النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ الُرُ (٢٧) - الَّمنّ: ١٤/٥٥-٢٥ ورفعت سواريها وأشرعتها في الهواء كالجبال الشاهقة، فهي تنتقل في البحار بالركاب والحمولات والبضائع والأقوات والأرزاق والآلات من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، حتى بلغت حمولة بعض ناقلات النفط خمس مئة ألف طن، بالإضافة لحاملات الطائرات والبوارج الحربية المدمرة، والغواصات الذرية الرهيبة. ولو شاء تعالى لجعل البحر ساكناً ولما تمكنت السفن أن تطفو فوق الماء. فقوله: ﴿الْمُنْشَآَتُ﴾ إما المرفوعات، وإما المحدثات الموجودات،. وهذا يدل على كبر السفن حيث شبهها بالجبال، وإن كانت المنشآت تطلق على السفينة الكبيرة والصغيرة. وإنما قال: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ خاصة، مع أن له السماوات وما فيها والأرض وما عليها؛ لأن أموال الناس وأرواحهم في قبضة قدرة الله تعالى، حيث لا تصرّف لأحد في الفلك. ﴿فَبِأَقِّ ءَالَِّ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿3﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجنّ؟ لقد خلقت هذه النعمة العديدة لكم، أيمكنكم إنكار صناعة السفن الضخمة، أو كيفية إجرائها في البحر، أو دورها في تقريب المسافات والاتصال بين أجزاء العالم المتباعدة، ونقل تجاراته وصناعاته، للاستفادة منها في أقاليم أخرى. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: اَ - إن أصل خلق الإنسان من تراب، ثم طين، فحمأ مسنون، ثم لازب، ومرد غذائه إلى التراب والماء، ومصيره في النهاية إلى الأرض التي خلق منها، ثم يخرج منها يوم البعث والمعاد. أَ - وإن خلق أصل الجن من لهب النار، أو من الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، المختلط بعضه ببعض: أحمر وأصفر وأخضر. ٢٢٢ الجُزُ (٢٧) - الرَّحْمنَّ: ١٤/٥٥-٢٥ ◌َ - الله سبحانه ربّ المشرق والمغرب، وربّ المشرقين والمغربين في الصيف والشتاء، وربّ المشارق والمغارب، أي مطالع الشمس ومغاربها في كل يوم. ٤- أرسل الله في البحار والمحيطات الكبرى البحرين: الملح والعذب، وجعل بينهما حاجزاً لا يختلط أحدهما بالآخر، وتلك آية كبرى على قدرة الله و عظمته. ٥- أخرج الله للناس ومنافعهم من البحار المالحة اللؤلؤ والمرجان، كما أخرج من التراب الحبّ والعصف والريحان. وإنما قال: ﴿مِنْهُمَا﴾، وإنما يخرج ذلك من الملح لا العذب؛ لأن العرب تجمع الجنسين، ثم تخبر عن أحدهما، كقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ اُلْجِنِّ وَاُلْإِنِسِ أَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٣٠]، وإنما الرسل من الإنس دون الجن، كما قال الكلبي وغيره. وقال الزجاج: قد ذكرهما الله، فإذا خرج من أحدهما شيء، فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْأْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ فِيهِنَ ﴾ [نوح: ١٥/٧١- ١٦] والقمر في سماء الدنيا، ولكن نُرِّ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ( أجمل ذكر السبع، فكأن ما في إحداهنّ فيهنّ. وقال أبو علي الفارسي كما تقدم: هذا من باب حذف المضاف، أي من أحدهما، كقوله تعالى: ﴿رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣]، أي من إحدى القريتين. أَ - لا يملك الفلك في البحر في الحقيقة أحد سوى الله؛ إذ لا تصرُّف لأحد فيها، لذا امتن الله تعالى على الناس في تسيير السفن في البحار، وأموال وأرواح ركابها في قبضة قدرة الله تعالى فوق الماء، كما هو الحال في إقلاع الطائرات في أعالي الفضاء فوق الهواء. والسفن في البحر كالجبال في البر، والطائرات في الجو كالطيور والشهب، ومن المعلوم أن الطائرات في الفضاء كالسفن في البحار تحمل مئات الأطنان. ٢٢٣ الُرُ (٢٧) - الرَّحْمنَّ: ٢٦/٥٥-٣٠ ١٣ لاً - أردف الله تعالى بعد كل نعمة قوله: ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ للتقرير بالنعم المختلفة المتعددة، والتوبيخ على التكذيب بها، كما تقدم بيانه، ومجمل المذكور هنا وما قبله: هل يستطيع أحد إنكار بدء خلق الإنسان والجن، وسلطان الله تعالى على المشرق والمغرب والشمس والقمر، والنجم والشجر، والزرع والحب، والأنهار والبحار، والدر والمرجان، وخلق مواد السفن، والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر، بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره سبحانه وتعالى. والإنسان وإن كان هو الصانع في الظاهر، ولكن صنعه بإلهام الله وتوفيقه وهدايته وإرشاده. فناء النعم والكون كله وبقاء الله تعالى وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ﴿ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨ يَسْئَلُهُ, مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ ﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ ٣٠ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ البلاغة: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ مجاز مرسل، أي ذاته المقدسة، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. المفردات اللغوية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ من على الأرض من إنسان وحيوان وموجودات ومصنوعات و﴿مَنْ﴾ لتغليب العقلاء، أو المراد: من الثقلين: الإنس والجن، فالضمير على الصحيح يعود إلى الأرض .﴿فَانٍ﴾ هالك. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ذاته .﴿ذُو الْجَلِ﴾ العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ الإفضال العام بأنعمه على المؤمنين. مما ذكرنا قبل، ومن الإخبار بالفناء الذي ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءٍ رَيِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يعقبه البقاء والحياة الأبدية. ٢٢٤ الجزءُ (٢٧) - الَمنَّ: ٢٦/٥٥-٣٠ يَسْعَلُهُ, مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ يطلبون منه صراحة أو بلسان الحال كل ما يحتاجون إليه من الحدوث والبقاء للذوات، والسعادة والرزق في الأحوال. (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ كل وقت هو في أمر من الأمور، يحدث أشخاصاً، ويجدد أحوالاً على ما سبق به قضائه في الأزل، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داع وإعطاء سائل، وغير ذلك. المناسبة: بعد تعداد النعم الدينية والدنيوية والأخروية، والاستدلال على قدرة الله وتوحيده في الأنفس والآفاق، نعى الحق سبحانه وتعالى الكون بأجمعه، وأخبر بأن جميع النعم الدنيوية والكائنات فانية، ولا يبقى إلا ذات الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ أي جميع وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ( ٢٦ من على الأرض من الناس والحيوانات، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، سيفنون ويموتون، وتنتهي حياتهم جميعاً، ولا يبقى إلا ذات الله سبحانه ذو العظمة والكبرياء، والإفضال والإكرام الذي يكرم به المخلصين من عباده، وهذه الصفة (صفة الجلال والإكرام) من عظيم صفات الله، وأعظم النعمة مجيء وقت الجزاء عقب ذلك، قال رسول الله وسچور فيما رواه الترمذي عن أنس: ((ألُوا بيا ذا الجلال والإكرام)) أي الزموا ذلك في الدعاء، ومرَّ وَله برجل، وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: ((قد استجيب لك)». وفي الدعاء المأثور: ((يا حيُّ يا قُّوم، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك)). ٢٢٥ الُعُ (٢٧) - الرَّحْمنَّ: ٥٥ /٢٦-٣٠ ونظير الآية: ﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُّ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨/٢٨] قال ابن كثير: وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذو الجلال والإكرام، أي هو أهل أن يُحَلّ فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨/١٨] وكقوله إخباراً عن المتصدقين: ﴿إِنّاً تُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩/٧٦]. وقال ابن عباس: ذو الجلال والإكرام: ذو العظمة والكبرياء(١). ﴿فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴾﴾ أي فبأي نعم الله هذه تكذبان أيها الإنس والجن، فالناس والمخلوقات جميعاً يتساوون كلهم في الوفاة، ثم يصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل، والفناء طريق للبقاء، والحياة الأبدية، فكان في الفناء نعمة التساوي في الموت، ونعمة تعاقب الأجيال، ونعمة العدل المطلق، ونعمة الانتقال من الدار الفانية إلى الدار الخالدة الباقية دار الجزاء والثواب، ذات النعيم المادي والروحي الشامل، فكيف يكون منكم التكذيب بهذه النعم العظيمة؟! أي يطلب منه ٢٩ ﴿يَسْتَلُهُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ جميع أهل السماء والأرض كل ما يحتاجون إليه، فيسأله أهل السماوات المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه الأمرين جميعاً (المغفرة والرزق) وتسأل لهم الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة، فلا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، والمادة تحتاج إلى ما يناسبها، والنبات يحتاج إلى ما يبقيه، والإنسان بحاجة إلى مقومات الحياة المادية والمعنوية، والحيوان مفتقر إلى عناصر البقاء. (١) تفسير ابن كثير: ٢٧٣/٤. ٢٢٦ الُ (٢٧) - الَّمن: ٢٦/٥٥-٣٠ وهذا إخبار عن غناه تعالى عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان الحال والمقال، وأنه سبحانه كل يوم ووقت في شأن، ومن شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويُغْنِي ويُفْقر، ويعزُّ ويُذلّ، ويُمْرض ويشفي، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب، إلى غير ذلك مما لا يحصى. أخرج ابن جرير والطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن منيب الأزدي قال: تلا رسول الله وَ ◌ّل هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال: ((أن يغفر ذنباً، ويفرِّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرین)» . بأي نعم الله تكذبان؟ فإن اختلاف شؤونه ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ في تدبير عباده نعمة لا يمكن جحدها، ولا يتيسر لمكذب تكذيبها. فقه الحياة أو الأحكام: أفادت الآيات ما يأتي: اً - الفناء أمر حتمي لجميع الخلائق في السماوات والأرض يوم القيامة، والبقاء بعدئذ لله ذي العزة والجبروت، والعظمة والكبرياء، والتكريم عن كل شيء لا يليق به من الشرك وغيره، والإكرام لعباده المخلصين. ®) قالت قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك. ◌َ- يطلب أهل السماوات والأرض جميع ما يحتاجون إليه، فيسأل أهل السماوات المغفرة، ويسأله أهل الأرض المغفرة والرزق، والله كل يوم في أمر أو شأن، ومن شأنه أن يحيي ويميت، ويُعز ويذل، ويرزق ويمنع. وروى البخاري في تاريخه وابن ماجه وابن حبان عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن ٢٢٧ الُزُ (٢٧) - الرَّحمن: ٣١/٥٥-٣٦ النبي ◌ََّ أنه قال في هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾، ((من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرِّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين)). ◌َّ- لا مجال للتكذيب بشيء من نعم الله في التسوية بين الْخَلْق في الموت والفناء، والانتقال إلى دار الجزاء والثواب، وإجابة دعائهم وتحقيق الخير والرزق والمغفرة لهم في الدنيا والآخرة. الجزاء والثواب على الأعمال في الآخرة يَمَعْشَرَ الْجِنّ ٣٢ فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ إ ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَانِ وَلْإِسِ إِنِ اُسْتَطَعْتُمْ أَن تَنْفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنفُذُواْ لَا نَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن ثَّارٍ وَتُحَاسُ فَلَا ٣٤ فَبِأَيِّ ءَالَآٍ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٣١ ٣٠ فَبِأَتِّ مَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٥ تَنَصِرَانِ القراءات: سنفرغ وقرأ حمزة، والكسائي (سَيَفَرُغُ). ﴿ أَيُّهَ النَّقَلَآنِ﴾ : وقرأ ابن عامر (أيُّهُ الثقلان). ﴿شُوَاظٌ﴾ : وقرأ ابن كثير (شِواظ). ﴿ وَتُحَاسِ﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (نحاسٍ). ٢٢٨ الزُعُ (٢٧) - الَمرّ: ٣١/٥٥-٣٦ الإعراب: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّنْ ثَارٍ وَتُحَاسُ﴾ ﴿وَتُحَاسٌ﴾ بالرفع: معطوف على قوله ﴿شُوَاظٌ﴾ وقرئ بالجر، ولا يجوز عطفه على ﴿نَارٍ﴾ لأن الشواظ لا يكون من النحاس؛ لأن النحاس ههنا بمعنى الدخان، وإنما هو محمول على تقدير: شواظ من نار، وشيء من نحاس، فحذف الموصوف لدلالة ما قبله عليه. البلاغة: یه ﴾ استعارة تمثيلية، شبه محاسبة الخلائق الثّقَلَانِ سنفرغ وجزاءهم يوم القيامة بالتفرغ للأمر، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، وإنما ذلك على سبيل المثال، إذ شبه تعالى ذاته في المجازاة بحال من فرغ للأمر. ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ﴾ الأمر هنا للتعجيز، ﴿فَانْفُذُواْ﴾ أمر تعجيزي. المفردات اللغوية: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة، أو سنقصدكم بالفعل وفيه تهديد . ﴿الثَّقَلَنِ﴾ الإنس والجن . ﴿أَن تَنَفُذُواْ﴾ إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض، هاربين من الله، فارّين من قضائه. ﴿ أَقْطَارِ﴾ جوانب جمع قطر. ﴿فَأَنفُذُواْ﴾ فاخرجوا، وهو أمر تعجيز . ﴿لَا نَفُذُونَ﴾ لا تقدرون على النفوذ. ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بقوة وقهر. ﴿شُوَاظٌ﴾ لهب خالص لا دخان فيه .﴿وَتُّحَاسُ﴾ ودخان لا لهب فيه. ﴿فَلاَ تَنْتَصِرَانِ﴾ لا تمتنعان من ذلك العذاب، بل تساقون إلى المحشر. المناسبة: بعد بيان النعم التي أنعم الله بها على الإنسان من تعليم العلم وخلقه وخلق السماء والأرض وما أودع فيهما، والإخبار عن فنائها يوم القيامة، أخبر الله ٢٢٩ الُرُ (٢٧) - الَّمن: ٣١/٥٥-٣٦ تعالى عن مجازاة الناس وحسابهم يوم القيامة، فيجازي كل عامل بما عمل، ويثاب على ما قدم من عمل صالح، ولا مناص ولا مهرب من العقاب، ولا من الامتناع منه. التفسير والبيان: أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم على ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَانِ أعمالكم، أيها الثقلان: الإنس والجن. وسموا الثَّقَلين؛ لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتاً. وهذا وعيد شديد من الله سبحانه للعباد، علماً بأن الله لا یشغله شيء عن شيء. جاء في الصحيح تفسير الثقلين بما ذكر: ((يسمعه كل شيء إلا الثقلين)) وفي رواية: ((إلا الإنس والجن)) وفي حديث الصور: ((الثقلان: الإنس والجن)). أي فبأي نعم الله تكذبان يا معشر ٣٢ ﴿فَبِأَقِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَنِ الثقلين؟ فإن من نعمه إنصاف الخلائق، بإثابة المحسنين، ومعاقبة المجرمين، فلا يظلم أحد شيئاً. ولا إفلات من هذا الجزاء، فقال تعالى: يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اُسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ (٤) أي أيها الإنس والجن، إن قدرتم أن فَأَنْفُذُواْ لَا تَفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هرباً من قضاء الله. وقدره، وأمره وسلطانه، فاخرجوا منها، وخلصوا أنفسكم، لا تقدرون على التخلص والنفوذ من حكمه إلا بقوة وقهر، ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة، فلا يمكنكم الهرب. والمعشر: الجماعة العظيمة، والأدق أن المعشر: العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه. ونظير الآية: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَِّئَاتِ جَزَآءُ سَبِئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم ٢٣٠ الجزعُ (٢٧) - الرحمن: ٣١/٥٥-٣٦ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَِّلِ مُظْلِمَاً أُؤَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (!َ﴾ [يونس: ٢٧/١٠]. ﴿فَبِأَِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ بأي نعم الله تكذبان أيها الثقلان؟ ومن ٣٢ ذلك تقديم التنبيه والتحذير، فذلك يرغّب المحسن، ويرهب المسيء، والله قادر على عقاب الجميع، فلا يفلت أحد، كما أنه تعالى يعفو مع كمال القدرة، وتلك نعمة أخرى. وإنما جمع ﴿أُسْتَطَعْتُمْ﴾ فهو لبيان عجزهم وعظمة ملك الله تعالى. ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَتُحَاسُ فَلاَ تَنَصِرَانِ (﴿3﴾ أي لو خرجتم يسلّط عليكم أيها الإنس والجن سيل من النار أو لهب خالص لا دخان معه من النار، ودخان مع النار، أو يصب على رؤوسكم نحاس مذاب، فلا تقدرون على الامتناع من عذاب الله. فالنحاس: إما الدخان الذي لا لهب له، أو النحاس المذاب الذي يصب على الرؤوس. وإنما ثنی ضمیر ﴿عَلَيْگمَا ﴾فهو لبيان الإرسال على النوعين، لا على كل واحد منهما، ولا على جميع الإنس والجن. وكذلك تنثية ﴿فَلاَ تَنَصِرَانِ﴾ أراد به النوعين أي لا ينصر بعضكم بعضاً أيها الجن والإنس. ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ﴾ بأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن، ٣٦ فإن التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي، بإثابة الأول، والانتقام من الثاني من نعم الله سبحانه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ا - لا بد من الحساب والجزاء على أعمال الناس والجن يوم القيامة، وسيتم القصد بالفعل للمجازاة أو المحاسبة. وهذا وعيد وتهديد من الله لعباده، ليحذروا يوم الحساب، ويرهبوا يوم الجزاء. ٢٣١ الجُرُ (٢٧) - الرَّحْرَّ: ٥٥ /٣١-٣٦ أَ- الحساب دليل واضح على أن الجن مخاطبون بالتكاليف الشرعية كالإنس تماماً، فهم مكلفون مأمورون منهيون، مثابون معاقبون كالإنس سواءً، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرُهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. ◌َّ- لا مفرّ ولا مهرب ولا مناص من الجزاء والحساب على أعمال الإنس والجن، ولا يملكون إطلاقاً التخلص والهروب من العذاب إلا بسلطان من الله يجيرهم، وإلا فلا مجير لهم. والسبب في تقديم الجن على الإنس في هذه الآية: أن النفوذ من أقطار السماوات والأرض بالجن أليق إن أمكن. أما الإتيان بمثل القرآن فهو بالإنس أليق إن أمكن، لذا قدم الإنس على الجن في ذلك، في قوله تعالى ﴿قُل لَِّنِ أُجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرَّْانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ [الإسراء: ٨٨/١٧]. ٨٨ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ٤- لو خرجتم أيها الإنس والجن من ناحية ما، أرسل عليكم شواظ من نار (لهب خالص) ودخان أو نحاس مذاب يصب على رؤوسكم، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ أو الخروج، ولا ينصر بعضكم بعضاً يا معشر الجن والإنس. ٥- كيف يصح لأحد من الإنس والجن إنكار أو تكذيب شيء من هذه النعم؟ فإن الحساب حق والجزاء حق، يستهدف كل منهما إحقاق الحق التام، وإرساء العدل المطلق، والتخويف والتحذير أو الترهيب يحقق الزجر والامتناع من المخالفة والعصيان، والإذعان التام والإقرار بعظمة سلطان الله، وملكه وقدرته. ٢٣٢ الُعُ (٢٧) - الرَّحْمنَّ: ٣٧/٥٥-٤٥ تصدع السماء وأحوال المجرمين يوم القيامة فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿فَإِذَا أُنْشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَلِّدِّهَانِ فَبِأَيِّ ءَآءِ رَبِّكِكُمَا تُكَذِّبَانِ ٩ ٣ فَمَِّذٍ لَّا يُثَلُ عَن ذَلْبِةٍ إِنْسُ وَلَا جَآَتٌّ ٤٠ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاِ ﴿ فَأَِ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ عَادٍ (ج) ٤٢ فَبِأَيِّ ٤٥ ءَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ الإعراب: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَامِ﴾ الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل، وليس في (يؤخذ) ضمير يعود على ( المجرمين ) وإنما يقدر ضمير في رأي البصريين، أي يؤخذ منهم أو يؤخذ بنواصيهم وأقدامهم. ويرى الكوفيون أن الألف واللام يقومان مقام الضمير مثل: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةً لَُّ الْأَتْوَبُ ٣٨/ ٥٠] أي أبوابها، وكقولهم: زيد أما المال فكثير، أي ماله. ويأبى البصريون ذلك، ويقدرون: مفتحة لهم الأبواب منها، وزيد أما المال فكثير له. البلاغة: ﴿فَإِذَا أَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، أي كالوردة في الحمرة. المفردات اللغوية: ﴿أَنْشَقَّتِ﴾ تصدعت .﴿وَرْدَةً﴾ حمراء، أي كالوردة في الحمرة. كَالدِّهَانِ﴾ مذابة كالدهن، أو كالأديم (الجلد) الأحمر، على خلاف ما هي عليه الآن، وجواب ﴿فَإِذَا﴾ محذوف تقديره: فما أعظم الهول ﴿فَوَمِذٍ لَّا ٢٣٣ الْقُرُ (٢٧) - الرَّحْمنَّ: ٣٧/٥٥-٤٥ أي الناس والجن، وعدم السؤال حينما يُكَلُ عَنْ ذَلْبِهِ إِنسُ وَلَا جَآَنّ (9َ)) يخرجون من قبورهم، ويحشرون إلى الموقف. وأما قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ [الحجر: ٩٢/١٥] ونحوه فهو حين الحساب في موقف ٩٣ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ الحشر. بِسِيمَهُمْ﴾ علامتهم . ﴿بِلنَّوَصِى﴾ جمع ناصية: وهي مقدَّم الرأس. ﴿وَاْأَقْدَامِ﴾ جمع قدم: وهي القدم المعروفة، ويؤخذ بهما مجموعاً بينهما. ﴿يَطُوفُونَ﴾ يسعون .﴿ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِیمٍ ،ان﴾ يترددون بین النار التي يحرقون بها، وبين ماء حارِّ شديد الحرارة، يُسْقَوْنه إذا استغاثوا من حرّ النار. المناسبة: هذه الآيات حلقة أخرى تتعلق بأحوال الآخرة والجزاء، فبعد أن ذكر الله تعالى رهبة الحساب وحتميته واستحالة التخلص منه أو الهرب من إيقاعه، ذكر تعالى ما يطرأ على العالم من تغير وتبدل واختلال النظام، حيث تتصدع السماء وتذوب كالدهن أو الزيت، ويتميز المجرمون من غيرهم بعلامات خاصة، فلا حاجة لسؤالهم حينئذٍ، ثم يزجّ بهم في جهنم، بأخذهم بنواصيهم وأقدامهم، ويطاف بهم بين النار التي يحترقون بها، وبين الماء المغلي البالغ نهاية الشدة في الحرارة، ويقال لهم توبيخاً وتقريعاً: هذه جهنم التي كذبتم بها. ٦ التفسير والبيان: لأن الفاء للتعقيب، بعد قوله : ﴿ فَإِذَا ﴾ عقب الله بقوله : ﴿فَلَا تَنَصِرَانِ﴾ أي في وقت إرسال الشواظ عليكما، والمعنى: فإذا انشقت السماء وذابت، وصارت الأرض والجو والسماء كلها ناراً، فكيف تنتصران؟ ﴿فَإِذَا أَنْشَقَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ أي فإذا جاء يوم ١٣٧ ٠ ٢٣٤ الُرُ (٢٧) - الَمنَّ: ٣٧/٥٥-٤٥ القيامة، انصدعت السماء، وتبددت وصارت كوردة حمراء، وذابت مثل الدهن، أو تلونت كالجلد الأحمر، والمراد أنها تذوب كما يذوب الزيت، وتتلون كما تتلون الصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء، أو صفراء، أو زرقاء، أو خضراء، وذلك من شدة الأمر، وهول يوم القيامة. [الانشقاق: ٨٤ /١] ، ونظائر الآية كثير، مثل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ (٣)) [الانفطار: ١/٨٢]، ﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ وَهِيَةٌ ﴿ِ﴾ [الحاقة: ١٦/٦٩]، ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَ المَلَبِكَةُ تَنِيلًا [الفرقان: ٢٥/٢٥] . ٣٢٥ ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟ فإن الخبر بذلك فيه رهبة ورعب يزجر السامع عن الشر، وبأي نعم الله تكذبان مما يكون بعد ذلك؟ (فَيَوَمَِّذٍ لَّا يُكَلُ عَن ذَنْيِهِ إِنْسٌ وَلَا جَآَنَّ ◌َ﴾ أي يوم تنشق السماء، لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجنّ عن ذنبه؛ لأنهم يُعْرَفُون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم، ولأن الله سبحانه قد أحصى الأعمال، وحفظها على العباد. وقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة عن المجرمين، بل يعرفون بسیما هم. ٣٦ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ ٣٥ وهذا كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوَّمُ لَا يَنطِقُونَ [المرسلات: ٣٥/٧٧-٣٦]، ثم يسألون بعدئذٍ في حال أخرى يوم يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم في موقف الحساب، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْشَلَنَّهُمْ ﴾ [الحجر: ٩٢/١٥-٩٣]، وقال سبحانه: عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أَجْمَعِينَ [الصافات: ٣٧ /٢٤] . ٢٤ ﴿ وَقِفُوُهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ بأي نعم الله تكذبان؟ مما أنعم الله علی ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ عباده المؤمنين في هذا اليوم، ومن هذا التخويف والإنذار المسبق، ليرتدع الناس عن الذنوب، ويثوبوا إلى رشدهم. ٢٣٥ الْجُرُ (٢٧) - الَمرّ: ٣٧/٥٥-٤٥ ثم أبان الله تعالى سبب عدم السؤال، فقال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَسِ وَالْأَقْدَلِ ﴾﴾ أي يعرف الكفار والفجار يوم خروجهم من القبور بعلاماتهم، وهي كونهم سود الوجوه، زُرْق العيون، يعلوهم الحزن والكآبة، فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم مجموعاً بينهما، فتجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي، وتُلقيهم الملائكة في النار. والناصية: مقدَّم شعر الرأس. وإفراد (يُؤْخَذُ) مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؛ لأن (يُؤْخَذُ) متعلق بقوله تعالى: ﴿بِالنَّوَصِى﴾ كما يقال: ذهب بزید. : بأي النعم تتجرأان على تكذيبها، فقد ﴿فَأَتِّ ءَالَاءٍ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ (مَا﴾ أنذرتم وحذرتم سابقاً، وعرفتم المصير المنتظر في عالم الآخرة؟ 33 يَطُوفُنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ٤٣ ﴿هَذِهِ جَهَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرُونَ ها هنا إضمار، أي يقال لهم عند ذلك توبيخاً وتأنيباً: هذه نار جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها التي كنتم تكذبون بوجودها، وتنکرون حدوثها ، ها هي حاضرة أمامكم ترونها عياناً. وهم تارة يعذبون في الجحيم للاحتراق، وتارة يسقون من الحميم: وهو الشراب أو الماء المغلي الشديد الحرارة، الذي هو كالنحاس المذاب، يقطع الأمعاء والأحشاء، كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِى أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ [غافر: ٧١/٤٠ -٧٢]، وقوله فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ اٌلْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٣٥) وَلَمُ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ٢١ [الحج: ١٩/٢٢ - ٢١] . ﴾﴾ أي بأي النعم تكذبان بعد هذا البيان ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَرِ (®) والإنذار والإعلام السابق؟! ٢٣٦ لُ (٢٧) - الرَّحْنَّ: ٣٧/٥٥-٤٥ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن انشقاق أو تصدع السماء يحدث عقب إرسال الشواظ من النار، وإذا انصدعت السماء صارت في حمرة الورد وذوبان الدهن كالجلد الأحمر الصرف، فالتشبيه بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان، والتشبيه بالوردة في اللون. ٣ - إن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل الإنس والجن في وقت ولا يسألون في وقت آخر، فلا يسألون وقت خروجهم من القبور، وإذا استقروا في النار، ويسألون في موقف الحساب قبل الصيرورة إلى الجنة أو إلى النار. والمراد من السؤال على المشهور: أنهم لا يقال لهم: من المذنب منكم؟ ٣ - يتميز الكفار المجرمون والفجار عن المؤمنين بعلامات بارزة، فهم سود الوجوه، زُرْق العيون، تعلوهم الكآبة والحزن كما تقدم، وتأخذ الملائكة بنواصيهم (أي بشعور مقدم رؤوسهم) وأقدامهم، فيقذفونهم في النار. ٤- يقال للمجرمين تقريباً وتوبيخاً، وتصغيراً وتحقيراً: هذه النار التي أُخبرتم بها، فكذبتم، ويعذبون مرة في الحميم (الشراب الشديد الحرارة جداً) ومرة في الجحيم (النار). ٥- امتن الله تعالى على عباده بقوله بعد كل نعمة: ﴿فَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَاٍ ٤٥ لأن معاقبة العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عن عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك. ٢٣٧ الجُزُ (٢٧) - المَمنّ: ٤٦/٥٥-٦١ أنواع نعم الله على المتقين في الآخرة - ١ - وصف الجنات ذَوَاتَآ أَقْنَانٍ ٤٧ فَيِّ ءَاءٍ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٦ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّنَانِ فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَبِأَتِّ ءَلَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ (@ ٤٨ مُتَّكِينَ عَلَى ٥٣ فَأَتِيّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٢ فِهِمَا مِن كُلِّ فَلِكِهَةِ زَوْجَانِ ٥١ فِنَ ٥٥ فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٤ فُرُشٍِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍّ وَحَنَى الْجَنََّيْنِ دَانِ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَظْمِنْهُنَّ إِنْسٌِّ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ ﴿ فَأَتِّءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧ كَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ٥٩ هَلْ جَزَآءُ اُلْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ ﴿ فَأَِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١ الإعراب: ﴿ذَوَاتَآ أَقْنَانٍ ﴿َ﴾ ﴿ذَوَاتَآ﴾ تثنية (ذات) التي أصلها (ذَوَيَة) فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فصارت (ذوات) إلا أنه حذفت الواو من الواحد للفرق بين الواحد والجمع. ودل عود الواو في التثنية على أصلها في الواحد .. ﴿مُتَّكِينَ﴾ حال منصوب من المجرور باللام في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، جَنَّثَانِ ﴿٤﴾ أي ثبت لهم جنتان في هذه الحال، أو عامله محذوف أي یتنعمون. ﴿كَتَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ ﴿3﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿قَصِرَتُ اُلَّطَّرْفِ﴾ وتقديره: فيهن قاصرات الطرفِ مُشْبِهاتُ الياقوت والمرجان. ٢٣٨ لُ (٢٧) - الَّحمَنَّ: ٤٦/٥٥-٦١ البلاغة: ﴿وَجَنَ اُلْجَنَّنَيْنِ﴾ جناس ناقص أو جناس الاشتقاق، لتغير الشكل والحروف. ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ﴾ إيجاز بحذف الموصوف وإبقاء الصفة، أي نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن. المفردات اللغوية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ لكل من خاف، بأن كفَّ عن المعاصي واتبع الطاعات، والأصل في الخوف: توقع مكروه في المستقبل، وهو ضد الأمن. ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ قيامه بين يدي ربه للحساب، فترك معصيته، أي خاف الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيامه على أحواله واطلاعه عليه. ﴿جَنَّثَانِ﴾ روحانية وجسمانية . ﴿أَفَْانٍ﴾ أغصان جمع فين كطلل، أو أنواع من الأشجار والثمار، حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل، قيل : جمع فنّ. ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (جَا﴾ إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ﴾ من كل نوع من أنواع الفاكهة. ﴿زَوْجَانِ﴾ صنفان أو نوعان: رطب ويابس . ﴿فُرْشٍ﴾ جمع فراش للنوم والراحة. ﴿بَطَّأَئِنُهَا﴾ جمع بطانة وهي القماش الرقيق الداخلي. ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ من الديباج وخشن، أي الحرير الثخين، والظهائر: من السندس. ﴿وَجَنَى﴾ ثمر. ﴿دَانٍ﴾ قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع. ﴿فِنَّ﴾ أي في الجنتين وما اشتملتا عليه من الفرش والقصور والعلالي والحور ونحوها أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى (الثمر). ﴿قَصِرَتُ اُلَّطَرْفِ﴾ أي نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن، لا ينظرن إلى غيرهم، وهن من الحور أو من نساء الدنيا. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ لم يمسهن أو لم يفتضهن، وفيه دليل على أن الجن يطمئون. ﴿إِسْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌ﴾ لا من الإنس ولا من الجن. ٢٣٩ الجُرُ (٢٧) - الَمنّ: ٤٦/٥٥-٦١ كَأَنَهُنَّ الْيَاقُونُ﴾ في صفاء الياقوت أو حمرة الوجه، والياقوت: الحجر الأملس الصافي المعروف. (والمرجان) هو الخرز الأحمر، أو صغار اللؤلؤ والدر في بياض البشرة وصفائها، وتخصيص الصغار لأنهن أنصع بياضاً من الكبار. ﴿هَلْ جَزَآءُ اُلْإِحْسَنِ﴾ في العمل. ﴿إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ في الثواب، وهو الجنة. سبب النزول: نزول الآية (٤٦): ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب العظمة عن عطاء: أن أبا بكر الصديق ذكر ذات يوم القيامة والموازين والجنة والنار، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذه الخضر، تأتي علي بهيمة تأكلني، وأني لم أخلق، فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنََّنِ المناسبة: بعد أن بَيَّن الله تعالى ما يلقاه المجرمون: المشركون وأمثالهم من الكفار والفجار العصاة من ألوان العذاب الأخروي، ذكر هنا ما أعدّه الله عز وجل للمؤمنين المتقين الذين يخافون ربهم في السر والعلن من أنواع النعيم الروحي والمادي في الجنة، من قصور، ورياض غنّاء، وبساتين خضراء، وأنهار جارية، وفواكه متنوعة، وفرُش حريرية، ونساء حسان كالياقوت صفاء، واللؤلؤ أو الدر بياضاً، بسبب ما قدموا من صالح الأعمال،. والخلاصة: أنه لما ذكر أحوال أهل النار، ذكر ما أعدّ للأبرار. التفسير والبيان: أي ولمن ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَنِ ﴿٨ فَأَتِّ ءَالَءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٤٠ الُءُ (٢٧) - الَمنَّ: ٤٦/٥٥-٦١ خشي الله وراقبه، فهاب الموقف الذي يقف فيه العباد بين يدي الله للحساب، وحسب الحساب لإشراف الله تعالى على أحواله، واطلاعه على أفعاله وأقواله نعمتانٍ: روحية وجسمانية، أما الروحية رضا الله تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢/٩] وأما الجسمانية فهي جنتان تشتملان على متع مادية كتمتع الدنيا وأسمى، بسبب أعماله الصالحة، فبأي نعم الله تكذبان أيها الثقلان، فإن نعيم الجنان لا مثيل له، فضلاً عن الخلود والدوام فيه، ولا مانع أن يعطي الله جنتين وجناناً عديدة. والصحيح - كما قال ابن عباس وغيره- أن هذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا. أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا أبا داود عن أبي موسى الأشعري قال: ((جنان الفردوس أربع جنات: جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء، على وجهه، في جنة عدن)) . وأخرج ابن جرير والنسائي عن أبي الدرداء: ((أن رسول الله وَل قرأ يوماً هذه الآية: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، جَنَّثَانِ ﴿٤﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَنِ ﴾﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ (@) فقال: وإن رغم أنف أبي الدرداء)) . ثم وصف هاتين الجنتين، فقال: ﴿ذَوَاتَآَ أَقْنَانٍ ﴿ فَأَِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تَكَذِّبَانٍ (@) أي ذواتا أغصان نضرة حسنة، تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة، أو ذواتا أنواع من الأشجار والثمار، فبأي نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس، فإن هذا الجمال وهذه النعمة لمما يحرص عليها العقلاء. ﴾ أي في كل واحدة ٢ فَبِأَتِّ ءَالَاِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (@)