفى عليه خافية، فهو العليم بالسر، الخبير بكل شيء في السماء والأرض. ثم وجة الله تعالى زوجتي النبي وَله: حفصة وعائشة إلى التوبة وعاتبهما قائلاً : ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي إن تتوبا إلى الله، فتكتما السر، (١) أحكام القرآن: ١٨٣٥/٤ وما بعدها. (٢) وذكر القرطبي في تفسيره (١٨٠/٨) ثمانية عشر قولاً. ٦٩٦ لُعُ (٢٨) - التَّجَرَّةِ: ٦٦ / ١-٥ وتحبّا ما أحبه رسول الله ◌َّيه، وتكرها ما كرهه، قبلت توبتكما من الذنب وكان خيراً لكما، فقد عدلت قلوبكما ومالت عن الحق والخير، وهو حق تعظیم الرسول څ وصون سره وتكريمه. والخطاب لحفصة وعائشة، لما أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي تَّ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اَللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق، عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرَّز، ثم أتاني، فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتانِ من أزواج النبي ◌َّوَ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ؟ فقال عمر: واعجباً لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة. ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَحِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي وإن تتعاضدا وتتعاونا على ما يسوؤه ويؤذيه بسبب الغيرة والرغبة في إفشاء سره، فإن الله يتولى نصره، وكذلك جبريل وصالح المؤمنين كأبي بكر وعمر، والملائكة بعد نصر الله له ونصر جبريل والمؤمنين الصالحين أعوان له وحراس وحفظة. وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم. ولم نر مثل هذا العون والعصمة والتأييد الرباني لأحد من الأنبياء والرسل وسائر البشر، للمبالغة في تعظيم شأن النبي وَلهم، والتخلص من مكر النساء، وتبديد أوهام المشركين والمنافقين من محاولات الكيد والأذى وإلحاق الضرر ثم أنذرهما الله وحذرهما مع بقية الأزواج، فقال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَّهُ: أَزْوَجًا خَيْرً مِّنَكُنَّ مُسْلِمَتِ مُؤْمِنَاتٍ قَئِنَتٍ ٦٩٧ لُ (٢٨) - التَّخرية: ٦٦ / ١-٥ تَبَتٍ عَبِدَاتٍ سَيِحَتٍ ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا ﴾﴾(١) أي لله القدرة البالغة، فإنه قادر إن وقع من النبي الطلاق أن يبدله أزواجاً خيراً وأفضل منكن، قائمات بفروض الإسلام، كاملات الإيمان والتصدیق بالله وملائكته وكتبه ورسله، مطيعات الله تعالى ورسوله ◌َ ل﴿، تائبات من الذنوب، مواظبات على عبادة الله متذللات له، صائمات، بعضهن ثيِّات، وبعضهن أبكاراً. والثيب: هي المرأة التي قد تزوجت، ثم طلقها زوجها أو مات عنها. والبكر: هي العذراء. قال الكلبي: أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل مريم بنت عمران. وهذا مأخوذ من أحاديث ضعيفة، ومبني على أن الوعد بالتبديل في الآخرة فقط. ويلاحظ أن جميع هذه الصفات يمكن اجتماعها في موصوف واحد، ما عدا الوصفين الأخيرين، لذا عطفا بالواو، للدلالة على التغاير أو التباين في الوصفين، والعطف يقتضي المغايرة. والآية تتضمن غاية التهديد والوعيد على محاولات إيذاء النبي وَّ، فإنه لا شيء أشد وأقسى على المرأة من الطلاق، والعزم على التزوج بزوجة أخرى، فذلك قاسم للظهر، مؤرِّق للبال، محطم دائم للشعور الذاتي بالسعادة في الحياة. وفي الآية أيضاً وعد من الله لنبيه وَ ليل أن يزوجه بما يريد، قيل: في الدنيا، وقيل: في الآخرة، والأولى الجمع بين الحالتين. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - عاتب الله تعالى نبيه وَدليل على الامتناع من تناول ما أحل الله، فلا ينبغي (١) عسى في القرآن: يجب تحقق ما بعدها إلا هذه، وقيل: وهنا أيضاً واجب، ولكنه معلق بشرط التطليق. ٦٩٨ الُ (٢٨) - التَّجَرَّةِ: ٦٦ / ١-٥ لأحد تحريم المباح: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧/٥]. قال الشعبي: كان مع الحرام يمين، فعوتب في الحرام، وإنما يكفر اليمين فذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذا العتاب دليل قاطع بأن القرآن من عند الله؛ إذ لا يعقل ولا يؤلف أن يعاتب الإنسان نفسه، أو يخبر عن نزاع خاص في بيته يظل خبراً متلواً دائماً. ٣- إن مجرد الامتناع عن تناول الشيء المأكول أو المشروب من غير حلف ليس يميناً، ولا يحرِّم قول الرجل: (هذا علي حرام) إلا الزوجة لزوجة، فيكون إيلاء منها. وهذا رأي الجمهور. وقال أبو حنيفة: إن تحريم المأكول والمشروب والملبوس والشيء المباح يكون يميناً توجب الكفارة. وإذا حرم امرأة، فقد حلف يمين الإيلاء منها، كما تقدم. والحقيقة: ليس في الموضوع نص يعتمد عليه، فمن تمسك بالبراءة الأصلية قال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء، ومن قال: إنها يمين، قال: سماها الله يميناً. ومن قال: تجب فيها كفارة وليست بيمين، اعتمد على أحد أمرين: أحدهما- أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها، وإن لم تكن يميناً، والثاني - أن معنى اليمين عنده التحريم، فوجبت الكفارة على المعنى. ومن قال: إنها طلقة رجعية، فإنه حمل اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرَّمة الوطء. ومن قال: إنها ثلاث، حمل اللفظ على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث. ومن قال: إنه ظهار؛ لأنه أقل درجات التحريم، فإنه تحريم لا يرفع النكاح. ومن قال: إنه طلقة بائنة، فاعتمد على أن الطلاق الرجعي لا يحرِّم المطلّقة، وأن الطلاق البائن يحرِّمها(١). ٣ - تحليل اليمين كفارتها، والظاهر أن النبي ◌َّ حلف، مع الامتناع عن تناول العسل، وأنه في الأصح كفَّر عن يمينه. والكفارات تجبر الخلل الحاصل. (١) تفسير القرطبي: ١٨٣/١٨ ٦٩٩ الْجُعُ (٢٨) - النَّجرير: ٦٦ / ١-٥ وإن حرم الرجل أمته أو زوجته، فكفارة يمين، لما أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: "إذا حرَّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفّرها" وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١/٣٣]. ٤- للنساء بسبب الغَيْرة الفطرية الشديدة التأثير مواقف غريبة وعجيبة من بعضهن بعضاً. ٥- يصعب على النساء كتمان السر، فقد أسر النبي ◌َّ و لزوجته حفصة تحريم العسل أو مارية على نفسه، أو أمر الخلافة من بعده لأبي بكر وعمر، واستكتمها السر، فأباحت به لعائشة. ٢- يغفل الإنسان غالباً عن أن الله عالم خبير به وبأحواله، فيتصرف تصرفات الغافل غير الواعي ولا المدرك لما يفعل، ولا يحسب الحساب اللازم لمن يراه ويحاسبه على أعماله. وهذا ما كان من حفصة التي فاجأها النبي ◌َّو بما فعلت، وأعلمها بأن الله أخبره بذلك. ٧- القرآن تهذيب وتربية وتعليم، لذا حث الله سبحانه حفصة وعائشة على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى مخالفة محبة رسول الله وق لقه، وتعظيم شأنه وإعلاء قدره وصون سره. فقد زاغت ومالت قلوبهما عن الحق، وهو أنهما أحبَّتا ما كَرِه النبي وَّه من اجتناب جاريته، واجتناب العسل، وكان ◌َّ- يحب العسل والنساء، محبة فيها اعتدال وإعزاز وإكرام للنساء. ٨ً- هدد الله حفصة وعائشة بأنهما إن تتظاهرا وتتعاونا على النبي وَل بالمعصية والإيذاء، فهناك حملة صون وحفظ وعصمة وحراسة له من الله والملائكة وجبريل والمؤمنين الصالحين، كأبي بكر وعمر أبوي عائشة وحفصة. - وهددهما بتهديد آخر أشد ألماً ووقعاً على النفس، وهو إن طلقهما وطلَّق زوجاته، أبدله الله زوجات خيراً وأفضل منهن في الدنيا والآخرة. وهذا ٧٠٠ الُ (٢٨) - التَّجرير: ٦٦ / ١-٥ وعد من الله تعالى لرسوله وَله، وإخبار عن القدرة الإلهية وتخويف لهم، مع علمه تعالى بأنه لا يطلقهن. وأوصاف النساء اللاتي يبدله الله بدلاً عن زوجاته الحاليات في غاية الكمال، وهي كونهن مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله وَلخير، مصدقات بما أُمرن به ونُهين عنه، ميطعات، تائبات من ذنوبهن، كثيرات العبادة لله تعالى، صائمات أو مهاجرات، ثيّات وأبكاراً، أي منهن ثيِّب، ومنهن بِكْر. . ١ - حينما أفشت حفصة السر لعائشة، آلى رسول الله وَلَو لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعاً وعشرين ليلة، فأنزل الله عز وجل: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اَللَّهُ لَكَّ﴾ الآية، وهذا ما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن عمر أن النبي وَلَحرَّم على نفسه مارية. وروى مسلم في صحيحه قصة طويلة مفادها: لما اعتزل نبي الله وَلقر نساءه، وقال الناس في المسجد: طلَّق رسول الله وَ له نساءه، وذلك قبل الأمر بالحجاب، دخل عمر على كل من عائشة وحفصة يعاتبهما على إيذائهما رسول الله قال﴾. ثم دخل على رسول الله ◌َّط﴾، وهو مضطجع على حصير، فجلس، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، فقال عمر: فنظرت ببصري في خزانة رسول الله له، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلِها قَرَظاً (١) في ناحية الغرفة، وإذا أفِيقٌ(٢) معلّق، قال: فابتدرتْ عيناي، قال: ((ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك قَيْصُرُ وكشرى في الثمار والأنهار، (١) القرظ: ورق السَّلَم یدبغ به. (٢) الأفيق: هو الجلد الذي لم یتم دباغه.