النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ الُرُ (٢٨) - المجَادلةّ: ٥٨ /١-٤ فالواجب إعتاق رقبة: عبد أو أمة، والفاء للسببية الدالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار. ويجب أن تكون الرقبة مؤمنة عند الجمهور غير الحنفية قياساً على كفارة القتل الخطأ. ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾ أي من قبل استمتاع أحدهما بالآخر، لعموم اللفظ، وفيه دليل على حرمة المتعة أو الزواج قبل التكفير. ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ الرقبة أو ثمنها. ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَنَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا﴾ أي فالواجب صوم شهرين متواليين، فإن أفطر بغير عذر لزمه الاستئناف، وإن أفطر بعذر ففيه خلاف، وإن جامع المظاهر منها ليلاً لم ينقطع التتابع عند الشافعية، خلافاً لأبي حنيفة ومالك. ﴿فَمَن لَّ يَسْتَطِعْ﴾ أي الصوم لهرم أو مرض مزمن أو شبق مفرط إلى النساء. ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لكل مسكين عند الشافعية: مدّ من غالب قوت البلد، وهو رطل وثلث، كالفطرة، وعند الحنفية: نصف صاع من بُرّ أو صاع من تمر أو شعير، وذلك من قبل التّماسّ أو الاستمتاع، وإنما لم يذكر التّماس مع الإطعام اكتفاء بذكره مع الخصلتين الأخريين: العتق والصيام. ﴿ذَلِكَ﴾ البيان أو التعليم للأحكام، والتخفيف في الكفارة. ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾ أي فرض ذلك لتصدقوا بالله تعالى ورسوله وَّه في قبول شرائعه، ورفض أعراف الجاهلية. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ﴾ أحكام شريعته، لا يجوز تعدّيها. ﴿وَلِلْكَفِرِينَ﴾ أي الذين لا يقبلون تلك الأحكام. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب مؤلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧/٣]. سبب النزول: نزول الآية (١) وما بعدها: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ أخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع ٣٨٢ الُزْءُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وَله، وتقول: يا رسول الله، أكَلَ شبابي، ونَثَرت له بطني، حتى إذا كَبِرت سِتّي وانقطع ولدي، ظاهَر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برِحتْ حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَِّى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ وهو أوس بن الصامت. وأخرج الإمام أحمد والبخاري في كتاب التوحيد تعليقاً عن عائشة قالت: ((الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ◌َّ تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ الآية)). وجاء في السنن كابن ماجه والبيهقي والمسانيد أن أوس بن الصامت قال لزوجته: خولة بنت ثعلبة بن مالك في شيء راجعته فيه: ((أنت علي كظهر أمي)» وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لزوجته ذلك، حَرُمت عليه، فندم من ساعته، فدعاها فأبت وقالت: والذي نفس خولة بيده لا تصل إلي، وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم الله ورسوله وَله، فأتت رسول الله وَل﴾، فقالت: يا رسول الله، إن أوساً تزوجني، وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني، ونَثَرت بطني (كثر ولدي )، جعلني عليه كأمه، وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة یا رسول الله تنعشني بها وإياه، فحدثني بها. فقال ◌َلى: ((ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن)) وفي رواية: ((ما أراك إلا قد حرمت عليه)). قالت: ما ذكر طلاقاً، وجادلت رسول الله وَ لقوله مراراً. ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي وشدة حالي، وروي أنها قالت: إن لي صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك. ٣٨٣ لُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ وما برحت حتى نزل القرآن فيها، فقال ◌َ لهيا خَوْلةُ أبشري، قالت: خيراً، فقرأ بَّهِ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ الآيات. وروى البخاري في تاريخه أنها - أي المجادلة- استوقفت عمر يوماً فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيتُ كاليوم، فقال رضي الله عنه: وما يمنعني أن أستمع إليها، وهي التي استمع الله لها، فأنزل فيها ما أنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيات. التفسير والبيان: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِىِ تُحَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ (4) أي قد قبل الله شكوى المرأة التي تراجعك الكلام أيها النبي في شأن زوجها الذي ظاهر منها، قائلاً لها: ((أنت علي كظهر أمي)) أي في الحرمة، وتشتكي إلى الله ما أغمها وأحزنها، والله يسمع ما تتراجعان به من الكلام، إن الله يسمع كل مسموع، ويبصر كل مُبْصَر على أتم وجه وأكمله، ومن ذلك: محاورة هذه المرأة معك. والمجادلة هنا: بمعنى التحاور، وهي المراجعة في الكلام لتبين المخرج من الأزمة. والشكوى: أن تخبر عن مكروه أصابك. والسمع: صفة يدرك بها الأصوات، غير صفة العلم. والمرأة: خولة بنت ثعلبة، والزوج: أوس بن الصامت أحد الأنصار. أخرج البخاري والنسائي وغيرهما كما تقدم عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الذي وَسِع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة، تشكو إلى رسول الله وَلجر، وأنا في كسر البيت، يخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى﴾ الآيات. وقوله: ﴿قَدْ﴾ معناه التوقع، كما تقدم؛ لأن رسول الله وَله والمجادلة كانا ٣٨٤ الُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ يتوقعان أن يسمع الله مجادلتهما وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنها. وقوله: ﴿سَمِعَ اللَّهُ﴾ مجاز عن القبول والإجابة، لعلاقة السببية. ثم شنّع الله تعالى على المظاهرين ووبخهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآبِهِم ◌َا هُنَ أُمَّهَتِهِمِّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ﴾ أي الذين يشبّهون أزواجهم بأمهاتهم، فيقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي ونحوه، أي إنك علي حرام كحرمة أمي، ما نساؤهم بأمهاتهم، فذلك كذب منهم، وفي هذا توبيخ لهم وتبكيت، فليست أمهاتهم في الحقيقة إلا النساء اللائي ولدنهم. ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِّنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورُ﴾ أي وإن هؤلاء المظاهرين ليقولون بهذا قولاً منكراً، أي فظيعاً ينكره الشرع ويقبِّحه ولا يجيزه، كما لا يقره عقل، ﴿وَزُورًا﴾، أي كذباً، وإن الله كثير العفو والمغفرة؛ إذ جعل الكفارة مخلِّصة لهم عن هذا المنكر، كما أن الله غفور لمن أذنب وتابٍ، وغفور من غير توبة لمن يشاء، كما قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤ /٤٨]. يتبين منه أن الله وصف الظهار بأنه منكر وزور، لتشبيه الزوجة بالأم، فهو خبر زور كذب، وإنشاء منكر ينكره الشرع ولا يعرفه، وهو يدل على أن الظهار محرَّم، وهو أيضاً عند الشافعية معصية كبيرة؛ لأن فيه الإقدام على إحالة حكم الله تعالى وتبديله بدون إذنه سبحانه، ولأن المقدم على ذلك كاذب معاند للشرع. والظهار كان طلاقاً في الجاهلية، يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه. وضابط المظاهر عند الشافعية والحنابلة: كل من صح طلاقه صح ظهاره، وهو البالغ العاقل، سواء أكان مسلماً أم كافراً، فعلى هذا ظهار الذمي ٣٨٥ لِلُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ عندهم صحيح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ﴾ ولأن الذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره، وهو أهل للزجر بالكفارة كالمسلم. وضابطه عند الحنفية والمالكية: كل زوج مسلم عاقل بالغ، فلا يصح ظهار الذمي ولا يلزم ولا يترتب عليه حكم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مِنكُم﴾ وهو خطاب للمؤمنين، فيدل على أن الظهار خاص بالمؤمنين، ولأن من لوازم الظهار الصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق، وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع(١). وقال الجمهور غير أحمد: لا يصح ظهار المرأة من زوجها، وهو أن تقول المرأة لزوجها: أنت عليّ كظهر أمي. وقال الأوزاعي: هو يمين تكفّر، قال الرازي: وهذا خطأ؛ لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين، وهو الأصل، فكيف يلزم المرأة ذلك؟ ولأن الظهار يوجب تحريماً بالقول، والمرأة لا تملك ذلك، بدليل أنها لا تملك الطلاق. وقال الإمام أحمد في رواية راجحة عنه: يجب عليها كفارة الظهار؛ لأنها أتت بالمنكر من القول والزور، وفي رواية كالأوزاعي: يجب كفارة اليمين، وهذا أقيس على مذهبه. وأما المظاهر منها فهي عند الحنفية: كل امرأة يحرم على الرجل نكاحها على التأبيد، بالنسب أو بالرضاع أو المصاهرة كزوجة الأب، أو أي عضو منها لا يحل له النظر إليه، كالظهر والبطن، وهذا مذهب الشافعية إلا أنهم استثنوا مرضعة المظاهر وزوجة الابن؛ لأنهما كانتا حلالاً له في وقت، فيحتمل إرادته. ورأي المالكية: أن المشبه به: هو من حرم وطؤه أصالة من آدمي - ذكر أو (١) أحكام القرآن للجصاص الرزاي: ٤١٧/٣ وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي: ٤/ ١٧٣٨, ٣٨٦ الْجُزْءُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ أنثى- أو غيره كالبهيمة، ويصح الظهار بتشبيه الزوجة أو جزئها، ولو حكماً كالشعر والريق بالأم. وكذا قال الحنابلة: يصح التشبيه سواء كان بكل المشبه به، أو بعضو منه كاليد والوجه والأذن، فيشمل كل محرّم من النساء على التأييد بنسب أو رضاع أو مصاهرة، كالأمهات والجدات والعمات والخالات والأخوات. كما . يشمل كل محرم من النساء تحريماً مؤقتاً كأخت المرأة أو عمتها، وكل محرَّم من الرجال أو البهائم أو الأموات ونحوهم. ثم أبان الله تعالى كفارة الظهار، فقال: وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِنَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾﴾ أي والذين يحدث منهم الظهار، ثم يريدون نقضه والعودة لما كانوا عليه من إرادة الجماع، فعليهم تحرير رقبة، أي أمة أو عبد مملوك، من أجل ما قالوا، من قبل التماس، وهو الجماع، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفِّر، ذلك الحكم المذكور أو تشريع الكفارة تؤمرون به أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار، والله خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، فهو مجازيكم عليها. واختلف العلماء في تفسير العود: فقال الظاهرية وأبو العالية: العود تكرار لفظ الظهار وإعادته، فلا تلزم الكفارة إلا إذا أعاد لفظ الظهار، وهو قول باطل. ورأى الحنفية والمالكية على المشهور أن العود: هو العزم على الوطء أو الجماع. وذهب الشافعي إلى أن العود: أن يمسك المظاهر منها بعد المظاهرة زماناً يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق. وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. ٣٨٧ الُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ فالآراء ثلاثة أو أربعة: تكرار لفظ الظهار، والعزم على الوطء أو إرادة الوطء، والوطء في الفرج، والإمساك زمناً يمكن طلاقها فيه. وأجاب الجمهور عن رأي الظاهرية بأنه يقتضي أن الظهار أول مرة لا يترتب عليه كفارة، وقصة خولة تدفعه؛ لأنه لم ينقل التكرار، ولا سأل عنه وليه. وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي فإعتاق رقبة كاملة، أو فعليهم رقبة، والرقبة هنا مطلقة غير مقيدة بالإيمان، فاقتضى ذلك إجزاء عتق رقبة مؤمنة أو كافرة، وبهذا الظاهر قال الحنفية والظاهرية؛ لأنه لو كان الإيمان شرطاً لبيَّه سبحانه كما بيَّنه في كفارة القتل، فوجب أن يطلق ما أطلقه الله، ويقيد ما قيده، فيعمل بكل منهما في موضعه، ورأى الحنفية بناء على قواعدهم أن اشتراط الإيمان هنا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا ينسخ إلا بالقرآن أو الخبر المتواتر أو المشهور، ولا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة. واشترط الجمهور الإيمان في كفارة غير القتل، كما هو شرط في كفارة القتل الخطأ بنص القرآن، ويحمل المطلق على المقيد، أي يحمل ما أطلق هنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب: وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه مالك بسنده عن معاوية بن الحَكَم السُّلمي في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله وَلّ قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة))(١). وضمير ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾ للمظاهر والمظاهر منها المعلومين من الكلام السابق، والتَّماسّ: كناية عن الجماع، فيحرم الجماع قبل التكفير، ومقدمات الجماع كالتقبيل ونحوها حرام أيضاً عند الحنفية؛ لأن طريق الحرام حرام، وليست بحرام في الأظهر عند الشافعية؛ لأن تحريم الجماع لا صلة له بعقد (١) ورواه أيضاً أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه. ٣٨٨ الجُرعُ (٢٨) - المجاد لة: ٥٨ /١-٤ الزواج، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعیه. ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَآ﴾ أي فمن لم يجد الرقبة في ملكه، ولا تمكّن من ثمنها أو قيمتها زائداً عن قدر كفايته، أو لم يجد رقبة يشتريها لعدم وجود الرقيق في عصرنا، فعليه قبل التماس (أي الجماع) صيام شهرين متتابعين متواليين لا يفطر فيهما عملاً بظاهر النص القرآني، وإجماع العلماء على وجوب التتابع، فإن أفطر يوماً أو أكثر لغير عذر، أو جامعها ليلاً أو نهاراً عمداً، استأنف في رأي الجمهور. وقال الشافعي وأبو يوسف: لا يستأنف إذا وطئ ليلاً؛ لأنه ليس محلاً للصوم. ولا ينقطع التتابع لدى المالكية بالمرض، وبالفطر سهواً، وبالإكراه على الفطر، وبظن غروب شمس أو ببقاء ليل، فأكل أو شرب، وبحيض ونفاس. وينقطع التتابع عند الحنفية، والشافعية في المذهب الجديد بالإفطار بعذر كمرض مسوغ للفطر، ولا ينقطع التتابع في الصوم بحيض أو نفاس أو جنون. ورأى الحنابلة أن المظاهر إن أقطر في الشهرين بعذر، بنى على ما مضى، وإن أفطر بغير عذر ابتدأ من جديد. واختلف العلماء في بيان قدر الكفاية، وفي وقت اعتبار اليسار والإعسار، فذهب مالك، والشافعي في الأظهر إلى اعتبار ذلك بوقت التكفير والأداء؛ لأن الكفارة عبادة لها بدل من غير جنسها كالوضوء والتيمم، والقيام في الصلاة والقعود فيها، فاعتبر وقت أدائها. وذهب أحمد إلى اعتبار ذلك بوقت الوجوب، تغليباً لشائبة العقوبة في الكفارة. ومن المعلوم أن الأشهر تعتبر بالأهلَّة، فلا فرق بين التام والناقص، فمن بدأ بالصوم في أول الشهر، كمَّل الشهرين بالهلال، ولو كانا ناقصين، ومن ٣٨٩ الُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ بدأ بالصوم في أثناء الشهر، فقال الشافعية: يحسب الشهر بعده بالهلال لتمامه، ويتم الأول من شهر آخر ثلاثين يوماً لتعذر الهلال فيه. وقال الحنفية: لا بد من ستين يوماً. ﴿فَمَن لَّ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ أي فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين لكبر سن أو مرض مزمن أو المشقة شديدة لا تحتمل عادة، فعليه أن يطعم ستين مسكيناً، لكل مسكين عند الحنفية مدان، أي نصف صاع من القمح، وصاع(١) من تمر أو شعير، كالفطرة قدراً ومصرفاً، من قبل التّماسّ أيضاً، سواء بالإباحة أو بالتمليك، عملاً بظاهر القرآن وهو أن الواجب هو الإطعام، وحقيقة الإطعام هو التمكين، وذلك يتأدى بالإباحة والتمليك. ويجب عند المالكية التمليك لكل مسكين مد (٢) وثلثان من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن اقتاتوا غير القمح فيما يعدله شبعاً لا كيلاً، ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثین. وأوجب الشافعية والحنابلة التمليك أيضاً، وقَدْر ما يعطى كل مسكين: مُدُّ من قمح، أو نصف صاع من تمر أو شعير، ودليلهم على التمليك القياس على الزكاة وصدقة الفطر. وظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ أنه لا بد من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحداً ستين يوماً لم يجزه عند الجمهور غير الحنفية إلا من واحد؛ لظاهر الآية، وهو أنه أوجب إطعام ستين مسكيناً، فوجب رعاية ظاهر الآية. ويجزئه ذلك عند الحنفية؛ لأن المقصود سد خلة المحتاج، والحاجة (١) الصاع: ٢٧٥١ غم. (٢) المد: ٦٧٥ غم. ٣٩٠ الُ (٢٨) - الجَالَّ: ٥٨ /١-٤ تتجدد كل يوم، فالدفع إليه مع مرور الأيام إطفاء للحاجة المتكررة بتكرر الأيام. وهذا معارض لظاهر النص على ستين مسكيناً، وبتكرر الحاجة في مسكين واحد لا يصير هو ستين مسكيناً، فالتعليل بسد خلة المحتاج مبطل لمقتضى النص، فلا يجوز. واتفق العلماء على أن خصال كفارة الظهار مرتّبة، فالإعتاق أولاً، ثم الصيام، ثم الإطعام، للأحاديث الآمرة بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان. واتفق الفقهاء أيضاً على أن من وطئ قبل أن يكفِّر عصى ربه وأثم، لمخالفة أمره تعالى، وتستقر الكفارة في ذمته، ويظل تحريم زوجته علیه باقياً حتى يكفر، وذلك شامل جميع خصال الكفارة: العتق والصوم والإطعام. فإن وطئ أثناء التكفير فاختلف الفقهاء: فذهب المالكية إلى أن الوطء في أثناء التكفير يحرم ويبطل ما تم، ويبتدئ الكفارة أياً كانت خصلتها من جديد. ورأى الشافعية: أن المظاهر إن جامع أثناء الصوم ليلاً قبل أن يكفِّر، أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل تتابع الصيام؛ لأن جماعه لم يؤثر في الصوم المفروض، فلم يقطع التتابع، كالأكل بالليل. وكذا إن جامع أثناء الإطعام، لا يبطل ما مضى. وفصل الحنفية والحنابلة فقالوا: إن وطئ المظاهر امرأته المظاهر منها في أثناء الصوم، أفسد ما مضى من صيامه، واستأنف الصوم من جديد. أما إن وطئ في أثناء الإطعام، فلا تلزمه إعادة ما مضى، عملاً بعدم تقييد الإطعام في النص القرآني بكونه قبل التّماسّ، وتقييده في تحرير الرقبة والصيام بكونهما قبل التَّماسّ. ٣٩١ الجُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي ذلك الحكم الذي بيناه من وجوب الكفارة بسبب الظهار، لتصدقوا بشرع الله تعالى وأمره، وتصدقوا رسوله وَله، وتقفوا عند حدود الشرع، ولا تتعدّوها، ولا تعودوا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور، وتلك الأحكام المذكورة حدود الله أي محارمه، فالزموها ولا تتجاوزوا حدوده التي حدّها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عند حدود الله عذاب مؤلم على كفرهم وهو عذاب جهنم في الآخرة، كما لهم عذاب في الدنيا. وأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظاً وزجراً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اٌلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧/٣]. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: اً - الشكوى إلى الله من الهم والحزن والضيق أنجع طريق، فقد أجاب الله شكوى خولة بنت ثعلبة وقبل استغاثتها، وحقق ما توقعته من ربها، لثقتها بفضل الله وإحسانه. والإجابة والقبول هو المقصود من قوله سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾. والسماع في الأصل إدراك المسموعات، والسمع والبصر صفتان لله كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات، لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفاً بهما. والسميع: المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن؛ لأن الأصوات لا تخفى عليه. أَ- الظهار معصية وحرام ومنكر شرعاً من القول وزور (كذب) وليست النساء بأمهات، فما أمهاتهم إلا الوالدات، وأصل الظهار: أن يقول الرجل ٣٩٢ الُ (٢٨) - الجَازِلَّ: ٥٨ /١-٤ لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فمن قال ذلك فهو مظاهر بالإجماع، كما أن من قال لها: أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم، فهو مظاهر. والظهار نوعان: صريح وكناية؛ فالصريح: أنت علي كظهر أمي، وأنت عندي، وأنتِ مني، وأنتِ معي كظهر أمي، أو أنت عليَّ حرام كظهر أمي، وكذا: أنت عليَّ كبطن أمي أو كرأسها أو فرجها أو نحوه، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك علي كظهر أمي، ففي ذلك كله يكون مظاهراً. والكناية: أن يقول: أنت عليّ كأمي أو مثل أمي، فإنه يعتبر فيه النية، فإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن لم يرد الظهار، لم يكن مظاهراً عند أئمة المذاهب الأربعة؛ لأنه أطلق تشبيه امرأته بأمه، فكان ظهاراً. والظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها، على أي الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه. ويلزم عند مالك الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها، ولا يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿مِّن نِسَابِهِم﴾ وهذه ليست من نسائه. والذميّ لا يلزم ظهاره عند أبي حنيفة ومالك؛ لقوله تعالى: ﴿مِنكُم﴾ يعني من المسلمين، وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب. ويلزم ظهاره عند الشافعي وأحمد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ﴾. ولا ظهار للمرأة من الرجل في قول الجمهور؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآَبِهِمْ﴾ ولم يقل: اللائي يظاهرن منكن من أزواجهم، إنما الظهار على الرجال. وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو يوسف: إذا قالت المرأة ٣٩٣ لِلُرعُ (٢٨) - المجاد لة: ٥٨ /١-٤ لزوجها: أنت عليّ كظهر أمي فلانة، فهي يمين تكفِّرها. وقال أحمد: يجب عليها كفارة الظهار؛ لأنها أتت بالمنكر من القول والزور. وظهار السكران صحيح كطلاقه، ويلزمه حكم الظهار والطلاق إذا عقل، بالاتفاق، ولا يصح ظهار المكره عند الجمهور غير الحنفية. وكذا يلزم الغضبان حكم الظهار. ومن كان به لَم، أي إلمام بالنساء وشدة حرص وتوقان إليهن، كأوس بن الصامت الذي ظاهر من زوجته خَوْلة بنت ثَعْلَبة، لزمه ظهاره. وليس معنى اللمم: الجنون والخبل كما قال الخطابي، إذ لو كان به ذلك، ثم ظاهر في تلك الحالة، لم يكن يلزمه شيء. ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بها بشيء حتى يكفِّر في رأي الجمهور، ورأى الشافعي أن المباشرة ليلاً لا تقطع الصوم ولا تحرم. ومن وطئ قبل أن يكفِّر: عليه كفارة واحدة في رأي الجمهور، وقال بعضهم (مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن مهدي): عليه كفارتان، ودليل الجمهور: أن الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود، وهنا فاتت صفة القبلية، فيبقى أصل وجوب الكفارة، وليس في الآية دلالة على أن ترك التقديم يوجب كفارة أخرى. وإذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة، كقوله: أنتن علي كظهر أمي، كان مظاهراً من كل واحدة منهن، ولم يجز له وطء إحداهن، وأجزأته كفارة واحدة في قول الجمهور، وقال الشافعي في الأظهر: تلزمه أربع كفارات. وإن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، فتزوج إحداهن، لم يقربها حتى يكفّر، ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهن. وإن قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي وأنت طالق ألبتة(١)، لزمه الطلاق · والظهار معاً، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر، ولا يطأها إذا نكحها حتى يكفّر. والمبتوتة عند المالكية لا يلحقها طلاق ولا ظهار. (١) يريد بـ (ألبتة) هنا: الطلاق الثلاث. ٣٩٤ الُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ ٣- كفارة الظهار واجبة على الترتيب: الإعتاق، ثم الصيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكيناً، وذلك قبل التَّماسّ، أي الجماع ومقدماته عند الحنفية، والجماع فقط عند الشافعية، فإن جامع قبل أن يكفر، لم يجب عليه إلا كفارة واحدة في قول أكثر العلماء كما تقدم. ٤- العود لما قال المظاهر في الظهار: معناه عند الحنفية والمالكية: العزم على الوطء أو إرادة الوطء، والوطء في الفرج عند الحنابلة، وإمساك الزوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق في مذهب الشافعية. والأظهر أنه لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفّر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه وبينها، ويجبره على التكفير. ٥- يجزئ عند الحنفية إعتاق الرقبة الكافرة ومن فيها شائبة رق كالمكاتبة وغيرها، ولا يجزئ إعتاق غير الرقبة المؤمنة عند بقية المذاهب، ولا يجزئ عند الشافعي رحمه الله إعتاق المكاتب. ومن لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أو كان مالكاً لها إلا أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكاً لثمنها إلا أنه يحتاح إليه لنفقته، أو كان له مسكن ليس له غيره ولا يجد شيئاً سواه، فله أن يصوم عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصوم وعليه عتق، ولو كان محتاجاً إلى ذلك. وقال مالك: إذا كان له دار وخادم، لزم العتق، فإن عجز عن الرقبة، صام شهرين متتابعين. أَ - تتابع الصيام شرط، وينقطع تتابع صوم الشهرين إن أفطر بغير عذر، ويستأنف. فإن أفطر بعذر من سفر أو مرض، بنى وأكمل عند المالكية والحنابلة، واستأنف أو ابتدأ الصيام من جديد عند الحنفية والشافعية؛ لفوات التتابع، ولكن لا ينقطع عند هؤلاء بحيض أو نفاس أو جنون. وينقطع التتابع بالوطء ليلاً أو نهاراً عند الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ ٣٩٥ الجُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤ أَن يَتَمَاسَا﴾ ولا يبطل التتابع عند الشافعية بالوطء ليلاً؛ لأنه ليس محلاً للصوم. لاً - لا يجزئ عند مالك والشافعي وأحمد أن يطعم أقل من ستين مسكيناً، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى. يكمل العدد، أجزأه. ٨- إن كفارة الظهار إيمان بالله سبحانه وتعالى، لقوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لتكونوا مطيعين لله سبحانه، واقفين عند حدود الكفارة لا تتعدّوها، فسمى التكفير طاعة، ومراعاة الحد إيماناً. وتلك حدود الله تعالى بين معصيته وطاعته، فمعصيته الظهار، وطاعته الكفارة، ولمن لم يصدق بأحكام الله تعالى عذاب جهنم. وهذا دليل على أن العمل داخل في مسمى الإيمان؛ لأن الله أمر بهذه الأعمال، وبيَّن أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدلت الآية على أن العمل من الإيمان. وأنكر بعضهم ذلك وقال: إنه تعالى لم يقل: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ﴾ بعمل هذه الأشياء، ورد الرازي عليهم بأن المعنى: ذلك لتؤمنوا بالله بالإقرار بهذه الأحكام. ودل قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على أنه لا بد لهم من الطاعة، وأن العذاب لمن جحد هذا وكذب به. ٣٩٦ الجُزُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٥-٧ صَلَىاللّه وعيد الذين يعادون اللّه تعالى والرسول ـة وَسَلم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, كُوْ كَمَا كُنْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾َ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ جَ أَلَمْ قَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ وَلَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُمْ وَلَاَ أَدْفَى مِن ذَلِكَ وَلَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوْ ثُمَ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٧ الإعراب: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو ﴿قُّهِينٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي لهم عذاب مهين في هذا اليوم، أو بإضمار: اذكر. ﴿مَا يَكُنُ مِن تَّجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ ﴿ثَثَةٍ﴾: مجرور بالإضافة، ويكون ﴿َّجْوَى﴾ مصدراً، أو مجروراً على البدل، بمعنى (متناجين) وتقديره: ما يكون من متناجين ثلاثة. البلاغة: ﴿وَلَّ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ﴾ بينهما طباق؛ لأن معنى ﴿أَدْنَى﴾ أقل، فصار الطباق بينها وبين أكثر. المفردات اللغوية: ﴿ يُحَاَدُّونَ﴾ يعادون ويخالفون، وأصل المحادّة: الممانعة، يقال للبواب: حداد. ﴿كُبُواْ﴾ خذلوا وأذلوا وأهينوا . ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ في مخالفتهم رسلهم، وهم كفار الأمم الماضية. ٣٩٧ الُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٥-٧ ﴿ وَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍِ بَيِّنَتٍ﴾ واضحات دالة على صدق الرسول ◌َله وما جاء به. ﴿وَلِلْكَفِرِينَ﴾ بالآيات. ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ذو إهانة، وإذلال، يذهب عزهم وتكبرهم. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يبعثهم كلهم، لا يدع أحداً غير مبعوث، أو مجتمعين. ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ يخبرهم بأعمالهم أمام الناس، تشهيراً لحالهم، وتقريراً لعذابهم وتوبيخاً وتقريعاً لهم. ﴿أَحْصَلَهُ اللَّهُ﴾أحاط به عدداً ، ج لم يغب عنه شيء. ﴿وَسُوهُ﴾ لكثرته، أو تهاونهم به. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يغيب عنه شيء. ﴿أَمَّ تَرَ﴾ تعلم. ﴿مَا يَكُونُ﴾ ما يوجد. ﴿نَّجْوَى﴾ تناج ومسارّة، أو أصحاب نجوى، مأخوذ من النجوة: وهي ما ارتفع من الأرض؛ لأن المتسارّين يخلوان وحدهما بنجوة من الأرض. ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي محيط بهم بعلمه. ﴿وَلَّا خَمْسَةٍ﴾ ولا نجوى خمسة. ﴿إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ تخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، فإن الآية نزلت في تناجي المنافقين، أو لأن التشاور لا بدّ له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينهما. ﴿ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ ولا أقل مما ذكر كالواحد والاثنين. ﴿ وَلَآَ أَكْثَرَ﴾ من هذا العدد. ﴿إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعلم ما يجري بينهم . ﴿أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ علم الله شامل لكل شيء، لا يتحدد بمكان. ﴿ثُمَّ يُنَبِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾ يخبرهم بأعمالهم، فضحاً لهم وتقريراً لجزائهم . ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ عالم بكل شيء على سواء. المناسبة: بعد بيان أحكام الظهار في شريعة الإسلام، وتوبيخ المتورطين في الظهار، ومدح المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر تعالى ما يلحق المخالفين لشرع الله والمعادين لأمر الله تعالى ورسوله وَلّر من خزي وهوان في الدنيا، وعذاب في ٣٩٨ الجُ (٢٨) - الجَادلةّ: ٥٨ /٥-٧ غاية الذل والمهانة في الآخرة، وأيد ذلك بالوعيد الشديد لهم، فأخبر أن الله مطلع عليهم وعلى أعمالهم، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم في السر والعلن، وسيخبرهم بذلك يوم الحساب، ويجازيهم على ما قدموا من عمل. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَاذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, كُواْ كَمَا كُمْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي إن الذين يعادون الله تعالى ورسوله وَطلة، ويخالفون شرع ربهم ويعاندونه، أذلّوا وأخزوا وأهينوا ولعنوا، وينكل بهم في الدنيا، كما أذل الذين من قبلهم من كفار الأمم المتقدمة، بسبب معاداتهم شرع الله سبحانه، وقد تحقق هذا الإنذار بإذلال المشركين بالقتل والأسر والقهر يوم بدر والخندق. وفي ذلك تبشير بنصر المؤمنين على من عاداهم، ووعيد لكل الحكام المسلمين الذين يهجرون شريعتهم الإلهية، ويعملون بالقوانين الوضعية، ونظير الآية: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ اُلْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥/٤] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤/٥٩]. ﴿ وَقَّدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي وقد أنزلنا للناس آيات واضحات، لا يخالفها إلا كل كافر فاجر مكابر، وللجاحدين بتلك الآيات، المستكبرين عن اتباع شرع الله والانقياد له، عذاب يهين صاحبه، ويذله، بسبب كفرهم وتكبرهم عن حكم الله، وذلك العذاب: هو الخزي والهوان في الدنيا، ونار جهنم في الآخرة. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِثُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ (®﴾ أي اذكر ذلك اليوم تعظيماً له، وأخبر بأن لهم عذاباً مهيناً يوم يحشرهم الله جميعاً من الأولين والآخرين في يوم الحساب، مجتمعين في حالة واحدة، لا يبقى منهم أحد لا يبعث، فيخبرهم الله بأعمالهم القبيحة التي عملوها في الدنيا، لإقامة الحجة وتكميلها عليهم، كما يخبرهم بكل ما ٣٩٩ الُرُ (٢٨) - المجاد لة: ٥٨ / ٥-٧ صنعوا من خير وشر، ضبطه الله وحفظه عليهم، في صحائف كتبهم، وهم قد نسوا ما كانوا عملوا، والله مطلع وناظر لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى ولا ينسى شيئاً. وفي هذا أيضاً وعيد شديد لكل من قدم الأعمال المنكرة والأفعال القبيحة. ثم أخبر الله تعالى تأكيداً لما سبق بإحاطة علمه بخلقه واطلاعه على كل شيء، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ أي ألم تعلم أيها النبي وكل مخاطب أن علم الله واسع شامل محيط بكل شيء في الأرض والسماء، بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما، فما يوجد من تناجي أشخاص ثلاثة أو خمسة إلا هو معهم بعلمه، ومطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ولا يوجد من نجوى أقل من ذلك العدد أو أكثر منه مهما كان الرقم عشرات ومئات أو ألوفاً أو ملايين إلا وهو عليم بهم، في أي زمان وفي أي مكان، يعلم السر والجهر، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء من تناجيهم في السر والعلن؛ لأن علم الله تعالى محيط بكل شيء، ولا يحده زمان ولا يحجبه مكان، يسمع كلامهم، ويبصر ويرى مكانهم حيثما كانوا، وأينما كانوا، ورسله أيضاً مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به، وسمعه له. والسبب في ذكر الثلاثة والخمسة وإهمال ذكر الاثنين والأربعة: هو إما تصوير الحالة الواقعية التي نزلت الآية بسببها، فإنها نزلت في قوم منافقين، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين، وكانوا على هذين العددين. عن ابن عباس: أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً ما يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً، وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً، فهو يعلم كله، فنزلت. ٤٠٠ الزُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ٥-٧ وإما أن طبيعة المشاورة، تتطلب وجود عدد وتر، فيكون الاثنان أو الأربعة متنازعين، والثالث أو الخامس كالمتوسط الحكم بينهم، فذكر سبحانه الثلاثة والخمسة تنبيهاً على الأفراد والمجموعات الباقية. ر ونظير الآية كثير في القرآن، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ [التوبة: ٧٨/٩] وقوله سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ (َ) سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمَّ بَى وَرُسُلُنَا لَدَتِهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف: ٤٣ /٨٠]. ولهذا أجمع المفسرون على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك. ومع علم الله وسمعه وبصره بكل شيء، هو سبحانه وتعالى مطلع على جميع أمور خلقه، كما قال: ﴿ثُمَّ يُنِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي ثم يخبر الله عباده المتناجين وغيرهم بجميع أعمالهم يوم القيامة، ليعلموا أن الله عالم بهم، وليكون إعلامه لمن يتناجون بالسوء والمكر توبيخاً لهم وتبكيتاً، وإلزاماً للحجة، والله تعالى واسع العلم بكل الأشياء والأعمال، لا تخفى عليه خافية من الأمور، ويجازيهم عليها. قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - إن كل من خالف شرع الله أو عاداه، أو تجاوز حدوده، له الخزي والذل والهوان في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة. وهذا بشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر، ووعيد وإنذار للكافرين بالعقاب الشديد.