النص المفهرس
صفحات 521-540
ء الجُعُ (٢٨) - المُتَحَنَّةِ: ٦٠ / ١٠-١١ ٥٢١ ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اٌلْكَوَافِ﴾ فطلق عمر بن الخطاب يومئذٍ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ٥- ﴿وَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمُ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقُواْ﴾ أي وطالبوا بمهور نسائكم إذا ارتددن، وليطالبوا بمهور نسائهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدّة إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت: ردّوا مهرها على زوجها الكافر(١). ﴿َلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي ذلك المذكور من إرجاع المهور من الجهتين، والمذكور في صلح الحديبية واستثناء النساء منه هو حكم الله وشرعه يحكم به بين خلقه، والحكم متعلق بالمشركين بعد صلح الحديبية، بخلاف المشركين الذين لا عهد لهم. والله بليغ العلم لا تخفى عليه خافية، بالغ العلم بما يصلح عباده، بليغ الحكمة في أقواله وأفعاله، فلا يشرع إلا ما تقتضيه الحكمة. : ٠ قال ابن العربي: وكان هذا مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة(٢)، أي رد المهور. ٦°- ﴿وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُ فَشَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴾ أي إن سبقكم وانفلت منكم وذهبت امرأة من أزواجكم إلى الكفار، بأن ارتدت المسلمة ورجعت إلى دار الكفر، ولو أهل كتاب، فأصبتم غنمية من قريش بعد الانتصار في الحرب، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٧٧٦/٤ (٢) المرجع والمكان السابق، تفسير القرطبي: ٦٨/١٨. ٥٢٢ لُعُ (٢٨) - المُتَحْنَةِ: ٦٠ / ١٠-١١ والغنيمة إذا لم يرد المشركون على زوجها مهرها، واحذروا أن تتعرضوا لشيء مما يوجب العقوبة عليكم، وخافوا الله تعالى بتنفيذ حکمه وشرعه. قال ابن عباس وآخرون: يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله وَ يقول أنه يعطى مثل ما أنفق من الغنيمة قبل أن تخيَّس، أي قبل قسمتها أخماساً (١). فقوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ معناه فغنمتم، أو ظفرتم. وقال الزهري: يعطى من مال الفيء. والخلاصة: على الكفار رد مهر المرأة التي تعود إلى دار الكفر، فإن أمكن ذلك فهو الأولى، وإلا فمن الغنائم التي تؤخذ من أيدي الكفار. روي عن الزهري ومسروق: أن من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأقر المسلمون بحكم الله تعالى، وأبى المشركون، فنزلت: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم. وقال الحسن ومقاتل: نزلت في أم حكيم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت زوجها عباس بن تميم القرشي، ولم ترتد امرأة من غير قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ا - وجوب امتحان النسوة اللاتي هاجرن من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، لیعرف مدى صدق إيمانهن وإخلاص إسلامهن. قال ابن عباس: كانت الْحِنة أن تُستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من (١) تفسير القرطبي: ٧٠/١٨. ٥٢٣ لِلُعُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ /١٠-١١ أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل منّا، بل حبّاً لله تعالى ولرسوله وَ﴾. فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي تَلِّل زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَ هُنَّ ◌ِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَّ﴾. أَ- أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان ◌َ لم عاهد قريشاً في صلح الحديبية، من أنه يرد إليهم من جاءه منهم مسلماً، فنُسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. ويرى بعضهم أن الآية نزلت بياناً لنص العقد، وأنه ما تناول إلا الرجال، غير أن هذا يكون من تخصيص العام المتأخر. وذهب جماعة إلى أن التعميم في عقد الصلح لم يكن من طريق الوحي، بل كان اجتهاداً منه وسجل أثيب عليه بأجر واحد، وجاءت هذه الآية بعدم إقراره على هذا الاجتهاد. والتعميم الوارد في الصلح: ((من جاء إلى محمد من قریش بدون إذن ولیه، رده عليه))(١). ويرى الحنفية أن هذا الحكم منسوخ في الرجال والنساء، ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد إليهم من جاءه مسلماً؛ لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز، واستدلوا بقوله وَ له: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تَرَاءى ناراهما)) أي تتراءى ناراهما، وهذا مجاز، أي يلزم المسلم أن يباعد منزله عن منزل المشرك، وينزل مع المسلمين في دارهم. فهذا ناسخ لردّ المسلمين إلى المشركين؛ إذ كان رسول الله وَ ل قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعي: أن هذا الحكم غير منسوخ، وعقد الصلح على ذلك جائز. قال الشافعي: وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره؛ لأنه يلي الأموال كلها. (١) نص المعاهدة كما أخرج البخاري عن مَرْوان والمِسْوَر: ((أنه لا يأتيك أحد منا، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا .. )) (نيل الأوطار: ٣٧/٨). ٥٢٤ لِلُعُ (٢٨) - المُتَتَحْنَّةِ: ٦٠ / ١٠-١١ ٣- إن هذا الامتحان في الظاهر، والله في الحقيقة أعلم بإيمانهن؛ لأنه متولّي السرائر. فإذا علم، أي غلب على الظن إيمان المهاجرات، لم يجز ردهن إلى بلاد الكفار، لأن الله لم يحل مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن مشركة. وسبب الفرقة هو إسلام المرأة لا هجرتها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ تَحِلُونَ ◌َنٍّ﴾ فبَّن أن العلة عدم الْخِلّ بالإسلام، وليس باختلاف الدار. وقال أبو حنيفة ومالك: الذي فرّق بينهما هو اختلاف الدارين، روي عن ابن عباس أن اختلاف الدارين يقطع العصمة. وعلى هذا إذا خرجت الحربية مسلمة، ولها زوج كافر في دار الحرب، وقعت الفرقة بينهما ولا عدة عليها، وقال أبو يوسف ومحمد: تقع الفرقة وعليها العدة. وإن أسلم الزوج بعد ذلك لم تحل له إلا بعقد زواج جدید، وهو رأي سفيان الثوري. وقال مالك والشافعي: إن أسلم الزوج في العدة أي قبل أن تحيض ثلاثة حِيَض، فهي امرأته، ولا تحصل الفرقة إلا إذا انقضت العدة، فإذا انقضت العدة، فلا تحل له إلا بعقد جدید. ٤-يجب على المسلمين أن يردوا على زوج المرأة التي أسلمت ما أنفق من المهر، وذلك من الوفاء بالعهد، حتى لا يخسر الأمرين: الزوجة والمال. ٥- لا غُرْم للمهر إلا إذا طالب الزوج الكافر به، فإن ماتت المرأة قبل حضور الزوج لم نغرم المهر، إذ لم يتحقق المنع، أي منعها منه، وإن كان المهر المسمى خمراً أو خنزيراً لم نغرم شيئاً؛ لأنه لا قيمة له. وللشافعي في هذا الحكم قولان: أحدهما -أن هذا منسوخ، والثاني- يعطى الزوج المهر إن طالب به، وليس ذلك لأحد من الأولياء سوى الزوج. ٩- إن المطالب برد مثل ما أنفق إلى الأزواج هو الإمام، من بيت المال. ٥٢٥ لُرُ (٢٨) - المُنْتَحِنَّةِ: ٦٠ /١٠-١١ وهذا الحكم - كما قال مقاتل - خاص برد صداق نساء أهل العهد، فأما من لا عهد له مع المسلمين، فلا يرد إليهم الصداق. وعلى هذا فلا مانع من العمل بهذا في المعاهدات التي تجري بين المسلمين وغيرهم في مثل تلك الحالة التي كان عليها المسلمون في الماضي، فإذا عاهدناهم على رد ما أنفقوا على أزواجهم وجب الوفاء بالعهد. /٧- يباح للمسلمين الزواج بالمهاجرات المسلمات إذا انقضت عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدّة، فإن أسلمت قبل الدخول، فلها التزوج في الحال، إذ لا عدة عليها. ٨- قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ دليل على تحريم التزوج بالمشركات عبدة الأوثان، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب، أما الكتابيات (اليهوديات والنصرانيات) فيجوز الزواج بهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥/٥]. فإذا أسلم وثني أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرِّق بينهما وهو مذهب المالكية. ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العدة، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال الحنفية: إذا أسلمت المرأة، عُرِض على الزوج الإسلام، فإن أسلم وإلا فُرِّق بینھما. وهذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها، فلا خلاف في انقطاع العصمة بينها وبين زوجها؛ إذ لا عدة عليها. وهذا مذهب مالك أيضاً في المرأة المرتدة وزوجها مسلم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اُلْكَوَافِ﴾. ومذهب الشافعي وأحمد: أنه ينتظر بها تمام العدة. فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة: فمذهب مالك والشافعي وأحمد: الانتظار إلى تمام العدة، وكذا الوثني تُسلم زوجته، فإنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما. ٥٢٦ لالُ (٢٨) - المُتَحْنَّةِ: ٦٠ /١٢-١٣ ٤- إذا ذهبت مسلمة مرتدةً إلى الكفار من أهل العهد، يطالب الكفار بمهرها، وإذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة، يرد إلى الكفار مهرها. وهذا الحكم كان مخصوصاً بزمان النبي وَلّ بعد صلح الحديبية. ٠ ١ - إذا لم يدفع الكفار المعاهدون وغيرهم مهر امرأة ارتدت وذهبت إلى ديار الكفر، وجب تعويض زوجها من غنائم الحرب. وقال قتادة: هذا خاص في الكفار المعاهدين، ثم نسخ هذا في سورة براءة. وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضاً. ١١ - حذر الله تعالى من مخالفة الأحكام السابقة، فقال في الآية الأولى: ﴿َلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيُمْ حَكِيمٌ﴾ أي ذلكم الحكم إلزموه، وقال في الآية الثانية: ﴿ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ أي احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به. مبايعة النبي المهاجرات (بيعة النساء) كياالله وَسَلم ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْئُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِيَنَ بِبُهْتَكِنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَابِعُهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ اْآَخِرَةِ كَمَا ١٣ يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُرِ القراءات: ﴿ النَّبِىُّ﴾ : : وقرأ نافع (النبيء). ٥٢٧ الُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ / ١٢-١٣ الإعراب: ﴿ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ﴾ ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿ يَأْتِينَ﴾ أو في موضع جر على الوصف لـ (مُهتان). ﴿ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾ ﴿مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾: في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بـ ﴿بَيِسَ﴾ وتقديره: يئسوا من بعث أصحاب القبور، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. البلاغة: ﴿ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: كناية عن اللقيط. ﴿قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ اٌلْقُبُورِ﴾ تشبيه مرسل مجمل. وفي الآية ما يسمى رد العجز على الصدر، فقد ختمت السورة بمثل ما بدئت به. وقوله: ﴿كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ﴾ فيه وضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أن الكفر أيأسهم. المفردات اللغوية: ﴿يُبَايِعْنَكَ﴾ البيعة: العقد والعهد على التزام الطاعة .﴿وَلَا يَفْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ أي بوأد البنات (بِبُهْتَنِ﴾ أي بولد مفترى ملصق بالزوج كذباً. ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾ الافتراء: الكذب، والمراد يختلقن نسبة الولد إلى الزوج. ﴿مَعْرُوفٍ﴾ المعروف: كل ما ندب عليه الشرع من المحسنات؛ ونهى عنه من المستقبحات. والتقييد بالمعروف مع أن الرسول وَلفر لا يأمر إلا به، تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق .﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ أي إذا بايعنك فبايعهن، أي فالتزم لهن بضمان الثواب حال الوفاء بهذه الأشياء .﴿ وَأُسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهُ﴾ اطلب لهن المغفرة. ٥٢٨ اِلُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ /١٢-١٣ ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ عامة الكفار، أو اليهود إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود، ليصيبوا من ثمارهم .﴿قَدْ يَبِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ لكفرهم بها، أو لعلمهم بأنه لا حظ لهم فيها لمعاندة الرسول وله ﴿ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾ من موتاهم أن يبعثوا، أي يرجعوا أحياء. سبب النزول: نزول الآية (١٢): نزلت يوم الفتح، فإنه وي ليل لما فرغ من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء. أخرج البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: ((إن رسول الله وَل كان يمتحن من هاجرن إليه بهذه الآية ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ اُلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ - إلى قوله -: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله وَ له: (قد بايعتك) كلاماً، ولا، والله ما مسَّتْ يده يد امرأة في المبايعة قط، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتكِ على ذلك)). وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي ◌َّيل ر قالت: ((كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله وَه ◌ُمْتَحنَّ بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِلَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحِنة، وكان رسول الله وَ له إذا أقْررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله وَ له: انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مسِّت يد رسول الله و لم يد امرأة قطّ، غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله، ما أخذ رسول الله وَله كفَّ امرأة قط؛ وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتُكنّ كلاماً)) . وروي أنه يسير بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن. ٥٢٩ الُ (٢٨) - المُتَحْنَّ: ٦٠ /١٢-١٣ وروى أحمد عن أميمة بنت رقية التيمية قالت: أتيت رسول الله صل ﴿ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: ((ألا نشرك بالله شيئاً -حتى بلغ- ولا يعصينك في معروف، فقال: فيما استطعتُنَّ وأطقتُنَّ، قُلْنا: الله ورسولُه أرحمُ بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، وإنما قولي لامرأة واحدة قولي لمئة امرأة(١)). وزاد أحمد في رواية: ((ولم يصافح منا امرأة)) . نزول الآية (١٣): أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادّان رجلاً من يهود، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. المناسبة: روي أن النبي ◌َّ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر أسفل منه يبايع النساء، بأمر رسول الله وَله ویبلغهن عنه. التفسير والبيان: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىَّ أَنْ لَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية: أي إذا جاءك المؤمنات بالله ورسوله یعاهدنك ويقصدن مبايعتك على الإسلام والطاعة، فبايعهن على ألا يشركن بالله شيئاً من وثن أو حجر أو ملَك أو بشر، ولا يسرقن من أموال الناس شيئاً، ولا يزنين (والزنى: الاعتداء على الأعراض) ولا يقتلن أولادهن: أي ولا يئدن البنات، وهو ما (١) ورواه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم. ٥٣٠ لُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ / ١٢-١٣ كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات، ولا يلحقن بأزواجهن أولاداً ليسوا لهم، قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها : هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان والافتراء. ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾: وهو كل أمر وافق طاعة الله، أي كل ما أمر به الشرع، أو نهى عنه، كالنهي عن النَّوْح، وتمزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشق الجيب، وَخْش الوجوه، والدعاء بالويل، والخلوة بالأجنبي غير المحرم، فبايعهن، واطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة منك، إن الله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، فلا يعذبهم بما اقترفوه قبل الإسلام، ويجزل لهم الثواب إذا وفّين بهذا العهد الذي حدث في فتح مكة. رُوي أن النبي وَ لّ لما قال: أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئاً، قالت هند بنت عُتْبة، وهي مُنْتَقبة، خوفاً من النبي وَّر أن يعرفها، لِمَا صنعته بَحَمْزةَ يوم أُحد: والله ما عبدنا الأصنام، وإنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أَخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط، فقال ◌َله: (ولا تسرقن)) فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قُوتنا؟ فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فضحك النبي وَّه وعَرَفها، وقال: ((أنت هند؟)) فقالت: عفا الله عما سلف. فقال: ((ولا تزنين)) فقالت هند: أوتزني الحرة؟ فقال: ((ولا تقتلن أولادكن)) أي لا تئدن البنات ولا تسقطن الأجنة، فقالت هند: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر، فأنتم وهم أبصر أو أعلم، فضحك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى استلقى، وكان ابنها البكر حَنْظلة بن أبي سفيان قُتل يوم بدر، وتبسم رسول الله چ. فقال: ((ولا تأتين ببهتان تفترينه)) وهو أن تلصق بزوجها ما ليس منه، فقالت هند: والله، إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم ٥٣١ اِلُعُ (٢٨) - المُتَتَحَنَّةِ: ٦٠ /١٢-١٣ الأخلاق، فقال: ((ولا تعصينني في معروف)) فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. وتحريم الزنى عام، قال ◌َله: ((اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والِّرِّجْلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذِّبه))(١). وأكد النبي ◌َّ- تحريم النواح، فقال: ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية))(٢). وعن عروة بن الزبير عن عائشةقالت: ((جاءت فاطمة بنت عُتْبة تبايع رسول الله وَلّ، فأخذ عليها: ألا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين ... )) الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: ((أقرّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: نعم، فبايعها بالآية)) . ولم تقتصر بنود بيعة النساء عليهن، وإنما بويع بها الرجال أيضاً. روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ◌ّ فقال: ((أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا)) قرأ آية النساء، ((فمن وَفَى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فعوقب، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له منها)) . (١) رواه مسلم عن أبي هرير بلفظ: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه)) وأخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ آخر. (٢) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود. ٥٣٢ الُ (٢٨) - المُتَحْنَةِ: ٦٠ /١٢-١٣ وروى محمد بن إسحاق وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال: ((كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله وَالحفر على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بین أیدینا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال: فإن وفيتم فلكم الجنة)). ثم أكد تعالى النهي عن موالاة الكفار كما بدأ السورة، فقال: ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ ﴾﴾ أي يا أيها المؤمنون برسالة الإسلام لا تتخذوا اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليهم ولعنهم واستحقوا الطرد والإبعاد من رحمته، أولياء وأنصاراً وأصدقاء، وقد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله عز وجل، وأصبحوا لا يوقنون بالآخرة بسبب كفرهم وعنادهم، بالرغم من قيام الأدلة والبينات والمعجزات على الإيمان بالله واليوم الآخر، كيأسهم من بعث موتاهم، لاعتقادهم عدم البعث. قال ابن عباس: يريد حاطب بن أبي بَلْتَعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين، وذلك لأن جمعاً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم، فنهوا عن ذلك، ويئسوا من الآخرة. يعني أن اليهود كذبت محمداً ◌ّطر، وهم يعرفون أنه رسول الله ◌َّة، وأنهم أفسدوا آخرتهم بتكذيبهم إياه، فهم يئسوا من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، أي كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم أن يرجعوا أحياء. وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوة الرسول وال﴾. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية الأولى على تحريم الشرك بالله، والسرقة، والزنى، وقتل ٥٣٣ الُزُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ /١٢-١٣ الأولاد، أي وأد البنات الذي كان في الجاهلية، وإلحاق الأولاد اللقطاء بغير آبائهم، وعصيان شرع الله فیما أمر ونهى. وقد صرح في الآية بأركان النهي في الدين وهي ستة، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضاً: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة؛ لأن النهي دائم في كل الأزمان وفي كل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد وأهم وأخطر. ولم تقتصر البيعة على هذه الأمور على النساء فقط، وإنما بويع عليها وفد من الأنصار في بيعة العقبة الأولى، فأصبح الحكم عاماً للرجال والنساء. وأكدت الآية الثانية تحريم موالاة الكفار وتزويدهم بأخبار المسلمين، والإسرار إليهم، واتخاذهم أصدقاء وأخلاء، لأنهم لا يؤتمنون على مصالح المسلمين، بل يخونونهم ويفيدون من ذلك في قتالهم ومعاداتهم، ولأنهم قوم كفروا بالآخرة ولم يؤمنوا بالبعث والحساب، ويئسوا من ثواب الآخرة، كما يئس الكفار الأحياء من رجوع موتاهم أصحاب القبور إلى الدنيا. ٥٣٤ لُحُ (٢٨) السورة (٦١) الصَّفْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ سُوْدَةُ الصَّفْ مدنية، وهي أربع عشرة آية تسميتها: سميت سورة (الصف)؛ لقوله تعالى في مطلعها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَنَّهُمْ بُلْيَئِنٌ مَّرْصُوصٌ ﴾. ٤ مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين: اً - نهت السورة السابقة في مطلعها وفي أثنائها وختامها عن موالاة الكفار من دون المؤمنين، وأمرت هذه السورة بوحدة الأمة ووقوفها صفاً واحداً تجاه الأعداء. أَ - ذكرت السورة المتقدمة أحكام العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم داخل الدول الإسلامية وخارجها، وقت السلم، وحرضت هذه السورة على الجهاد ورغبت فيه بسبب العدوان، وأنَّبت التاركين للقتال وشبهتهم بيني إسرائيل الذين عصوا موسى عليه السلام حين ندبهم للقتال، ثم عصوا عيسى عليه السلام حين أمرهم باتباعه بعد إتيانه بالبينات والمعجزات، واتباع النبي محمد ﴾ ﴾ الذي بشر به. ٥٣٥ الُعُ (٢٨) السورة (٦١) الصَّفّ ما اشتملت عليه السورة: إن محور السورة وموضوعها هو القتال وجهاد الأعداء، والتضحية في سبيل الله تعالى، وبيان ثواب المجاهدين العظيم، وذلك من الأحكام التشريعية التي تعنى به السورة المدنية عادة. وقد بدئت السورة بتسبيح الله سبحانه وتنزيهه وتمجيده تنبيهاً لعظمة مُنزلها، وبيان خطورة ما ترشد إليه من وجوب الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، ووقوفها صفاً واحداً في قتال الأعداء، لرفع منار الحق، وإعلاء كلمة الله تعالى، ثم لوم الذين يخالفون بعملهم أقوالهم. ثم حذرت من الفرقة والعصيان والمخالفة شأن بني إسرائيل الذين عصوا أمر موسى وعيسى عليهما السلام حينما أمرهم موسى بقتال الجبارين، وأمرهم عيسى باتباعه واتباع الرسول أحمد # # الذي يأتي بعده وتلك بشارة به: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى﴾ الآية، ثم ضربت المثل للمشركين بمن يريد إطفاء نور الله بأفواههم: ﴿يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ﴾. وأردفت ذلك بالبشارة والإخبار بنصرة الإسلام ودعوته وتفوقه وغلبته على سائر الأديان، فهو دين الهدى والحق. ثم رسمت طريق الهدى، وأوضحت منهاج السعادة الكبرى وسبيل النجاة من العذاب الأخروي بإعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله ◌َّية، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وبيان ثمرة الجهاد وهو النصر في الدنيا وثواب المجاهدين في الآخرة، وأكدت ذلك بالأمر بنصرة دين الله عز وجل، كمناصرة الحواريين دين عيسى عليه السلام: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُكُمْ عَلَى تِزَقِ﴾ الآيات، وبالدعوة إلى نصرة الله يتناسب ختام السورة مع بدايتها. فضلها: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن سَلاَم قال: تذاكرنا أيكم يأتي ٥٣٦ الُزْءُ (٢٨) - الظَّفْ: ٦١ /١-٤ رسول الله وَله، فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله ﴾ إلينا رجلاً رجلاً، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها. وأخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام أيضاً قال: قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله ◌َ، فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ الحكيمُ هـ ﴾ قال عبد الله ٣ ابن سَلام، فقرأها علينا رسول ◌َلهو. الدعوة إلى القتال في سبيل الله صفاً واحداً ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصُ الإعراب: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ﴿مَقْنَا﴾: تمييز منصوب، وفاعل ﴿كَبُرَ﴾ يفهم بالتفسير، وتقديره: كبر المقت مقتاً، مثل ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ﴾ [الكهف: ٥/١٨]. و﴿أَنْ تَقُولُواْ﴾ مرفوع على الابتداء، و﴿كَبُرَ مَقْنًا﴾: خبر مقدم، وتقديره: قولكم ما لا تفعلون كبر مقتاً، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو أن تقولوا ما لا تفعلون، أو هو فاعل ﴿كَبُرَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ (٤) ﴿صَفَا﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال، و﴿كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ ٥٣٧ الُزْعُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ١-٤ مَّرْصُوصٌ﴾: في موضع نصب على الحال من واو ﴿يُقَتِلُونَ﴾ أي يقاتلون مشبهين بنياناً مرصوصاً. 1 البلاغة: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ استفهام بأسلوب التوبيخ والإنكار، وما في قوله ﴿لِمَ﴾ استفهامية حذفت ألفها تخفيفاً. ﴿كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ بعد قوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إطناب بتكرار اللفظ لبيان شدة قبح ما فعلوا. وقوله: ﴿تَقُولُواْ﴾ و﴿نَفْعَلُونَ﴾ بينهما طباق. كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ تشبيه مرسل مفصّل، حذف منه وجه الشبه، أي في المتانة والالتئام. المفردات اللغوية: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ نزهه ومَجَّده ودل عليه، واللام مزيدة. ﴿مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ جيء بقوله: ﴿مَا﴾ وليس (مَنْ) تغليباً للأكثر. ﴿ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب القاهر في ملكه . ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في صنعه وتدبير أمور خلقه. ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ ﴿لِمَ﴾ مركبة من لام الجر وما الاستفهامية، والأكثر حذف ألفها مع حرف الجر تخفيفاً لكثرة استعمالها معاً ودلالتهما على المستفهم عنه، أي لأي شيء تقولون: قد فعلنا، مع أنكم لم تفعلوا، والمقصود التأنيب والتوبيخ على المغالطة والكذب في طلب الجهاد وغيره، مع أنهم انهزموا يوم أحد. ﴿كَبُرَ﴾ عظم. ﴿مَقْنَا﴾ المقت: أشد البغض. ﴿يُحِبُّ﴾ يرضى ويكرم وينصر. ﴿صَفَّا﴾ أي صافين. ﴿مَرْصُوصٌ﴾ متراص من غير فُرجة أو متلاصق محكم، والرص: اتصال أجزاء البناء وإحكامه. ، ٥٣٨ الجُزءُ (٢٨) - الصَّفْتُ: ٦١ / ١-٤ سبب نزول الآية (١، ٢): أخرج الترمذي كما تقدم والحاكم وصححه والدارمي عن عبد الله بن سَلام قال: قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله ﴿، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا ، يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ فِىِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فقرأها علينا رسول الله لتر حتى ختمها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لودِدنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد لأهل معصيته الذين جحدوا الإيمان به، وإقرار برسالة نبيه و *، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فأنزل الله الآية(١). ويؤيد ذلك قول عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله، لعملناه؛ فلما نزل الجهاد كرهوه. التفسير والبيان: ﴿َسَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي نزّه الله ومجده لعظمته وقدرته ووحدانيته وجميع صفات كماله جميعُ ما في السماوات وما في الأرض من العقلاء وغير العقلاء، وهو القوي الغالب القاهر فوق عباده الذي لا يغالب، الحكيم في أفعاله وأقواله، وفي تدبير خلقه وتصريف أمورهم وإرشادهم. وفيه الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ثم أرشد خلقه إلى فضائل الأخلاق والأعمال، فقال: (١) تفسير ابن كثير: ٣٨٥/٤ ٥٣٩ اِلُعُ (٢٨) - الضَّفْ: ٦١ / ١-٤ أي يا أيها المؤمنون ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ بالله ورسوله، لأي شيء تقولون قولاً وتخافونه عملاً. وهذا إنکار علی من یَعِد وعداً، أو يقول قولاً لا يفي به، قال ابن كثير: ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقاً، سواء ترتب عليه غرم للموعود أم لا، واحتجوا أيضاً من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وسلّم قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا وَعَد أخلف، وإذا حدَّث كذَب، وإذا اؤتمن خان)) . وفي الحديث الآخر في الصحيح: ((أربعٌ من كُنَّ فيه، كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها)) فذكر منهن إخلاف الوعد. وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا أدخل الموعود به في ورطة، وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: تزوج ولك علي كل يوم كذا، فتزوج وجب عليه أن يعطيه، ما دام كذلك؛ لأنه تعلق به حق آدمي، وهو مبني على المضايقة. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب ديانة مطلقاً الوفاء بالوعد، وإن كان يجب ديانة ومروءة، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَىَ أَجَلِ قَرِبِتٍ قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا [النساء: ٧٧/٤-٧٨] وقال أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوِجٍ تُشَيَّدَةٍ﴾ تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِسَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ اُلْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠/٤٧]. ٥٤٠ الجُزُ (٢٨) - الصَّفْ: ٦١ / ١-٤ ثم ذمهم سبحانه على مخالفة القول العمل، فقال: أي عظم جُرْماً ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ لِ أن تقولوا قولاً وتفعلون غيره، فإن خلف الوعد دليل على حب الذات (الأنانية) وإهدار لمصلحة وكرامة ووقت الآخرين، وإخلال بالثقة بين الأفراد والجماعات، وما أسوأ خلف الوعد وأقبح بصاحبه، لذا كان مبغوضاً عند الله أشد البغض ومعاقباً عليه، كما هو مبغوض مستنكر مذموم عند الناس جميعاً. وفي مقابل ذم التاركين للقتال الهاربين منه، مدح الله تعالى الذين أقدموا على القتال، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَكٌ مَرْصُوصٌ . أي إن الله يرضى عن المقاتلين، ويثيب ثواباً جزيلاً الذين يقاتلون في سبيل الله، صافّين أنفسهم صفاً واحداً، وكتلة متراصة لا تتزحزح من المواقع، كأنهم بناء راسخ شامخ ملتزق بعضه ببعض دون فُرَج كقطعة واحدة. وهذا تعليم من الله للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم، وحث على الجهاد بأسلوب آخر، ودليل على قوتهم وشدتهم في أمر الله، دون تراخٍ فيهم، وإشارة إلى إحكام أمر القتال، وتنفيذ مهمة الجهاد بدقة وإتقان، وتضامن واجتماع حازم على وحدة الكلمة، وإمضاء الأمر بعزيمة لا تعرف اللين، وهمة لا تردد فيها، ولقاء للعدو بقلوب ثابتة راسخة لا تخاف ولا تخشى الموت. وهكذا تبني الأمم القوية أمجادها، وتثبت هيبتها وشخصيتها الذاتية، وتنتزع احترام الآخرين لها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: