النص المفهرس

صفحات 321-340

١
٣٢١
المُعُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلُّ: ٥٧ / ٧-١٢
﴿وَمَا لَكُمْ لَ نُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾﴾ خطاب للكفار، أي لا مانع لكم من الإيمان.
﴿وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ﴾ أخذه الله عليكم في عالم الذر حين أشهدكم على أنفسكم:
ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وكذلك بعد وجودكم، إذ أقام الأدلة على وجوده
وتوحيده في الأنفس والآفاق، ومكَّنكم من النظر بالعقل والتفكير . ﴿إِن كُمْ
مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مریدین الإيمان به، فبادروا إليه.
(ءَايَتٍ بَيِّنَتِ﴾ هي آيات القرآن. ﴿لِيُخْرِحَكُمْ﴾ الله تعالى، أو عبده محمد
﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ﴿وَإِنَّ
اللَّهَ بِكُمْ﴾ في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان. ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث نَبَّهكم
بالرسل والآيات، ولم يقتصر على الحجج العقلية.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا نُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي وما لكم بعد إيمانكم ألا تنفقوا في
سبيل الجهاد وفيما يكون قربة إليه. ﴿﴿وَلِلَّهِ مِيَثُ السََّوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ أي إنه يرث
كل شيء فيهما، ولا يبقى لأحد مال، وإذا كان الأمر كذلك فإنفاقه بحيث
يستخلف عوضاً يبقى، وهو الثواب، كان أولى. ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنَفَقَ
مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَثَلَ﴾ أي لا تساوي بين المنفق قبل فتح مكة وقاتل الأعداء،
ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، لوجود السبق في الإيمان، وقوة اليقين،
وتحرّي المصالح العامة للمسلمين. وذكر القتال للاستطراد. والمراد بالفتح فتح
مكة الذي أعز الله به الإسلام، وكثر أهله، وقلَّت الحاجة إلى الإنفاق
والمقاتلة. ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ﴾ أي وكلّاً من الفريقين وعده الله المثوبة
الحسنى، وهي الجنة. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بأعمالكم الظاهرة
والباطنة، فمجازيكم على حسبها.
﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ﴾ أي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه،
فإنه كمن يقرضه. ﴿فَّضًا حَسَنًا﴾ خالصاً لله. ﴿فَيُضَعِفَهُ لَهُ﴾ يعطي أجره
أضعافاً. ﴿وَلَهُ: أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مقترن بالرضا والقبول . ﴿ يَسْعَى نُرُهُم﴾ ما يوجب

٣٢٢
الجزءُ (٢٧) - الحَدِلَ: ٥٧ / ٧-١٢
نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة .﴿ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ﴾ أمامهم. ﴿وَبِأَيْمَتِهِ﴾ كتبهم؛ لأنهم
يؤتون صحائف أعمالهم من الأمام واليمين. ﴿بُشْرَنَّكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ﴾ أي
تتلقاهم الملائكة تبشرهم بدخول الجنات وبشراكم أي ما تبشرون به.
سبب النزول:
نزول الآية (٧):
﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ﴾: نزلت في غزوة العسرة، وهي غزوة تبوك.
نزول الآية (١٠):
﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ﴾: ذكر الواحدي عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت في
أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وذكر أيضاً عن ابن عمر قال: بينا النبي وَّ جالس، وعنده أبو
بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلَّلها على صدره بخلال، إذ نزل عليه جبريل
عليه السلام، فأقرأه من الله السلام، وقال: يا محمد، مالي أرى أبا بكر عليه
عباءة قد خلَّلها على صدره بخلال؟ فقال: يا جبريل، أنفق ماله قبل الفتح
عليّ، قال: فأقرئه من الله سبحانه وتعالى السلام، وقل له: يقول لك ربك:
أراضٍ أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فالتفت النبي ◌َ ◌ّله إلى أبي بكر فقال:
يا أبا بكر، هذا جبريل يقرئك من الله سبحانه السلام، ويقول لك ربك:
أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فبكى أبو بكر، وقال: على ربي
أغضب، أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض (١).
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أدلة إثبات وحدانيته وعلمه وقدرته، بمشاهد في
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٢٣٠ وما بعدها، تفسير القرطبي: ٢٤٠/١٧.

٣٢٣
المُ (٢٧) - الحَدِّد: ٥٧ / ٧-١٢
السماوات والأرض والأنفس، أتبعها ببعض التكاليف الدينية، فأمر بالإيمان
بالله تعالى ورسوله ﴿ وباستدامته والإخلاص فيه، ثم طلب من المؤمنين
الإنفاق في سبيل الله، وأخبر بمضاعفة الأجر عليه، وأبان أن آياته تخرج من
ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وفضّل السابقين الأولين إلى الإسلام الذين
أسلموا وأنفقوا قبل فتح مكة، ثم أكد الحث على الإنفاق مرة أخرى.
التفسير والبيان:
﴿ءَاِمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ شُسْتَخْلَفِينَ فِيَهِ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمُ
وَأَنْفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٣)﴾ أي صدّقوا بالتوحيد وبصحة رسالة محمد ◌َال على
الوجه الأكمل، وداوموا واثبتوا على ذلك، وأنفقوا من مال الله الذي جعلكم
خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله، والعباد
خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه.
ثم رغب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، مبيناً أن الذين جمعوا بين الإيمان
بالله تعالى ورسوله وَله، وبين الإنفاق في سبيل الله، لهم ثواب كثير الخير
والنفع وهو الجنة.
أخرج أحمد عن عبد الله بن الشِّخِّير قال: انتهيت إلى رسول الله له وهو
يقول: ((ألهاكم التَّكاثُرُ، يقول ابن آدم؛ مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما
أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت)) ورواه مسلم أيضاً
وزاد: ((وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس)).
ثم وبخهم الله تعالى على ترك الإيمان، فقال:
﴿وَمَا لَكُمْ لَ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوَّكُمْ لِثُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ إِن
كُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي، وأيّ شيء يمنعكم عن الإيمان، والرسول معكم
يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به،

٣٢٤
الُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلُّ: ٥٧ / ٧-١٢
بتلاوة القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة، وقد أخذ الله ميثاقكم بأن
تؤمنوا في عالم الذر حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، وبما أقام لكم في
الكون والآفاق والأنفس من الأدلة على التوحيد ووجوب الإيمان، وكذا ما
ترشد إليه العقول السليمة، إن كنتم مريدين الإيمان، فبادروا إليه، فهذا توبيخ
على ترك الإيمان بشرطين: أحدهما - أن يدعو الرسول 18 والثاني- أنه أخذ
الميثاق عليهم.
أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله له قال يوماً لأصحابه: ((أي
المؤمنين أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: وما لهم لا يؤمنون، وهم
عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء، قال: وما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم،
قالوا: فنحن، قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب
المؤمنين إيماناً قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها)) .
ثم أوضح الله تعالى الغاية من إنزال القرآن لقطع عذرهم، فقال:
﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ◌َيَتٍ بَيْنَتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ
وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٤) أي إن الله أراد بإنزال الآيات البينات
الواضحات التي هي القرآن وغيره من المعجزات أن يخرجكم من ظلمات
الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين والإيمان، وإن الله
لكثير الرأفة والرحمة بعباده، حيث أنزل الكتب، وبعث الرسل، لهدايتهم،
وأزال الموانع والشُّبَه، وأزاح العلل.
وبعد أن أمرهم بالإيمان والإنفاق، وحثهم عليهما، ووبخهم على ترك
الإيمان، وبخهم على ترك الإنفاق، فقال:
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا نُفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيَثُ الشَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ أي، أي
عذر لكم وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في طاعة الله ومرضاته والجهاد من
أجله؟ فأنفقوا ولا تخشوا فقراً، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك

٣٢٥
الجُرُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ / ٧-١٢
السماوات والأرض، وهو متصرف فيهما وعنده خزائنهما، وكل الأموال
صائرة إلى الله سبحانه، إن لم تنفقوها في حياتكم، كرجوع الميراث إلى
الوارث، ولا يبقى لكم منه شيء، فالمال مال الله، والله يقول: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم
مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩/٣٤] ويقول: ﴿مَا
◌ِندَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦/١٦]. وهكذا أمر الله أولاً بالإيمان
والإنفاق، ثم أكد إيجاب الإيمان، ثم أكد في هذه الآية إيجاب الإنفاق.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن الإنفاق فضيلة، بَيَّن أن المسابقة في الإنفاق تمام
الفضيلة، وأن للمنفقين درجات بحسب أحوالهم، فقال:
﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ أي لا تساوي بين من أنفق في سبيل الله قبل فتح مكة
وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل؛ أولئك الأولون أعظم درجة من
الآخرين؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف، ولا
يجدون من المال إلا قليلاً، أما بعد الفتح فقد كثر المسلمون، وزاد الخير.
﴿وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي وكل واحد من
الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة، مع تفاوت الدرجات، والله
عليم بأعمالكم وأحوالكم الظاهرة والباطنة، فيجازيكم بذلك، إذ لا يخفى
عليه شيء مما أنتم عليه.
أخرج الإمام أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد
الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام
سبقتمونا بها، فذكر ذلك للنبي ◌ّه، فقال: ((دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي
بيده، لو أنفقتم مثل أُحُد، أو مثل الجبال ذهباً، ما بلغتم أعمالهم))(١).
(١) ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد كان بين صلح الحديبية وفتح مكة.

٣٢٦
لجُرعُ (٢٧) - الحَدْلَ: ٥٧ / ٧-١٢
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول
الله وَلجه: ((لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أن أحدكم أنفق
مثل أُحُد ذهباً، ما أدرك مُدّ أحدهم، ولا نَصِيفَه)) .
ثم بيَّن الله تعالى ثمرة الإنفاق، فقال:
﴿َن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَهُ، أَجْرٌ كَرِيمُ ﴾﴾ أي
من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، محتسباً أجره عند ربه، فإنه كمن يقرضه
قرضاً حسناً، أي بلا منّ ولا أذى، طيبة به نفسه، فإن الله يضاعف له ذلك
القرض، فيجعل له الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، على اختلاف
الأحوال والأشخاص والأزمان، وله بعد ذلك ثواب كثير الخير والنفع
وجزاء كريم جميل، وهو الجنة.
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن
ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا
رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال أرني
يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي - بستاني-
وله حائط فيه ست مئة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح،
فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز
وجل.
وفي رواية: أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح، ونقلت منه متاعها
وصبيانها، وإن رسول الله وَ لقول قال: ((كم من عَذْق(١) رَداح في الجنة لأبي
الدَّخداح)) .
(١) العَذْق: النخلة بحَمْلها، والرداح: المثمر.

٣٢٧
الخُ (٢٧) - الحَدِلّ: ٥٧ / ٧-١٢
ثم أخبر الله تعالى عن حال المؤمنين المتصدقين يوم القيامة، فقال:
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِ﴾ أي وله أجر
كريم، أو اذكر تعظيماً لذلك اليوم(١) حين تنظر المؤمنين والمؤمنات الذين
تصدقوا يسعى الضياء الذي يرونه على الصراط يوم القيامة أمامهم، وتكون
كتبهم بأيمانهم، أي تكون أعمالهم الصالحة سبباً لنجاتهم، وهدايتهم إلى
الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ سَمِينِهِ (٦)
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
﴾ [الانشقاق: ٧/٨٤-٩]. وإنما قال:
يَسِيرًا ﴿ وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (
أَيْدِيِهِمْ وَبِأَتْمَنِهِمِ﴾ لأن ذلك أمارة النجاة.
والناس كما قال ابن مسعود في هذه الآية على قدر أعمالهم يمرون على
الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من
نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه، يتّقد مرة، ويطفأ
مرة(٢). وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ◌َ ي كان يقول: ((من المؤمنين من يضيء
نوره من المدينة إلى عدن أبْيَن وصَنْعاء، فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من
يضيء نوره موضع قدميه)) .
﴿بُشْرَّكُمُ الْيَوْمَ جَثَّتٌ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيَأْ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
اُلْعَظِيمُ﴾ أي ويقال لهم من قبل الملائكة: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها
الأنهار ماكثين فيها أبداً، تكريماً وجزاء وفاقاً لما قدمتم من صالح الأعمال،
ذلك النور والبشرى هو النجاح العظيم الذي لا مثيل له، حتى كأنه لا فوز
غيره، ولا اعتداد بما سواه، ونظير الآية: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ
بَابٍ ، سَلَمُّ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
[الرعد: ٢٣/١٣ -٢٤].
(١) يوم: ظرف لقوله: ﴿وَلَهُ، أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أو منصوب بـ (اذكر)، تعظيماً لذلك اليوم.
(٢) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .

٣٢٨
الجزءُ (٢٧) - ◌ِالحَدِيد: ٥٧ /٧-١٢
والخلاصة: أن الإيمان والإنفاق سبب لثلاثة أمور: النجاة يوم الحساب،
وتبشير الملائكة بالجنة، والخلود في جنات النعيم. وقد دلت هذه الآية على أن
المؤمنين لا ينالهم أهوال القيامة؛ لأنه تعالى بيَّن أن هذه صفتهم يوم القيامة من
غير تخصيص.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اَ- وجوب الإيمان بالله تعالى ورسوله صل﴿، أي التصديق بأن الله واحد لا
شريك له، وأن محمداً رسول الله له، وهذا يقتضى الاشتغال بطاعة الله تعالى.
أَ- وجوب الإنفاق في سبيل الله، والمراد بذلك الزكاة المفروضة، وقيل:
المراد غيرها من وجوه الطاعات والقربات. وهذا يعني الأمر بترك الدنيا
والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله تعالى.
◌َّ- دل قوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيَةٌ﴾ على أن أصل الملك لله سبحانه
وأن العبد ليس له في ماله إلا التصرف الذي يرضي الله، فيثيبه على ذلك بالجنة.
فمن أنفق من ماله في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منه، كما يهون على
الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأجر
العظيم.
وهذا دليل على أن الأموال ليست بأموال الناس في الحقيقة، وما هم إلا
بمنزلة النواب والوكلاء، فليغتنم المؤمن الفرصة في الأموال بإقامة الحق قبل
أن تزال عنه إلى من بعده.
٤- للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، والذين أنفقوا في سبيل الله أجر
كبير وهو الجنة.

٣٢٩
لُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ / ٧-١٢
٥- وبَّخ الله على ترك الإيمان بالله تعالى، فأي عذر للناس في ألا يؤمنوا
وقد أزيلت الموانع وأزيحت العلل؟ مع أن الرسول لام يدعو بالبرهان الصحيح
والدليل المقنع إلى الإيمان بالله، والله سبحانه أخذ الميثاق الأول على الناس
حينما كانوا في ظهر آدم بأن الله ربهم، لا إله لهم سواه، ومن ميثاقهم أيضا ما
أودع الله لهم من العقول والأفكار، وأقام الدلائل والحجج التي تدعو إلى
متابعة الرسول ، فإذا كنتم أيها الناس مؤمنين بالحجج والدلائل، فبادروا
إلى الإيمان.
٩ - أيَّد الله نبيه بما يدل على صدقه وبما يؤدي إلى إنجاح دعوته بالقرآن
والمعجزات، فيلزم الناس بعدئذ الإيمان؛ لأن آيات القرآن البينات تخرج من
ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإيمان، وإن الله بالناس لرؤوف رحيم إذ أنزل
لهم الكتب وبعث الرسل وأزال الموانع والعلل التي تمنع من الإيمان.
لاً- وبخ الله تعالى أيضاً على عدم الإنفاق في سبيل الله تعالى، وفيما يقرب
من الله سبحانه، فالناس جميعاً يموتون، ويخلفون أموالهم، وهي صائرة إلى الله
تعالى، كرجوع الميراث إلى المستحق له.
وهكذا أمرت الآيات بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكدت وجوب الإيمان
وإيجاب الإنفاق، فهو ترتيب حسن بارع، انتقل فيه البيان من الأمر المفيد
للوجوب إلى ذكر الرادع أو المؤيد، والتهديد على التقصير أو الإهمال.
٨- يكون ثواب الإنفاق أعظم إذا كانت الحاجة إليه أشد بسبب الأزمات
والظروف الضيقة، لذا نفى الله سبحانه المساواة بين من أنفق قبل فتح مكة
وقاتل الأعداء، وبين من أنفق بعد الفتح وقاتل، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ
أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠/٥٩]، لأن المال كان أقل، والحاجة
إلى النفقة أشد، والمسلمين قلة، أما بعد الفتح فكثر الخير، وقلّت الحاجة إلى
الإنفاق، وكثر المسلمون.

٣٣٠
لُ (٢٧) - ◌ِالحَدِدْ: ٥٧ / ٧-١٢
روى أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يُقَدَّم أهل الفضل والعزم؛ وقد قال
الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَلَ﴾. وقال الكلبي كما
تقدم: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، ففيهما دليل واضح على تفضيل أبي
بكر رضي الله عنه وتقديمه؛ لأنه أول من أسلم. قال ابن مسعود: أول من
أظهر الإسلام بسيفه النبي وَّر وأبو بكر، ولأنه أول من أنفق على نبي الله وَله.
والتقدم والتأخر يكون في أحكام الدنيا والدين، فقد قالت عائشة رضي الله
عنها: (( أمرنا رسول الله و ﴿ أن ننزل الناس منازلهم، وأعظم المنازل مرتبة
الصلاة)). وقال ◌َ له في مرضه فيما رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه عن
عائشة: ((مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)) وقال فيما رواه أحمد عن أنس: ((يؤمُّ
القومَ أقرؤهم للقرآن)) وقال فيما رواه الجماعة عن مالك بن الحويرث:
((وليؤمّكما أكبرُكما)) وقال مالك: إن للسن حقاً، وراعاه الشافعي وأبو
حنيفة، وهو أحق بالمراعاة؛ لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيِرين قدِّم
العلم، وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدِّين، فمن قدِّم في الدين
قُدِّم في الدنيا.
وفي الحديث الثابت الذي رواه الترمذي عن أنس: ((ما أكرم شاب شيخاً
لسِنِّه إلا قيَّض الله له من يكرمه عند سِنِّه)) . وروى الترمذي أيضاً عن أنس:
((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا)) وفي رواية لأحمد والترمذي
والحاكم عن ابن عمرو: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا))
وفي رواية أخرى لأحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت: ((ليس منا من لم يحلّ
كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)).
ـة- وعد الله تعالى كلاً من المتقدمين المتناهين السابقين، والمتأخرين
اللاحقين الجنة، مع تفاوت الدرجات.
٠ ١َ- ندب القرآن مرة أخرى في هذه الآيات إلى الإنفاق في سبيل الله،

٣٣١
اِلُ (٢٧) - ◌ِالحَدِّ: ٥٧ / ١٣-١٥
وأبان أن ثواب الصدقة التي يحتسب فيها المتصدق من قلبه بلا منّ ولا أذى
مضاعف ما بين السبع إلى سبع مئة، إلى ما شاء الله من الأضعاف، بحسب
الأحوال والأشخاص، ويكون للمنفِق جزاء جميل، ورزق باهر، وهو الجنة
يوم القيامة.
١١ - إن هذا الأجر الكريم والجزاء الجميل يكون للمؤمنين والمؤمنات
الذين تصدقوا في سبيل الله، ويكون إيمانهم وعملهم الصالح سبباً للنجاة
واجتياز الصراط، وهو الضياء الذي يمرون فيه، ويكون أمامهم، وتكون
كتب أعمالهم بأيمانهم، وتبشرهم الملائكة بدخول الجنة خالدين فيها أبداً، ولا
تنالهم أهوال القيامة، ويدخلون الجنة، وذلك هو الفوز الأكبر.
حال المنافقين يوم القيامة
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَثُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَبِسْ مِن نُّوِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ
وَرَءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْتَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاطِئُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
الْعَذَابُ
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُن ◌َعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتُمْ أَنفُسَكُمْ وَرَضْتُمْ
١٣
وَأَرْبَّبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمُْ الَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُوُرُ
فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ
١٤
مِنْكُمْ فِذْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَِّّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِبُرُ
١٥
القراءات:
﴿أَنْظُرُونَا﴾﴾ :
وقرأ حمزة (أنْظِرونا).
﴿قِيلَ﴾:
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.

٣٣٢
الُعُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلُّ: ٥٧ / ١٣-١٥
( يُؤْخَذُ﴾ :
وقرأ ابن عامر (تُؤخذ)، وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (يُؤْخذ).
﴿مَأْوَنَكُمُ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وماواكم).
﴿وَبِئْسَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبيس).
الإعراب:
﴿يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: ظرف، وعامله ﴿ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ أو
بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول.
﴿أَرْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ﴾ وراء هنا: اسم لـ ﴿أَرْجِعُواْ﴾ وليس بظرف لـ
﴿أَرْجِعُواْ﴾ قبله، فلا يكون ظرفاً للرجوع لقلة الفائدة فيه؛ لأن لفظ الرجوع
يغني عنه، ويقوم مقامه.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ الباء: زائدة، وسور: في موضع رفع؛ لأنه نائب
فاعل.
﴿مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ﴾ ﴿مَوْلَئِكُمْ﴾: إما مصدر مضاف إلى
المفعول، ومعناه: تليكم وتمسكم، أو معناه: أولى بكم، وأنكر بعضهم هذا
الوجه، وقال: إنه لا يعرف المولى بمعنى الأولى.
البلاغة:
﴿مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ﴾ أسلوب تهكمي، أي لا ولي لكم ولا ناصر
إلا نار جهنم.

٣٣٣
لُ (٢٧) - ◌ِالحَدِةِ: ٥٧ / ١٣-١٥
﴿بَابٌ بَاطِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
﴿ بِسُورٍ لَُّ بَابُ بَاطِئُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ سجع مرصع غير
متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْظُرُونَا﴾انتظرونا أو أبصرونا؛ لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف،
وقرئ: (انظرونا )، أي أمهلونا أو انتظرونا. ﴿نَقْنِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ نستضيء
بنوركم، من الاقتباس: طلب القبس، أي الجذوة من النار، والمراد هنا نأخذ
القبس والإضاءة. ﴿قِيلَ﴾ لهم، استهزاء بهم. ﴿أُرْجِعُواْ وَرَآَكُمْ﴾ إلى الدنيا.
﴿ فَالْتَمِسُواْ نُرًا﴾ أي إلى حيث شئتم، فاطلبوا نوراً آخر، فإنه لا سبيل لكم إلى
هذا، وهذا تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو من الملائكة. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم
بِسُورٍ﴾ ضرب بحائط أو حاجز بين المؤمنين والمنافقين، قيل: هو سور
الأعراف. ﴿لَّهُ بَابٌ﴾ يدخل فيه المؤمنون. ﴿بَاِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ﴾ باطن السور أو
الباب من جهة المؤمنين لأنه يلي الجنة . ﴿وَظَِهِرُهُ﴾ من جهة المنافقين؛ لأنه يلي
النار. ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ من جهته.
﴿أَمْ تَكُنْ مَّعَكُمْ﴾ أي ألسنا على دينكم وعلى الطاعة؟ أي في الظاهر.
﴿بَلَى﴾ أي كنتم معنا. ﴿فَتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ بالنفاق وأهلكتموها بالمعاصي.
﴿وَتَرَبَضْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر. ﴿وَأَرْبَبْتُمْ﴾ شككتم في دين الإسلام وفي أمر
البعث . ﴿اَلْأَمَانِىُّ﴾ الآمال والأطماع كامتداد العمر وانتكاس الإسلام.﴿ حَتَّى
جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الموت. ﴿اُلْغَرُورُ﴾ الشيطان . ﴿فِدْيَهُ ﴾فداء يفتدى به، وهو ما
يبذل من المال لحفظ النفس من الهلاك. ﴿مَأْوَنَكُمُ النَّارِ﴾ منزلكم الذي تأوون
إليه . ﴿مَوْلَنَكُمْ﴾ التي تليكم أو أولى بكم. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النار.

٣٣٤
الجُرَءُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ /١٣-١٥
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى حال المؤمنين المنفقين يوم القيامة، وأن نورهم يسعى
بين أيديهم وبأيمانهم ليرشدهم إلى الجنة، فهو أمارة النجاة، بيَّن حال المنافقين
في ذلك اليوم، وأنهم يلتمسون عون المؤمنين لهم، فيجابون بالخيبة واليأس،
وألا أمل لهم في النجاة، وأن النار هي مأواهم وأولى بهم، وذلك يدل على أنه
لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله تعالى ورسوله وَله إيماناً حقاً، وعمل بما أمر
الله به، وترك ما عنه زجر.
التفسير والبيان:
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُتَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَفْتَبِسْ مِن ذُوِكُمْ﴾ أي في
ذلك اليوم يوم القيامة يقول المنافقون والمنافقات للمؤمنين الذين يسعى نورهم
بين أيديهم وبأيمانهم: أيها المؤمنون الناجون انتظرونا لعلنا نستضيء بنوركم،
ونخرج من هذا الظلام الحالك، والعذاب الأليم المنتظر.
قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات، ثم إنه تعالى
يعطي المؤمنين هذه الأنوار، والمنافقون يطلبونها منهم قائلين: ﴿أَنْظُرُونَا﴾
لأنهم إذا نظروا إليهم، والنور قدامهم، استضاؤوا بتلألؤ تلك الأنوار.
فيجابون بما يخيب آمالهم، كما قال تعالى:
﴿قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَآَكُمْ فَالْتَمِسُواْ ثُرًا﴾ أي تقول لهم الملائكة أو المؤمنون:
ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان والأعمال
الصالحة، وفي هذا تهكم بهم واستهزاء بطلبهم، كما كانوا يستهزئون بالمؤمنين
في الدنيا، حين كانوا يقولون: آمنا وما هم بمؤمنين.
ثم يحسم الله الموقف وهذه المحاورة بقوله:
﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابْ بَاِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ أي

٣٣٥
الُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ / ١٣-١٥
فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين حاجز، باطن ذلك السور، وهو الجانب
الذي يلي أهل الجنة، فيه الرحمة، وهي نِعَم الجنة، والجانب الذي يلي أهل
النار، من جهته عذاب جهنم.
ثم يذكر الله تعالى حال المنافقين واستغاثاتهم، فيقول:
﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُن مَعَكُمْ قَالُواْ بَى وَلَكِنَّكُمْ فَتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ
وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣)﴾ أي ينادي المنافقون
المؤمنين قائلين لهم: ألم نكن معكم في الدار الدنيا، نوافقكم في أعمالكم،
نشهد معكم الجُمُعات، ونصلِي معكم الجماعات في المساجد، ونقف معكم
بعرفات، ونحضر معكم معارك الجهاد، ونؤدي معكم سائر الواجبات،
ونعمل بأعمال الإسلام كلها؟
فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم
فتنتم أنفسكم بالنفاق وإبطان الكفر، وأهلكتموها باللذات والمعاصي
والشهوات، وأخرتم التوبة، وتربصتم الدوائر وحوادث الدهر بالمؤمنين،
وبالحق وأهله، وشككتم في أمر الدين والبعث بعد الموت، ولم تصدِّقوا ما نزل
به القرآن، ولا آمنتم بالمعجزات الظاهرة.
وغرتكم الأماني الباطلة حيث قلتم: سيُغْفَرُ لنا، وغرتكم الدنيا وطول
الأمل، حتى جاءكم الموت، وغرَّكم أو خدعكم الشيطان، حتى قال لكم: إن
الله غفور رحيم لا يعذبكم.
﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَنَكُمْ
وَبِْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي ففي هذا اليوم لا تقبل منكم فدية تفدون بها أنفسكم
من النار أو العذاب، أيها المنافقون، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا
ثَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣/٢] ولا من الذين كفروا بالله ظاهراً وباطناً،
منزلكم الذي تأوون إليه النار، هي أولى بكم من كل منزل، وبئس المصير
الذي تصیرون إليه، وهو النار.

٣٣٦
الجُزءُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ /١٣-١٥
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
أَ- يستنجد المنافقون (الذين أظهروا الإسلام في الدنيا وأبطنوا الكفر)
بالمؤمنين الذين نجوا من العذاب، طالبين منهم انتظارهم أو إمهالهم وتأخيرهم
ليأخذوهم معهم، والاستضاءة بنورهم،. قال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور،
ويترك الكافر والمنافق بلا نور.
أَ - تقول الملائكة أو المؤمنون لهم: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه
النور، فاطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً، فإنكم لا تقتبسون من نورنا.
٣ - لما رجعوا وانعزلوا في طلب النور ضرب حاجز بين الجنة والنار، باطنه
فيه الرحمة، وهو ما يلي المؤمنين، وظاهره فيه العذاب وهو ما يلي المنافقين.
٤- ينادي المنافقون المؤمنين قائلين لهم: ألم نكن معكم في الدنيا، نصلي
كما تصلون، ونجاهد كما تجاهدون، ونفعل مثلما تفعلون؟
فيجيبهم المؤمنون بقولهم: بلى، قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم استعملتم
أنفسكم في الفتنة، وأهلكتموها بالنفاق والمعاصي والشهوات واللذات،
وتربصتم بالنبي ◌َّة الموت، وبالمؤمنين الدوائر، وغرتكم الأباطيل، حتى
حضركم الموت، وخدعكم بالله الشيطان.
٥- أيأسهم الله تعالى من النجاة، وأخبرهم بأنه لا يقبل منهم يوم القيامة
فدية يدفعون بها العذاب عن أنفسهم، ومقامهم ومنزلهم النار، هي أولى بهم
من كل منزل، وساءت مرجعاً ومصيراً.

٣٣٧
الُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ / ١٦-١٩
خشية الله وجزاء المتصدقين
والمؤمنين وجزاء الكافرين
أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ اُلْحَقِّ وَلَا
يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحِى اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَأْ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ
فَسِقُونَ (َ)
تَعْقِلُونَ
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُضَِّّقَتِ وَأَفْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعَفُ لَهُمْ
١٧
وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرٌِ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ وَالشُّهَدَآءُ
عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
الْجَحِيمِ
القراءات:
: (
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (يان).
﴿نَزَلَ﴾: قرئ:
١- (نَزَل) وهي قراءة نافع، وحفص.
٢- (نَزَّل) وهي قراءة الباقين.
﴿اَلْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ﴾ :
وقرأ ابن كثير (المصَدِّقين والمصَدِّقات).
﴿ يُضَعَفُ﴾:

٣٣٨
الُعُ (٢٧) - الحَدِدُّ: ٥٧ / ١٦-١٩
وقرأ ابن كثير، وابن عامر (يُضَعَّفُ).
الإعراب:
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (ما): اسم موصول بمعنى الذي في موضع جر
بالعطف على قوله: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ويجوز أيضاً أن تكون مصدرية، وتقديره:
لذكر الله وتنزيل الحق ﴿ وَلَا يَكُونُواْ﴾ معطوف على﴿ مَخْشَعَ﴾.
﴿وَأَفْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا﴾ ﴿وَأَقْرَضُواْ﴾: إما معطوف على ما في صلة
الألف واللام في قوله: ﴿اُلْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَدِّفَتِ﴾ على تقدير: إن الذين تصدقوا
وأقرضوا، وإما أن يكون: ﴿ وَأَفْرَضُوْ اَللَّهَ﴾ اعتراضاً بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها،
وهو ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾ وجاز هذا الاعتراض لأنه يؤكد المعنى الأول من
التصدق.
﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾
البلاغة:
﴿أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ استعارة تمثيلية، استعار إحياء
الأرض بالنبات لإحياء القلوب القاسية بالقرآن وتلاوته.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمَّ يَأَنِ﴾ ألم يأت وقته، يقال: أنى الأمر أنْياً وأناء وإناءً: إذا جاء أناه،
أي وقته .﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ تخشى وتخاف ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وعظه وإرشاده. ﴿وَمَا
نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ هو القرآن ﴿أُوْتُوْ اُلْكِنَبَ﴾ هم اليهود والنصارى، والمراد
النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى الله عنهم بقوله: ﴿فَطَالَ عَتِهِمُ الْأَمَدُ
فَقَسَتْ﴾ الزمن، أي طال العهد بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صلُبت
ولم تلن لذكر الله .﴿فَسِقُونَ﴾ خارجون عن حدود دينهم، مخالفون للأوامر
والنواهي.

المُعْ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ١٦-١٩
٣٣٩
﴿أَعْلَمُوْ﴾ خطاب للمؤمنين المذكورين في الآية السابقة. ﴿أَنَّ اللَّهَ يُحِى
اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يحييها بالماء والنبات بعد جدبها، فكذلك يفعل بقلوبكم
يردها إلى الخشوع، وهذا تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة . ﴿قَدْ
بَيَّنَا لَكُمُ الْأَيَتِ﴾ أوضحنا لكم الآيات الدالة على قدرتنا بهذا البيان هنا
وغيره، وهي الحجج .﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون.
﴿إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُضَّلِّقَتِ﴾ أي الذين تصدقوا واللاتي تصدقن بأموالهم على
المحتاجين من التصدق: أدغمت التاء في الصاد، وفي قراءة بتخفيف الصاد
فيهما من التصديق: الإيمان. ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ﴾ راجع إلى الذكور والإناث معاً
بطريق التغليب .﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ صدقة مقرونة بالإخلاص ابتغاء مرضاة
الله، بلا مَنّ ولا أذى ولا إرادة جزاء من المحتاج المعطى. ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾
يضاعف الله لهم ثواب عملهم، وفي قراءة يضعّف بالتشديد، أي قرضهم،
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ثواب جميل ورزق باهر.
﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ﴾ المبالغون في التصديق، أي أولئك عند الله بمنزلة
الصديقين وهم الذين كثر صدقهم وصار سجية لهم . ﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾
هم الذين قتلوا في سبيل الله، جمع شهيد، سمي بذلك؛ لأن الملائكة تشهد له
بالجنة، أو القائمون بالشهادة لله أو لهم أو على الأمم يوم القيامة، والمراد بهم
الأنبياء؛ لقوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
(ج) [النساء: ٤١/٤].
هَؤُلَاءِ شَهِيدًا
﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ جحدوا وجود الله ووحدانيته. ﴿وَكَذَّبُواْ
بِشَايَئِنَآَ﴾ الدالة على وحدانيتنا . ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ النار، قال
البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من حيث
إن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة.
۵

٣٤٠
الجُرُ (٢٧) - الحَدِيد: ٥٧ /١٦-١٩
سبب النزول:
نزول الآية (١٦):
﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ : أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد العزيز بن أبي رواد:
أن أصحاب النبي ◌ُّوظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت: ﴿أَلَمْ بَأَنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ الآية.
وأخرج أبن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي ◌َّ قد
أخذوا في شيء من المزاح، فأنزل الله: ﴿أَلَمَ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنَ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية.
وأخرج أيضاً عن السُّدِّي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله اله
مَلَّة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيَّكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ﴾ ثم مَلُّوا مَلَّة، فقالوا حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله: ﴿أَلَمَ بَأَنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية.
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب
رسول الله وَّر المدينة، فأصابوا من العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من
الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ أَنَ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. وروي مثل هذا عن ابن
مسعود، وقال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع
سنين(١). وقال ابن عباس: إنه عاتبنا على رأس ثلاث عشرة سنة.
المناسبة:
بعد بيان حال المؤمنين وحال المنافقين يوم القيامة، أتبعه بندب المؤمنين
(١) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه والبزار .