النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
الُرعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٥-٧
أَ - يوم يبعث الله الرجال والنساء من أول عمر الدنيا إلى آخرها، من
قبورهم في حالة واحدة، يخبرهم بما عملوا في الدنيا، وقد أحصاه الله عليهم
في صحائف أعمالهم، بالرغم من نسيانهم له، ليكون أبلغ في الحجة عليهم،
والله مطّلع وناظر لا يخفى عليه شيء.
٣- لا يخفى على الله سر ولا علانية في السماوات والأرض، فكل ما
يكون من تناج أو سرار اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أقل أو أكثر من
ذلك العدد، يعلم به الله ويسمع نجواهم، كما دل عليه افتتاح الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ بالعلم، ثم ختمها بالعلم، وسمع الله محيط بكل كلام، وقد سمع
الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها، وعلمه شامل كل شيء؛ لأن علمه
علم قديم، فهو عالم بجميع المعلومات.
٤- أكد الله تعالى المذكور في الآية السابقة بأنه سيخبر يوم القيامة خلقه بما
عملوا من حسن وسوء؛ لأن الله عليم بجميع الأشياء، والمراد به أنه يحساب
الناس على أعمالهم، ويجازيهم على قدر استحقاقهم. ودل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ على التحذير من المعاصي، والترغيب في الطاعات.
٥- المراد من كونه تعالى رابعاً للثلاثة، وسادساً للخمسة وكونه معهم:
كونه تعالى عالماً بكلامهم وضميرهم وسرهم وعلنهم، وكأنه تعالى حاضر
معهم ومشاهد لهم، مع تنزيهه تعالى عن المكان والمشاهدة.
٤٠٢
الجزءُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٨-١٠
عقاب المتناجين بالسوء وآداب المناجاة في القرآن
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُوْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُوُدُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَجَوْنَ بِالْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوَكَ بِمَا لَوْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىّ
أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَُّ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿ يَأَيُّهَا
اَلَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَجَيْهُمْ فَلَ تَنَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِآلْبِرِ
وَالنَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
١٠
القراءات:
﴿ وَيَتَنَجَوْنَ﴾ :
وقرأ حمزة (وَيْنَتَجُون).
{ وَمَعْصِيَتِ﴾ :
كتبت بالتاء، ووقف عليها بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿فَبِئْسَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (فبيس).
﴿لِيَحْزُنَ﴾ :
وقرأ نافع (ليُخْزِن).
الإعراب:
مبتدأ وخبر،
هُمْ جَهَنَّمُ﴾
حَسْبُهُمْ جَهَّمُ يَصْلَوَّنَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿حَسْبُ
٤٠٣
الُرعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٨-١٠
و﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿جَهَنّمٌ﴾ وبئس
المصير: حذف المقصود بالذم، وتقديره: جهنم.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ تَرَ﴾ ألم تنظر. ﴿ الَّذِينَ نُهُوْ عَنِ النَّجْوَى﴾ هم اليهود والمنافقون كانوا
يتناجون فيما بينهم، أي يتحدثون سراً للتآمر على المؤمنين وإيقاع الريبة في
قلوبهم، فنهاهم رسول الله وَّل، ثم عادوا لمثل فعلهم. ﴿بِالْإِثْمِ﴾ بما هو
معصية وذنب . ﴿وَالْعُدْوَنِ﴾ الاعتداء على غيرهم. ﴿ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ التواصي
بمخالفة الرسول وَاله . ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أي إذا جاؤوك
أيها النبي قالوا: السام عليك، أي الموت، أو أنعم صباحاً، والله تعالى
يقول: ﴿وَسَلَهُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىَّ﴾ [النمل: ٥٩/٢٧]. و﴿حَيَّوْكَ﴾
خاطبوك بالتحية، والتحياتٍ لله: أي البقاء. ﴿ وَيَقُولُونَ فِىِّ أَنفُسِهِمْ﴾ أي فيما
بينهم ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ هلا يعذبنا بسبب ذلك، أي بالتحية لو كان
محمد نبياً. ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَُّ﴾ عذاب جهنم كافٍ لهم . ﴿يَصْلَوْنَها﴾ يدخلونها
ويقاسون حرّها. ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنم.
﴿فَلاَ تَذَنَجَوْ بِآلْإِنْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ كما يفعله المنافقون. ﴿وَتَنَجَوْ بِأَلْبِرِّ وَالنَّقْوَىّ﴾
بما يتضمن خير المؤمنين واتقاء معصية الرسول وَله. ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ.
تُخْشَرُونَ﴾ فيما تأتون وتذرون، فإنه مجازيكم عليه، و﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون.
﴿إِذَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾ النجوى بالإثم والعدوان من الشيطان، فإنه
المزين لها والدافع إليها . ﴿لِيَحْزُنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ليوقعهم بتوهمه في الحزن.
﴿ وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا﴾ أي وليس الشيطان بضارّ المؤمنين. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
بمشيئته . ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فليفوضوا الأمر إليه، ولا يبالوا
بنجواهم.
٤٠٤
الْجُزْءُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /٨-١٠
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى﴾ : أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيَّان قال: كان بين
النبي وَّ﴿ وبين اليهود موادعة، فكانوا إذا مرّ بهم رجل من الصحابة، جلسوا
يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكرهه، فنهاهم
النبي ◌َّر عن النجوى، فلم ينتهوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ لُهُواْ عَنِ
النَّجْوَى﴾ الآية.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود
كانوا يقولون لرسول الله ◌َّليل: سام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم: ﴿لَوَلَا
يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، فنزلت الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾.
وقال ابن عباس ومجاهد: نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم كانوا
يتناجون فيما بينهم، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى
المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين
خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم
ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أصحابهم وأقرباؤهم، فلما طال ذلك
وكثر، شكوا إلى رسول الله ◌َلر، فأمرهم أن يتناجوا دون المسلمين، فلم
ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
نزول قوله تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحُبِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾
عن عائشة قالت: جاء ناس من اليهود إلى النبي وَل فقالوا: السام عليك
(١) أسباب النزول للنيسابوري: س ٢٣٣
٤٠٥
الُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٨-١٠
يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم، فقال رسول الله وله :
مَهْ، ياعائشة، فإن الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا التفحش، فقلت: يا رسول
الله، ألستُ أدري ما يقولون؟ قال: ألستِ ترين أردّ عليهم ما يقولون؟
أقول: وعليكم، ونزلت هذه الآية في ذلك: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ
بِهِ اللَّهُ﴾(١).
نزول الآية (١٠):
﴿ إِنَّمَا النَّجْرَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾: أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان المنافقون
يتناجون بينهم، وكان ذلك يغيظ المؤمنين، ويكبر عليهم، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا
النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد بيان علم الله بكل شيء، ومنه السر والنجوى، أبان الله تعالى حال
أولئك الذين نهوا عن النجوى وهم اليهود والمنافقون، ثم عودتهم إلى المنهي
عنه، وتحيتهم بالسوء للنبي ◌َّ، قائلين له: السام عليك، أي الموت، وتهديد
بدخول جهنم.
ثم ذكر تعالى آداب المناجاة من الامتناع عن التناجي بالإثم والعدوان، أي
بالمعصية والقبيح والاعتداء، وكل ما يؤدي إلى ظلم الغير، وضرورة التناجي
بالبر والتقوى، أي بالخير وما يتقى به من النار من فعل الطاعات وترك
المعاصي.
التفسير والبيان:
﴿أَمَ تَرَ إِلَى الَِّينَ نُهُوْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي ألم تنظر إلى
(١) المرجع والمكان السابق، والحديث رواه ابن أبي حاتم.
٤٠٦
لِزُرْعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /٨-١٠
الذين نهيتهم عن التناجي والمسارّة بالسوء، ثم عودتهم إلى ما نهيتهم عنه، وهم
اليهود والمنافقون كما ذكر في سبب النزول.
{ وَيَتَجَوْنَ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي ويتسارّون أو يتحدثون
فيما بينهم بما هو معصية وذنب كالكذب، واعتداء وظلم للآخرين وعدوان
على المؤمنين، وتواصٍ بمخالفة النبي ◌َلّ.
﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أي وإذا أتى إليك اليهود حيَّوك
بتحية سوء لم يحيِّك بها الله إطلاقاً، فيقولون: السام عليك، يريدون بذلك
السلام ظاهراً، وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبي ◌َّ: وعليكم.
روي في الصحيح لدى البخاري ومسلم عن عائشة: أن ناساً من اليهود
دخلوا على رسول الله وَلّ، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال وَلّى:
وعليكم، وقالت عائشة: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال
عليه الصلاة والسلام: يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفُحْش،
فقلتُ: ألا تسمعهم يقولون: السام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وأما
سمعت ما أقول: وعليكم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِبِّكَ
بِهِ اللَّهُ﴾ أي والله تعالى يقول: ﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىْ﴾ [النمل:
٥٩/٢٧] و﴿يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ و﴿ يَأَيُهَا النَّبِىُ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ فِىَ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي يفعلون هذا، ويقولون
فيما بينهم: لو كان محمد نبياً لعذبنا الله بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به،
فأجاب الله تعالى عن قولهم: بأن جهنم تكفيهم، كما قال سبحانه:
﴿حَسْبُهُمْ جَهَُّ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي يكفيهم عذاب جهنم عن
الموت الحاضر، يدخلونها، فبئس المرجع والمآل، وهو جهنم.
ثم ذكر الله تعالى آداب المناجاة حتى لا يكون المؤمنون مثل اليهود
٤٠٧
لُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٨-١٠
والمنافقين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَ تَنَجَوْ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ
وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي يا أيها المؤمنون الذين يقتضي إيمانكم امتثال أمر الله،
والابتعاد عن كل ما يتنافى مع الإيمان الصحيح، إذا تحدثتم سراً فيما بينكم،
فلا تفعلوا مثلما يفعل الجهلة من اليهود والمنافقين، من التناجي بالمعصية
والذنب، والاعتداء على الآخرين وظلمهم، ومخالفة النبي ◌َّ و قائد الأمة
ومنقذها من الضلالة.
﴿وَتَنَجَوْ بِالْبِ وَالنَّقْوَىِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ﴾ أي وتحدثوا بالطاعة
وترك المعصية، وبالخير واتقاء الله فيما تفعلون وتتركون، فإنكم إليه تجمعون
يوم القيامة للحساب، فيخبركم بأعمالكم وأقوالكم، ويحاسبكم عليها،
ويجازيكم بما تستحقون، قال : ((إذا کنتم ثلاثة، فلا یتناجی رجلان دون
الآخر، حتى تختلطوا بالناس، فإن ذلك يحزنه)(١).
ثم ذكر الله تعالى بواعث مناجاة الكفار بالسوء، فقال:
﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) أي إنما التناجي أو المسارّة بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وليه
من تزيين الشيطان وتسويله ووسوسته ليسوء المؤمنين، ولأجل أن يوقعهم في
الحزن بإيهامهم أنهم في مكيدة يكادون بها، وليس الشيطان أو التناجي الذي
يزينه الشيطان بضارّ المؤمنين شيئاً، إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي فلا يأبه المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلوا
على الله ربهم، بأن يكلوا أمرهم إليه، ويفوضوه في جميع شؤونهم، ويستعيذوا
بالله من الشيطان، ولا يبالوا بما يزينه من النجوى.
(١) رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه وعبد الرزاق عن ابن مسعود.
(٢) اللام للعهد، وهو التناجي بالإثم والعدوان، زينه الشيطان لأجلهم.
٤٠٨
الُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٨-١٠
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن شأن اليهود وديدنهم معاداة القيم والأنبياء، والتآمر والمكايد،
فتراهم يتناجون سراً بالإثم والعدوان، أي بالكذب والظلم، ويتواصون
بمخالفة الرسول وله، ويخرجون عن الآداب الاجتماعية المعروفة، فيحيون
النبي ◌َ﴿ بقولهم: السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهراً، وهم يعنون
الموت باطناً، فيجيبهم النبي وَّر بقوله: ((عليكم)) أو ((وعليكم)) وكانوا
يقولون: لو كان محمد نبياً لما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، وجهلوا أن
الباري تعالى حليم، لا يعاجل من سبّه، فكيف من سبّ نبيه؟!
وقد ثبت أن النبي وَ لو قال: ((لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له
الصاحبة والولد، وهو يعافيهم ويرزقهم)) .
واختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة، هل هو واجب كالرد على
المسلمين، فذهب ابن عباس والشعبي وقتادة إلى الوجوب، للأمر بذلك.
وذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك ليس بواجب، فإن رددت فقل عليك،
قال القرطبي: وما قاله مالك أولى اتباعاً للسنة، أخرج الترمذي عن أنس أن
النبي ◌َّه قال: ((إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت)).
٢ - أمر الله المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم بالبر والتقوى، أي بالطاعة
والعفاف عما نهى الله عنه، ونهاهم عن التناجي أي التسارر بالمعصية
والذنب، والاعتداء على الآخرين والظلم، فإنهم مجموعون في الآخرة إلى الله
الذي يجازيهم على ما قالوا وما عملوا.
◌ّ- إن الباعث على نجوى السوء من تزيين الشيطان، ليوقع المؤمنين في الهمّ
والحزن، وليوهمهم أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو أنهم متعرضون لمكايدة
۔۔
٤٠٩
الُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١١
الأعداء، والوقوع فريسة الأقوياء، ومحنة السوء، مع العلم بأن الشيطان لا
يضر أحداً بشيء إلا بمشيئة الله وتدبيره، وعلى المؤمنين أن يكلوا أمرهم إلى الله
ربهم القاهر القادر، ويفوضوا جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذوا به من
الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلَّط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد
وامتحاناً، ولو شاء لصرفه عنه.
٤ - من أدب الإسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود المتقدم:
((إذا كنتم ثلاثة .. )) ألاّ يتناجى أو يتحدث سراً اثنان أمام ثالث، حتى يجد
الثالث من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر؛ وذلك أنه كان يتحدث مع
رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له
وللأول: تأخرا، وناجى الرجل الطالب للمناجاة(١). ويستوي في ذلك كل
الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلاً؛ لوجود ذلك
المعنى في حقه؛ بل وجوده في العدد الكثير أوقع، فيكون بالمنع أولى، وإنما
خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم
جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب الجمهور، وسواء أكان التناجي في
مندوب أم مباح أو واجب، فإن الإساءة تشمله(٢).
أدب المجالسة في الإسلام
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ
لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنشُزُواْ يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِرٌ
(١) أخرجه الموطأ.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٩٥/١٧.
٤١٠
الجُزْءُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ١١
القراءات:
﴿قِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
﴿اَلْمَجَلِسِ﴾:
قرأ عاصم (المجالس)، وقرأ الباقون (المجلس).
﴿ انشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ﴾: قرئ:
١- (انشُزوا فانشُزوا) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص.
٢- (انشِزوا فانشِزوا) وهي قراءة الباقين.
البلاغة:
﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ الجملة الأخيرة
عطف خاص على عام تنويهاً بشرف العلماء، مع أنهم داخلون في المؤمنين.
المفردات اللغوية:
{تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ﴾ توسعوا فيها، وليفسح بعضكم عن بعض،
يقال: افسح عني، أي تنحَّ، وقرئ: ((في المجلس))، والمراد به الجنس. ﴿ يَفْسَح
اللَّهُ لَكُمْ﴾ يوسع الله لكم في رحمته، من المكان والصدر والرزق والجنة
وغيرها . ﴿انشُزُواْ﴾ انهضوا للتوسعة على القادمين، أو ارتفعوا في المجلس، أي
تنحوا من الموضع، ويقال: امرأة ناشز، أي منتحية عن زوجها .﴿فَأَنْشُرُواْ﴾
فانهضوا دون تباطؤ .﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ يعلي منزلتهم بالنصر
وحسن السمعة في الدنيا، والإيواء في غرف الجنان في الآخرة.﴿ وَالَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾ أي ويرفع العلماء منهم خاصة درجات في الكرامة وعلوّ
٤١١
الْجُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١١
المنزلة؛ لجمعهم بين العلم والعمل، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل
المقرون به زيادة رفعة، جاء في الحديث: ((فضل العالم على العابد كفضل القمر
ليلة البدر على سائر الكواكب))(١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عالم مطلع على
جميع أعمالكم، وهو تهديد لمن لم يمتثل الأمر.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة قال: كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً،
ضُّوا بمجلسهم عند رسول الله ◌َّة، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ
لَكُمْ نَفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِسِ﴾ الآية.
:
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: أنها نزلت يوم الجمعة، وقد جاء ناس
من أهل بدر، وفي المكان ضيق، فلم يفسّح لهم، فقاموا على أرجلهم، فأقام
وَله نفراً بعدتهم وأجلسهم مكانهم، فكرِه أولئك النفر ذلك، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن نهى الله تعالى المؤمنين عن التناجي سراً في المجتمعات، والتناجي
بالإثم والعدوان، لكونه سبب التباغض والتنافر، أمرهم تعالى بما يكون سبباً
لزيادة المحبة والمودة من التوسع في المجالس، والانصراف عنها عند الطلب
لمصلحة ما، ثم أخبر عن رفع منازل المؤمنين والعلماء درجات في الجنان وفي
الدنيا أيضاً.
التفسير والبيان:
يَكَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ
كُمْ﴾ أي يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله ◌َّة، إذا طلب منكم التوسع في
(١) رواه أبو نعيم في الحلية عن معاذ، وهو ضعيف.
٤١٢
الجُرَعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١١
الأماكن والمجالس، وعدم التضايق فيها، سواء مجالس النبي أو مواضع
القتال، فليفسح بعضكم لبعض، وليوسع أحدكم للآخر، يوسع الله لكم في
الجنة، أي إن الجزاء من جنس العمل.
والآية عامة في كل مجلس، اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان
مجلس حرب أو ذِكر وعلم، أو يوم جمعة أو عيد، وكل واحد أحق بمكانه
الذي يسبق إليه، ولكن يوسع لأخيه. جاء في الحديث الثابت عن النبي وَلّ أنه
قال: ((لا يُقم الرجلُ الرجلَ من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا
وتوسعوا))(١).
قال الرازي: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: هو مطلق في كل ما يطلب الناس
الفسحة فيه، من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة.
.
والآية دلتٍ على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة، وسع
الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للشخص أن يقيد الآية بالتفسح
في المجلس، بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم، وإدخال السرور في قلبه، لذا
قال ◌َله: ((ومن يشر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون
العبد ما كان العبد في عون أخيه))(٢).
وهذا الأدب له تأثيره الكبير في غرس المحبة والتقدير في القلوب. وهو يومئ
إلى أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من مجلس الرسول وقائية لسماع
حديثه، والانتفاع بهديه وأدبه وفضله.
وفي الحديث المروي في السنن: أن رسول الله وَليل كان يجلس حيث انتهى به
(١) رواه مالك والشافعي وأحمد والترمذي وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه
الشيخان في الصحيحين.
(٢) تفسير الرازي: ٢٦٩/٢٩، والحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
٤١٣
الُ (٢٨) - الجَنَازِلَةِ: ٥٨ / ١١
المجلس، ولكن حيث يجلس، يكون صدر ذلك المجلس، فكان الصحابة رضي
الله عنهم يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق رضي الله عنه يجلسه عن يمينه،
وعمر عن يساره، وبين يديه غالباً عثمان وعلي؛ لأنهما كانا ممن يكتب
الوحي وكان يأمرهما بذلك، وروى مسلم وأحمد وأهل السنن إلا الترمذي
عن أبي مسعود أن النبي ◌َّ كان يقول: («ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات الله
وسلامه عليه.
ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما
لتقصير أؤلئك في حق البدريين، أو ليأخذ البدريون نصيبهم من العلم، كما
أخذ أولئك قبلهم، أو تعليماً بتقديم الأفاضل إلى الأمام.
وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال:
فمنهم من رخص في ذلك، محتجاً بحديث أبي داود عن أبي سعيد الخدري:
((قوموا إلى سيدكم)) وهو سعد بن معاذ حينما استقدمه النبي ◌َّ حاكماً في
بني قريظة.
ومنهم من منع ذلك محتجاً بحديث أحمد وأبي داود والترمذي عن معاوية بن
أبي سفيان: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)).
ومنهم من فصّل، فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل
ولايته، كما دلت عليه قصة سعد المتقدمة، ليكون أنفذ لحكمه، فأما اتخاذه
ديدناً فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم
من رسول الله وَّهور، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته
لذلك(١).
(١) تفسير ابن كثير: ٣٢٥/٤
٤١٤
الْجُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١١
﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنشُزُواْ﴾ أي إذا طُلب من بعض الجالسين في المجلس
أن ينهضوا من أماكنهم، ليجلس فيها أهل الفضل في الدين، وأهل العلم
بشرع الله، فليقوموا.
وهذا يشمل أيضاً ما إذا قال صاحب مجلس لمن في مجلسه: قوموا، ينبغي
أن یجاب.
وبعد أن نهى الله تعالى المؤمنين عن بعض الأشياء، ثم أمرهم ثانياً ببعضه
الأشياء، وعدهم على الطاعات، فقال:
﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ دَرَجَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ أي يرفع الله منازل المؤمنين في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيها،
ويرفع أيضاً بصفة خاصة منازل العلماء درجات عالية في الكرامة في الدنيا،
والثواب في الآخرة، فمن جمع الإيمان والعلم، رفعه الله بإيمانه درجات، ثم
رفعه بعلمه درجات، ومن جملة ذلك رفعه في المجالس، والله خبير بمن يستحق
ذلك وبمن لا يستحقه، مطّلع على أحوال ونوايا جميع عباده، ومجازيهم على
أعمالهم جميعاً، خيراً أو شراً.
روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: أن نافع بن عبد
الحارث لقي عمر بن الخطاب بعُسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له
عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أَبْزَى،
رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير
المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض، فقال عمر رضي الله
عنه: أما إن نبيكم وَّه قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب قوماً، ويضع به
آخرین)» .
٤١٥
الُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١١
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
ا - التوسع في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر مطلوب
شرعاً، وأدب حسن، سواء كان مجلس النبي في عصره، أو مجلسَ عالم بعده أو
مجلس حرب أو ذكر أو شورى أو مجلس يوم الجمعة أو العيد أو العلم ونحوه،
وليس ذلك واجباً وإنما هو مندوب شرعاً؛ فإن كل واحد أحق بمكانه الذي
سبق إليه؛ لقوله وَلّ: ((من سبق إلى ما لم يُسْبَق إليه، فهو أحق به))(١) ولكن
يوسع لأخيه ما لم يتأذّ بذلك، فيخرجه الضيق عن موضعه.
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر كما تقدم عن النبي ◌َّ قال: ((لا يُقم
الرجلُ الرجلَ من مجلسه، ثم يجلس فيه)) وعن ابن عمر أيضاً فيما رواهَ
البخاري عن النبي ◌ُّ: ((أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر،
ولكن تفسحوا وتوسعوا)) وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه، ثم
يجلس مكانه.
أَ - إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد، لا يجوز لغيره أن يقيمه
حتى يقعد مكانه؛ لما روى مسلم عن جابر عن النبي ◌َّ- قال: ((لا يقيمنّ
أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول:
افسحوا)) .
وإذا أمر إنسان إنساناً أن يبكر إلى الجامع، فيأخذ له مكاناً يقعد فيه، لا
يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع، ومثل ذلك إرسال بساط أو سجادة
لتبسط له في موضع من المسجد.
(١) حديث صحيح رواه أبو داود والضياء عن أم جنوب بلفظ: ((من سبق إلى ما لم يسبقه إليه
· مسلم، فهو له)).
٤١٦
الْجُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١١
والجالس يختص بموضعه إلى أن يغادره نهائياً؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((إذا قام أحدكم - أو من قام من مجلسه- ثم
رجع إليه، فهو أحق به)) .
ءَ - إن للتوسع في المجالس ثواباً؛ لقوله تعالى: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي
يوسع عليكم في الدنيا والآخرة.
٤ - إذا قيل: انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، يجاب القائل، وإذا
دعي الشخص إلى القيام عن مجلس النبي ◌ُّر، وجب القيام، لأنه عليه الصلاة
والسلام كان يؤثر أحياناً الانفراد في وظائف تخصه لا تتأتى ولا تكمل بدون
الانفراد.
وإذا قال صاحب مجلس لمن في مجلسه: (قوموا) ينبغي أن يجاب، ويفعل
ذلك لحاجة، إذا لم يترتب عليه مفسدة أعظم منها، مما لا نزاع في جوازه.
٥- يرفع الله درجات المؤمنين والعلماء في الثواب في الآخرة، وفي الكرامة
في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم. قال
ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية.
وتدل هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أيضاً على أن الرفعة عند الله تعالى
بالعلم والإيمان، لا بالسبق إلى صدور المجالس، فيرفع المؤمن بإيمانه أولاً ثم
بعلمه ثانياً. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل العلماء، منها الحديث السابق
عند أبي نعيم عن معاذ- وفيه ضعف -: " فضل العالم على العابد كفضل القمر
ليلة البدر على سائر الكواكب" ومنها حديث حسن رواه ابن ماجه عن عثمان
رضي الله عنه: ((يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء))
فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله وَ لؤ. وعن ابن
عباس: خيِر سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك، فاختار العلم،
فأعطي المال والملك معه.
٤١٧
الُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ١٢-١٣
ككل الله
الجيـ
وَسم
الصدقة قبل مناجاة الرسول
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ
ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ
لَكُمْ وَأَظْهَرُّ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)
نَجْوَكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ
اَللَّهَ وَ رَسُولَةٍ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٣
البلاغة:
﴿ فَقَدِمُواْ بَيْنَ يَدَیْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ استعارة، استعار اليدين لما يكون قبل
الشيء، أي قبل نجواكم، وهي استعارة بالكناية، حيث شبه النجوى
بالإنسان، وحذفه ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الیدان. ويصح أن يكون
في التركيب استعارة تمثيلية.
استفهام معناه التقرير.
ءَ
المفردات اللغوية:
﴿نَجَيْتُ الرَّسُولَ﴾ أردتم مناجاته والتحدث معه. ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُمْ
صَدَقَةٌ﴾ أي قدموا قبل المناجاة صدقة للفقراء، قال البيضاوي: وفي هذا
الأمر تعظيم الرسول ◌َّير، وانتفاع الفقراء، والنهي عن الإفراط في السؤال،
والتمييز بن المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، واختلف في أنه
للندب أو للوجوب، لكنه منسوخ بقوله: ﴿ءَأَشْفَقْنُ﴾ وهو إن اتصل به تلاوة،
لم يتصل به نزولاً.
﴿وَأَظْهَرَّ﴾ أي أزكى للنفوس وأبعد عن الريبة وحب المال، وهو يشعر
بالندب، لكن قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أدل على الوجوب،
٤١٨
الْجُزْءُ (٢٨) - المجادلةِّ: ٥٨ /١٢-١٣
أي إن لم تجدوا ما تتصدقون به، يرخص لكم في المناجاة بلا صدقة، والله
غفور لمناجاتكم، رحيم بكم، فلا حرج عليكم في المناجاة.
﴿َأَشْفَقْتُمْ﴾ خفتم، والمعنى: أخفتم الفقر في تقديم الصدقة؟ وجمع صدقات
لجميع المخاطبين أو لكثرة التناجي. ﴿فَإِذْ لَمّ تَفْعَلُواْ﴾ الصدقة. ﴿وَتَابَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ﴾ بأن رخص لكم ألا تفعلوه، أو رجع بكم عنها، وفيه إشعار بأن
إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه. ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي دوموا
عليهما ولا تفرطوا في أدائهما. ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُمْ﴾ في سائر الأوامر، فإن
القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك. ﴿ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظاهراً وباطناً.
سبب نزول الآيتين (١٢، ١٣):
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على
رسول الله وَّ حتى شقّوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فأنزل: ﴿إِذَا
نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ غَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ﴾ فلما نزلت، صبر كثير من
الناس، وكفُّوا عن المسألة، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ءَأَشْفَقْتُ﴾ الآية.
وأخرج الترمذي وحسَّنه، وغيره عن علي قال: لما نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ إِذَا نَكَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيِّنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةً﴾ قال لي النبي ◌ِّ: ما
ترى، دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه،
قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك الزهيد، فنزلت: ﴿َأَشْفَقْتُمُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ
يَدَىْ تَجْوَنَكُمْ صَدَقَتٍ﴾ الآية، فبي خفف الله عن هذه الأمة.
وقال مقاتل بن حيان: نزلت الآية في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون
النبي ◌َّ، فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره
رسول الله ﴿ ذلك من طول جلوسهم ومناجاتهم، فأنزل الله تبارك وتعالى
هذه الآية، وأمر بالصدقة عند المناجاة، فأما أهل العسرة، فلم يجدوا شيئاً، وأما
أهل الميسرة فبخلوا، واشتد ذلك على أصحاب النبي ◌َّ، فنزلت الرخصة.
٤١٩
الُ (٢٨) - المجادلةّ: ٥٨ /١٢-١٣
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها
قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ كان لي
دينار فبعته، وكنت إذا ناجيت الرسول مَ﴿ل تصدقت بدرهم حتى نفد،
فنسخت بالآية الأخرى: ﴿َأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَتٍ﴾؟.
المناسبة:
بعد بيان أدب الإسلام في المناجاة والمجالسة، أمر الله تعالى المؤمنين
بتقديم صدقة قبل مناجاة النبي ويمطلقة؛ لأنهم كانوا يتنافسون في القرب من
مجلس رسول الله وير لسماع أحاديثه، وكانوا يكثرون من هذه المناجاة. فكان
ذلك يشق على الرسول وَله، وقد يستثقله الحاضرون، فأراد الله أن يحد من هذه
المناجاة، ويخفف عن نبيه، فأمر بتقديم الصدقة قبل المناجاة، تعظيماً للنبي وَله
وإعظام مناجاته، ولنفع الفقراء بتلك الصدقات المقدمة قبل المناجاة، ولتمييز
المنافقين الذين يحبون المال عن المؤمنين المخلصين. قال ابن عباس: إن المسلمين
أكثروا المسائل على رسول الله وَ ر حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن
نبيه، فلما نزلت هذه الآية، شحّ كثير من الناس، فكفّوا عن المسألة.
التفسير والبيان:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذّا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ أي يا
أيها الذين أقروا بوجود الله ووحدانيته وصدقوا رسوله وَلّر، إذا أردتم مناجاة
النبي ◌َّليل أو مساررته في أمر من أموركم، فقدموا قبل المناجاة صدقة، تصدقوا
بها، لتعظيم النبي وَّة، والتخفيف عنه، ونفع الفقراء، وتمييز المؤمن الحق
والمنافق.
ثم أبان الله تعالى حكمة الصدقة، فقال:
أي إن تقديم
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَظْهَرَّ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورُ
٤٢٠
لُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ١٢-١٣
الصدقة قبل النجوى خير لكم، لما فيه من طاعة الله وامتثال أمره، والثواب
الأخروي، وأزكى لنفوسكم بتطهيرها من الشح والبخل وحب المال، ونفع
الفقراء، وتضامن الآمة، وإعزاز شأنها ورفعة قدرها، فإن لم يجد أحدكم تلك
الصدقة، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة، وقد رخص الله لكم في
المناجاة بلا تقديم صدقة؛ لأن المأمور بها هو القادر عليها الغني.
وظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجباً؛ لأن الأمر للوجوب،
ويتأكد ذلك بقوله في آخر الآية: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لا يقال إلا لترك الوجوب.
فإن ذلك
وقال بعضهم: إن الأمر هنا للندب والاستحباب، بقرينة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ
وَأَظْهَرُّ﴾ وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض، ولأنه لو كان ذلك
واجباً لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو ﴿وَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُواْ﴾. والجواب:
أن الواجب يوصف أيضاً بأنه خير وأطهر كالمندوب، وأنه لا يلزم من كون
الآيتين متصلتين في التلاوة، كونهما متصلتين في النزول، فتكون آية
﴿َأَشْفَقْتُمْ﴾ ناسخة للوجوب الذي ثبت بالأمر.
وأنكر أبو مسلم الأصفهاني وقوع النسخ، وقرر أن الأمر بتقديم الصدقة
على النجوى لتمييز المؤمن المخلص من المنافق، فلما تحقق الغرض، انتهى
الحكم، أي إن ذلك التكليف كان مقدراً بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه
بانتهاء تلك الغاية، فلا يكون هذا نسخاً. قال الرازي: وهذا الكلام حسن ما
به بأس، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: ﴿ءَأَشْفَقْتُ﴾.
ثم رفع الله تعالى الحكم السابق، فقال:
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَتٍ﴾ أي أخفتم تقديم الصدقات،
لما فيه من إنفاق؟ قال مقاتل: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ.