النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ◌ِلُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ١٢-١٣ وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي حين لم تفعلوا ما أمركم به من الصدقة قبل النجوى لثقلها عليكم، ورخص الله لكم في الترك، والمناجاة من غير صدقة، فثابروا واثبتوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله تعالى ورسوله وَلجر، والله خبير محيط بأعمالكم كلها ظاهرها وباطنها، فمجازيكم عليها. والإشفاق: الخوف من المكروه. قال قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله وَله حتى أحفوه بالمسألة، فقطمهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله وَّرَ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدِّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك. وليس في الآية إشارة إلى وقوع تقصير من الصحابة في تقديم الصدقة، فقد يكون عدم الفعل؛ لأنهم لم يناجوا. ولا يدل أيضاً قوله: ﴿ وَتَابَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ على أنهم قصروا؛ لأن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفاً، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يأتي: ١ - أوجب الله تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول وَله، تعظيماً لنبيه وتخفيفاً عنه من كثرة الأسئلة، ثم خفف الله عن الأمة، ورفع التكليف. والظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة، فقد تصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما تقدم، ولم يوجد مقتضٍ للمناجاة لدى بقية الصحابة الذين تريثوا وفهموا علة التكليف. . ٤٢٢ الُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١٤-١٩ وكان التكليف مقصوراً على الأغنياء؛ لأنه تعالى جعل الصدقة بالمال خيراً من إمساكها، وأطهر لقلوبهم من المعاصي والذنوب، فإن لم يجد الواحد ما یتصدّق به، فإن الله غفور له، رحيم به. أَ - عَلِم الله تعالى ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل، مع كثرة المسائل، لو دام الوجوب، فخفف الله عنهم، وأمر بمتابعة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله تعالى في فرائضه، ورسوله وَّل في سننه، والله محيط بأعمال عباده ونياتهم. حال المنافقين الذين يوالون غير المؤمنين أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحِلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًاً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿ لَّنْ تُغْنِىَ ١٥ عَنْهُمْ أَمْوَلهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَّ إِنَّهُمْ هُمُ اُلْكَذِبُونَ اُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزَّبُ الشَّيْطَنِ أَلَّ ١٩ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ القراءات: ﴿ وَيَحْسَبُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة (يَحْسَبُون)، وقرأ الباقون (يَحْسِبُون). الإعراب: ﴿َّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ جملة حالية من فاعل ﴿تَلَّوْ﴾ أو استئنافية، والمعنى واحد، ويصح جعلها صفة لقوم. ٤٢٣ الزُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١٤-١٩ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ (جَمِيعًا﴾ منصوب على الحال من الهاء والميم في ﴿يَبْعَثُّهُمُ﴾ وهو عامل الحال. البلاغة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم﴾ استفهام يراد منه التعجيب. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و﴿يَعْمَلُونَ﴾ جناس ناقص لتغير الرسم. ﴿أُوْلَئِكَ حِزُبُ الشَّيْطَنِ أَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ ثُمُ الْخَبِرُونَ﴾ و﴿ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة. ﴿أَلَا﴾ ﴿إِنَّ﴾ ﴿ُمُ﴾ في الجملتين السابقتين، تأكيدات متنوعة تفيد التقبيح في الأولى، والتحلية في الثانية. ﴿ يَعْمَلُونَ﴾، ﴿خَلِدُونَ﴾، ﴿اُلْكَذِبُونَ﴾، ﴿اَلْخَصِرُونَ﴾، توافق الفواصل في الحرف الأخير. المفردات اللغوية: ﴿أَمْ تَرَ﴾ تنظر أو أخبرني، وهو أسلوب يراد به التعجيب للمخاطب من حال هؤلاء المنافقين. ﴿الَّذِينَ تَلَوْ﴾ والوا وودوا وأحبوا، وهم المنافقون. ﴿قَوْمًا﴾ هم اليهود. ﴿غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم﴾ سخط. ﴿مَا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك. ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ﴾ وهو ادعاء الإسلام وأنهم من المؤمنين . ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون فيه أي في المحلوف عليه. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ نوعاً من العذاب متفاقماً. ﴿إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي التي تمرنوا عليها وأصروا على فعلها. ﴿أَتَّخَذُواْ أَيْمَهُمْ﴾ أي التي حلفوا بها. ﴿جُنَّةٌ﴾ وقاية وستراً على أنفسهم من المؤاخذة. ﴿فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صدوا بأيمانهم الناس عن دين الله بالتحريش والتثبيط. ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم، وهو أنه ذو إهانة. ٤٢٤ لُ (٢٨) - المجَاد لةّ: ٥٨ / ١٤-١٩ ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ من عذابه. ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ أي اذكر لهم ذلك اليوم. ﴿فَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أنهم مؤمنون. ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا. ﴿ اُسْتَحْوَذَ﴾ استولى عليهم وأحاط بهم وغلب على عقولهم. ﴿حِزْبَ الشَّيْطَانِ﴾ أعوانه وأتباعه وأنصاره. سبب النزول: نزول الآية (١٤): ﴿ أَلَمْ تَرَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السدي ومقاتل في قوله: ﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَولَوْ قَوْمًا﴾ الآية، قال: بلغنا أنها نزلت في عبد الله بن نَبْتَل المنافق، كان يجالس النبي وَّ، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله وَيقول في حجرة من حُجَره، إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبَّار، وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق، فقال له رسول الله وَلاير: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال له النبي وَلَّه: فعلتَ، فانطلق، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبّوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. نزول الآية (١٨): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: أخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَلله في ظل حجرة، وقد كاد الظل يتقلص، فقال: إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم، لا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور، فدعاه رسول الله وَله، فقال له حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال: ذرني آتك بهم، فانطلق، فدعاهم، فحلفوا له ما قالوا وما فعلوا، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَحْلِفُونَ لَهُرْ كَمَا يَحِلِفُونَ تَكُمْ﴾ الآية. ٤٢٥ اِلُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ١٤-١٩ المناسبة: بعد أمر المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة النبي يتهم تخفيفاً عنه في طول مجالسته وكثرة التردد عليه، ذكر الله تعالى حال جماعة من المنافقين كانوا يتولون اليهود ويودونهم، ويطلعونهم على أسرار المؤمنين، وهم في الواقع لا مع الكفار ولا مع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مُذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ ﴾ [النساء: ١٤٣/٤]. ١٤٣ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وقد أنذرهم الله بالعذاب، وأبان بواعث أفعالهم واستيلاء الشيطان على عقولهم، فهم أتباع الشيطان وأنصاره. التفسير والبيان: ﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَولَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم ◌َّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ أي أخبرني عن حال هؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود ومالؤوهم في الباطن، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين، فموقفهم يستدعي التعجب، لذا سخط الله عليهم، وهم في الواقع، لا مع المؤمنين ولا مع اليهود، أي ليسوا في الحقيقة منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم، وهم اليهود. ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي واتخذوا الأيمان الكاذبة ستاراً لهم، فهم يحلفون أنهم مسلمون، أو ما نقلوا الأخبار إلى اليهود، وهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له. ثم أنذرهم تعالى بالعذاب الشديد، فقال: أى هيأ الله ١٥ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًاً إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( لهم، وأرصد لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشّهم، وساء ما فعلوا من الأعمال القبيحة في الزمان الماضي، ومصرّين على سوء العمل. ٤٢٦ الجُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١٤-١٩ ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (4) أي أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، واتخذوها وقاية وستراً لدمائهم، فخدع بهم بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة أمرهم، وظنوا صدقهم، فحصل بهذا صدّ عن سبيل الله، بأن منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، فلهم عذاب يلازمه الذل والهوان في نار جهنم بسبب أيمانهم الكاذبة بالله تعالى، وفي مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الجانثة. ثم ذكر الله تعالى مدى إفلاسهم يوم القيامة، فقال: ﴿لَّنْ تُغْنِّىَ عَنْهُمْ أَمْوَلَهُمْ وَلَ أَوْلَدُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئَّأْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣) أي لن تفيدهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله، شيئاً من الإفادة، وأولئك الموصوفون بهذه الصفات هم أهل النار، لا يفارقونها، وماكثون فيها، لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ أي اذكر لهم أيها النبي حين يبعثهم الله جميعاً من قبورهم أحياء، ويحشرهم يوم القيامة عن آخرهم، فلا يغادر منهم أحداً، فيحلفون بالله عز وجل أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يخلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه، وبعث عليه، ويظنون أن ذلك ينفعهم عند الله، كما كان ينفعهم عند الناس. وهذا من شدة شقاوتهم، فإن الحقائق يوم القيامة قد انكشفت. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ أي ويظنون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً، كما كانوا يظنون ذلك في الدنيا، ألا إنهم بهذا التصور هم الكاذبون أشد الكذب فيما يحلفون علیه. ٤٢٧ الُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١٤-١٩ وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَئُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُواْ وَالَّهِ رَيْنَ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمَّّ: ﴾ [الأنعام: ٢٣/٦-٢٤]. وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَفْتُونَ (® ثم ذكر الله تعالى سبب ضلالهم، فقال: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزُبُ الشَّيْطَّنِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَيِنِ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ أي استولى عليهم وأحاط بهم وغلب على عقولهم، فتركوا أوامر الله والعمل بطاعاته، أولئك جنود الشيطان وأتباعه ورهطه، إلا إن أعوان الشيطان هم الخاسرون الهالكون؛ لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلالة، وكذبوا على الله وعلى نبيه، وحلفوا الأيمان الفاجرة، فسوف يخسرون في الدنيا والآخرة، وليس العاقل من يقبل هذا ويرتضيه لنفسه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - تحرم موادّة الكافرين أعداء المؤمنين، وإطلاعهم على أسرار المسلمين، ومؤازرتهم ونصحهم. ◌َ - ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين، بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم. ٣- لهؤلاء المنافقين عذاب شديد في جهنم، وهو الدَّرْك الأسفل من النار، وبئست الأعمال أعمالهم. ٤- اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم ◌ُنَّة أو ساتراً ووقاية لهم من القتل، فلهم عذاب ذو إهانة في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. ٥- لن تفيدهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. ٤٢٨ الزرعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٢٠-٢٢ ٦- لهم عذاب مهين يوم بعثهم من قبورهم وحشرهم يوم القيامة. لاً- إنهم يغالطون باليمين مغالطة ظاهرة، ظانين أن الأيمان الكاذبة تنفعهم في الآخرة كما تنفعهم في الدنيا، وهم يحسبون أنهم على شيء من النفع بإنكارهم وحلفهم، وهم في الواقع كاذبون، والمراد: أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف. ٨- لقد غلب الشيطان عليهم بوسوسته في الدنيا، مما أدى بهم إلى ترك أوامر الله والعمل بطاعته، وهم رهط الشيطان وطائفته، وحزب الشيطان هم الخاسرون في بيعتهم؛ لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة. كيا الله جزاء المعادين لله تعالى والرسول وعَليلة والوعد بنصر المؤمنين وتحريم موالاة الأعداء كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ فِى الْأَذَلِّينَ أَنَا وَرُسُلِّيَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿٨َ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ ٢٢ عَنَّةً أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ القراءات: ﴿ وَرُسُلِىَّ إِنَّ﴾: وقرأ نافع، وابن عامر (ورسليَ إن). ﴿قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَانَ﴾: قرئ: ٤٢٩ الزرع (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٢٠-٢٢ ١- (قلوبهم) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (قلوبهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٣- (قلوبهِمُ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَرَ﴾ ﴿كَتَبَ﴾: أجري مجرى القسم، لذا أجيب بجواب القسم في قوله: ﴿لَأَعْلِبَنَ﴾. ﴿وَرُسُلِىّ﴾: في موضع رفع بالعطف على الضمير في ﴿لَأَغْلِيَنَ﴾. وإنما جاز العطف على الضمير المرفوع المستتر لتأكيده بقوله: ﴿أَنَا﴾. وإذا أكد الضمير المنفصل أو المستتر، جاز العطف عليه. ﴿فِى الْأَذَلِّينَ﴾ هي أفعل التفضيل. البلاغة: ﴿ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ﴾ مجاز مرسل؛ لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية. المفردات اللغوية: ﴿يُحَآَدُّونَ﴾ يعادون ويخالفون ويشاقون، فهم في حد، والشرع والهدى في حد. ﴿فِى الْأَذَلِّينَ﴾ في جملة المغلوبين أذل خلق الله. ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ قضى وحكم . ﴿لَأَغْلَنَ﴾ بالحجة والقوة. ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اُلْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﴿يُوَآَذُونَ﴾ يصادقون، أي لا ينبغي أن تجدهم وادّين أعداء الله، والمراد: أنه لا ينبغي لهم أن يوادّوهم. ﴿وَلَوْ كَانُوْ ءَبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ولو كان المحادّون أقرب الناس إليهم . ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي الذين لم يوادّوهم. ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمَنَ﴾ أثبت الإيمان في قلوبهم، وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان؛ لأن أعمال الأعضاء لا تثبت في القلب. ٤٣٠ الُرُ (٢٨) - المجادلةّ: ٥٨ / ٢٠-٢٢ ﴿ وَأَيَّدَهُم﴾ قواهم. ﴿بِرُوجِ مِنْهُ﴾ أي بنور من عند الله يقذفه في القلوب، لتطمئن وتسكن. ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بطاعته. ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بثوابه الذي وعدهم به. ﴿أُوْلََّبِّكَ حِزَبُ اللَّهِ﴾ جنده وأنصار دينه، يتبعون أمره ويجتنبون نهيه. ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بخير الدارين. سبب النزول: نزول الآية (٢١): (كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَ﴾: قال مقاتل: لما فتح الله مكة للمؤمنين والطائف وخيبر وما حولها، قالوا: نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي: أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك؟ فنزلت: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِىَّ﴾. نزول الآية (٢٢): ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا﴾: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن ابن عباس عن عبد الله بن شَؤْذَب قال: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ الآية. وأخرجه الطبراني والحاكم في المستدرك بلفظ: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر، قصده أبو عبيدة، فقتله، فنزلت. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: حُدِّثت أن أبا قحافة سبّ النّبي وَاليه، فقال: فصكّه أبو بكر صكّة، فسقط، فذكر ذلك للنّي وَّ، فقال: أفعلت يا أبا بكر؟ فقال: والله لو كان السيف قريباً مني لضربته به فنزلت: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية. ٤٣١ المُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٢٠-٢٢ وقال الرازي، إن الأكثرين اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا﴾ نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النّبي ◌َّة إليهم، لما أراد فتح مكة. المناسبة: بعد بيان سوء حال المنافقين في الآخرة وخسارتهم الكبرى، أبان الله تعالى سبب خسارتهم وهو مشاقّة الله تعالى ورسوله وله ومخالفة أوامرهما، ثم أخبر عن قضائه المبرم في نصر الرسل وهزيمة أعدائهم، ثم ذكر أن الإيمان لا يجتمع مع وداد أعداء الله وموالاتهم؛ لأن من أحبّ أحداً، امتنع أن يحب مع ذلك عدوه. التفسير والبيان: أى إن الكفار ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ فِ آلْأَذَلِينَ المعاندين المخالفين أوامر الله ونواهيه، والذين يجانبون الحق ويعادون الإسلام، يجعلون أنفسهم في حد، وشرع الله ورسوله في حد آخر، هم في جملة المغلوبين وفي جملة من هم أذلّ خلق الله تعالى، لا ترى أحداً أذلّ منهم، سواء في الدنيا بالقتل والأسر والطرد من الديار، كما حصل للمشركين واليهود، وفي الآخرة بالخزي والنكال والعذاب، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ (g)﴾ [آل عمران: ١٩٢/٣]. وهذ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلِّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ إنذار بهزيمة أعداء الله، والآية جملة استئنافية لتعليل خسرانهم. (4) أي حكم الله ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِيَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ وقضى في سابق علمه الأزلي أن الله ورسله هم الغالبون بالحجة والسيف ونحوهما، إن الله قوي على نصر رسله، غالب لأعدائه، وهذا- كما قال ابن كثير- قدر محكم، وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة. ٤٣٢ الجزء (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٢٠-٢٢ وهذا بشارة بنصر المؤمنين على الكافرين، وقد تحقق ذلك مراراً، فنصر رسله الكرام على أقوامهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم ممن مضى، ونصر رسوله محمد سليم ومن آمن معه على المشركين في الجزيرة العربية، وعلى دولتي الروم والفرس. إِنَّهُمْ لَهُمُ ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ وَإِنَّ جُنَدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ اٌلْمَنْصُورُونَ [الصافات: ١٧١/٣٧- ١٧٣]. ثم بيَّن الله تعالى شأن المؤمنين في أنهم لا يوادون أعداء الله، فقال: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي لا ينبغي للمؤمنين بالله واليوم الآخر أن يحبوا ويصادقوا ويوالوا من عادى الله تعالى ورسوله وَل وشاقهما، ولو كان المحادّون المعادون لله تعالى ورسوله قال﴾ أقرب الناس إليهم، كالآباء الذين يجب بِرُّهم وطاعتهم، والأبناء فِلْذات الأكباد، والإخوان الناصرين لهم، والعشيرة أو القبيلة التي ينتمون إليها ويتآزرون بها. أخرج الترمذي والحاكم والطبراني مرفوعاً: ((يقول الله تبارك وتعالى: وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي، ويعاد أعدائي)) . وأخرج أحمد وغيره عن البراء بن عازب مرفوعاً: ((أوثق الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله)). وأخرج الديلمي من طريق الحسن عن معاذ قال: قال رسول الله وَله : ((اللهم لا تجعل لفاجر - وفي رواية: ولا لفاسق- علي يداً ولا نعمة، فيودّه قلبي، فإني وجدت فيما أوحيْتَ إلي: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾)) . ثم بَيَّن الله تعالى سبب الامتناع من موادّة الأعداء وجزاء الممتنعين، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهٌ وَيُدْسِلُهُمْ ٤٣٣ الُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٢٠-٢٢ جَنَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي أولئك الذين لا يوادّون من حادّ الله تعالى ورسوله وَلّ أثبت الله الإيمان الصحيح في قلوبهم، وقواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمي نصره لهم روحاً؛ لأنه به يحيا أمرهم، ويدخلهم الجنان التي تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ماكثين فيها على الأبد، وقد قبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة، وفرحوا بما أعطاهم عاجلاً وآجلاً. ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهُ أَلَا إِنَّ حِزَّبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي أولئك أنصار الله وجنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، ألا إن هؤلاء الأنصار هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي من الموضوعات الأربعة: اً - إن الكفار المعاندين الذين يشاقون الله تعالى ورسوله ◌َّلة، ويعادون شرع ربهم، وسنة رسولهم، من جملة الأذلاء، فلا أذلّ منهم. ◌َ - قضى الله وحكم في اللوح المحفوظ أنه سيغلب أعداءه بالحجة والسيف ونحوهما، فمن تهيأ للحرب غلب بالحرب،. ومن استعد للحجة والبيان غلب بالحجة. ◌َّ- لا يجتمع الإيمان الحق مع وداد أعداء الله؛ لأن من أحب أحداً، امتنع أن يجب مع ذلك عدوه، حتى ولو كان الأعداء من الأقربين، ومن أنعم الله عليه بنعمة الإيمان العظمى، كيف يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء الله؟! ٤ - وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين المجتنبين مصادقة الأعداء بأن الله غرس . الإيمان في قلوبهم، وأيدهم بنصر من عنده، ثم بيَّن جزاءهم الأخروي وهو دخول الجنان مع الخلود فيها، والحظوة برضوان الله وثوابه، والفرح بما ٤٣٤ الجُرع (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٢٠-٢٢ أمدهم الله به من النعم في الدنيا والآخرة من نصر ورزق وخير، ونور وإيمان وبرهان وهدى، وجنان، ثم وصفهم الله بأنهم حزب الله الغالب، وحزب الله هم المفلحون الفائزون، وهذا المعنى الأخير بيان لاختصاص هؤلاء بسعادة الدنيا والآخرة. والخلاصة: ذكر الله أربع نعم على من ترك موادة الأعداء وهي: أولاً - إثبات الإيمان في قلوبهم. ثانياً - تأييدهم بروح من عند الله، أي بنصرهم على عدوهم، وبروح من الإيمان. ثالثاً- إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها. رابعاً- ينعمون بنعمة الرضوان، ويفرحون بما أعطاهم الله تعالى. وذكر الله تعالى أيضاً أربعة أمور توجب ترك المودة وهي: أولاً - إن الإيمان ومودة الأعداء لا يجتمعان في القلب. ثانياً- نفورهم من موادة الأعداء، ولو كانوا من الأقربين: ﴿وَلَوَّ كَانُواْ ءَبَآءَهُمْ﴾ إلخ. ثالثاً- إنه تعالى عدَّد نعمه على المؤمنين، وهي توجب ترك مودة أعداء الله: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ﴾ إِلَخْ. رابعاً - وصفهم بأنهم حزب الله الغالب: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الَّهُّ أَلَاّ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤٣٥ الُ (٢٨) السورة (٥٩) الحُشْرِ بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ الحُشْرِ مدنية، وهي أربع وعشرون آية تسميتها: سميت سورة الحشر؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِ﴾ أي الحشر الأول وهو الجمع الأول الذي حشروا فيه وأخرجوا في عهد النبوة من المدينة إلى بلاد الشام، والحشر الثاني: إجلاؤهم وإخراجهم في عهد عمر من خيبر إلى الشام. وتسمى أيضاً سورة بني النضير، لا شتمالها على قصة إجلاء يهود بني النضير، في غزوة بني النضير، وهم اليهود الذين نقضوا العهد مع النبي ێآ، فأجلاهم عن المدينة المنورة. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة: اً - ذكر في السورة السابقة من حادّ الله تعالى ورسوله ◌َل﴿، ومن قَتَل من الصحابة أقرباءه يوم بدر، وفي أول هذه السورة ذكر من شاقّ الله تعالى ورسوله وَر، وما جرى بعد غزوة بني النضير من إجلاء اليهود، وقد حدثت الغزوة بعد بدر. ٤٣٦ الُ (٢٨) السورة (٥٩) الخُشْرِ أَ- أخبر الله في آخر السابقة عن نصر الرسل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَّا وَرُسُلِيَّ﴾ وأفاد في أول هذه إنجاز النصر على اليهود: ﴿فَأَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَفَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ﴾. ٣ - كشف الله في السورة المتقدمة حال المنافقين واليهود وموادة بعضهم بعضاً، وذكر في هذه السورة ما حلّ بيهود بني النضير. ما اشتملت عليه السورة: سورة الحشر كسائر السور المدنية عنيت بالأحكام التشريعية، مثل إجلاء يهود بني النضير من المدينة، وأحكام الفيء والغنائم، والأمر بالتقوى. كما أن فيها تحليلاً لعلاقة المنافقين باليهود، وبيان عظمة القرآن، وإيراد بعض أسماء الله الحسنى. افتتحت السورة بتنزيه الله نفسه عن كل نقص وتمجيده من جميع ما في الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد، وشهادتهم بوحدانيته وقدرته، والنطق بعظمته. وأردفت ذلك بالإشارة بالنصر على أعداء الله تعالى والرسول وَليلة، وإجلاء يهود بني النضير من المدينة المنورة، وتهديم قلاعهم وحصونهم. ثم أبانت حكم الفيء وهو الأراضي والدور والأموال الآيلة من العدو للمسلمين من غير قتال، ببيان مصارفه وتوزيعه على مختلف فئات المسلمین، وحكمة ذلك التوزيع. وفي أثناء آيات الفيء امتدح الله تعالى مواقف المهاجرين، وأشاد بمآثر الأنصار، وانتدب الذين جاؤوا من بعدهم للثناء على من سبقهم والدعاء لهم بالمغفرة. ٤٣٧ الُعُ (٢٨) السورة (٥٩) الخُشْرِ وقارن ذلك بعلاقة المنافقين باليهود، وتحالفهم على الباطل، وكشف أخلاق الفريقين، ومنها خذلان المنافقين من يحالفونهم وقت الأزمة، وجبن اليهود وخوفهم من مواجهة المؤمنين، وتشبيه المنافقين بالشيطان الذي يغري الإنسان بالسوء والضلال، ثم يتخلى عنه في الوقت العصيب. ثم أمر الله المؤمنين بالتقوى، والاستعداد ليوم القيامة وما فيه من أهوال جسام، والاعتبار بأحوال الماضين، وتذكر الفرق العظيم بين أهل الجنة وأهل النار، ومصير السعداء والأشقياء في دار الخلود. وختمت السورة ببيان عظمة القرآن الكريم، وعظمة من أنزله واتصافه بأوصاف الجلال، وتسميته بالأسماء الحسنى. سبب نزول السورة: روى سعيد بن منصور والبخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النضير، وفي رواية: سورة بني النضير. وقال ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد: كان رسول الله وَلآت، لما قدم المدينة، هادنهم وأعطاهم عهداً وذِمّة على ألا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحلّ الله بهم بأسه، الذي لا مرد له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصدّ، فأجلاهم النّبي ◌َّرَ، وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئاً، وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، وسيَّرهم رسول اللـه وهلر وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذْرِعَات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ ٤٣٨ اِلُ (٢٨) السورة (٥٩) المُشْرِ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِىِ اْأَبْصَرِ﴾ أي تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله تعالى، وخالف رسوله وَل﴿، وكذب كتابه، كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من العذاب الأليم(١). فضل السورة: أخرج الثعالبي عن ابن عباس أن رسول الله وج له قال: ((من قرأ سورة الحشر، لم يبق شيء من الجنة والنار والعرش والكرسي والسماوات والأرض والهوامّ والريح والسحاب والطير والدوابّ والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلّوا عليه، واستغفروا له، فإن مات من يومه أو ليلته، مات شهيداً)) . وأخرج الثعالبي أيضاً عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله ◌َ لال قال: (( من قرأ آخر سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ - إلى آخرها - فمات من ليلته، مات شهيداً)) (٢). وأخرج أحمد والترمذي عن مَعْقِل بن يسار قال: قال رسول الله ◌َله: ((من قال حين يُصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكّل الله به سبعين ألف مَلك يصلّون عليه حتى يُمسيَ، وإن مات في يومه، مات شهيداً، ومن قرأها حين يمسي، فكذلك)) قال الترمذي: حديث حسن غريب. (١) تفسير ابن كثير: ٣٣٠/٤ (٢) تفسير القرطبي: ١/١٨ ٤٣٩ الُعُ (٢٨) - الخُشْرِّ: ٥٩ / ١-٥ إجلاء يهود بني النضير ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿﴿ هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْنَسِبُواْ وَفَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الذُّنْيَأُ وَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ ٢ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ شَاقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ آلنَّارِ مَا قَطَعْتُم مِّن لِبِنَةٍ أَوْ تَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىَّ أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٤ اُلْفَاسِقِينَ القراءات: ﴿قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ﴾: قرئ: ١- (قلوبِهِم الرُّغْب) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (قلوبهِمُ الرُّعُب) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (قلوبُهُمُ الرُّعُب) وهي قراءة الكسائي. ٤- (قلوبهُمُ الرُّغْب) وهي قراءة حمزة وخلف. ٥- (قلوبِهِمُ الرُّغْب) وهي قراءة الباقين. يُخْرِبُونَ﴾ : وقرأ أبو عمرو (يُخَرِّبون). ﴿يُوتَهُم﴾ : ٤٤٠ لُعُ (٢٨) - الخُشْرِّ: ٥٩ /١-٥ قرأ قالون، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وابن كثير: بكسر الباء، وقرأ الباقون بضمها. الإعراب: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُوْنُهُم مِّنَ اُللَّهِ﴾ في الجملة فعل الظن مكرر، وإنما أتى بـ (أن) الخفيفة والثقيلة بعد الظن؛ لأن الظن يتردد بين الشك واليقين، فتارة يحمل على الشك، فيؤتى بالخفيفة، وتارة يحمل على اليقين، فيؤتى بالثقيلة. و﴿حُصُونُهُم﴾: مرفوعة باسم الفاعل: ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾ لأن اسم الفاعل جرى خبراً لـ (أنَّ) فوجب أن يُرفع ما بعده. البلاغة: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾ بين ﴿مَا ظَنْتُمْ﴾ و﴿ وَظَنُّواْ﴾ ما يسمى بطباق السلب. المفردات اللغوية: ﴿سَبَّعَ لِلَّهِ﴾ نزهه وقدسه، ولام ﴿اللَّهِ﴾ مزيدة. ﴿مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اْأَرْضِ﴾ أتى بـ ﴿مَا﴾ تغليباً للأكثر. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب في ملكه. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في صنعه، يضع الأشياء في موضعها المناسب لها. ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يهود بني النَّضير، وهم إحدى قبائل اليهود الثلاث الكبرى في المدينة بجوار بني قريظة وبني قينقاع. ﴿مِن دِيَرِهِمْ﴾ مساكنهم في المدينة. ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ﴾ أي عند الحشر الأول أو أول حشرهم، والحشر الأول: الجمع والإخراج والجلاء من المدينة ونفيهم إلى بلاد الشام، والحشر الآخر: إجلاء عمر إياهم في خلافته من خيبر إلى الشام . ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ﴾ ما ظننتم أيها المؤمنون خروجهم؛ لشدة بأسهم ومنعتهم. ﴿وَظَنُواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾ أي وتأكدوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وعذابه،