النص المفهرس
صفحات 621-640
٦٢١ الزُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ /١-٤ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - ينزه الله ومجده جميع مخلوقاته في السماوات والأرض لدلاتها على كماله واستغنائه، وهو تنزيه وتسبيح دائم متجدد شامل كل جزء من أجزاء العالم. وهذا بخلاف قوله تعالى في موضع آخر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١/٥٩] وقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١/٥٧] فهما للدلالة على التسبيح في الجملة على سبيل المبالغة. ٢- الله تعالى هو خالق الإنسان وبارئه، ويعلم حال كل واحد في علمه الأزلي قبل وجوده من إيمان وكفر، أخرج البخاري والترمذي من حديث ابن مسعود: ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها)) . قال العلماء: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم؛ فيجري ما علم وأراد وحكم. فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم. وكذلك الكفر. ٣ - خلق الله العالم كله سماءه وأرضه بالعدل والحكمة البالغة، وحقاً يقيناً لا ريب فيه، وخلق الإنسان في أحسن شكل وصورة وتقويم، وإليه في الحياة الآخرة المرجع، فيجازي كلّاً بعمله. ٤- الله سبحانه عالم الغيب والشهاة، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم السرائر والظواهر، ويعلم ما في الضمائر والقلوب. ٦٢٢ الُرُ (٢٨) - النَخْتَابُ: ٦٤ / ٥-٧ إنكار المشركين الألوهية والنبوة والبعث ﴿أَّ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ٥ ذَلِكَ بِأَنَّهُ, وَكَانَت تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ بَهُدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّأَسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴿٤َ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لَّنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرَبِ لَُعَثُنَّ ثُمَّ لَنُوُنَ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ القراءات: رُسُلُهُم﴾ : وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم). الإعراب: ﴿أَبَشَرٌ بَدُونَنَا﴾ (بَشَرٌ) مبتدأ، وإنما قال: ﴿يَّدُونَنَا﴾ الذي هو الخبر لأنه كنى به عن (بَشَرٌ)، و(بَشَرٌ) يصلح للجمع كما يصلح للواحد، والمراد به هنا الجمع، مثل قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْتُمْ لِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥/٣٦]. ولو أراد الواحد لقال: "يهدينا" كما في آية: ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا نَّعُهُ﴾ [القمر: ٥٤/ ٢٤] . ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ ﴿زَعَمَ﴾ : فعل يتعدى إلى مفعولين، وجملة: ﴿أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ سدت مسد المفعولين، لما فيها من ذكر الحديث والمحدث عنه، كقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ﴾ [العنكبوت: ٢/٢٩]. و﴿أَنَ﴾: مخففة من (أنّ) واسمها محذوف، أي أنهم. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيها الكفار، والاستفهام للتعجيب من أمرهم. ﴿نَبُؤْأ﴾ خبر مهم . ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ كقوم نوح وهود وصالح عليهم السلام. ﴿فَذَاقُواْ ٦٢٣ لالُرُ (٢٨) - النَخََابُ: ٦٤ / ٥-٧ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ عقوبة وضرر كفرهم في الدنيا أو عاقبته، وأصل الوبال: الثقل، ومنه طعام وبيل، أي ثقيل على المعدة، والوابل: المطر الثقيل، ثم أطلق على الضرر الذي يصيب الإنسان؛ لأنه يثقل عليه، و﴿أَمْرِهِمْ﴾ كفرهم، إشارة إلى أنه أمر عظيم خطير . ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لهم في الآخرة عذاب مؤلم. ﴿ذَلِكَ﴾ أي المذكور من الوبال وعذاب الدنيا. ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي بسبب أنه، والهاء: ضمير الشأن، أي بسبب أن الشأن. ﴿بِالْيَِّتِ﴾ بالمعجزات والحجج الظاهرات على الإيمان .﴿أَبَشَرٌ مَدُونَنَا﴾ المراد به جنس البشر، أنكروا وتعجبوا أن يكون الرسول بشراً، والبشر: يطلق على الواحد والجمع. ﴿فَكَفَرُواْ﴾ بالرسل. ﴿وَنَوَلَّواْ﴾ أعرضوا عن الإيمان والتدبر في البينات. ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أظهر غناه عن كل شيء، ومنه طاعتهم وإيمانهم إذ أهلكهم. ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ﴾ عن خلقه وعن عبادتهم وغيرها. ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في أفعاله ويحمده كل مخلوق . ﴿بَلَى﴾ أي تبعثون وهي كلمة جواب تقع بعد النفي للإثبات . ﴿ وَرَبِ﴾ قسم، أكد به الجواب. ﴿لَنْتُعَثُّنَّ﴾ لتخرجن من قبوركم أحياء وتحاسبن وتجزون بأعمالكم . ﴿ثُمَّ لَنُوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ لتخبرن بأعمالكم بالمحاسبة والجزاء . ﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لقدرته التامة وقبول المادة ما أراد. المناسبة: بعد بيان أدلة وجود الله تعالى وقدرته وآثاره في الكون، حذر مشركي مكة من الكفر وإنكار الألوهية: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وإنكار النبوة: ﴿أَبَشَرٌ مَّدُونَنَا﴾ وإنكار البعث: ﴿أَنْ لَّنْ يُعَثُواأَ﴾ وأبان عقوبتهم في الدنيا وما أُعدّ لهم من العذاب في الآخرة، وأثبت أن البعث حق كائن لا ريب فيه، وأن كل إنسان سيجازى بما فعل يوم القيامة. التفسير والبيان: ﴿أَلَّ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُوْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَلَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٥ ٦٢٤ لُ (٢٨) - التَخْتَابُ: ٦٤ / ٥-٧ أي ألم يبلغكم يا كفار مكة خبر كفار الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود، وما حل بهم من العذاب والنكال بسبب مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقد دعتهم رسلهم إلى توحيد الله وعبادته وترك الأوثان التي اتخذوها أرباباً من دون الله، فأصابهم عاقبة كفرهم وتكذيبهم ورديء أفعالهم من عذاب الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم جداً وهو عذاب النار. وهذا تعجيب من حالهم الغريبة. ثم بَيَّن الله تعالى أسباب عقابهم الدنيوي والأخروي، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ, كَانَت تَّأْنِهِمْ رُسُلُهُم ◌ِلْبِنَتِ فَقَالُواْ أَبْشَرٌ ◌َهُدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ أي ذلك العذاب في الدارين بسبب أنه كانت تجيئهم الرسل المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة، والأدلة والبراهين الواضحة، فقال كل قوم لرسولهم: كيف يتصور أن يهدينا البشر، أو من كان من جنس البشر؟ أي إنهم استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على أيدي البشر مثلهم، فكفروا بالرسل وما جاؤوا به، وأعرضوا عنهم وعن الحق وعن العمل به، ولم يتدبروا فيما جاؤوا به، واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم؛ إذ أهلكهم، والله غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال أو الحال. ثم أخبر الله تعالى عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون، فقال : ﴿زَعَمَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ أي ادعى المشركون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، كما قال في آية أخرى: ﴿قَالُواْ أَعِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًاً وَعِظَمَا أَئِنَا لَمَبْعُونُونَ [المؤمنون: ٨٢/٢٣]. وفي هذا تقريع لكفار مكة؛ لأن ٨٢ الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه. جاء في الحديث: ((زعموا: مطيةٌ الكذب)) . ٦٢٥ الُعُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ٥-٧ فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّ لَنْتُعَنُنَّ ثُمَ لَثْنَوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ﴾ أي قل أيها الرسول لهم وأخبرهم بأنكم والله ستبعثون وتخرجون من قبوركم أحياء، ولتُخْبَرُنّ بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به، وذلك البعث والجزاء هيّ سهل على الله تعالى، لا يصرفه صارف. وقوله: ﴿بَى﴾ لإثبات لما بعد ﴿أَنْ﴾ وهو البعث. وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله وَالقر أن يقسم بربه عز وجل على وقوع المعاد ووٍ جوده، الأولى منها قوله تعالى: ﴿﴾ وَيَسْتَنَِّئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى [يونس: ٥٣/١٠] والثانية منها قوله ٥٣ وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنَتُم بِمُعْجِزِينَ سبحانه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبِى لَتَأْنِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣/٣٤] والثالثة هذه الآية. ونظير الآية: ﴿قَالَ مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَآَ [يس: ٧٨/٣٦-٧٩] . (٧٩) أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - حذر الله المشركين في مكة وغيرها من تماديهم في الكفر بأن يعاقبوا مثل عقوبات كفار الأمم الخالية كقوم نوح وهود وصالح التي عوقبوا بها في الدنيا، وتنتظرهم في الآخرة. ◌َ- إن أسباب تعذيب الكفار في الماضي: هي كفرهم بالله وجحودهم بآياته، وتكذيب رسلهم الذين أرسلوا إليهم بالمعجزات والدلائل الواضحة، وإنكارهم البعث والحساب والجزاء. ٦٢٦ الُعُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ٨-١٠ وكان كفرهم برسلهم أنهم أنكروا أن يكون الرسول من البشر، واستصغروه، ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده، كما لم يعلموا أن الله تعالى مستغن بسلطانه عن طاعة عباده. ٣- أمر الله نبيه بأن يقسم بربه للمشركين على أن البعث حق كائن، لا محالة، فلا بد من أن يخرجوا من قبورهم أحياء، وعلى أنهم سيخبرون بما عملوا، وأن البعث والجزاء يسير على الله؛ إذ الإعادة أسهل من الابتداء. المطالبة بالإيمان والتحذير من أهوال القيامة ﴿فَاِنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيٌ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ◌ِيَوْمِ الْجَمَعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيَِّانِهِ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَّأْ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ٩ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَا وَبِنْسَ الْمَصِيرُ القراءات: [يُكَفِّرْ﴾، ﴿وَيُدْخِلَهُ﴾ وقرأ نافع، وابن عامر (نكفر، وندخله). ﴿ وَبِئْسَ﴾ : وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبيس). الإعراب: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَعْ﴾ ﴿يَوْمَ) ظرف متعلق بقوله : ﴿﴿ لَلَبْعَثَنْ أو ٦٢٧ اِلُعُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ٨-١٠ ﴿ لََُّوْنَ﴾ وتقديره: لتبعثن أو لتنبؤن يوم يجمعكم ليوم الجمع. و﴿ يَجْمَعُكُمْ﴾ بالرفع وهي القراءة المشهورة، وقرئ (يجمعْكم) بسكون العين لكثرة توالي الحركات، كما قرئ: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ ﴾ [الإنسان: ٩/٧٦] بسكون الميم. البلاغة: ﴿وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَا﴾ استعارة، أطلق النور على القرآن بطريق الاستعارة، فإن القرآن ينير الظلمات ويبدد الشبهات. ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَِحًا﴾ و﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِايَتِنَآَ﴾ مقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿يَوْمُ النَّغَابُِ﴾ استعارة، فقد أطلق التغابن على ما يكون يوم القيامة من مبادلة الخير بالشر، وهو يشبه المبادلة والمعاوضة والتجارة. المفردات اللغوية: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمد نَّةِ. ﴿وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَا﴾ أي القرآن، فإنه بإعجازه ظاهر بنفسه، مبين شارح لما تضمنه من عقيدة وتشريع وأحكام. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مجاز عليه. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ أي اذكر يوم جمعكم وحشركم. ﴿لِيَوْمِ الْجَمَعْ﴾ هو يوم القيامة الذي تجمع فيه الخلائق كلها من ملائكة وإنس وجن، لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، سمي يوم القيامة بيوم الجمع؛ لأن الله يجمع فيه جميع المخلوقات في صعيد واحد . ﴿ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، مستعار من تغابن التجار بأن يبيع البائع بأقل من القيمة، أو يشتري المشتري بأكثر من الثمن. وتغابن الآخرة، هو ٦٢٨ لُ (٢٨) - النَّخَابُ: ٦٤ / ٨-١٠ التغابن في الحقيقة، لا في أمور الدنيا، لعظم أمور الآخرة ودوامها، وفسر بعض المعاصرين يوم التغابن بأنه يوم الذهول. وفيه تهكم بالأشقياء، جاء في الحديث الذي رواه أحمد بسنده عن رسول الله وَله: ((ما من عبد يدخل الجنة إلا أُري مقعده من النار، لو أساء، ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أُري مقعده من الجنة، لو أحسن، ليزداد حسرة)). ﴿وَيَعْمَلْ صَلِحًا﴾ أي ويعمل عملاً صالحاً . ﴿ ذَلِكَ اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي مجموع الأمرين من تكفير السيئات ودخول الجنات مع الخلود الأبدي؛ لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع . ﴿وَكَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ﴾ القرآن، الذي تدل آياته على البعث. ويلاحظ أن الآيتين معاً: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بيان للتغابن وتفصيل له، كما ذكر البيضاوي. المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد والألوهية والنبوة، والرد على منكري البعث، وإيضاح ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، لكفرهم بالله وتكذيب الرسل، طالب الله تعالى بالإيمان بالله تعالى ورسوله وَ له وبآي القرآن وبالبعث، علماً بأن الاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان، ثم حذر من الحساب والجزاء في الآخرة، وأبان مظاهر التغابن فيه، وفصله تفصيلاً تاماً. التفسير والبيان: أي إذا ٨ ﴿فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنْزَلْنَأْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( كان أمر البعث هيّناً يسيراً على الله لا يصرفه صارف، فصدِّقوا بالله ورسوله محمد ◌َّه وكتابه المنير الهادي إلى السعادة، والمنقذ من ظلمة الضلالة، فهو نور يهتدى به إذا أشكلت الأمور، والله عالم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك خيراً أو شراً. وفي هذا وعيد على ٦٢٩ الُعُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ٨-١٠ كل ما يؤتى من المعاصي، أو يترك من الفرائض والواجبات. ووصف القرآن بأنه نور؛ لأنه يُهتدى به في الشبهات، كما يهتدى بالنور في الظلمات. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُِ﴾ أي واذكروا يوم القيامة الذي يجمع الله فيه أهل المحشر من الأولين والآخرين في صعيد واحد للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، وبين كل نبي وأمته، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣/١١] . وقال سبحانه: [الواقعة: ٥٠ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَّعْلُوم ٤٩ ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَِّينَ وَالْآَخِرِينَ ٤٩/٥٦- ٥٠] . ذلك اليوم وهو يوم القيامة يوم التغابن الذي يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، فكل من الفريقين تظهر له الخسارة الفادحة؛ فكأن أهل النار استبدلوا بالخير الشر، وبالجيد الرديء وبالنعيم العذاب، وأهل الجنة على العكس مما ذكر، ومع ذلك يشعرون بالنقص والخسارة، إذا لم يقدموا عملاً صالحاً أكثر مما قدموا، فالمغبون: من غبن أهله ومنازله في الجنة، جاء في الحديث الصحيح المتقدم الذي رواه أحمد : ((ما من عبد يدخل الجنة إلا أُري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أُري مقعده من الجنة ليزداد حسرة)). وأصل التغابن: مأخوذ من الغبن: وهو أخذ الشيء من صاحبه بأقل من قيمته، في عقود المعاوضات، وبما أنه لا معاوضة في الآخرة، فيكون إطلاق التغابن على العمل المقدم في الدنيا وجزائه في الآخرة، من قبيل الاستعارة، للدلالة على النقص على البائع. والخلاصة: إن يوم القيامة يوم التغابن الجائز، فيه يغبن بعض أهل المحشر بعضاً، فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الجنة يغبنون أهل النار. ثم فصل الله تعالى التغابن وبيَّنه، فقال: ٦٣٠ ◌ِلُرُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ٨-١٠ ١- ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِّثَائِهِ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِنْهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ومن يصدق بالله تصديقاً صحيحاً ويصدق بما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك، ويعمل العمل الصالح بأداء الفرائض والطاعات، واجتناب المنهيات، يمح الله سيئاته وذنوبه، ويدخله الجنات التي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، وذلك التكفير للسيئات وإدخال الجنات هو الظفر الذي لا يساويه ظفر، ولا ظفر قبله ولا بعده، لإحراز أفضل الثمرات والنتائج. وإنما قال: ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾ بلفظ الجمع بعد قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ﴾ بلفظ واحد؛ لأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى. ٢- ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَتَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي والذين جحدوا وحدانية الله تعالى وقدرته، وكذبوا بآياته المنزلة على عبده محمد وَ له، ومنها الآيات الدالة على البعث، أولئك أصحاب النار، خالدين فيها على الدوام، وبئس المرجع مرجعهم، وبئست النار مثوى لهم. والآيتان دليل على حال السعداء وحال الأشقياء، لبيان ما تقدم من التغابن. وقد عبر الله تعالى عن أهل الإيمان بقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ بلفظ المستقبل، وفي الكفر بقوله: ﴿ وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا، يدخله جنات، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - بعد الإخبار بقيام الساعة، أمر الله عباده بالإيمان به وبرسوله محمد وقلقه وبالقرآن المنزل عليه، لئلا ينزل بهم من العقوبة ما نزل بالأمم الخالية لكفرهم ٦٣١ لُعُ (٢٨) - النَّخَابُ: ٦٤ / ٨-١٠ بالله وتكذيب الرسل، وأكد تعالى الأمر بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عالم بما تسرون وما تعلنون، فراقبوه وخافوه في الحالين معاً. أَ - ثم أكد الله تعالى هذا الأمر بالتحذير من مخاوف القيامة وأهوالها، ومن شدة الحساب والجزاء، فذكر أنه سيجمع يوم القيامة جميع أهل السماوات وأهل الأرض، فهو يوم الجمع والحشر، ويوم التغابن، لأن الكافرين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، واشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم، وأما المؤمنون فقد دلهم ربهم على التجارة الرابحة وهي الإيمان والجهاد، فباعوا أنفسهم بالجنة، فخسرت صفقة الكفار، وربحت صفقة المؤمنين. فيكون المعنى: ذلك يوم التغابن الجائز مطلقاً. قال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار. ◌َ - قال ابن العربي: استدل علماؤنا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ﴾ على أنه لا يجوز الغبن في المعاملة الدنيوية؛ لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة، فقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُِ﴾ وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود، إذا زاد على الثلث. وهو الغبن الفاحش، وهو من الخداع المحرَّم شرعاً في كل ملة. أما الغبن الیسیر: فلا یمکن الاحتراز منه لأحد، فلا ینقض به البیع؛ إذ لو. حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً؛ لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيراً أمكن الاحتراز منه، فوجب الرد به. والفرق بين القليل والكثير: هو الثلث، وقدّر علماؤنا الثلث بهذا الحد؛ إذا رأوه في الوصية وغيرها (١). ٤- إن جزاء المؤمنين: دخول الجنات التي تجري من تحت قصورها (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٨٠٤/٤، تفسير القرطبي: ١٣٨/١٨ ٦٣٢ الُرعُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ /١١-١٣ الأنهار، مع الخلود الأبدي فيها، وهو الفوز الساحق الذي لا فوز بعده؛ لاشتماله على النجاة من المخاطر والأهوال. ٥- إن جزاء الكافرين بالله وبالقرآن: دخول النيران، مع الخلود فيها على الدوام، وبئس المصير نار جهنم. وهذا الجزاء المقرر للفريقين هو تفسير التغابن المذكور آنفاً. كل شيء بقضاء وقدر ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِذْنِ اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا ١٣) ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ اُلْبَلَغُ الْمُبِينُ البلاغة: ﴿مَآ أَصَابَ﴾ ﴿قُصِيبَةٍ﴾ بينهما جناس الاشتقاق. ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ﴾ إطناب بتكرر الفعل: ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ زيادة في التأکید. المفردات اللغوية: ﴿قُصِيبَةٍ﴾ كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر ﴿بِإِذْنِ اَللَّهُ﴾ بتقديره وإرادته ومشيئته ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يشرح صدره للخير والطاعة، والثبات على الإيمان، والصبر على المصيبة والرضا بها ﴿ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ حتى بالقلوب وأحوالها. ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم ﴿اُلْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ التبلييغ البين الواضح. ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ليفوضوا أمرهم إلى الله، لإيمانهم بأن كل شيء منه. ٦٣٣ لُرعُ (٢٨) - التَخَابُ: ٦٤ / ١١-١٣ المناسبة: بعد بيان كون الناس قسمين: مؤمن وكافر، ثم الأمر بالإيمان والعمل الصالح، والنهي عن الكفر والتنفير فيه، أبان الله تعالى أن كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فهو بقضاء الله وقدره على وفق السنن الكونية المدبرة والمرتبة بإرادة الله، ثم أمر تعالى بطاعته وطاعة الرسول وَله، وبالتوكل عليه وحده. التفسير والبيان: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهُ﴾ أي إن كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فهو بقضاء الله وقدره. قيل: إن سبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً، لصانهم الله عن المصائب في الدنيا. فما على الإنسان إلا السعي والعمل لجلب الخير ودفع الضر عن نفسه، ثم التوكل على الله بعدئذ، فإن تحقيق النتائج يكون بقضاء الله وقدره. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ [الحديد: ٥٧ / ٢٢] . ٢٢ مِّن قَبْلِ أَن تَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ ( ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي ومن يصدّق بالله، ويعلم أن ما أصابه من مصيبة هو بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، يهد قلبه ويشرح صدره عند المصيبة، والله واسع العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو عليم بالقلوب وأحوالها. قال ابن عباس: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وفي الحديث المتفق عليه: ((عجباً للمؤمن، لا يقضى الله قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)). ٦٣٤ المُعُ (٢٨) - النَّخَابُ: ٦٤ / ١١-١٣ ثم أمر الله بطاعته: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَّ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِيِنُ ﴾﴾ أي واشتغلوا بطاعة الله فيما شرع وطاعة رسوله وَلِير فيما بلّغ، وافعلوا ما به أمر، واتركوا ما عنه نهى وزجر، فإن أعرضتم عن الطاعة ونكلتم عن العمل، فإنمكم على أنفسكم، وليس على الرسول ال اله من بأس، إذ وظيفته التبليغ البيِّن الواضح، وعليكم ما حِّلتم من السمع والطاعة. قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. ثم أمر تعالى بالتوكل عليه: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي إن الله هو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وهو المستحق للعبودية دون غيره، فوحدوا الله وأخلصوا العمل لديه، ولا تشركوا به شيئاً، وفوضوا أموركم إليه، واعتمدوا عليه، لا على غيره، كما قال [المزمل: ٩/٧٣]. تعالى: ﴿رَبُّ الْمُشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَخِذْهُ وَكِيلًا (بـ وهذا إرشاد للعباد في وجوب الاعتماد على الله، والتوكل عليه، وطلب العون الدائم منه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى المبادئ التالية في العقيدة والتشريع: اً - وجوب الرضا بالقضاء والقدر، فإن كل ما يحدث في الكون، وكل ما يصيب الإنسان من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل، هو بعلم الله وقضائه. أَ - من يصدّق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله، يهد قلبه للصبر والرضا والثبات على الإيمان، فهو إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإذا ظُلم غفر، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلَّم لأمره، ولا كراهة من كرهه. ١٠ ٦٣٥ اِلُعُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ وليست المصائب في الدنيا دليلاً على عدم الرضا، وليس النجاح فيها دليلاً على الرضا. ٢- على المؤمنين تهوين المصائب على أنفسهم، والاشتغال بطاعة الله تعالى، والعمل بكتابه، وإطاعة الرسول وَّيقول في العمل بسنته، فإن تولوا عن الطاعة فليس على الرسول ( إلا التبليغ. ٤- على الناس قاطبة توحيد الله وعبادته وحده، فلا إله إلا هو، ولا معبود سواه، ولا خالق غيره، وعليهم التوكل على الله، وحسن الظن بالله، والاعتماد عليه بعد تعاطي الأسباب، والقيام بما يقتضيه الواجب من السعي والعمل في الحياة. التحذير من فتنة الأزواج والأولاد والأموال والأمر بالتقوى والإنفاق (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ إِنَّمَا فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمُ أَقْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ (4) وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَفُسِكُمُّ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَتِكَ هُمُ إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفُهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ اٌلْمُفْلِحُونَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ شَكُورُ حَلِيمٌ ﴾ القراءات: ﴿ يُضَحِفْهُ﴾: وقرأ ابن كثير، وابن عامر (يُضَعِّفْه). ٦٣٦ لِلُرُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ الإعراب: ﴿ وَأَنْفِقُواْ خَيْرًّا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿خَيْرًا﴾ إما منصوب بـ ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾ ويراد به هنا المال، أو منصوب بفعل مقدر دل عليه . ﴿ وَأَنفِقُواْ﴾ أي وآتوا خيراً، أو وصف لمصدر محذوف، أي وأنفقوا إنفاقاً خيراً، أو خبر كان مقدرة، أي وأنفقوا وكان الإنفاق خيراً .. البلاغة: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ بينهما طباق. ﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفُهُ لَكُمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء بمن يُقرض الله قرضاً واجب الوفاء بطريق التمثيل، سماه قرضاً من حيث التزام الله بثوابه. ﴿ وَاللَّهُ شَكُوْرُ حَلِيمٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعيل. ﴿رَّحِيمٌ﴾ ﴿عَظِيمٌ﴾ ﴿حَلِيمٌ﴾ ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ سجع مرصع لتوافق الفواصل. المفردات اللغوية: ﴿ إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ يشغلكم عن ج طاعة الله والتخلف عن الخير، كالجهاد.﴿وَإِن تَعْفُوا﴾ عنهم في التثبيط عن الخير وعن ذنوبهم، بترك المعاقبة.﴿وَتَصْفَحُواْ﴾ بالإعراض وترك اللوم. ﴿وَتَغْفِرُواْ﴾ بالتجاوز عما فعلوا والتمهيد للمعذرة .﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يعاملكم بمثل ما عملتم. ج ﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار لكم بمعرفة مدى شغلها لكم عن أمور الآخرة .﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرُّ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. ٦٣٧ الُعُ (٢٨) - التَخْتَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ مواعظه. ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ أوامره. ﴿وَأَنفِقُواْ﴾ في وجوه الخير والطاعة لوجهه الكريم . ﴿خَيْرًّاً لِّأَنْفُسِكُمُ﴾ أي افعلوا ما هو خير، وهو خبر (يكن) مقدرة، جواباً للأمر. ﴿وَمَن يُوقَ﴾ يحفظ نفسه. ﴿شُحَ﴾ الشح: البخل مع الحرص. ﴿اَلْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون. ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ﴾ بصرف المال فيما أمر . ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ هو التصدق من الحلال، مقروناً بالإخلاص وطيب النفس. (يُضَعِفُهُ لَكُمْ﴾ يزيد الثواب من عشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف وأكثر، ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ببركة الإنفاق. ﴿وَاللَّهُ شَكُرُ﴾ يعطي على الطاعة الجزيل بالقليل .﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بالعقوبة على المعصية. ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الأنظار ويشمل السر. ﴿وَالشَّهَدَةِ﴾ ما يشاهد بالحس، ويشمل العلانية، فلا يخفى عليه شيء. ﴿اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تام القدرة والعلم فهو القوي في ملكه الحكيم المتقن في صنعه وتدبيره. سبب النزول : . نزول الآية (١٤): ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَ مِنْ أَزْوَحِكُمْ﴾: أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُّوَأْ إِنَ مِنْ أَزْوَحِكُمْ﴾ في قوم من أهل مكة، أسلموا، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم، فأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله ێ رأوا الناس قد فَقُهوا، فهمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَ مِنْ أَزْوَحِكُمْ﴾ نزلت في عَوْف بن مالك الأشْجعي كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ٦٣٨ الجزءُ (٢٨) - النَخْتَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ ووقفوا، فقالوا: إلى من تَدَعُنا؟ فيرِقُ ويُقيم، فنزلت هذه الآية، وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة. وفي رواية عن ابن عباس قال: كان الرجل يريد الهجرة، فتحبسه امرأته، فيقول: أما والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دارة الهجرة لأفعلنَّ ولأفعلنَّ، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله هذه الآية. سبب نزول الآية (١٦): ﴿فَأَنَقُواْ اللَّهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى وَرِمتْ عراقيبهم، وتقرحتْ جِباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . المناسبة: بعد الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله وَه، حذر تعالى من الأزواج والأولاد الذين يثبطون عن الطاعة، شأن أكثر ميل الناس عن الطاعات، ثم أبان أن الأموال والأولاد فتنة، فينبغي الحذر، ثم أمر تعالى بالتقوى والإنفاق في سبيل الله، مبيناً مضاعفة الثواب للمنفقين ومغفرته لهم. التفسير والبيان: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ أي يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله مَّه، إن بعض أزواجكم وأولادكم أعداء لكم، عداوة أخروية، يشغلونكم عن الخير والأعمال الصالحة التي تنفع في الآخرة، فكونوا منهم على حذر، واحذروا أن تؤثروا حبهم وشفقتكم عليهم على طاعة الله تعالى. ٦٣٩ اِلُُ (٢٨) - التَّخَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ وقد عرفنا سبب النزول: أن رجالاً من مكة أسلموا، وأرادوا أن يها جروا، فلم يَدَعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم، فلا يطيعوهم، وجاء في الحديث أن النبي وَ لّ قال: ((يأتي زمان على أمتي، يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده، يعيّرانه بالفقر، فيركب مراكب السوء، فيهلك))(١). ثم أمر الله تعالى العفو والصفح عنهم، فقال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي وإن تعفوا عن ذنوب أزواجكم وأولادكم التي ارتكبوها بترك المعاقبة، وتصفحوا بترك اللوم والتثريب عليها، وتستروا الأخطاء تمهيداً لمعذرتهم فيها، فالله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، يعامل الناس بأحسن مما عملوا. ثم زاد الله تعالى الأمر بياناً، فقال: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ (9)﴾ أي الأموال والأولاد بلاء واختبار ومحنة، وربما يحملونكم على كسب الحرام، ومنع حق الله، وارتكاب المعاصي والآثام، والله عنده الثواب الجليل لمن آثر طاعة الله تعالى، وترك معصيته في محبة ماله وولده. أخرج أحمد والترمذي والحاكم والطبراني عن كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله وَلجر: ((إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال)). وأخرج أحمد وأبو بكر البزار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَالله: ((الولد ثمرة القلوب، وإنهم تَجْبنة مَبْخلة محزنة)). وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله وَ لو قال: ((ليس (١) تفسير الألوسي: ١٢٦/٢٨ ٦٤٠ الُعُ (٢٨) - النَخَابُر: ٦٤ / ١٤-١٨ عدوك الذي إن قتلته كان فوزاً لك، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك: ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك)). ثم أمر الله بالتقوى والطاعة والنفقة، فقال: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ﴾ أي فالزموا أوامر الله واجتنبوا نواهيه قدر جهدكم وطاقتكم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) . واسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا أوامر الله تعالى والرسول وَلتر، وأنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير، ولا تبخلوا بها، فإن الإنفاق في مصالح الأمة والدين خير وسعادة لأنفسكم من الأموال والأولاد، وهو خير لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شراً لكم في الدنيا والآخرة. ﴿ وَمَن يُوقَ شُخَ نَفْسِهِ، فَأُؤْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي من وقاه الله وحفظه من داء الشح والبخل، فأنفق في سبيل الله ووجوه الخير، فأولئك هم الظافرون بما يرجون، الفائزون بما يطلبون. ثم أكد الله تعالى الحث على الإنفاق قائلاً: ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفُهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيمٌ أي إن تصرفوا بعض أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس، يضاعف الله لكم الثواب، فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ويغفر لكم أيضاً ذنوبكم، والله يجزي على القليل الكثير، يصفح ويغفر ويستر الذنوب والزلات والخطايا، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة. وفي الآية إيماء إلى أن الشقي من لا يقدم لنفسه شيئاً يستقرضه منه رازقه، مع شدة حاجته إليه بعد مماته.