النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ الُرُ (٢٨) - المُثْرِ: ٥٩ /٢١-٢٤ يقتل بالكافر الذمي، وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا. مكانة القرآن وعظمة منزله ذي الأسماء الحسنى ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَُّونَ ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَّا هُوِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِىُّ الْمُصَوَّرِّ لَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىّ يُسَبِحُ لَهُ مَا فِىِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِبِزُ اْحَكِيمُ ٢٤٦ القراءات: اُلْقُرْءَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران). الإعراب: ﴿لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ منصوبان على الحال من هاء (رَأَيْتَهُ) لأن (رأيت) من رؤية البصر. ﴿اَلْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ﴾ ﴿الْمُصَوَّرِّ﴾ من صوَّر يصوِّر، لا من صار يصير فهو مصيِّر، وهو مرفوع على أنه وصف بعد وصف، أو خبر بعد خبر. وقرئ (المصوّر) وهو آدم عليه السلام وأولاده، والمعنى: الخالق الذي برأ المصوّر، وقرئ ( المصوِّر) بالجر على الإضافة، كقولهم: الضارب الرجل، بالجر حملاً على الصفة الشبهة باسم الفاعل، كقولهم: الحسن الوجه. ٤٨٢ لُحُ (٢٨) - الحشر: ٥٩ / ٢١-٢٤ البلاغة: ﴿لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ تمثيل وتخييل مثل آية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ ﴿اَلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ أي وجعل فيه تمييز ووعي كالإنسان. ﴿لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ ﴿خَشِعًا﴾ منقاداً خاضعاً، و﴿مُتَصَدِّعًا﴾ متشققاً. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي وتلك الأمثال المذكورة يراد بها توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وقلة تدبّره. ﴿اُلْغَيْبِ ﴾ ما غاب عن الحس والمشاهدة من العوالم غير المرئية. ﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾ عالم الماديات والمرئيات المشاهدة المحسوسة، وقدم الغيب على الشهادة؛ لأن الغيب معدوم متقدم في الوجود، والشهادة موجود متأخر. ﴿ اَلْقُدُّوسُ﴾ الطاهر المنزه عما لا يليق به من النقص. ﴿السَّلَمُ﴾ ذو السلامة من كل نقص وآفة . ﴿اٌلْمُؤْمِنُ﴾ المصدّق رسله فيما بلغوه عنه بالقول، أو بخلق المعجزة على أيديهم، أو هو واهب الأمن لعباده. ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيب على أعمال عباده، الحافظ لكل شيء. ﴿اَلْعَزِيزُ﴾القوي الغالب. ﴿اُلْجَبَّارُ﴾الذي ج جبر خلقه على ما أراد. ﴿الْمُتَكَبِرُ﴾ البليغ الكبرياء والعظمة، الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصاناً. ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾تنزه الله عما يصفه به المشركون من الصاحبة والولد والشريك، فلا يشاركه أحد من خلقه في شيء من ذلك. ﴿اَلْخَلِقُ﴾ المقدِّر للأشياء على مقتضى حكمته. ﴿اَلْبَارِئُ﴾ المنشئ من العدم الموجد للأشياء بريئاً من التفاوت. ﴿اَلْمُصَوِّرُ﴾ الموجد لصورها ٤٨٣ الجُرُ (٢٨) - الحُنْزِ: ٥٩ /٢١-٢٤ وكيفياتها كما أراد. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى: مؤنث الأحسن، وقد وصفت بالحسنى؛ لأنها دالة على محاسن المعاني التي تظهر في هذا الوجود، فإن جمال الكون البديع دليل على كمال صفات الموجد المبدع. (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ينزهه جميع المخلوقات، لتنزهه عن النقائص كلها . ﴿ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الجامع للكمالات كلها المتمثلة في كمال القدرة والعلم. المناسبة: بعد بيان أحوال اليهود والمنافقين، وأمر المؤمنين بالتقوى والاستعداد ليوم القيامة، عظّم الله عز وجل أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان، ونَّه إلى عظمة منزِّل القرآن ذي الأسماء الحسنى الذي انقادت السماوات والأرض لحكمه وأمره ونهيه، وتنزه عن النقائص. التفسير والبيان: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي لقد بلغ من شأن القرآن وعظمته وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال، وجعل له عقل كما جعل كالبشر، لرأيت الجبل، مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة، خاشعاً خاضعاً متذللاً منقاداً، متشققاً من خوف الله، حذراً من عقابه، وخوفاً من عدم أداء ما يجب عليه من تعظيم كلام الله تعالى. وهذا تعظيم لشأن القرآن، وتمثيل لعلو قدره وشدة تأثيره على النفوس، لما فيه من المواعظ والزواجر، ولما اشتمل عليه من الوعد الحق والوعيد الأكيد، فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن لخشع وتصدع من ٤٨٤ الجُرُ (٢٨) - الحُنذِر: ٥٩ /٢١-٢٤ خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتهم عن الله أمره وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالی: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي وهذه الأمثال المذكورة نضربها لجميع الناس، لعلهم يتفكرون فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اُلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْنَى﴾ [الرعد: ٣١/١٣] أي لكان هذا القرآن. وثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله وَلّ، لما عُمِل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع، وجاء النبي وَّ ليخطب، فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حنّ الجذع، وجعل يئن کما یئن الصبي الذي یسگّت، لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده. والمراد بالآية التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، وغلظ طباعهم، وتوبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، فإذا كانت الجبال الصم لو سمعت الكلام وفهمته، خشعت وتصدعت من خشیته، فکیف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ !! ثم أعظم الله تعالى شأن القرآن بوجه آخر، وهو التنبيه على أوصاف منزله فقال : ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (3) أي إن الله منزل القرآن، هو الذي لا إله إلا هو، فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر، يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات ٤٨٥ لُعُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ / ٢١-٢٤ عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، من جليل وحقير، وصغير وكبير، في الذّر (النمل الأسود) في الظلمات، وأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦/٧] وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤/٦]. ثم ذكر الله تعالى أوصافاً أخرى لنفسه، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ اُلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أكد تعالى صفة الوحدانية مرة أخرى، وكرر ذلك للتأكيد والتقرير في مطلع هذه الآية كالتي قبلها، فهو تعالى الإله الواحد الذي لا شريك له، المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها، بلا ممانع ولا مدافع، الطاهر من كل عيب، المنزه عن كل نقص، الذي سلم من كل نقص وعيب لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وسلم الخَلْق من ظلمه، والواهب الأمن والصدق لأنبيائه بالمعجزات، وأمن خلقه من أن يظلمهم، فهو المصدق لرسله بإظهار المعجزات، وللمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، وهو الشاهد الرقيب على عباده بأعمالهم، فهو بمعنى الرقيب عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَاَلْأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩/٨٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦/١٠]. وقوله: ﴿أَفَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣/١٣]. وهو القاهر الغالب غير المغلوب، الذي قد عزّ كل شيء، فقهره وغلب الأشياء، ذو الجبروت أي العظمة، الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما لا يليق به، والكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم، قال وَليّ في ٤٨٦ المُعْ (٢٨) - الحشر: ٥٩ / ٢١-٢٤ الحديث القدسي الصحيح: ((العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما غذّبته))(١). ﴿سُبْحَنَ اُللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله عما يصفه به المشركون من إشراكهم بالله غيره، كالصاحبة والولد والشريك. ثم قال الله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىَّ يُسَبِّحُ لَهُم مَا فِى أي هو الله الخالق أي المقدِّر السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته، البارئ، أي المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها، فالخلق: التقدير، والبَرْء: هو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئاً ورتّبه، يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل، وهو المصوِّر، أي الموجد للصور على هيئات مختلفة، وصفات أرادها، [الانفطار: ٨/٨٢] وله الأسماء ٨ كما قال: ﴿فِيّ أَِّ صُورَةٍ مَا شَآءَ رَّكَّبَكَ والصفات الحسنى التي لا يماثله أحد فيها، لعزته، ومن عزته كان منزهاً عن النقائص، أهلاً للتسبيح، ينطق بتنزيهه بلسان الحال أو المقال كل ما في السماوات والأرض، ومن حكمته أنه أمر المكلفين في السماوات والأرض بأن يسبحوا له ليربحوا، لا ليربح هو عليهم، كما قال تعالى: ﴿تُبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيِهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ نَسْبِحَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٧ / ٤٤]. وهو القوي الغالب القاهر الذي لا يغالبه مغالب، الشديد الانتقام من (١) أخرجه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري بلفظ: ((العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته)) وفي رواية: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته في النار)». ٤٨٧ الُرعُ (٢٨) - الحشر: ٥٩ / ٢١-٢٤ أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه وشرعه وقدره، وفي كل الأمور التي يقضي فيها، فهو كامل القدرة، كامل العلم. وإنما قدم ذكر الخالق على البارئ؛ لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة، وقدم البارئ على المصور؛ لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات. وتقدم بيان أسماء الله الحسنى في الآية (١٨٠) من سورة الأعراف والآية (١١٠) من سورة الإسراء. ويحسن ذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله وَلة: ((إن الله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)) ورواه أيضاً الترمذي وابن ماجه بالزيادة التالية، وأذكر هنا لفظ الترمذي: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملِك، القُدُّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبِّر، الخالق، البارئ، المصوِّر، الغفّار، القهَّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزُّ، المذِلُّ، السميع، البصير، الحَكَمِ، العَدْل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفورُ، الشكورُ، العليّ، الكبير، الحفيظ، المُقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقُّ، الوكيل، القويُّ، المتين، الوليُّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيُّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصَّمَد، القادر، المقتدر، المقدِّم، المؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البَرُّ، التوَّاب، المنتقم، العفوُّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الْمُقْسِطُ، الجامع، الغنيُّ، المغني، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقى، الوارث، الرشيد، الصبور)). ٤٨٨ لُعُ (٢٨) - المُفْر: ٥٩ /٢١-٢٤ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - حثّ الله تعالى على تأمل مواعظ القرآن، وبيّن أنه لا عذر في ترك التدبُّر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة أي ذليلة، متصدعة، أي متشققة من خشية الله، كما ذكر القرطبي. أَ- إن هذا المثل للناس للتفكر والتدبر، فإنه لو نزل هذا القرآن على جبل كما تقدم، لخشع لوعده وتصدّع لوعيده. ◌َ- الله تعالى عالم السرّ والعلانية، وما كان وما يكون، ما لم يعلم العباد ولا عاينوه، وما علموا وشاهدوا، وعالم بالآخرة والدنيا، وهو الواسع الرحمة، المنعم بجلائل النعم ودقائقها. ٤ - الله تعالى مالك الملك، القُدُّوس (المنَّه عن كل نقص، والطاهر من كل عيب)، السلام (ذو السلامة من النقائص) المؤمن (المصدِّق لرسله بإظهار معجزاته على أيديهم، ومصدّق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب) المهيمن (الرقيب الحافظ لكل شيء) العزيز (الغالب القاهر) الجبار (العظيم) المتكبر (الذي تكبر بربوبيته، فلا شيء مثله) والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذمّ. وهو المنزه لجلالته وعظمته عما يشرك به المشركون، والخالق (المقدِّر) والبارئ (المنشئ المخترع) والمصوّر (مركب الصور على هيئات مختلفة) وله الأسماء والصفات الحسنى، وينزهه جميع ما في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم (كامل القدرة وكامل العلم). عن أبي هريرة قال: سألت خليلي أبا القاسم رسول الله ◌ّ عن اسم الله ٤٨٩ الُرُ (٢٨) - المُشْرِ: ٥٩ / ٢١-٢٤ الأعظم، فقال: (( يا أبا هريرة، عليك بآخر سورة الحشر، فأكثر قراءتها))، فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي. وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية. وعن أنس بن مالك: أن رسول الله وَالله قال: ((من قرأ سورة الحشر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). وقال ◌َله: ((ما أصاب عبداً هَمّ ولا حَزَن، فدعا بهذا الدعاء (أي بأسماء الله الحسنى) إلا أذهب الله همّه وحَزَنه، وأبدله مكانه فرجاً)). وأخرج الديلمي عن ابن عباس مرفوعاً: ((اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر)). وفي رواية عبد الرحمن النيسابوري عن البراء عن علي رضي الله عنهما أنه قال: ((يا براء، إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم، فاقرأ من أول سورة الحديد عشر آيات، وآخر الحشر، ثم قل: يا من هو كذلك، وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل لي كذا وكذا، فوالله لو دعوت علي لخسف بي)) . وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود مرفوعاً أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا﴾ إلى آخر السورة: ((هي رقية الصداع)). ٤٩٠ لِلُعُ (٢٨) السورة (٦٠) المُتَتَحِنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ المُتَتَّحِنَّةِّ مدنية، وهي ثلاث عشرة آية تسميتها: سميت سورة الممتحنة (كسر الحاء) أي المختبرة، بإضافة الفعل إلى المرأة مجازاً، كما سميت سورة (براءة): المبعثرة والفاضحة، لما كشفت عيوب المنافقين. ويقال: (الممتحنة) بفتح الحاء بإضافة الفعل حقيقة إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كُلْتُوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط، قال الله تعالى: ﴿فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنٌ﴾ [١٠] الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الحشر من وجهين: : اً - ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً، ثم موالاة الذين نافقوا للكفار من أهل الكتاب، وافتتحت هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء، لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر النهي في السورة، ثم ختمت به. اً- كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب، وهذه السورة ٤٩١ ◌ِلُعُ (٢٨) السورة (٦٠) المُتَحَنَّ للمعاهدين من المشركين؛ لأنها نزلت في صلح الحديبية، فالسورتان تشتركان في بيان علاقات المسلمين مع غيرهم. ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية في بيان الأحكام التشريعية، وهي هنا أحكام المعاهدين من المشركين، والذين لم يقاتلوا المسلمين، والمؤمنات المهاجرات وامتحانهن. ابتدأت السورة بالنهي عن موالاة المشركين وأسباب ذلك وهي إيذاء المؤمنين وعداوتهم لله ولمن آمنوا، وإلجاؤهم إلى الهجرة وترك الديار والأوطان. ثم ذكرت أن القرابة أو الصداقة غير نافعة يوم القيامة، وإنما النافع للإنسان هو الإيمان والعمل الصالح: ﴿لَنْ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلاَ أَوْلَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾. وأعقبت ذلك بضرب الأمثال بقصة إبراهيم ومن معه من المؤمنين، وتبرؤهم من قومهم المشركين، ليتخذ المؤمن أبا الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن قدوة وأسوة طيبة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىِّ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآيات. ثم وضعت أصول العلاقات بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في حالتي السلم والحرب، والمودة والعداوة: ﴿لَّا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿إِنَّمَا يَنْهَنَّكُمُ اللَّهُ ﴾ الآيات. وانتقل البيان عقب ما ذكر إلى حكم العلاقات مع المشركين فيما يتعلق بالنساء المؤمنات، وضرورة امتحانهن عند الهجرة لدار الإسلام، وعدم ردهن إلى الكفار في دار الكفر وإيتاء أزواجهن مهورهن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ﴾ الآيات. ٤٩٢ لِلُعُ (٢٨) - المُتَخْنَّةِ: ٦٠ /١-٣ واستتبع ذلك بيان حكم مبايعة الرسول وثيقو لهن، وشروط البيعة وبنودها، وأصولها في الإسلام وداره. وختمت السورة بتأكيد النهي عن موالاة أعداء المؤمنين من المشركين والكفار، حرصاً على وحدة الأمة والملة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا﴾ النهي عن موالاة الكفار ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَةَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِعُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِى وَأَبْتِغَ مَرْضَائِيّ قُبِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ إِن يَثْقَفُوُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ وَمَآ أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِلِ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُمْ بِالسُّوْءٍ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴿ لَنْ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَّ أَوْلَذُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ القراءات: ﴿ یفْصِلُ﴾: قرئ: ١- (يُفْصَل) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. ٢- (يُفَصِّل) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (يَفْصِل) وهي قراءة عاصم. ٤- (يُفَصَّل) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ ﴿تُلْقُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال ٤٩٣ الُرُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ /١-٣ من واو . ﴿لَا تَتَّخِذُواْ﴾ أي لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء مُلقين. وكذلك: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ﴾ حال من واو ﴿لَا تَّخِذُواْ﴾ ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو ﴿كَفَرُواْ﴾. و﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾: في موضع نصب على المفعول لأجله. وإن في قوله: ﴿إِن كُمُ خَرَجْتُمْ حرف شرط، وجوابه فيما تقدم، لدلالة الكلام عليه، وهو﴿لَا تَتَّخِذُواْ﴾ أي فلا تتخذوهم أولياء، فهذا متعلق بقوله: ﴿لَا تَنَّخِذُواْ﴾ يعني لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. و﴿جِهَدًا﴾ و﴿ وَأَبْتِغَاءَ﴾ منصوبان على المفعول لأجله، أو على المصدر في موضع الحال، وتقديره: مجاهدين في سبيلي، ومبتغين لمرضاتي. و﴿شِرُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال، تقديره: مسرِّين إليهم بالمودة، أو بدل من قوله: ﴿تُلْقُونَ﴾، وباء ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ زائدة أو ثابتة غير زائدة. ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، وعامله: إما ﴿تَنفَعَكُمْ﴾ أو ﴿يَفْصِلُ﴾. ويفصل بينكم المبني للمعلوم تقديره: يفصل الله بينكم، وقرئ مبنياً للمجهول. ( يُفْصَل بينكم) فيكون ﴿بَيْنَكُمْ﴾ قائماً مقام الفاعل، إلا أنه بني على الفتح، كقوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤/٦] أي وصلکم. البلاغة: ﴿قُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ﴾ عتاب وتوبيخ. ﴿أَخْفَيْتُمْ﴾ و﴿أَعْلَنَهُمْ﴾ بينهما طباق، فالإخفاء يقابل الإعلان. المفردات اللغوية: ﴿عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ عدو الله: من كفر به أو أشرك، ولم يؤمن بما أنزل في ٤٩٤ الزُ (٢٨) - المُتَحْنَّ: ٦٠ /١-٣ كتبه وعدو المؤمنين: من خانهم أو أضر بمصالحهم، أو قاتلهم أو عاون على مقاتلتهم، مثل كفار مكة في الماضي والماديين والملحدين الذين لا يؤمنون بوجود الله أو يؤمنون بألوهية أحد من البشر بتأويلات باطلة في عصرنا. ﴿ أَوْلِيَآءَ﴾ أصدقاء جمع ولي، أي صديق توليه بالسر . ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ تفضون إليهم المودة، والمراد هنا النصيحة بالمكاتبة وإرسال أخبار الرسول واله إليهم. ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾ أي دين الإسلام والقرآن ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة بالتضييق عليكم. ﴿أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي لأجل أن آمنتم، وفيه تغليب المخاطب في عهد التنزيل، والتفات من الخطاب إلى الغيبة، للدلالة على ما يوجب الإيمان، وهو تعليل لقوله: ﴿يُخْرِجُونَ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم بالله تعالى. ﴿إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ وَأَبْتِغَاءَ مَرْضَائِ﴾ أي خرجتم من أوطانكم للجهاد في سبيل الله وطلب مرضاته أي رضائه . ﴿وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَهُمْ﴾ أي أنا أعلم منكم، والباء في قوله: ﴿بِمَآ أَخْفَيْتُمْ﴾ مزيدة، وما: موصولة أو مصدرية. ﴿وَمَن يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ﴾ يفعل الاتخاذ. ﴿ضَلَّ﴾ أخطأ طريق الهدى. ﴿سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ السواء في الأصل: الوسط، والمراد هنا الطريق المستوي وهو طريق الحق. ﴿إِن يَثْقَفُوَّكُمْ﴾ يظفروا بكم. ﴿وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ﴾ بالقتل والضرب. ﴿ وَأَلْسِنَهُمْ بِالسُّوْءٍ﴾ أي بما يسوؤكم بالسب والشتم. ﴿وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ تمنوا كفركم . ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ لن تفيدكم قراباتكم. ﴿ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ﴾ الذين توالون المشركين لأجلهم. ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ يفرق بينكم من شدة الهول، فيفرّ بعضكم من بعض. ويفصل بالبناء للفاعل بالتخفيف أو التشديد أي الله عز وجل. ٤٩٥ الْخُرُ (٢٨) - المُتَحْنَةِ: ٦٠ /١-٣ سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: أخرج الشيخان وبقية الأئمة عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله وَل﴿ أنا والزبير والمقداد بن الأسود، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ(١)، فإن بها ظعينة(٢)، معها كتاب، فخذوه منها، فأتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عِقَاصها، فأتينا به رسول اللـه بََّ، فإذا هو من حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي وَّ، فقال: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أَنْفَسِها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من نسب فيهم أن أتخذ يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر، فقال النبي ◌َّر: صدق. وفيه أنزلت هذه السورة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية. وتفصيل القصة والكتاب: ((أن مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها: سارَّة، أتت رسول اللـه ◌َل بالمدينة، وهو متجهز لفتح مكة سنة ثمان من الهجرة، فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها، فأتاها حاطب بن أبي بَلْتعة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بُرْداً، واستحملها كتاباً (١) موضع بين مكة والمدينة على اثني عشر ميلاً من المدينة. (٢) الظعينة: المرأة في الهودج. ٤٩٦ لُ (٢٨) - المُتَخَنَّةِ: ٦٠ /١-٣ إلى أهل مكة، هذه نسخته: (من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله ﴿﴿ يريدكم، فخذوا حذركم) فخرجت سارّة، ونزل جبريل عليه السلام بالخبر، فبعث رسول الله وَله علياً رضى الله عنه وعماراً وعمراً وفرساناً أخر، وقال: انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها، فإن أبت، فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدته وحلفت، فهموا بالرجوع، فقال علي رضي الله عنه: والله ما كذَبْنا ولا كذَبَ رسول الله ◌َلَّه وسلَّ سيفه، وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها، فقال رسول الله 18مس لحاطب: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن كنت غريباً في قريش، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون أهاليهم وأموالهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن اتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً، فصدّقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: وما يُدْرِيك يا عمر، لعلَّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم))، وأنزلت السورة. التفسير والبيان: ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله ونَ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم(١) أنصاراً (١) العدو يطلق على الواحد والجمع. ٤ ٤٩٧ الُعُ (٢٨) - المُتَحْنَّةِ: ٦٠ /١-٣ وأصدقاء وأعواناً لكم، توصلون إليهم أخبار النبي ◌َّ والمؤمنين، بسبب المودة التي بينكم وبينهم، والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بأي وجه من الوجوه. ونظير الآية كثير، مثل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١/٥]. وقوله سبحانه: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينُّ﴾ [آل عمران: ٢٨/٣]. والآية الأولى تتضمن تهديداً شديداً ووعيداً أكيداً. وسبب النهي هنا أمران: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي إنهم كفروا بالله تعالى والرسول وَله وما جاءكم من القرآن والهداية الإلهية، وأخرجوا الرسول وَلخير والمؤمنين من مكة من أجل إيمانهم بالله، وإخلاص عبادتهم الله تعالى، كما جاء في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُوْ رَبُّنَا﴾ [الحج: ٤٠/٢٢]. ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللّهِ اَلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ [البروج: ٨/٨٥]. ثم حرَّض الله تعالى على الامتناع من الموالاة، فقال: أ- ﴿إِن كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ وَأَبْغَةَ مَرْضَائِيّ﴾ أي لا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي، مبتغين رضواني عنكم، ولا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنَقاً عليكم، وسخطاً لدينكم. ب- ﴿ُِرُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَهُمْ﴾ أي تسرون إليهم الأخبار وخطط النبي والمؤمنين بسبب المودة، وتفعلون ذلك، وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، والأعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون. ٤٩٨ الُ (٢٨) - المُتَخَنَّةِ: ٦٠ /١-٣ جـ- ﴿وَمَنْ يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ﴾ أي ومن يوال الأعداء منكم، فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وحاد عن قصد السبيل التي توصل إلى الجنة والرضوان الإلهي. ثم ذكر ثلاثة أمور أخرى تمنع الموالاة على عداوة المشركين في مكة وغيرها، فقال : ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوْ لَكُمْ أَعْدَآءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُم بِلِسُّوْءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ (®﴾ أي إن يلقوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ويكونوا حرباً عليكم، ويمدوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالسب والشتم، ويتمنوا ارتدادكم وكفركم بربكم ورجوعكم إلى الكفر، فهم يحرصون على ألا تنالوا خيراً، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ !! وهذا كما سبق تهييج على عداوتهم أيضاً. ثم ذكر الله تعالى أن رابطة الدين والإيمان أوثق وأولى وأنفع من رابطة القرابة والولاء، فقال: ﴿لَنْ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَ أَوْلَكُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا نَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) أي لن تفيدكم يوم القيامة أقاربكم وأولادكم، حتى توالوا الكفار لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة سبب النزول، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار وترك موالاتهم وتوثيق عرى الإيمان وأخوة الدين، ففي الآخرة يفرّق الله بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار، والله مطلع على أعمالكم، ومجازيكم عليها خيراً أو شراً. والمقصود أن القرابة لا تنفع عند الله تعالى، إن أراد الله بكم سوءاً، ولن ٤٩٩ الزُ (٢٨) - المُتَحِنَّةِ: ٦٠ /١-٣ يصل نفعهم إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضلَّ عمله، ولا تنفعه عند الله قرابة من أحد، ولو كان قريباً إلى نبي من الأنبياء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِىِ الصُّورِ فَلَّ أَنْسَابَ ﴾ [المؤمنون: ١٠١/٢٣] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يِفِرُّ ١٠١ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَلَءَ لُونَ وَصَحِبَتِهِ، وَبِهِ ﴿٣) لِكُلِّ آمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ ٣٥ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ٣٤ اُلْزَهُ مِنْ أَخِهِ [عبس: ٣٤/٨٠-٣٧] فالمودة لا تنفع في القيامة إذا لم تكن في الله يُغْنِهِ (َ﴾ لانفصال كل اتصال يومئذ، ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم. روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا، دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار)). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - تحريم موالاة الكفار ومناصرتهم ومعاونتهم بأي وجه من الوجوه، والسورة أصل في النهي عن موالاة الكفار، ولو في الظاهر، مع عدم الرضا في القلب بالاعتقاد الذي هم عليه. ٣ - من كثر تطلعه على عورات المسلمين والتجسس عليهم ونقل أخبارهم للأعداء، لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله لغرض دنيوي، وكان اعتقاده سليماً، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الرِّدة عن الدِّين. ٣- اختلف العلماء في قتل الجاسوس، فقال مالك والأوزاعي في شأن المعاهد والذمي: يجوز قتله؛ لأنه يصير ناقضاً للعهد. وقال الجمهور: لا ينتقض عهد المعاهد بذلك، أما الذمي فرأى الحنابلة: أنه ينتقض عهده بدلالة أهل الحرب المشركين على أسرارنا. وذهب الشافعية: إلى أنه لا ينتقض عهد الذمي بالتجسس إلا إذا شرط عليه انتقاض عهده بذلك. ٥٠٠ لُ (٢٨) - المُتَحْنَةِ: ٦٠ /١-٣ وأما الجاسوس المسلم: فقال كبار المالكية: إنه يقتل. وقال الجمهور: لا يقتل، بل يعزّره الإمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما. ودليل الفريقين قصة حاطب، فإن الفريق الأول قالوا: أقر النبي رَّ عمر رضي الله عنه على إرادة القتل لولا وجود المانع: وهو شهود بدر. وقال الفريق الثاني: إن الرسول وَ لولم يقتل حاطباً؛ لأنه مسلم، وروي عن علي رضي الله عنه أن النبي ◌ََّ أَتي بعَيْن (جاسوس) للمشركين اسمه فُرَات بن حَيَّان، فأمر به أن يُقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أُقتلُ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله! فأمر به النبي ◌َِّ، فخلّ سبيله، ثم قال: ((إن منكم من أَكِلُه إلى إيمانه، منهم فُرات بن حيَّان)) . ٤- ذكرت الآيات خمسة أسباب لتحريم موالاة الكفار، وهي الكفر بالله تعالى والرسول ◌َّة، وإخراج الرسول وَلخير والمؤمنين من ديارهم وأموالهم في مكة، وعداوتهم ومحاربتهم للمؤمنين، وقتالهم إياهم وضربهم فعلاً، وسبهم وشتمهم، وحرصهم علی کفرهم بمحمد ۇ. ٥- حذر الله تعالى من مخالفة نهيه عن موالاة الأعداء بأمرين: أولهما - أنه سبحانه الأعلم بما تخفي الصدور، وما تظهر الألسن من الإقرار بالله وتوحيده. وثانيهما - أن من يوالي الكفار ويسرّ إليهم ويكاتبهم من المسلمین، فقد ضل سواء السبيل، أي أخطأ قصد الطريق. أَ- قوله سبحانه: ﴿ُشِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي بالنصيحة في الکتاب إلیھم، هو معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله وقلقه وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محبٍّ لحبيبه. لاً- الذي يفيد الإنسان يوم القيامة هو الإيمان الصحيح والعمل الصالح، أما الأهل والأولاد أو أصحاب القرابات أو الأنساب، فلا ينفعون شيئاً يوم القيامة، إن عُصِيَ الله عز وجل من أجل ذلك، والله بصير بأعمال عباده، ويجازيهم عليهاَ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.