النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
لُرُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ١-٤
اً - إن تسبيح الله وتنزيهه وتمجيده من جميع ما في السماوات وما في الأرض
دليل على الربوبية والوحدانية والعظمة والقدرة والاتصاف بجميع صفات
الكمال.
أَ - توجب آية: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْنَا﴾ على كل من
ألزم نفسه عملاً فيه طاعة أن يفي بها، فإن من التزم شيئاً لزمه شرعاً.
والملتَزم قسمان:
أحدهما : -النذر: وهو نوعان: نذر تقرّب مبتدأ، كقوله: لله علي صوم
وصلاة وصدقة، ونحوه من القُرَب، فهذا يلزم الوفاء به إجماعاً. ونذر مباح
معلق على شرط، مثل إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو إن كفاني الله شرّ كذا فعلي
صدقة، فقال أكثر العلماء: يلزمه الوفاء به. ورأى بعضهم أنه لا يلزمه الوفاء
به، والآية حجة للأكثرين؛ لأنها بمُظْلَقها تتناول ذمّ من قال ما لا يفعله، على
أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط. ويرى الشافعي أن نذر اللجاج
والغضب لا يجب الوفاء به، وهو ما لا يقصد به النذر والقربة، مثل: إن
كلمت فلاناً فلله علي صوم أو نحوه.
والثاني- الوعد: فإن كان متعلقاً بسبب، كقوله: إن تزوجت أعنتك
بدينار، أو ابتعت شيئاً أعطيتك كذا، فهذا لازم إجماعاً من الفقهاء. وإن كان
وعداً مجرداً، فقيل: يلزم، عملاً بسبب نزول الآية المتقدم، وقيل: لا يلزم،
قال ابن العربي والقرطبي: والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل
حال إلا لعذر (١).
٣- إن خلف الوعد مذموم شرعاً، مستوجب للإثم والمؤاخذة، أما في
الماضي فيكون كذباً، وأما في المستقبل فيكون خُلْفاً، وكلاهما مذموم.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٧٨٨/٤، تفسير القرطبي: ٧٩/١٨.

٥٤٢
الْجُ (٢٨) - الضَّفْتُ: ٦١ / ٥-٩
٤- يرضى الله سبحانه عن الذين يقاتلون في سبيله صفاً واحداً، وهذا يدل
على وجوب الثبات في الجهاد في سبيل الله، ولزوم المكان كثبوت البناء.
ولا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو لأداء رسالة
يرسلها الإمام أو القائد، أو لمنفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا خلاف
فيها، أو للخروج للمبارزة إذا طلبها العدو، كما كانت حروب النبي (وَلاو يوم
بدر وفي غزوة خيبر.
التذكير بقصة موسى وعيسى
عليهما السلام مع بني إسرائيل
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ
وَإِذْ قَالَ
إِلَيْكُمْ فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمَّ وَاللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَفِىّ إِسْرَّهِيلَ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوَرَنَةِ وَمُبَشِرً
بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ، أَحْمَدُ فَمَّا جَاءَهُم بِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ.
مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّينَ
٧
يُرِدُونَ لِيُطْفِقُوْ نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُنِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْكَفِرُونَ (
هُوَ الَِّىّ
٨
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِبُظْهِرَةُ عَلَى الَذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ
القراءات:
﴿بَعْدِى أَسْمُهُ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (بعديَ اسمه).
﴿سِخْرٌ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ساحِر).

٥٤٣
اِلُ (٢٨) - الضَّفْتُ: ٦١ / ٥-٩
﴿مُ ثُورِهِ﴾: قرئ:
١- (متمُّ نورِهِ) وهي قراءة ابن كثير، وحفص، وحمزة، والكسائي،
وخلف.
٢- (متمّ نورَهُ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ﴾ في موضع الحال.
﴿يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُرَ أَخَذٌّ﴾ جملة ﴿ يَأْتِ﴾: جملة فعلية في موضع جر؛ لأنها
صفة لرسول. و﴿ اسْمُهُ، أَحْمَدٌ﴾ جملة اسمية من المبتدأ والخبر في موضع جر؛ لأنها
صفة بعد صفة ..
( لِيُطْفِئُواْ﴾ منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة.
البلاغة:
﴿يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ﴾ استعارة، شبَّه من أراد إبطال الدين بمن أراد
إطفاء الشمس بفمه، واستعار نور الله لدينه وشرعه.
﴿اَلْفَسِقِينَ﴾ ﴿قُينٌ﴾ ﴿الَِّمِينَ﴾ الخ سجع لطيف مقبول.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى﴾ أي واذكر حين قال، وهو كلام مستأنف مقرر لما قبله من
ذم التاركين للقتال والمخالفين أمر الرسول و له ﴿يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ﴾ بالعصيان
ومخالفة أمري إذ تركتم القتال، ومن الأذى أيضاً الرمي بالأدَرَة، أي بانتفاخ
الخصية، وهو كذب وافتراء ﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ بما
جئتكم من المعجزات، وفائدة (قَدْ) تأكيد العلم، لا تقليله، كأنه قال:

٥٤٤
◌ِلُرُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ٥-٩
وتعلمون علماً یقیناً لا شبه لكم فيه، وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم؛ إذ عكسوا
القضية، وصنعوا مكان تعظيم رسول الله ﴿ إيذاءه. ﴿زَاغُواْ﴾ مالوا عن
الحق والهدى الذي جاء به موسى بإيذائه. ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الهدى
وصرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. ﴿ وَاَللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوَمَ اُلْفَسِقِينَ﴾
لا يوفق إلى معرفة الحق أو إلى الجنة القوم الكافرين الخارجين عن الطاعة.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي واذكر. ﴿يَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ لم يقل: يا قوم؛ لأنه لم
يكن له فيهم قرابة . ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ﴾ لما تقدمني أو قبلي من الكتب كالتوراة
والزبور. ﴿أَخَذٌّ﴾ من أسماء النبي وََّ، أي أحمد الناس لربه. ﴿فَلَمَا جَآءَ هُمْ﴾ جاء
أحمد الناس الكفار. ﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ الأدلة والعلامات والمعجزات. ﴿قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ
◌ُبِينٌ﴾ أي قالوا: هذا المجيء به سحر بيِّن. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوَمَ
الَّاِنَ﴾الكافرين، أي لا یرشدهم إلى ما فيه فلاحهم.
﴿يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ﴾ أي يريدون أن يطفئوا، واللام مزيدة لما فيها من معنى
الإرادة تأكيداً . ﴿نُورَ اُللَّهِ﴾ شرعه ودينه أو كتابه والحق الذي جاء به الرسول
وَه. ﴿بِأَفْوَهِهِمْ) بأقوالهم: إنه سحر وشعر وكهانة. ﴿ وَاللَّهُ مُتِمُ نُورِهٍِ﴾ مظهر دينه
وناشره في الآفاق. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ﴾ ذلك الانتشار الشامل لدعوة
الإسلام إرغاماً لهم.
﴿بِالْمُدَى﴾ بالقرآن أو المعجزة. ﴿وَدِينِ الْحَقّ﴾ الملة الحنيفية. ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الذِينِ
كُلِ﴾ ليعليه على جميع الأديان. ﴿ وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ﴾ لما فيه من الدعوة إلى
التوحيد المحض، وإبطال الشرك.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ﴾: حكى الماوردي عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي وَّل

٥٤٥
لُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ٥-٩
أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً؛ فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود،
أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتمّ أمره،
فحزن رسول الله وَر؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، واتصل الوحي بعدها(١).
المناسبة:
بعد الحث على الجهاد وتأنيب المتخلفين عنه، التاركين للقتال، ذكّر الله
المؤمنين بقصة موسى عليه السلام مع قومه حين دعاهم إلى قتال الجبارين
بقوله: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ اٌلْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١/٥] فخالفوه وعصوا
أمره، كيلا يفعلوا بنبيهم مثلما فعل به بنو إسرائيل. ثم ذكَّرهم أيضاً بقصة
عيسى عليه السلام مع بني إسرائيل أيضاً حين جاءهم بالبينات والمعجزات
وبشرهم بمجيء رسول من بعده اسمه أحمد، فعصوه ولم يمتثلوا أمره. وقرنت
القصتان هنا لأن كلّاً من موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن المخالفين
هم أنفسهم.
ثم شنع على هؤلاء العصاة الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي إلى الإسلام،
وإنما افتروا على الله الكذب بوصف المعجزات بأنها سحر، ثم ذكّر غرضهم من
الافتراء وهو محاولة إبطال دين الله وإطفاء نوره وشرعه، والحال أن الله متم
نوره، ومظهر دينه على الأدیان کلها.
التفسير والبيان:
يحدِّر الله سبحانه أمة محمد ◌َّر من مخالفة أمر نبيهم بأن يفعلوا مع نبيهم ما
فعله قوم موسى وعيسى معهما، فيقول:
- ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد ◌َّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ
(١) تفسير القرطبي ٨٥/١٨

٥٤٦
الُ (٢٨) - الضَّفِ: ٦١ / ٥-٩
اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك خبر موسى بن عمران عليه السلام
حين قال لقومه بني إسرائيل: يا قوم لم تلحقون الأذى بي بمخالفة ما آمركم به
من الشرائع التي افترضها الله عليكم، أو لم تؤذونني بالشتم والانتقاص،
وأنتم تعلمون يقيناً صدقي فيما جئتكم به من الرسالة، والرسول يُحترم ويُعظم،
وقد شاهدتم معجزاتي التي توجب الاعتراف برسالتي.
وهذا تعليم للمؤمنين ونهي لهم عن إيذاء نبيهم كما أوذي موسى عليه
السلام، كما جاء في آيةٍ أخرى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَاذَوْأْ
مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِهًا
(٦٩) ﴾ [الأحزاب: ٦٩/٣٣] وفي
هذا أيضاً تسلية لرسول الله سي#ّ فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم،
وأمْرٌ له بالصبر، ولهذا قال: ((رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا
فصبر )).
﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوَّمَ اَلْفَسِقِينَ﴾ أي وإنهم لما
تركوا الحق ولم يتبعوا نبيهم وآذوه، أمال الله قلوبهم عن الهدى، وصرفها عن
الحق، وأسكنها الشك والحيرة، جزاء بما ارتكبوا، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ
أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
[الأنعام: ٦ /١١٠] .
والله لا يوفق للحق ولا يرشد للهداية القوم الكافرين الذين كفروا
بأنبيائهم، وعصوا رسلهم، وهؤلاء من جملتهم.
- ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَّهِيَلَ إِنِى رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ
مِنَ النَّوْرَةِ﴾ أي واذكر يا محمد أيضاً لقومك خبر عيسى إذا قال: يا بني
إسرائيل، إني رسول الله إليكم بالإنجيل، لم آتكم بشيء يخالف التوراة، وإنما
أؤيدها وأكملها، فكيف تعصونني وتنفرون عني وتخالفونني؟!
﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ، أَحْمَةٌ﴾ أي إن التوراة قد بشرت بي، وأنا

٥٤٧
الُعُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ٥-٩
مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي
العربي المكي أحمد: وهو الذي يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد
غيره. وهو خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، كما أن
عيسى خاتم أنبياء بني إسرائيل.
أورد البخاري ومسلم عن جبير بن مُطْعِم قال: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به
الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحْثَرُ الناس على قدمي - أي بعدي-، وأنا العاقب))
أي الآخر الآتي بعد الأنبياء. وروى مسلم وأبو داود الطيالسي عن أبي موسى
قال: سمى لنا رسول الله وَل نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: ((أنا محمد،
وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة والتوبة والملحمة)).
وعن كعب الأحبار: أن الحواريين قالوا لعيسى: ياروح الله، هل بعدَنا من
أمة؟ قال: نعم، أمة محمد، حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه
أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من
العمل.
وجاء في الفصل العشرين من السِّفْر الخامس من التوراة: ((أقبل الله من
سينا، وتجلّ من ساعير، وظهر من جبال فاران، معه الربوات الأطهار عن
يمينه)) . وسينا مهبط الوحي على موسى، وساعير مهبط الوحي على عيسى،
وفاران جبال مكة مهبط الوحي على محمد.
وجاء في إنجيل يوحنا في الفصل الخامس عشر: قال يسوع المسيح: إن
الفارَقْليط روح الحق الذي يرسله أبي، يعلمكم كل شيء، والفارقليط: لفظ
يدل على الحمد، وهو إشارة إلى أحمد ومحمد اسمي النبي ◌َّ.
﴿فَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ أي حين جاء أحمد المبشّر به في
الكتب المتقدمة بالأدلة والمعجزات القاطعة، قال الكفرة والمخالفون: هذا

٥٤٨
الُعُ (٢٨) - الصَّفْت: ٦١ / ٥-٩
الذي جئت به سحر واضح لا شك فيه. وقيل: المراد لما جاءهم عيسى
بالمعجزات، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر واضح ظاهر.
ثم ذكر الله تعالى حكم المعارضين المخالفين الذين دعوا إلى الإسلام وتوحيد
الله، فقال:
- ﴿ وَمَنْ أَظْلُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىَ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى
الْقَوْمَ الَِّينَ ﴾﴾ أي لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله، ويجعل له
أنداداً وشركاء، وهو يدعى إلى التوحيد والإخلاص، والله لا يرشد للحق
والصواب الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم، وهؤلاء منهم.
- ﴿يُرِدُونَ لِيُطِفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُنِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ
أي إن هؤلاء يحاولون جاهدين إبطال دعوة الإسلام، ومنع هدايته، ومقاومة
دعوته بأفواههم الكاذبة، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع
الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل، كذلك إبطال دعوة الإسلام مستحيل،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُ نُرِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ أي والله مظهر دين
الإسلام في الآفاق، ويعليه على غيره من الأديان، ومؤيد رسوله محمد ێ،
ولو كره الكافرون ذلك.
- ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الْحِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الَّذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي إن الله عز وجل هو الذي أرسل رسوله محمداً وَ ل بالهدى
الكامل، ودين الحق الأبلج الواضح، المتمثل بالقرآن والسنة النبوية، ليجعله
متفوقاً منتصراً على جميع الأديان، عالياً عليها، غالباً بالمنطق والواقع لها، ولو
كره المشركون ذلك، فإنه كائن لا محالة.
وإنما قال أولاً: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ﴾ وهم اليهود والنصارى والمشركون، ثم
قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ﴾ لأنه ذكر أولاً النور وإطفاءه، فكان اللائق به
الكفر: وهو الستر والتغطية، ثم ذكر الرسول والإرسال ودين الحق، وكان

٥٤٩
اِلُ (٢٨) - الضَّفِ: ٦١ / ٥-٩
الاعتراض عليه أولاً من المشركين، ولأن أكثر الحاسدين للرسول وَله من
قريش، وهم المشركون. ولما كان النور أعم من الدين والرسول وَلّر، ناسبه
ذكر الكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام، ولفظ الكافر أعم من لفظ
المشرك، والرسول والدين أخص من النور، فناسبه ذكر المشركين الذين هم
أخص من الكافرين(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اَ - إن مخالفة أوامر الأنبياء والرسل موجبة لعقاب المخالفين، وقد أمر الله
نبيه محمداً ولو أن يذكر لقومه العرب أنه لما أمر المؤمنون بالجهاد، فتثاقل
بعضهم وتبرموا منه، كان حالهم كحال بني إسرائيل لما أمرهم موسى وعيسى
بالتوحيد والجهاد في سبيل الله، خالفوا، فحل العقاب بمن خالف.
أَ- يريد الله الخير لعباده، ولا يضل أحداً بغير موجب، فلا يضل
المهتدين، وإنما يضل الظالمين والفاسقين، ولما زاغ بنو إسرائيل (مالوا عن
الحق) أزاغ الله قلوبهم، أي أمالها عن الهدى وعن الطاعة والإيمان والثواب.
٣ - نزل الإنجيل على عيسى عليه السلام متمماً للتوراة التي نزلت على موسى
عليه السلام، فلم يأتهم عيسى بشيء يخالف التوراة، فينفروا عنه، وقد بشرت
التوراة بعيسى، وبشر عيسى بالنبي محمد وَالر، وهذا أمر منطقي؛ لأن رسالات
الأنبياء صلوات الله عليم كلهم يكمل بعضها بعضاً، فهي من مصدر واحد،
وذات غاية واحدة تنحصر في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته والإيمان بالرسل
والملائكة والكتب الإلهية واليوم الآخر.
(١) تفسير الرازي: ٣١٥/٢٩-٣١٦

٥٥٠
الُعُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ٥-٩
٤ - سمى الله نبينا وَّه باسمه قبل أن يسمِّ به نفسه، ومعنى (أحمد) أنه أحمد
الحامدين لربه، والأنبياء عليهم السلام كلهم حامدون لله، ونبينا أحمد أكثرهم
حمداً. ومحمد: هو الذي مُمد مرة بعد مرة، واسمه صادق عليه، فهو محمود في
الدنيا لما هَدَى إليه، ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة
بالشفاعة، ثم إنه لم يكن محمداً حتى كان أحمد، حَمد ربه فشرفه بالنبوة، فلذلك
تقدم اسم (أحمد) على (محمد) في بشارة عيسى عليه السلام: ﴿أَسْمُهُ، أَحْمَذٌ﴾.
وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم
اجعلني من أمة محمد.
٥- كل من عيسى ومحمد عليهما السلام لما جاء بالبينات أي المعجزات
والأدلة على النبوة، قال المعارضون: هذا سحر مبين.
٩- إن الكفر بعيسى ومحمد عليهما السلام بعد المعجزات التي ظهرت
لهما، أمر يدعو إلى العجب، والكافرون برسالات الأنبياء، المنكرون لوجود
الله، أو المشركون به أحداً من خلقه هم أظلم الناس على الإطلاق.
لاً- كل محاولات الكفرة لإبطال دين الله تعالى ومقاومة دعوة الإسلام
بالإنكار والتكذيب خائبة خاسرة، ومثلهم في إرادة إبطال الحق مثل من أراد
إطفاء نور الشمس بفيه، فوجده مستحيلاً ممتنعاً.
٨- الله متم نوره بقدرته وتدبيره، ومعلن دينه بإظهاره في الآفاق، ولو كره
الكافرون جميعاً ذلك.
٩- أرسل الله تعالى رسوله محمداً بهله بالحق والرشاد، ليعليه على جميع
الأديان بالحجج، ولو كره المشركون قاطبة ذلك. وقال أبو هريرة: "ليظهره

٥٥١
الخُ (٢٨) - الضَّفْتُ: ٦١ / ١٠-١٤
على الدين كله" بخروج عيسى. وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم. جاء في صحيح
مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َ له: ((لينزلن ابن مريم حَكَمًا عادلاً،
فَلَيكسِرّن الصليب، وليقتُلَنَّ الخنزير، ولَيَضَعنَّ الجزية، ولَتُتْركنَّ القِلاص(١)،
فلا يُسعى عليها، ولَتَذْهَبَن الشحناءُ والتباغضُ والتحاسدُ، وَلَيَدْعَون إلى
المال، فلا يقبلُه أحد)).
التجارة الرابحة
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
١٠
﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تَِزَِّ نُجِيَكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ
وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُمْ نَعْلَمُونَ
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَلِكِنَ طَنِبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ الَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
١٣
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ
قَالَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَمَنَت ◌َآئِفَةٌ مِنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ
١٤
ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِنَ
القراءات:
﴿ثُحِيكُمْ﴾:
وقرأ ابن عامر (تُنَجِّيكم).
﴿أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أنصاراً لله).
(١) القَلُوص جمع قُلُص وقلائص وهي الناقة الشابة، وجمع القُلُص: فِلاص.

٥٥٢
◌ِلُعُ (٢٨) - الضَّفْتُ: ٦١ / ١٠-١٤
﴿أَنْصَارِىّ إِلَى﴾:
وقرأ نافع (أنصاريَ إلى).
الإعراب:
﴿نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ خبر معناه الأمر، أي آمنوا، بدليل قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ﴾ بجزم ﴿يَغْفِرُ﴾ على الجواب، وتقديره: آمنوا، إن تؤمنوا يغفر لكم،
ولولا أنه في معنى الأمر، لما كان للجزم وجه.
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ﴾ ﴿وَأُخْرَى﴾: إما في موضع جر عطفاً على
قوله: ﴿تِجَزَقَ﴾ وتقديره: وعلى تجارة أخرى، فحذف الموصوف وأقيمت
الصفة مقامه. وإما في موضع رفع على الابتداء، أي ولكم خَلَّة أخرى. والوجه
الأول أوجه. و﴿ تُحِبُونَهَا﴾: جملة فعلية في موضع جر أو رفع؛ لأنها وصف بعد
وصف. ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي هي نصر من الله.
﴿ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ ﴿ظَاهِرِينَ﴾: خبر (أصبح) المنصوب.
البلاغة:
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَةِ﴾ ؟ استفهام للترغيب والتشويق.
﴿فَامَنَت ◌َّائِفَةٌ﴾ ﴿وَكَفَرَت ◌َائِفَةٌ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿تِجَرَةِ﴾ التجارة هنا: العمل الصالح، وهي في الأصل: تداول البيع
والشراء لأجل الكسب. ﴿نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ﴾ أي تدومون على
الإيمان، وهو كلام مستأنف مبين لنوع التجارة وهو الجمع بين الإيمان
والجهاد، والمراد به الأمر، أي آمنوا، وإنما جيء بلفظ الخبر إيذاناً بأن ذلك

٥٥٣
◌ِلُعُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ١٠-١٤
مما لا يترك. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي ما ذكر من الإيمان والجهاد. ﴿إِن كُ
نَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم من أهل العلم؛ إذ الجاهل لا يعتد بفعله.
﴿يَغْفِرْ﴾ جواب للأمر المراد من الخبر: ﴿نُؤْمِنُونَ﴾ أو جواب الشرط المقدر
أي إن تفعلوه يغفر. ﴿طِبَةً﴾ طاهرة خالصة. ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ بساتين إقامة دائمة.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.
﴿وَأُخْرَى﴾ أي ولكم نعمة أخرى أو ويؤتكم نعمة أخرى. ﴿تُحِبُونَهَا﴾ فيه
تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل . ﴿ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ﴾ نصر عاجل، وهو
فتح مكة . ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والفتح، وهو معطوف على محذوف وهو:
قل: يا أيها الذين آمنوا، أو على ﴿ نُؤْمِنُونَ﴾ الذي هو في معنى الأمر، أي آمنوا
وجاهدوا وبشرهم يا رسول الله بما وعدتهم عليهما عاجلاً وآجلاً.
(كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ)) أي بعض أنصار الله الناصرين لدينه، أي قل لهم كما
قال عيسى. ﴿لِلْحَوَارِيِّنَ﴾ أصفياء عيسى وخواصه، وهم أول من آمن به،
وكانوا اثني عشر رجلاً، والحواري: صفي الرجل وخليله، من الحور:
البياض الخالص . ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ﴾ أي من جندي متوجهاً إلى نصرة الله.
﴿فَامَنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ﴾ آمنت جماعة بعيسى عليه السلام، وقالوا:
إنّه عبد الله رفع إلى السماء. ﴿وَكَفَرَتَ ظَائِفَةٌ﴾ بعيسى، لقولهم: إنه ابن الله رفعه
إليه، فاقتتلت الطائفتان . ﴿فَأَدْنَا﴾ وساعدنا، أي بالحجة أو بالحرب، وذلك
بعد رفع عيسى. ﴿ الَِّينَ ءَامَنُواْ﴾ من الطائفتين. ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ الطائفة الكافرة.
﴿ظَهِينَ﴾ غالبين بالحجة والبينة.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠):
﴿هَلْ أَدُلُكُمْ﴾: أخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: قالوا: لو كنا نعلم أي

٥٥٤
لُعُ (٢٨) - الضَّفْتُ: ٦١ / ١٠-١٤
الأعمال أحب إلى الله وأفضل؟ فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُكُمْ عَلَى
تِجَةٍ﴾ الآية، فكرهوا الجهاد، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
تَفْعَلُونَ
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج عن ابن عباس، وابن
جرير عن الضحاك قال: أنزلت: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ في الرجل
يقول في القتال ما لم يفعله من الضرب والطعن والقتل.
نزول الآية (١١):
﴿نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما
نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُكُمْ عَلَى تِجَزَمِ شُجِيْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾ قال
المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة، لأعطينا فيها الأموال والأهلين،
فنزلت: ﴿نُؤْمِنُونَ بِلَهِ وَرَسُولِهِ﴾.
المناسبة:
بعد حث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وتحذيرهم من المخالفة، حتى لا
يكونوا أمثال بني إسرائيل الذين خالفوا موسى وعيسى، ذكر الله تعالى أن
التجارة الرابحة التي لا تبور هي في الإيمان بالله والجهاد في سبيله بالمال
والنفس. ثم حث على مناصرة دين الله تعالى وشرعه ورسوله وثيقة كما ناصر
الحواريون عيسى عليه السلام.
التفسير والبيان:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَزَمِ نُجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِ ﴾﴾ أي يا أيها
الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله وَيقر، ألا أرشدكم إلى تجارة نافعة رابحة،
تحققون بها النجاح والنجاة من العذاب الشديد المؤلم يوم القيامة؟

٥٥٥
الُ (٢٨) - الصَّفْ: ٦١ / ١٠-١٤
وهذا أسلوب فيه ترغيب وتشويق، وقد جعل العمل الصالح لنيل الثواب
العظيم بمنزلة التجارة؛ لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم
الجنة ونجاتهم من النار، ونوع التجارة كما بيَّنت الآيتان التاليتان، ومعناهما
أن الإيمان والجهاد ثمنهما من الله الجنة، وذلك بيع رابح، كما قال تعالي:
﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[التوبة: ١١١/٩] .
ثم بين نوع التجارة بقوله:
﴿ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقَوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي هي أن
تدوموا على الإيمان بالله تعالى ورسوله وعليه، وتخلصوا العمل لله، وتجاهدوا من
أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه بالأنفس والأموال. وقدم تعالى الأموال؛ لأنها
التي يبدأ بها في الإنفاق.
﴿ذَلِكُمْ خَّرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ نَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك المذكور من الإيمان والجهاد خير
لكم وأفضل من أموالكم وأنفسكم، ومن تجارة الدنيا والاهتمام بها وحدها،
إن كنتم من أهل العلم والوعي للمستقبل، فإن المهم هو النتائج والغايات،
ولا يدرك تلك الغاية النبيلة أهل الجهل.
والجهاد نوعان: جهاد النفس، وهو منعها عن الشهوات، وترك الطمع
والشفقة على الخلق ورحمتهم، وجهاد العدو: وهو مقاومة الأعداء ورد
عدوانهم من أجل نشر دين الله تعالى.
ثم ذكر ثمرة الإيمان والجهاد، فقال:
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلِكِنَ طَنِبَةً فِ جَنَّتِ
عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (1﴾﴾ أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم، غفرت لكم
ذنوبكم، وأدخلتكم الجنات التي تجري من تحت قصورها الأنهار، والمساكن

٥٥٦
الُءُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ١٠-١٤
الطيبات للنفوس، والدرجات العاليات في جنات الإقامة الدائمة التي لا تنتهي
بموت ولا خروج منها، وذلك المذكور من المغفرة وإدخال الجنات هو الفوز
الساحق الذي لا فوز بعده. وهذه هي الفائدة الأخروية.
ثم ذكر الله تعالى الفائدة الدنيوية بقوله :
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي ولكم خصلة أو نعمة أخرى
تعجبكم هي نصر مبين من الله لكم، وفتح عاجل للبلاد كمكة وغيرها من
بلاد فارس والروم، أي إذا قاتلتم في سبيل الله، ونصرتم دينه، تكفل الله
بنصركم، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنَصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُنَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ (®﴾ [محمد: ٧/٤٧] وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ
اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠/٢٢].
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وبشر أيها الرسول المؤمنين بالنصر العاجل في الدنيا،
وبالجنة في الآخرة. ثم أمرهم الله تعالى بنصرة دينه ورسوله وَّي في كل وقت،
فقال: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُونُواْ أَنْصَارَ الَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ
أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِّ قَالَ الْحَوَارِثُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى
ورسوله ﴾، دوموا على ما أنتم عليه من نصرة دين الله وتأييد شرعه
ورسوله ◌َ﴾، في جميع الأحوال بالأقوال والأفعال، والأنفس والأموال،
واستجيبوا لله تعالى ولرسوله وَلقر، كما استجاب الحواريون (أصفياء المسيح
وخلصاؤه) لعيسى حين قال لهم: من الذي ينصرني ويعينني في الدعوة إلى الله
عز وجل، ومن منكم يتولى نصري وإعانتي فيما يقرب إلى الله، أو من
أنصاري متجهاً إلى نصرة اللهِ؟
قال الحواريون: وهم أنصار المسيح وخُلّص أصحابه، وأول من آمن به،
وكانوا اثني عشر رجلاً: نحن أنصار دين الله، ومؤيدوك ومؤازروك فيما
أرسلت به، فبعثهم دعاة إلى دينه في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين.
٠

٥٥٧
اِلُعُ (٢٨) - الضَّفْظُ: ٦١ / ١٠-١٤
وهكذا كان رسول الله ( 18 ينادي في أيام الحج: ((من رجل يؤويني حتى
أبلِّغ رسالة ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلّغ رسالة ربي؟)) حتى قيَّض الله
الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه على نشر دينه في بلدهم.
﴿فَامَنَت ◌َآئِفَةٌ مِّنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َّبِفَةٌ﴾ أي لما بلّغ عيسى رسالة ربه
إلى قومه، وآزره الحواريون، اهتدت طائفة من بني إسرائيل إلى الإيمان الحق
وآمنوا بعيسى على حقيقته أنه عبد الله ورسوله، وضلّت طائفة أخرى، وكفرت
بعيسى، وجحدوا نبوته، واتهموه وأمه بالفاحشة، وتغالت جماعة أخرى من
أتباعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، فوصفوه بأنه ابن الله أو هو
الله أو ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس. وصارت النصارى فرقاً
وأحزاباً كثيرة.
﴿فَِّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوْ ظَاهِرِينَ﴾ أي فنصرنا المؤمنين على من
عاداهم من فرق النصارى، وقوِّينا المحقِّين منهم بالحجة والروح من عندنا على
المبطلين، فأصبحوا عالين غالبين عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَمَنُواْ﴾ [غافر: ٥١/٤٠].
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن مُميد عن قتادة في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُونُواْ أَنْصَارَ﴾ قال: قد كان ذلك بحمد الله، جاءه سبعون رجلاً، فبايعوه عند
العقبة، وآووه ونصروه، حتى أظهر الله دينه.
وأخرج ابن إسحاق وابن سعد: قال رسول الله وَّر للنفر الذين لقوه
بالعقبة: (( أخرِجُوا إلي اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم، كما كفلت
الحواريون لعيسى ابن مريم)). ثم قال رسول وَي للنقباء: ((إنكم كفلاء على
قومكم، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل قومي، قالوا: نعم)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:

٥٥٨
الجُزُ (٢٨) - الصَّفْ: ٦١ / ١٠-١٤
اً - أرشد الله إلى التجارة الرابحة المنجية المخلّصة من العذاب المؤلم في
الآخرة، وهي الإيمان بالله تعالى ورسوله وَله، والجهاد في سبيله بالأموال
والأنفس. قال مقاتل في آية: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾: نزلت في عثمان بن مظعون؛
وذلك أنه قال لرسول الله وَالقيل: لو أذنت لي فطلّقتُ خولة، وترهّبت
واختصيت وحرّمت اللحم، ولا أنام بليل أبداً، ولا أُفطر بنهار أبداً! فقال
رسول الله ◌َير: ((إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانية
أمتي الجهاد في سبيل الله، وخِصاءُ أمتي الصوم، ولا تحرِّموا طيبات ما أحل
الله لكم، ومن سنتي أن أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي،
فليس مني)) فقال عثمان: والله لَودِدْتُ يا نبي الله، أي التجارات أحب إلى
الله، فأتّجر فيها؛ فنزلت.
وهذا مع ما ذكر سابقاً من حالات تعدد أسباب النزول.
أَ- الإيمان والجهاد خير من الأموال والأنفس في الواقع وعند تأمل
الإنسان مستقبله، وتعمقه في الفكر، لذا قال تعالى: ﴿إِن كُ نَعَلَمُونَ﴾ أي إن
كنتم تعلمون أنه خير لكم، كان خيراً لكم؛ لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد
اعتقاد كونه خيراً.
٣- إن جدوى الإيمان والجهاد في سبيل الله في الآخرة مغفرة الذنوب
ودخول الجنات، والتمتع بالمساكن الطيبة الطاهرة في جنات إقامة دائمة،
وتلك هي السعادة الدائمة الشاملة.
٤- والإيمان والجهاد فائدة أو مزية أخرى في الدنيا وهي الظفر والنصر على
الأعداء، وفتح بلاد الأعداء كمكة وفارس والروم في الماضي، وبشارة
المؤمنين برضا الله عنهم.
٥- أمر الله تعالى بإدامة النصرة لدين الله تعالى والثبات عليه، كنصرة
الحواريين (أصفياء) عيسى عليه السلام حين قال لهم: من ينصر دين الله
ويؤازرني؟ فناصروه وآزروه.

٥٥٩
الُ (٢٨) - الصَّفْتُ: ٦١ / ١٠-١٤
أَ- اختلف بنو إسرائيل والنصارى في شأن عيسى بعد رفعه إلى السماء،
فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر به، وصاروا ثلاث فِرَق: فرقة قالوا: كان
الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله
ورسوله فرفعه إليه، وهم المسلمون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، ثم
أيد الله الذين آمنوا بعيسى على أنه عبد الله ورسوله على الذين كفروا بعيسى،
فأصبحوا غالبين.
ثم تأيدت الفئة الغالبة ببعثة النبي محمد وَلقول، فظهرت على الكافرة.

٥٦٠
اِلُ (٢٨) السورة (٦٢) الجُمَّةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحَيَةِ
سُوَرَةُ الجُعَةِ
مدنية، وهي إحدى عشرة آية
تسميتها
سميت سورة الجمعة لاشتمالها على الأمر بإجابة النداء لصلاة الجمعة، في
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
مناسبتها لما قبلها:
يتضح وجه اتصال هذه السورة بما قبلها من نواحٍ أربع وهي:
ا - ذكر تعالى في السورة التي قبلها حال موسى مع قومه، وإيذائهم له،
مؤنباً لهم، وذكر في هذه السورة حال الرسول وَل﴿ وفضل أمته، تشريفاً لهم،
ليظهر الفرق بين الأمتين وفضل الأمة الإسلامية.
٢ - بشَر عيسى عليه السلام في السورة المتقدمة بمحمد أو أحمد وَّة، ثم ذكر
في هذه السورة أنه هو الذي بشَر به عيسى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا
مِّنْهُمْ.
٣- ختم الله تعالى سورة الصف السابقة بالأمر بالجهاد وسماه ﴿تِجِرَةِ﴾
وختم هذه السورة بالأمر بالجمعة، وأخبر أنه خير من التجارة الدنيوية.