النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الُعُ (٢٧) - القبر: ٥٤ / ٢٣-٣٢
- ﴿وَنَبِّْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ ﴿4﴾ أي وأخبرهم أن ماء
البئر أو النهير مقسوم بينهم وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وكل حظ أو
نصيب من الماء يحضره صاحبه، ليأخذه في نوبته، فتشرب الناقة في يوم،
ويشربون هم في يوم آخر، أو كل شرب محتضر فيه، يوم لها ويوم لهم، قال
مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها
فيحتلبون. وقال أيضاً: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن.
ونحو الآية: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّمَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
[الشعراء: ١٥٥/٢٦] .
١٥٥)
أي ولكن ثمود ملّوا هذه القسمة،
٢٩
- ﴿فَدَوْ صَاحِعٌ فَنَعَالطَى فَعَقَرَ
وبادروا إلى التخلص من هذا الوضع كفراً وعناداً، فنادوا نداء المستغيث قُدار
بن سالف، وكان أشقى قومه، وأشجع وأهجم على الأمور، وحرضوه على
عقر الناقة، فاجترأ على الأمر العظيم، وتعاطى أسباب العقر، فأهوى بسيفه
على قوائم الناقة، فكسر عرقوبها، ثم نحرها.
- ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَتُذُرِ (٣)﴾ أي فعاقبتهم، فانظر كيف كان عقابي لهم
على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي الذي ينذرهم ويخوفهم عذاب الله. ويلاحظ
أن هذه الآية ذكرت في قصة ثمود قبل بيان العذاب للبيان، وفي قصة نوح بعد
بيان العذاب للتهويل والتعظيم، وفي قصة عاد قبل بيان العذاب وبعد بيانه،
للجمع بين الأمرين.
-﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ صَيْحَةُ وَحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِ الْمُخْتَظِرِ (®﴾ أي إنا أرسلنا
عليهم صيحة جبريل، فصاح بهم، فبادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية،
وجمدوا وهمدوا كما يهمد ويببس الزرع والنبات، وصاروا كالعشب أو فتات
الشجر اليابس الذي جمعه الراعي المحتظر في الحظيرة إذا داسته الغنم بعد
سقوطه.

١٨٢
لُعُ (٢٧) - القاهرة: ٥٤ / ٢٣-٣٢
والهشيم: الشجر اليابس المتهشم، أي المتكسر، والمحتظر: الذي يعمل
الحظيرة ليحفظ الغنم من الذئاب. ووجه التشبيه: أن ما يحتظر به بيبس بطول
الزمان وتطؤه البهائم فيتكسر، وأنهم صاروا موتى جاثمين، ملقى بعضهم فوق
بعض، كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.
- ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرِ (®﴾ أي ولقد سهلنا القرآن
للتذكر والاتعاظ، والاعتبار بالأحداث والوقائع، فهل من متعظ؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اً- كذبت قبيلة ثمود كغيرها الرسل ونبيهم، وكذبوا بالآيات التي جاء
بها، وأنكروا أن ينبأ بشر كائن منهم منفرد لا أتباع له، وزعموا أنهم إن اتبعوه
كانوا في خطأ وذهاب عن الصواب، وجنون وعناء.
◌َ - وقالوا على طريق الاستفهام المراد به الإنكار: كيف خصص بالرسالة
من بين آل ثمود، وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً؟ بل هو كذاب فيما
يدّعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق.
٣- هددهم الله بأنه سيحل بهم العذاب في الدنيا، والعذاب يوم القيامة.
وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ على التقريب، على عادة الناس في قولهم للعواقب:
إن مع اليوم غداً. وهذا القول مفروض الوقوع في وقت قولهم: ﴿بَلَّ هُوَ
كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أو أنه تهديد بالتعذيب يوم القيامة. وسيتبين لهم من هو الكذاب
الأشر، أهو صالح عليه السلام أم هم؟
٤- أخرج الله لهم ناقة عظيمة من الهضبة التي سألوها، روي أن صالحاً
صلى ركعتين، ودعا، فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت
ناقة عُشَراء. وكان ذلك ابتلاء واختباراً لهم. ومعنى قوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ

١٨٣
الزُّعُ (٢٧) - القَر: ٥٤ / ٢٣-٣٢
فِئْنَةٌ﴾: إنا نرسل، وهو بمعنى المستقبل في ذلك الزمان الذي تم فيه الإرسال.
وكون الناقة فتنة: أن أوضاعها الغريبة اختبار.
٥- أمر الله تعالى نبيه صالحاً عليه السلام بأوامر ثلاثة: انتظر ما يصنعون،
واصبر على أذاهم، وأخبرهم أن الماء مقسوم بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم
ولهم يوم. قال ابن عباس: كان يوم شِرْبهم لا تشرب الناقة شيئاً من الماء،
وتسقيهم لبناً، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه، فلم تُبق
لهم شيئاً. أي إنهم يوم شِرْبها أو وِرْدها الماء يحتلبون منها ما شاؤوا.
٦- ملّوا هذه القسمة، فحرضوا صاحبهم قدار بن سالف أشقى ثمود على
عَقْرها، فعقرها، بأن رماها بسهم، ثم ضرب قوائمها بالسيف، ثم نحرها.
لاً- عاقبهم الله جزاء تكذيبهم وكفرهم برسولهم صالح، واعتدائهم على
الناقة، فأرسل عليهم صيحة واحدة من جبريل عليه السلام، فلما سمعوا
الصيحة ماتوا، وبادوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وأصبحوا كهشيم
المحتظر، قال ابن عباس: المحتظر: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر
والشوك؛ فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم. وعنه: كحشيش تأكله
الغنم، أو كالعظام النخرة المحترقة. وقوله: ﴿فَكَانُواْ﴾ فيه استعمال الماضي فيما
اتصل بالحال.
٨- المتأمل ينظر بما آل إليه هؤلاء القوم من إبادة وعذاب أصبحوا مثلاً
وعبرة للتاريخ.
1- يسهل على كل إنسان إدراك هذه الحقيقة من القرآن الذي أخبر عن هذه
المحنة الأليمة، فهو كتاب سهل المأخذ، يسر الله به فهم المواعظ والعبر، فهل
من متعظ معتبر؟! والتكرار للتذكار والتأكيد.

١٨٤
الزُعُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٣٣-٤٠
-٤۔
قصة قوم لوط عليه السلام
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴿٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَنَهُم بِسَخٍَ
نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْرِى مَنْ شَكَرَ (٢٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْأ
٣٤
پالتُّذُرِ
) وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ (َ وَلَقَدْ
صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ ()
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اُلْقُرْءَانَ
٣٩
فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ
لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكٍِ
الإعراب:
﴿ إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَجَيْنَهُم بِسَحَرٍ، نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ ﴿ءَالَ لُوطٍ﴾: منصوب
على الاستثناء، و﴿بِسَحَرٍ﴾ في موضع نصب؛ لأنه متعلق بـ ﴿نَجَّنَهُم﴾ وصرفه
أي نونه؛ لأنه أراد به سَحَراً من الأسحار. ولو أراد به التعريف لكان ممنوعاً
من الصرف، أي التنوين للتعريف والعدل عن لام التعريف. و﴿ نِعْمَةٌ﴾:
مفعول لأجله.
المفردات اللغوية:
﴿بِالنُّذُرِ﴾ بالرسل والأمور المنذرة على لسانهم، وتكذيب نبي واحد
كتكذيب جميع الأنبياء؛ لاتفاقهم على أصول الشرائع كما تقدم.﴿حَاصِبًا﴾
ريحاً تحصبهم بالحجارة، أي ترميهم بالحصباء: وهي صغار الحجارة، الواحد
دون ملء الكف. ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ أهله وابنتاه معه. ﴿بِسَحَرٍ﴾ أي بسحر من
الأسحار، من يوم غير معين، والسحر: السدس الأخير من الليل قبيل طلوع
الفجر. ﴿نِعْمَةً﴾ مصدر، أي إنعاماً. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ أي مثل ذلك
الجزاء نجزي من شكر نعمنا، وكان مؤمناً بالله تعالى ورسوله وَله، مطيعاً الله
تعالى ورسوله {قل﴾.

١٨٥
لُعُ (٢٧) - القَرّ: ٥٤ / ٣٣-٤٠
﴿ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم﴾ أي خوَّفهم لوط عليه السلام. ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أخذتنا
بالعذاب. ﴿فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ﴾ أي شكُوا في الإنذارات وكذبوا بها. ﴿رَوَدُوهُ عَن
ضَيْفِهِ،﴾ قصدُوا الفجور بضيوفه، وطلبوا منه تمكينهم منهم وأن يسلمهم
أضيافه الذين كانوا ملائكة. ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ أعميناهم، أو جعلنا أعينهم
مطموسة لا شق لها، وأزلنا أثرها . ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ (9) أي فقلنا لهم
على ألسنة الملائكة: ذوقوا إنذاري وتخويفي، أي ثمرته وفائدته.
﴿بَكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ دائم يستقر بهم إلى أن يهلكوا، أو
وَلَقَدْ يَسّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ
٣٩
يتصل بعذاب الآخرة . ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ
مُلَكِرِ
) قال البيضاوي: كرر ذلك في كل قصة إشعاراً بأن تكذیب کل
٤٠
رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للاذكار والاتعاظ،
واستئنافاً للتنبيه والإيقاظ، لئلا يغلبهم السهو والغفلة، وهكذا تكرير قوله:
و﴿ وَيْلٌ يَوَمَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِيِنَ (َ﴾ ونحوهما.
١٣
﴿فَبِأَتِ ءَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
وإنما لم يقل هنا ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابٍ﴾ كما قال في القصص الثلاث
الأخرى؛ لأن التكرار ثلاث مرات بالغ كافٍ، ويحصل التأكيد بالثلاث.
المناسبة:
هذه قصة رابعة هي قصة قوم لوط، ذكرها الله تعالى لبيان السبب وهو
تكذيب الرسل وارتكاب الفواحش، وبيان العقاب الشديد وهو التدمير
والإهلاك، ليعتبر كل الناس، ويعلموا أنه ما من هلاك إلا بعد إنذار بالعذاب
على لسان رسول، ثم تكذيبه.
التفسير والبيان:
(*) هذا حال قوم آخرين، وهم قوم لوط الذين
﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
كذبوا رسولهم وخالفوه، وكذبوا بالآيات التي أنذرهم بها، واقترفوا
الفاحشة.

١٨٦
الزُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٣٣-٤٠
ثم بيّن الله تعالى عذابهم وإهلاكهم، فقال:
أي إننا أرسلنا
٣٤
﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَيْنَهُم بِسَخَرٍ
عليهم ريحاً ترميهم بالحصباء، وهي الحصى والحجارة، فأهلكتهم ودمرتهم إلا
لوطاً عليه السلام ومن آمن به واتبعه، فإنا أنجيناهم من الهلاك في آخر الليل أو
في قطعة من الليل وهو السدس الأخير، نجوا مما أصاب قومهم.
هذا ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته
أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالماً
لم يمسسه سوء.
وكان سبب نجاتهم شكرانهم النعمة، فقال تعالى:
(نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَأْ كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ (9)﴾ أي لقد أنجيناهم إنعاماً منا
عليهم، وتكريماً لهم، ومثل ذلك الجزاء الحسن، نجزي من شكر نعمتنا ولم
يكفرها، بأن آمن وأطاع أمرنا، واجتنب نهينا.
ثم بين الله تعالى عدله في العقاب وهو مجيئه بعد إنذار، فقال:
)) أي ولقد أنذرهم نبيهم بطشة
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ (
الله بهم، وهي عذابه الشديد، وعقوبته البالغة، قبل حلوله بهم، إن لم يؤمنوا،
فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه، بل شكوا في الإنذار ولم يصدقوه،
و كذبوه.
ثم ذكر الله تعالى جرماً آخر لهم عدا الكفر والتكذيب، فقال:
﴿وَلَقَدْ رَوَدُوُهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ (®)﴾ أي لقد
أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الضيوف الملائكة الذين جاؤوا في صورة
شباب مُرْد حسان، ليفجروا بهم، كما هو دأبهم، إذ قد بعثت امرأته العجوز

١٨٧
الُرُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٣٣-٤٠
السوء إلى قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يُهْرَعون إليه من كل
مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب عشية الليل،
ولوط عليه السلام يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، وأرشدهم إلى نسائهم
الذين هم بمثابة بناته، وهو لهم كالأب.
فلما اشتد الخلاف، وأبوا إلا الدخول، طمس الله أبصارهم، فأصبحوا
لا يرون شيئاً، فرجعوا على أدبارهم، يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطاً
عليه السلام إلى الصباح.
وقلنا لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ثم ذكر تعالى نوع العذاب العام الذي أصابهم ووقته، فقال:
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٤٨) أي لقد أتاهم صباحاً عذاب
مستقرّ بهم، نازل عليهم، لا يفارقهم ولا ينفك أو يحيد عنهم، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١/١١] والعذاب المستقر: الثابت الذي
لا محيد عنه أو الذي استقر عليهم إلى الاستئصال الكلي.
ثم أوضح تعالى العبرة وحكى ما قيل لهم، فقال:
- ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ
(*) أي فذوقوا جزاء أفعالكم ومقتضى إنذاركم
السابق.
- ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ ﴾﴾ أي ولقد سهلنا آيات
القرآن للاتعاظ والتذكر، فهل من متعظ معتبر. هذه الجملة الواردة عقب
القصص الأربع للتأكيد والتنبيه والاتعاظ والزجر، كما تقدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:

١٨٨
لُ (٢٧) - القَرُ: ٥٤ / ٣٣-٤٠
اً - لما كذب قوم لوط نبيهم، أرسل الله عليهم ريحاً ترميهم بالحصباء وهي
الحصى، فلا عقاب دون جريمة، ولا عذاب قبل إنذار.
أَ - نجَّى الله تعالى نبيه لوطاً عليه السلام ومن تبعه على دينه، ولم يكن إلا
بنتاه، وتمت النجاة في وقت السحر آخر الليل، إنعاماً من الله على لوط وبنتيه،
ومثل ذلك الجزاء يجازي الله كل من آمن بالله وأطاعه، أي إن ذلك الإنجاء
كان فضلاً من الله ونعمة، كما أن ذلك الإهلاك كان عدلاً. وفيه فائدة وهي
الدلالة على الثواب في الدار الآخرة، كما تحققت النجاة في الدنيا، أي كما
أنعمنا عليهم ننعم عليهم يوم الحساب.
◌َّ- لا عقاب أيضاً إلا بعد إنذار، فلقد أنذر لوط عليه السلام قومه،
وخوَّفهم عقوبة ربهم، وأخذه إياهم بالعذاب الدنيوي والأخروي، فشكُوا
فيما أنذرهم به الرسول، ولم يصدقوه. وفي هذا تبرئة لوط عليه السلام وبيان
أنه أتى بما عليه.
٤ - اقترن مع كفرهم جريمة كبرى أخرى هي اقترافهم الفواحش، بل إنهم
أرادوا من لوط عليه السلام تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة
الأضياف، طلباً للفاحشة.
٥- لما أصُرُّوا على الاعتداء على الملائكة، واقتحام منزل لوط عليه
السلام، أعماهم الله مع صحة أبصارهم، فلم يروهم. ويروى أن جبريل عليه
السلام ضربهم بجناحه فعَمُوا. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم، فلم
يروا الرسل؛ فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت، فأين ذهبوا؟ فرجعوا
ولم یروهم.
أَ - قال الله لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا عذابي الذي أنذركم به لوط
والمراد بذوق العذاب مجازاة الفعل وموجبه.

١٨٩
اِلُُ (٢٧) - القَرُ: ٥٤ / ٤١-٤٢
/٧- لقد صبحّهم أول النهار، وقت الصبح عذاب دائم عام، استقر فيهم،
حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة. وفائدة قوله: ﴿بِّكْرَةً﴾ تبيين حدوث
العذاب في أول النهار؛ لأن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول
الصبح إلى ما بعد الإسفار، فإذا قال: ﴿بَكْرَةً﴾ أفاد أنه كان أول جزء منه.
٨- كرر الله تعالى للتأكيد ما قالته الملائكة لهم: ذوقوا العذاب الذي نزل
بكم من طمس الأعين، غير العذاب الذي أهلكوا به؛ لأن العذاب كان
مرتين: أحدهما - خاص بالمراودين، والآخر عام.
1- إن الهدف من القصة هو العبرة والعظة، والقرآن الكريم سهّله الله
للاتعاظ والاعتبار، ولكن ما أكثر المواعظ والعبر، وأقل الاعتبار. وقد كرر
تعالی بیان ذلك للتنبيه والتأکید.
- ٥ -
قصة آل فرعون
﴿ وَلَقَدْ جَلَّ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْنَدِرٍ
٤٢
المفردات اللغوية:
﴿ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه، واكتفى بذكرهم دونه للعمل بأنه القائد وأنه أولى
بذلك.
﴿ النُّذُرُ﴾ الإنذارات على لسان موسى وهارون، فلم يؤمنوا ﴿كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا
كُلِهَاَ
أي بل كذبوا بالآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام.
﴿فَأَخَذْنَهُ﴾ بالعذاب . ﴿أَخْذَ عَزِيزِ﴾ قوي لا يُغالَب ولا يُغْلَب ﴿مُقْنَدِرٍ﴾ قادر
لا يعجزه شيء.

١٩٠
الُعُ (٢٧) - القَبرُ: ٥٤ / ٤١-٤٢
التفسير والبيان:
هذه قصة خامسة بإيجاز، أخبر الله بها عن تكذيب فرعون وقومه بالرسل،
فقال: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (ج) أي والله لقد جاءت الإنذارات
والبشائر فرعون وقومه من طريق موسى وهارون، الإنذار بالعذاب إن
كفروا، والبشارة بالجنة إن آمنوا. والفرق بين الآل والقوم: أن القوم أعم من
الآل، فالقوم: كل من يقوم الرئيس بأمرهم ويأتمرون بأمره، والآل: كل من
يؤول إلى الرئيس خيرهم وشرهم، أو يؤول إليهم خيره وشره.
﴿ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْنَدِرٍ (@) أي إننا أيدنا موسى
وهارون بمعجزات عظيمة وآيات متعددة، منها الايات التسع كالعصا واليد،
فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله بالعذاب الشديد أخذ قوي غالب في انتقامه،
قادر على إهلاكهم قاهر لا يعجزه شيء. أي أبادهم الله ولم يبق منهم أحداً،
وعاقبهم بتكذيبهم وبكفرهم بالله.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا خبر موجز عن فرعون وقومه: القبط، يتضمن بيان الجريمة والعقاب،
فإن الله أرسل لهم موسى وهارون بالإنذارات والبشائر، فكذبوا بجميع الآيات
أو المعجزات الدالة على توحيد الله ونبوة الأنبياء، وهي تسع: العصا، واليد،
والسِّنون، والطمسة، والطوفان، والجراد والقُمَّل، والضفادع، والدم،
فعاقبهم الله بكفرهم بربهم وتكذيبهم رسل الله، وكان العقاب شديداً لصدوره
من إله غالب في انتقامه، قادر على ما أراد.
ويلاحظ أن القصص الخمس المذكورة في هذه السورة: قصة قوم نوح،
وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون مشتركة في السبب أو الجريمة، وفي
الجزاء أو العقاب، والسبب أو الجريمة يكاد يكون واحداً وهو الكفر بالله
وتكذيب الرسل، مع معاص أخرى، والعقوبة وإن اختلفت بين طوفان،

١٩١
لِلُعُ (٢٧) - القَر: ٥٤ / ٤٣-٥٥
وريح صرصر عاتية، وصيحة جبريل، وريح حاصب، وإغراق، فنتيجتها
واحدة وهي الإبادة والاستئصال التام، وتلك عبرة وعظة لكفار قريش
وأمثالهم.
توبيخ المشركين من كفار قريش
وبيان جزاء المجرمين والمتقين
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيِّرٌ مِّنْ أُوْلَبِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ ﴿٤﴾ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى
٤٥
سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ
٤٤
مُنَصِرٌ
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ
٤٧
وَأَمَرُ ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمِيجِ
إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ
بِالْبَصَرِ ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرِ ﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ ﴿﴿ إِنَّ لَمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ
٥٤
٥٢
فِ الزُّبُرِ
فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ
۵۵
الإعراب:
﴿أَ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنْنَصِرٌ ﴿﴾ ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ، و﴿جَمِيعٌ﴾: خبره،
و﴿مُنَصِرٌ﴾: خبر لمحذوف تقديره: أمرنا أو جمعنا.
٤٩
): بالنصب بتقدير (خلقنا) وذلك
﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
يدل على العموم واشتمال الخلق على جميع الأشياء، ولا يجوز أن يكون
(خلقنا) صفة ﴿شَىْءٍ﴾ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. وتقرأ (كل)
بالرفع على الابتداء، و﴿خَلَقْتَهُ﴾: خبره، لكن لا يكون ﴿كلّ﴾ حينئذ
متمحضاً للعموم؛ لأن المعنى: إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، فيحتمل أن يكون
ههنا ما ليس بمخلوق من الأشياء، بخلاف حالة النصب، فإنه لا يحتمل إلا
العموم. و﴿يِقَدَرٍ﴾: حال من ﴿كلّ﴾، أي مقدراً.

١٩٢
الُ (٢٧) - القبر: ٥٤ / ٤٣-٥٥
البلاغة:
﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ الاستفهام إنكاري يقصد به النفي.
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُ ®﴾ إطناب بتكرار لفظ الساعة
لزيادة التخويف.
(®®) و﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَتٍ وَنَهَرٍ
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَلِ وَسُعُرٍ
بينهما ما يسمى بالمقابلة.
٥٤
﴿ذُوقُواْ مَسَ سَقَرَ﴾ المس مجاز مرسل عن الألم، وعلاقته السببية، فإن مسها
سبب للألم، ويراد بالذوق الإحساس.
﴿صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ بينهما طباق.
في أواخر الآيات كلها سجع غير متكلف له وَقْع وجرس وجمال في اللفظ.
المفردات اللغوية:
﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ يا قريش. ﴿مِّنْ أُوْلَكُمْ﴾ المذكورين في القصص السابقة من
قوم نوح إلى آل فرعون.﴿بَرَآءَةٌ﴾ وثيقة مكتوبة بالنجاة من العذاب. ﴿الزَّيْرِ﴾
الكتب السماوية، جمع زبور، المعنى: أم أنزل لكم في الكتب السماوية أن من
كفر منكم، فهو في أمان من العذاب. والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي،
أي ليس الأمر كما تزعمون أو تتصورون.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ كفار قريش.﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ جمع. ﴿مُنَصِرٌ﴾ على محمد، قال
أبو جهل يوم بدر: إنا جمع منتصر، فنزلت الآية: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
يرجعون إلى الأدبار هاربين، فقد هزموا ببدر، ونصر رسول الله وَليه
٤٥
عليهم، وهو من دلائل النبوة. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ بالعذاب الأصلي.
﴿ وَالسَّاعَةُ﴾ أي وعذاب الساعة. ﴿أَدْهَى﴾ أعظم وأشد بلية وداهية،

١٩٣
الخُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
والداهية: أمر فظيع لا يهتدى لعلاجه. ﴿وَأَمَرُّ﴾ أشد مرارة ومذاقاً من عذاب
الدنيا، والمراد: أصعب على النفس وأكثر شدة وهولاً.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكفار والمشركين. ﴿فِي ضَلَلٍ﴾ خطأ وبعد عن الحق.
﴿وَسُعُرٍ﴾ نيران مستعرة في الآخرة. ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرّون على وجوههم. ﴿ذُوقُواْ
مَسََّ سَقَرَ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا حر النار وألمها، فإن مسَّها أي إصابتها سبب
للتألم بها، و﴿سَقَرَ﴾ اسم جهنم، ولذلك كان ممنوعاً من الصرف.
﴿بِقَدَرٍ) أي مقدّراً بمقدار معلوم ومكتوب في اللوح قبل وقوعه.
﴿أَمْرُنَآَ﴾ شأننا، أو أمرنا بإيجاد الشيء الذي نريده. ﴿إِلَّا وَحِدَةُ﴾ أي
كلمة واحدة، وهي قول (كُنْ) فيوجد، أو فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا
معاناة. ﴿كَلَيْجِ بِالْبَصَرِ﴾ أي في اليسر والسرعة. ﴿أَشْيَاعَكُمْ﴾ أشباهكم في
الكفر من الأمم الماضية. ﴿فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾ متعظ، والاستفهام بمعنى
الأمر، أي اذكروا واتعظوا . ﴿فِىِ الزُّبْرِ﴾ مكتوب في سجل أو كتب الحفظة.
﴿مُسْتَطَرُ﴾ مسطور أو مكتوب في اللوح المحفوظ.
﴿فِي جَّتٍ﴾ بساتين. ﴿وَنَهَرِ﴾ أنهار، المراد به الجنس. وقرئ بضم النون
وسكون الهاء كأُسْد وأسد . ﴿فِى مَفْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مرضي، أو في مجلس
حق لا لغو فيه ولا تأثيم، والمراد به أيضاً الجنس، وقرئ: مقاعد أي في
مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم، بخلاف مجالس الدنيا، قل أن
تسلم من ذلك. ﴿عِندَ مَلِيكٍ﴾ أي مقربين عند الله تعالى، و﴿مَلِيكٍ﴾ صيغة
مبالغة، أي عزيزِ الملك وواسع السلطان. ﴿مُّقْنَدِرٍ﴾ قادر لا يعجزه شيء،
وهو الله تعالى.
والعندية ليست عندية مكان، وإنما إشارة إلى الرتبة والقربة من فضل الله
تعالی.

١٩٤
الُعُ (٢٧) - القَرُ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
سبب النزول:
نزول الآية (٤٥):
﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا يوم بدر:
٤٥
﴿فَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِرٌ﴾، فنزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ
نزول الآية (٤٧):
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو
قريش يخاصمون رسول الله وَ﴿ في القدَر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِىِ
ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (@) إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ
٤٩
وروى ابن حبان عن أبي أمامة الباهلي قال: أشهد بالله لسمعت رسول الله
وَي* يقول: إن هذه الآية نزلت في القدرية(١): ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
٤٧
إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِىِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ (®َ
٤٩
بِقَدَرٍ
وذكر أبو بكر بن الحارث عن أبي زرارة الأنصاري: أن رسول الله ،وَل قرأ
هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٦) ثم قال: أنزلت هذه الآية في
أناس من آخر هذه الأمة يكذبون بقدر الله تعالى.
المناسبة:
بعد بيان إهلاك بعض الأمم السابقة وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط
بسبب تكذيبهم الرسل، خاطب الله أهل مكة موبخاً لهم بطريق الاستفهام
الإنكاري، ليبين لهم أن ما أصاب غيرهم من العذاب والهوان سيصيبهم؛
لأن ما جرى على المثيل يجري على مثيله، إن استمروا على كفرهم، وأصروا
(١) القدرية : هم الذين يقولون : إن الإنسان يخلق أفعال نفسه.

١٩٥
الُرُ (٢٧) - القَرُ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
على ضلالهم، وأنهم أيضاً سيهزمون في الدنيا، وسيلقون في الآخرة عذاباً أشد
وأدهى.
ثم أبان الله تعالى نوع عذاب المجرمين أي المشركين في الآخرة، وأن كل
شيء مخلوق لله سبحانه، وأن أمره تعالى سريع النفاذ بكلمة (كن) التكوينية،
وختم السورة بذكر ثواب المتقين الأبرار.
التفسير والبيان:
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمَ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ ﴾﴾ أي أكفاركم يا
مشركي قريش خير من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم
الرسل، وكفرهم بالكتب السماوية، أم معكم من الله براءة فيما أنزل من
الكتب ألاّ ينالكم عذاب ولا نكال؟!
والمعنى: ليس كفاركم يا أهل مكة، أو يا معشر العرب، خيراً من كفار من
تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم، فلستم بأفضل منهم، حتى
تكونوا بمأمن مما أصابهم من العذاب عند تكذيبهم لرسلهم، وليست لكم
براءة من عذاب الله في شيء من كتب الأنبياء.
وهذا تهديد وتوبيخ لمن أصرّ على الكفر من مشركي العرب، فالمراد بعض
العرب لا كلهم، فليس كفارهم خيراً ممن سبقهم، وهم قوم نوح وهود
وصالح ولوط، بل هم مثلهم أو شر منهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْنَصِرٌ ﴾﴾ أي بل هم يقولون: نحن جماعة أو جمع
كثيرو العدد، شديدو القوة، ولنا النصر على الفئة القليلة المستضعفة من
أعدائنا، فهم يعتقدون ويثقون أنهم يتناصرون بعضهم مع بعض، وأن جمعهم
يغني عنهم من أرادهم بسوء. والاستفهام: إنكاري، وإفراد المنتصر مع أن
﴿نَحْنُ﴾ ضمير الجمع؛ لأن المراد بالجميع كالجنس، لفظه لفظ واحد، ومعناه
جمع فيه الكثرة.

١٩٦
لُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبُرَ ﴾﴾ أي سيتفرق
جمع أو شمل كفار مكة أو كفار العرب على العموم ويغلَبون، ويولون الأدبار
هاربين منهزمين. وكان هذا دليلاً من دلائل النبوة، فقد هزمهم الله يوم بدر،
وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الكفر وأساطين الشرك.
عن أبي جهل: أنه ضرب فرسه يوم بدر، فتقدم في الصف، فقال: نحن
نُنصَر اليوم من محمد وأصحابه، فنزلت: ﴿سَيُّهُزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ
٤٥
أي الأدبار.
وأخرج البخاري والنسائي عن ابن عباس: أن النبيِ وَلّ قال: وهو في قُبَّة
له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئتَ لم تُعبدْ بعد اليوم في
الأرض أبداً)) فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، وقال: حسبك يا رسول الله،
أححت على ربّك، فخرج وهو يثب في الدرع، وهو يقول:
﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ
٤٦
وَيُوَلُّونَ الذُّبُرَ ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ
وأخرج ابن أبي حاتم عن عِكْرمة قال: لما نزلت: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ
الدُّبُرَ
®) قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يُغلَب؟ قال عمر: فلما كان
يوم بدر رأيت رسول الله وَي﴿ يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
فعرفت تأويلها يومئذ.
٤٥
وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ
ثم بيَّن الله تعالى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم، بل الأمر
أعظم منه، فإن الساعة موعدهم، وسيلقون في الآخرة عذاباً أشد إن بقوا
مصرين على الكفر، فقال:
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ (®﴾ أي بل إن القيامة موعد
عذابهم الأخروي، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر
هو تمام ما وعدوابه من العذاب، وإنما هو مقدمة من مقدماته، وعذاب القيامة
أعظم وأنكى، وأشد مرارة من عذاب الدنيا، كما أنه عذاب دائم خالد.

١٩٧
الزُُّ (٢٧) - القر: ٥٤ / ٤٣-٥٥
قال الرازي: هذا قول أكثر المفسرين، والظاهر أن الإنذار بالساعة لكل
من تقدم، كأنه قال: أهلكنا الذين كفروا من قبلك، وأصرُّوا، وقوم محمد
* ليسوا بخير منهم، فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا، ثم إن عذاب الدنيا ليس
لإتمام المجازاة، فإتمام المجازاة بالأليم الدائم(١).
ثم أخبر الله تعالى عن نوع العذاب الأخروي، فقال:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَلٍ وَسُعُرٍ ﴾﴾ أي إن المشركين بالله الذين كذبوا
رسله وكل كافر ومبتدع كافر ببدعته من سائر الفرق في حيرة وتخبط في الدنيا
وبعد عن الحق والصراط المستقيم، وفي نيران مستعرة في جهنم يوم القيامة.
وجاء إطلاق المجرمين على (المشركين) في قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ
بِسِيمَهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١/٥٥].
وبعض المفسرين رأوا أن هذه الآية نازلة في القدرية، روى الواحدي في
تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله
وَلّ في القدر، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله: ﴿خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾(٢) ..
وعن عائشة أن النبي مَّ قال: ((مجوسُ هذه الأمة: القَدَرية))(٣) وهم
المجرمون الذين سماهم الله في قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ﴾ عن الحق في
الدنيا﴿ وَسُعُرٍ﴾ وهو نيران في الآخرة.
وبيّن الإمام الرازي رحمه الله معنى القدرية الذين قال النبي ◌َّ نزلت الآية
فيهم، فذكر أن كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه،
(١) تفسير الرازي: ٦٨/٢٩.
(٢) رواه مسلم والترمذي وابن ماجه .
(٣) رواه ابن ماجه عن جابر بلفظ ((إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله تعالى .. )) وهو
ضعيف .

١٩٨
الُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
فالجبري يقول: القدري من يقول: الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه
وقدره، فهم قدرية؛ لأنهم ينكرون القدر. والمعتزلي يقول: القدري: هو
الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق الله قدرني، فهو قَدَري لإثباته القدر،
وهما جميعاً يقولان لأهل السنة الذين يعترفون بخلق الله، وليس من العبد: إنه
قدري.
والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية: هو الذي ينكر القدر، وينكر
قدرة الله تعالى، ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها،
ويدل عليه قوله: جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله وّر في القدر، فإن
مذهبهم ذلك. وأما المراد من قوله وَله: ((مجوس هذه الأمة هم القدرية)) فهم
القدرية في زمانه، وهم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث، فلا
يدخل فيهم المعتزلة، ونسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة
المتقدمة(١).
﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَفَرَ (®)﴾ أي إن المجرمين
الكفار يعذبون في النار، ويُجُرُّون فيها على وجوههم للإهانة والإذلال، ويقال
لهم تقريعاً وتوبيخاً: ذوقوا وقاسوا حرّ النار وآلامها وشدة عذابها.
ثم أبان الله تعالى أن كل ما يحدث في الكون، ومنه أفعال العباد كلهم، هو
مخلوق الله، فقال :
(4) أي إن كل شيء من الأشياء، وكل فعل
﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
من الأفعال في هذا الكون أو هذه الحياة خيراً كان أو شراً، مخلوق لله تعالى،
مقدر محكم مرتّب على حسب ما اقتضته الحكمة، وعلى وفق ما هو مقدر
مكتوب في اللوح، معلوم الله ثابت في سابق علم الله الأزلي، قبل وجوده أو
كونه، يعلم حاله وزمانه. والقدر: التقدير.
(١) تفسير الرزاي : ٦٩/٢٩ - ٧٠ .

١٩٩
لُعُ (٢٧) - القبر: ٥٤ / ٤٣-٥٥
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيْرًا﴾ [الفرقان: ٢/٢٥]
وَالَّذِىِ قَدَّرَ فَهَدَى
٢
وقوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿ الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى
(٣)) [الأعلى: ١/٨٧-٣] أي قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه.
وقد استدل أهل السنة بهذه الآية الكريمة على إثبات قدر الله السابق لخلقه:
وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته (أي تسجيله) لها قبل حدوثها.
أخرج الإمام أحمد ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله وسلم: ((كل
شيء بقدر، حتى العجز والكسل)) . وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد
ومسلم أيضاً عن أبي هريرة: ((استعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل:
قدّر الله، وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن: لو تفتح
عمل الشيطان)) .
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عباس أن رسول الله الآن قال له:
((يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،
إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو
اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن
اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت
الأقلام، وجَفَّت الصحف)) .
ومن المعلوم أن الكتابة لا تعني الجبر والفرض على العباد، والعلم السابق
بالأشياء لا يدل على الإلزام، وإنما يدل على أن جميع ما في الكون معلوم سابقاً
لله تعالى.
ثم أوضح الله تعالى نفاذ مشيئته في خلقه، ونفاذ قدره فيهم، فقال:
﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْجٍ بِالْبَصَرِ ﴾﴾ أي إن أمرنا بإيجاد الأشياء
إنما يكون مرة واحدة، لا حاجة فيه إلى تأكيد ثان، فيكون الذي نأمر به بكلمة

٢٠٠
الجُزُ (٢٧) - الْقَبْ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
واحدة حاصلاً موجوداً كلمح البصر في سرعته، لا يتأخر طرفة عين، ولمح
البصر: إغماض البصر، ثم فتحه. وهذا تمثيل وتقريب لسرعة نفاذ المشيئة في
إيجاد الأشياء، فهو كلمح البصر أو أقرب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا
﴾ [يس: ٨٢/٣٦].
٣٨٣
أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
ثم أعاد تعالى التنبيه للحق والاتعاظ بهلاك السابقين، فقال:
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرِ ﴾﴾ أي وتالله لقد أهلكنا
أمثالكم وأشباهكم في الكفر يا معشر قريش، من الأمم السابقة المكذبين
بالرسل، فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب، وهل
من يتذكر ويتعظ بالمواعظ، ويعلم أن ذلك حق، فيخاف العقوبة التي حلت
بالأمم السابقة؟
وهذا كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِم مِّن
قَبْلٌ﴾ [سبأ: ٥٤/٣٤].
وأتبع ذلك الإخبار عن إحصاء جميع أعمالهم ورقابة الله عليهم، فقال:
﴿ وَكُلُّ شَىءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ (®َ﴾ أي
إن جميع ما فعلته وتفعله الأمم والشعوب والأفراد من خير أو شر مكتوب في
اللوح المحفوظ، وفي كتب (أو سجلات) الملائكة الحفَظّة، وما من شيء من
أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم إلا وهو مسطور في اللوح المحفوظ، وفي
دواوين الملائكة وصحائفهم، صغيرة وكبيرة، وجليلة وحقيرة، كما قال
تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبُ عِدٌ (جَ﴾ [ق: ١٨/٥٠].
أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن عائشة أن رسول الله صل# كان
يقول: ((يا عائشة، إياكِ ومحقِّراتِ الذنوب، فإن لها من الله طالباً)).
ثم ذكر الله تعالى نوع جزاء المؤمنين المتقين لمقارنته بجزاء الكافرين، ومقابلة
الثواب بالعقاب وبالعكس، فقال: