النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الُ (٢٧) - التَيْ: ٥٣ /١٩-٢٦ أي إن الملائكة لا تشفع إلا بعد الإذن لها بالشفاعة، وإلا لمن يشاء الله أن يشفعوا له؛ لكونه من أهل التوحيد، وليس للمشركين في ذلك حظ. قال ابن كثير: فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها، ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه (١)؟. وهذا توبيخ لعبدة الملائكة والأصنام. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اَ - حاجّ الله المشركين إذ عبدوا ما لا يعقل، فإن تلك الأصنام التي يعبدونها كاللات والعزى ومناة لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، فكيف تجوز عبادتها؟ علماً بأن العبادة في رأي المشركين للمنفعة، وهذه عديمة النفع، فهل رأيتم هذه الأصنام حق الرؤية، فإن رأيتموها علمتم أنها لا تصلح شركاء؟ وقد عرفتم جلال الله وعظمته، فهو الأحق بالعبادة. أَ- قرَّع الله المشركين ووبخهم أيضاً ورد عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله، وبيَّن لهم أنه لا يعقل جعل البنات الإناث لله، ويختارون هم الذكور، فهذه القسمة قسمة جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة عن الحق. ٣- ما هذه الأوثان إلا أسماء وضعتموها ونحتموها وسميتموها آلهة، وقد قلدتم آباءكم في ذلك، وما أنزل الله بها من حجة ولا برهان، وما تتبعون في ذلك إلا الظن أو الوهم وأهواء النفس وما تميل إليه، بالرغم من أنه جاءكم البيان الشافي من جهة الرسول أنها ليست بآلهة، فهم اختاروا العمل بالظن مع قدرتهم على العمل باليقين الذي نزل به الوحي. (١) تفسير ابن كثير : ٢٥٥/٤. ٠ ١٢٢ الُرعُ (٢٧) - التَيْ: ٥٣ /٢٧-٣٠ ٤- الواقع أنه ليس للمشركين في عبادة الأصنام إلا مجرد التمنيات والأماني المعسولة المبنية على وهم لا واقع له، فلن تتمكن من الشفاعة لهم كما يحلمون فقد تمنوا الشفاعة عند من ليس لهم شفاعة، وإن الملك والتصرف والسلطان في الدنيا والآخرة لله عز وجل، فهو يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا ما تمنى أحد. ٥- وبّخ الله تعالى من عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقرّبه إلى الله تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له. توبيخ المشركين لتسميتهم الملائكة بنات الله وَمَا لَمُ بِهِ، مِنْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَقُّونَ اْلَكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنثَى فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَى ٢٨ عِلَّمٍ إِن يَقَبِعُونَ إِلَّا الَّنُّ وَإِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا عَن ذِكْرِنَا وَلَ يُرِدْ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْوَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَهْتَدَى الإعراب: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾: إما على أصلها في التفضيل في العلم، أي هو أعلم من كل أحد بهذين الصنفين، وإما أنها بمعنى (عالم). ومثله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أُهْتَدَى﴾ فيها الوجهان. البلاغة: بين ﴿ضَلَّ﴾ و﴿أُهْتَدَى﴾ طباق. المفردات اللغوية: لَيُسَمُّونَ الْلَكَةَ﴾ يسمون كل واحد منهم . ﴿نَسْمِيَةَ الْأَنَ﴾ حيث قالوا: ١٢٣ الُرُ (٢٧) - النَّخَيْ: ٥٣ /٢٧-٣٠ هم بنات الله. ﴿ وَمَا لَهُمُ بِهِ، مِنْ عِلَّمٍ﴾ بهذا القول من دليل يقيني. ﴿إِن يَتَّعُونَ﴾ ما يتبعون فيه. ﴿إِلَّا الَّنَّ﴾ مجرد التوهم. ﴿وَإِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئًا﴾ أي إن الظن لا يفيد في مجال الحق: الذي هو حقيقة الشيء، فإن الحق لا يدرك إلا بالعلم، أي اليقين، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية أو اليقينيات وإنما العبرة به في العمليات والوسائل المؤدية إليها. ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَنْ تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا و أعرض عمن ٢٩ تولى عن القرآن وعن تذكيرنا وانهمك في الدنيا . ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِّ﴾ أي طلب الدنيا وأمرها نهاية علمهم، فلا يتجاوزه علمهم لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة، والجملة اعتراضية مقررة لقصر همهم على الدنيا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ تعليل للأمر بالإعراض، أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، إذ ما عليك إلا البلاغ، وقد بلَّغت، والله عالم بالفريقين فيجازيهما. المناسبة: بعد أن وبخ الحق سبحانه المشركين على عبادتهم الأصنام والأوثان، وأبان عدم جدوى تلك العبادة في مجال الشفاعة وغيرها، وبخهم مرة أخرى وقرَّعهم على قولهم: الملائكة بنات الله، وأوضح أنها دعوی لا تستند إلى دليل مقبول، وأن عقولهم قاصرة، وأنهم لا يهتمون إلا بالدنيا وحطامها، وأن الله سيجازيهم على مزاعمهم ومعتقداتهم الفاسدة. التفسير والبيان: أنكر الله تعالى على المشركين تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وقولهم: إنهم بنات الله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُونَ الْكَبِكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنثَىِ (َ﴾ أي إن ١٢٤ الُ (٢٧) - النَخَير: ٥٣ /٢٧-٣٠ هؤلاء المشركين الكافرين الذين لا يصدقون بوجود الآخرة والحساب والعقاب يزعمون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. والمراد أنهم يسمون كل واحد من الملائكة أنثى؛ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات، فقد جعلوا كل واحدة بنتاً. كما جاء في آية أخرى: ﴿وَجَعَلُواْ اٌلْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنًا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَةُهُمْ ١٩)﴾ [الزخرف: ٤٣ /١٩]. وَيُسْئَلُونَ ﴿وَمَا لَهُ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ﴾ أي وليس لهم بذلك علم صحيح بصدق ما قالوه، ولا معرفة ولا برهان، فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم، ولا أخبرهم به مخبر مقبول الخبر، بل قالوا ذلك جهلاً وضلالة وجرأة، وكذباً وزوراً وافتراء وكفراً شنيعاً. ﴿إِن يَشَبِعُونَ إِلَّا الَّنُّ وَإِنَّ الَنَّ لَا يُغْنِىِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي ما يتبعون في زعمهم إلا التوهم أو الظن الذي لا أساس له من الصحة، وإن مثل هذا الظن لا يجدي شيئاً، ولا يقوم أبداً مقام الحق. جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله وَير قال: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)). ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي فأعرض أيها الرسول عمن أعرض عن القرآن أو تذكير الله، ولم يكن هُمُّه إلا الدنيا، وترك النظر إلى الآخرة، أي فاترك مجادلتهم والاهتمام بشأنهم، فقد بلّغت ما أمرت به، وليس عليك إلا البلاغ،. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ يشير إلى إنكارهم الحشر، كما قالوا: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩/٦] وقال تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾ [التوبة: ٣٨/٩]. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ اُلْعِلْمَّ﴾ أي إن أمر الدنيا وطلبها هو منتهى ما وصلوا إليه من العلم، فلا يلتفتون إلى ما سواه من أمر الدين. روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صل: ((الدنيا دار من لا ١٢٥ الُرُ (٢٧) - النَير: ٥٣ /٢٧-٣٠ دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له)) وفي الدعاء المأثور: ((اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)). والعلة أو سبب الأمر بالإعراض عنهم ما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أُهْتَدَى﴾ أي أعرض عن هؤلاء؛ لأن الله هو الخالق لجميع المخلوقات، وهو عالم بمن ضل عن سبيله، سبيل الحق والهدى، وعالم بمن اهتدى إلى الدين الحق، وسيجازي كل فريق أو أحد على عمله. وفيه إيناس للنبي (ێ کیلا یتعب نفسه في تحصیل ما لیس یرجی حصوله، وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم، ولازموا الباطل دون الحق، إذ كان من خلقه وَلّ الحرص على إيمانهم. وفي ذلك أيضاً وعيد للكفار، ووعد للمؤمنين. فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت الآيات ما يأتي: اً - وصف الله الكفار الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله بأنهم كافرون بالبعث والحشر أو بالآخرة على الوجه الحق الذي جاءت به الرسل. أَ - وبخ الله المشركين الذين يعتقدون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله سبحانه وتعالى. ءًّ - ليس لهم بما وصفوا به الملائكة هذا الوصف علم صحيح، فإنهم لم يشاهدوا خلق الله الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله ◌َئله، ولم يروه في كتاب، وإنما يتبعون التوهم في أن الملائكة إناث، وإن التوهم أو الظن ١٢٦ لُعُ (٢٧) - النَخَير: ٥٣ /٢٧-٣٠ الذي لا يقوم على أساس علمي صحيح لا يفيد شيئاً في مجال التعرف على الحقيقة. ٤ - إذا كان هذا شأن هؤلاء الكفار المعاندين الذين لا همَّ لهم إلا الدنيا فاترك أيها الرسول مجادلتهم، فقد بلغت الرسالة، وأتيت بما كان عليك. قال الرازي- وما أصوب ما قال -: وأكثر المفسرين يقولون بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ﴾ منسوخ بآية القتال، وهو باطل؛ فإن الأمر بالإعراض موافق آية القتال، فكيف ينسخ به؟ وذلك لأن النبي ◌َّ كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له: ﴿ وَحَدِلْهُم بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنٌ﴾ ثم لما لم ينفع قال له ربه: فأعرض عنهم، ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا يتبعون إلا الظن، ولا يتبعون الحق، وقابلهم بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقابلة، فكيف يكون منسوخاً(١)؟! ٥- شأن الكفار غالباً الاهتمام بالدنيا فقط، وجهل أمر الدين والآخرة، فهم قوم ماديون، كما نشاهد اليوم، لذا أخبر الله تعالى عنهم بأن طلب الدنيا هو قدر عقولهم، ونهاية علمهم؛ لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة: ﴿إِنّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ٢٧ ﴾ [الإنسان: ٢٧/٧٦] . أَ - ختمت الآيات بالوعيد والتهديد، فالله تعالى أعلم بالضالين، وأعلم بالمهتدين، فلاداعي للمعاناة، وسيجازي كلاً بأعمالهم خيرها وشرها. (١) تفسير الرازي : ٣١١/٢٨. ١٢٧ الجُرُ (٢٧) - النشر: ٥٣ /٣١-٣٢ جزاء المسيئين والمحسنين وأوصاف المحسنين ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَئِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللَّهُمْ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةَّ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِتَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّفَ ٣٢ القراءات: كَبَهِرَ آلْإِثْمِ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير الإثم). ﴿بُطُونِ أُنَّهَتِكُمْ﴾ : وقرأ حمزة وصلاً (بطون إِمِّهاتكم) والكسائي وصلاً (بطون إِمَّهاتكم). الإعراب: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ﴾ لام ﴿لِيَجْرِىَ﴾ إما لام (كي) والتقدير: واستقر لله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، أو تكون لام القسم. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَيْرَ آلْإِثْمِ﴾ ﴿ الَّذِينَ﴾: في موضع نصب على البدل من ◌ْالَّذِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾. ﴿إِلَّا الََّمْ﴾ ﴿اللَّمَمْ﴾: استثناء منقطع: وهو صغائر الذنوب. البلاغة: لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة، وتكرار لفظ (يَجْزِيَ) من قبيل الإطناب. ١٢٨ الْجُرُ (٢٧) - التَخَير: ٥٣ /٣١-٣٢ المفردات اللغوية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي هو الخالق والمالك والمتصرف. ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ بعقاب ما عملوا من السوء كالشرك وغيره. ﴿ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ الذين أحسنوا بالتوحيد والطاعة يجزيهم بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. كَبَبِرَ اُلْإِثْرِ﴾ ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو كل ذنب توعد الله عليه صاحبه بالعذاب الشديد كالشرك وعقوق الوالدين.﴿ وَاُلْفَوَاحِشَ﴾ ما فحش من الكبائر خصوصاً، وهو الذنب الذي عاقب الله عليه بالحد كالقتل العمد والزنى والقذف وشرب الخمر وسائر المسكرات . ﴿إِلَّا الََّمْ﴾ استثناء منقطع، أي لكن اللمم إذا اجتنبت الكبائر تُغفر، مثل النظرة إلى المحرَّمات والقبلة واللمسة . (﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ اٌلْمَغْفِرَةِ﴾ كثير الغفران للذنوب، قابل التوبة منها، فله أن يغفر ما يشاء من الذنوب صغيرها وكبيرها، قال البيضاوي: ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين، لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ عالم بأحوالكم. ﴿إِذْ أَنشَأَكُ مِّنَ الْأَرْضِ﴾ خلق أباكم آدم من التراب . ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِىِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ أي حينما صوَّركم في الأرحام، والأجنَّة: جمع جنين: وهو الولد ما دام في بطن أمه، سمي بذلك لاجتنانه أي استتاره. ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، ولا تمدحوها على سبيل الإعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن . ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ أي عالم يعلم التقي وغيره قبل الخلق. سبب نزول الآية (٣٢): ﴿الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّا اللََّمْ﴾: أخرج الواحدي والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم: عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صِدِّيق، فبلغ ذلك النبي ێے، ١٢٩ الُرُ (٢٧) - الفرع: ٥٣ /٣١-٣٢ فقال: ((كذبت اليهود، ما من نسمة يخلقه الله في بطن أمه إلا ويعلم أنه شقي أو سعيد)) فأنزل الله عند ذلك هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُ مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أنه العليم بما في السماوات والأرض، وأنه يجازي عباده بعدله، فيثيب المحسن بالجنة، ويعاقب المسيء بالنار، ذكر أنه قادر على ذلك، فهو مالك العالم العلوي والسفلي يتصرف فيهما بما شاء، وهو يجازي على وفق علمه المحيط بكل شيء، ثم ذكر أوصاف المحسنين، وأخبر أنه جواد كريم واسع المغفرة لمن يشاء من عباده. التفسير والبيان: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى ﴾﴾(١) أي إن الله تعالى مالك السماوات والأرض، وإنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وقد خلق الخلق بالحق، وجعل عاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي كلاً بعمله، بحسب علمه المحيط بكل شيء، المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فإن كان العمل خيراً، كان الجزاء خيراً، وإن كان شراً كان الجزاء شراً. فتكون لام ﴿ لِيَجْرِىَ﴾ لام العاقبة. قال ابن الجوزي في تفسيره: والآية إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى، وبين قوله: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَهُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ لأنه إذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن، جازى كلاً بما يستحقه، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك. (١) قال الواحدي: اللام للعاقبة أو الصيرورة، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨/٢٨] أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدواً. ١٣٠ الجُرءُ (٢٧) - النَحَرْ: ٥٣ /٣١-٣٢ ثم ذكر الله تعالى صفات المتقين المحسنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَِرَ اُلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ الََّمَ﴾ أي إن المحسنين هم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب كالشرك والقتل وأكل مال اليتيم، وعن الفواحش كالزنى، والكبائر: كل ذنب توعد الله عليه بالنار، والفواحش: ما تناهى أو تزايد قبحه عقلاً وشرعاً من الكبائر، مما كان فيه الحد. ولكن لا يقع منهم إلا اللمم أي صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال كالنظرة الحرام والقبلة. أخرج أحمد والشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتَمَنَّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو یکذبه» . فإن اقترفوا اللمم تابوا ولم يعودوا إلى مثله. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ [النساء: ٣١/٤]. ٣١ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلَا كَرِيمًا وقد ورد في الصحيحين عن علي رضي الله عنه تحديد الكبائر بسبع: (اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) وقد أوصلها الحافظ الذهبي في كتابه (الكبائر) إلى سبعين. وروى الطبراني عن ابن عباس أن رجلاً قال له: الكبائر سبع، فقال: هي إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ثم فتح الله تعالى باب الأمل ومنع اليأس بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ اٌلْمَغْفِرَةَّ﴾ أي إن رحمة الله وسعت كل شيء، ومغفرته تسع ١٣١ الُرُ (٢٧) - التنمر: ٥٣ /٣١-٣٢ ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ الذنوب كلها لمن تاب منها، كما قال تعالى: عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ (٣)﴾ [الزمر: ٥٣/٣٩]. اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ثم أكد الله تعالى علمه بالأشياء كلها، فقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِّنَ اُلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ} أي إن الله بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي ستصدر منكم، حين ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم من التراب، واستخرج ذريته من صلبه، وحين صوركم أجنة في أرحام أمهاتكم، وتعهدكم بالنمو والتكوين في أطوار مختلفة. والجنين: هو الولد مادام في البطن، وفائدة قوله: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ التنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطن الأم في غاية الظلمة، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد. ﴿فَلَا تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَؤُ بِمَنِ أَنَّفَ﴾ أي لا تمدحوا أنفسكم، ولا تبرّئوها عن الأثام، ولا تثنوا عليها بإعجاب أو رياء، ولا تدّعوا الطهارة عن المعاصي، بل احمدوا الله على الطاعة، واحذروا المعصية، فالله هو العليم بمن اتقى المعاصي. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ بَلِ اللَّهُ يُزَكِ مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤﴾ [النساء: ٤٩/٤]. وروى مسلم في صحيحه عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: ((سَمّيتُ ابنتي (بَرَّة) فقالت لي زينب بنت أبي سَلَمة: إن رسول الله وَّ نهى عن هذا الاسم، فقال: لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم، فقالوا: بِمَ نسميها ؟ قال: سموها زينب)) . وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: مدح رجل ١٣٢ الجُرُ (٢٧) - النجم: ٥٣ /٣١-٣٢ رجلاً عند النبي ◌َ له، فقال رسول الله وَله: ((ويلك قطعت عُنُق صاحبك - مراراً - إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً، والله حسيبه، ولا أزّي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك)). وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان، فأثنى عليه في وجهه، فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول الله وَل﴿ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: اً- لله تعالى جميع ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وخلقاً، وهذا دليل القدرة الإلهية، وسعة الملك الإلهي، وهذا معترض في الكلام. أَ - إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى، فيجازي كلاً بما يستحقه. وإذا كانت اللام للعاقبة فالمعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض، لتكون عاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم محسن ومسيء، فللمحسن المثوبة أو العاقبة الحسنى وهي الجنة، وللمسيء السوأى وهي جهنم. ٣ - إن نعت المحسنين أنهم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك؛ لأنه أكبر الآثام، ونحوه من الكبائر المذكورة آنفاً وهي كل ما أوعد الله عليه بالنار، ويبتعدون عن الفواحش المتناهية في القبح، كالزنى، وهي كل ذنب فيه الحدّ. لكن اللمم، وهي كما ذكر القرطبي: الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه، فإن أمرها سهل مغفور، يتوب الله فيها على من تاب وأناب. وقال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحُذَيْفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وفي صحيح ١٣٣ الجُرعُ (٢٧) - النَخَير: ٥٣ /٣١-٣٢ البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه)) وقد أعدت الحديث بهذا اللفظ؛ لأنه أوضح، والمعنى: أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحدّ في الدنيا والعقوبة في الآخرة، هو في الفرج، وغيرُه له حظّ من الإثم. ٤- إن الله عز وجل واسع المغفرة من الصغائر والكبائر لمن تاب من ذنبه واستغفر، أما من لم تصل إليهم المغفرة فهم الذين أصروا على الإساءة، وماتوا من غير توبة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨/٤]. ٥- أكد الله تعالى لعباده علمه بجميع أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم، فذكر أنه أعلم بهم من أنفسهم وقت الإنشاء حين خلق أباهم آدم من الطين، وتسلسلوا في بطون الأمهات، معتمدين في تكوين نشأتهم على الغذاء الذي يعتمد على التراب والماء، فكل أحد أصله من التراب، فإنه يصير غذاء، ثم يسير نطفة. وفي هذا تقرير لكونه عالماً بمن ضل. أَ - نهى الله تعالى الإنسان عن تزكية نفسه ومدحها والثناء عليها، فإنه أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع، ولأن الله عالم بمن أخلص العمل، واتقى عقوبة الله. قال ابن عباس: ما من أحد من هذه الأمة أزكّيه غير رسول الله ١٣٤ الجُرعُ (٢٧) - النجم : ٥٣ /٣٣-٥٤ توبيخ بعض كبار المشركين الأغنياء الإعراضه عن اتباع الحق وتذكيره بما في صحف إبراهيم وموسى ﴿أَفَرَيْتَ أَلَّذِى تَوَى: ﴿ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَىَ (٢٤) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىَّ وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَقََّ ﴿ أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ ٣٦ أَمَّ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى ٣٥ ٤٠ وَأَنَّ سَعْيَهُ, سَوْفَ يُرَى ٣٩ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى وِزْرَ أُخْرَ (® وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى ٤١ يُجْزَنُهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَى ( ٤٣ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ٤٢ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى مِن تُطْفَةٍ إِذَا تُعْنَى ٤٥ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ٤٧ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ٤٦ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ٥٠ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا اُلْأُولَى ٤٩ وَثَمُودَا فَمَا أَبَقَى ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ ٥٤ ﴿﴿ فَغَشَنْهَا مَا غَشَّى وَاُلْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى القراءات: ﴿ النَّشْأَةَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (النشآءة). ﴿ وَثَمُودَا﴾ : قرئ: ١- (وثمودَ) وهي قراءة عاصم، وحمزة. ٢- (وثموداً) وهي قراءة الباقين. الإعراب: حذَف مفعولي ﴿ یَر﴾ وتقدیرہ: فھو ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىَ (9َ). يراه حاضراً. ﴿أَمْ لَمْ يُنَّأَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: إما منقطعة بمعنى ( بل والهمزة ) أو متصلة بمعنى (أي) لأنها معادلة للهمزة في قوله تعالى: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ ١٣٥ الُ (٢٧) - النَمر: ٥٣ /٣٣-٥٤ ﴿أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ﴾ ﴿أَلَّا نَزِرُ﴾ في موضع جر على البدل من: (ما) في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأَ بِمَا فِى صُحُفِ﴾ أو في موضع رفع على تقدير مبتدأ محذوف تقديره: ذلك ألا تزر، وتقديره: أنه لا تزر. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلِنسَنِ﴾ فتكون (أَنْ ) مخففة من الثقيلة. ﴿سَوْفَ يُرَى﴾ نائب الفاعل ضمير مستتر فيه، ومن قرأ بالفتح (یَرَی) كان التقدير فيه: سوف يراه، فحذف الهاء، كما يقال: إن زيداً ضربت، أي ضربته. ﴿ثُمَّ يُجْزَنَّهُ الْجَزَآءَ اَلْأَوْنَى ﴿٤﴾ الهاء في ﴿يُجْزَئُهُ﴾ في موضع نصب مفعول به، و﴿الْجَزَآءَ الْأَوْنَى﴾ منصوب على المصدر. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى ﴾﴾ أراد: أنه إلى ربك، وهو معطوف على ﴿أَلَّا نَزِرُ﴾ وكل ما بعده من قوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ®) إلى قوله تعالى: [الآيات: ٥٠/٤٣] معطوف على ﴿أَلَّا نَزِّرُ﴾. ٥٠ ﴿وَأَنَّهُ: أَهْلَكَ عَادَا اُلْأُوْلَى ـةَ﴾ ﴿ وَثَمُودَا﴾ منصوب بفعل دال عليه. ﴿فَمَآَ أَبْقَى﴾ ﴿ وَثَمُودَا فَآَ أَبْقَ تقديره: وأهلك ثموداً، فما أبقى. وإنما لم يجز نصبه بـ ﴿أَبْقَى﴾ لأن ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله. ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ﴾ مفعول به منصوب لـ ﴿أَهْوَى﴾. ﴿ وَاُلْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى ﴿فَفَشَّنَهَا مَا غَشَى ﴾﴾ أي ما غشاه إياها، فحذف مفعولي (غشَى) والأول ضمير ﴿مَا﴾ والثاني ضمير﴿ وَالْمُؤْنَفِكَةَ﴾. البلاغة: الإبهام للتعظيم والتهويل. ﴿فَغَشَّنْهَا مَا غَشَى ١٣٦ الجُزْءُ (٢٧) - التَيْ: ٥٣ /٣٣-٥٤ بين ﴿أَضْحَكَ وَأَبَّكَى﴾ وبين ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ وبين ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ ما يسمى بالطباق. بين ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ جناس ناقص لتغير بعض الحروف. المفردات اللغوية: ﴿تَوَى﴾ أعرض عن اتباع الحق والثبات عليه. ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ من المال، ﴿وَأَكْدَ﴾ قطع العطاء ولم يتممه، يقال: حفر فأكدى، أي بلغ كُذْية أي أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر من مواصلة العمل وإتمامه . ﴿أَعِندَهُ عِلُّ اُلْغَيِّ فَهُوَ يَرَىّ (13) يعلم أن غيره يتحمل عنه عذاب الآخرة، وهو الوليد ابن المغيرة أو غيره كما سيأتي. وجملة ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ﴾ المفعول الثاني لرأيت بمعنى: أخبرني. ﴿أَمْ لَمْ يُبَأْ﴾ أي بل لم يخبر. ﴿صُحُفِ مُوسَى﴾ أسفار التوراة، إنما قدم تعالى ذكر صحف موسى؛ لأنها أقرب وأشهر وأكثر . ﴿وَإِبْرَهِيمَ﴾ أي وصحف إبراهيم: وهي ما نزل عليه من الشرائع ﴿وَفَّ﴾ أتم ما أمر به، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِ ابْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَّمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤/٢]. ﴿أَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (®﴾ أي لا تحمل نفس ◌ِمْل أي ذنب غيرها. ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى (®َ﴾ أي وأنه ليس لإنسان إلا ما سعى من خير، فليس له من سعي غيره للخير شيء. ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (ج)﴾ يبصر في الآخرة، ويراه أهل القيامة تشريفاً للمحسن، وتوبيخاً للمسيء. ﴿يُجْزَنَهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى﴾ أي يجزى الإنسان سعيه بالجزاء الأكمل أو الأوفر. ﴿الْمُنَهَى﴾ المرجع والمصير والنهاية بعد الموت يوم القيامة. ﴿أَضْحَكَ﴾ أي من شاء أفرحه . ﴿وَأَبْكَى﴾ ومن شاء أحزنه. ﴿أَمَاتَ﴾ في الدنيا. ﴿وَأَحْيَا﴾ للبعث. ﴿خَلَقَ الَزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين. ﴿مِن تُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (®﴾ من مني إذا تدفق وصب في الرحم، فقوله: ثُمنى أي نُصبّ في الرحم. ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ الخلقة الأخرى للبعث بعد الخلقة الأولى، بإعادة الأرواح في الأجساد حين البعث. ١٣٧ الْجُرُ (٢٧) - التخمر: ٥٣ /٣٣-٥٤ ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أعطى المال من شاء، وأفقر من شاء. ﴿رَبُّ اٌلْشِّعْرَى﴾ الكوكب المضيء خلف الجوزاء، يسمى العبور، كانت طائفة من العرب تعبده في الجاهلية. ﴿ وَأَنَّهُ، أَهْلَكَ عَادًا أَلْأُولَى ®) القدماء وهم قوم عاد وقوم هود: وهم ولد عاد بن إرم بن عوف بن سام بن نوح، وعاد الأخرى: من ولد عاد الأولى، وهم ثمود وقوم صالح كما قال المبرد. ﴿ وَثَمُودَأَ فَمَا أَبَقَ (®َ﴾ ثمود: قوم صالح، فما أبقى أحداً منهم، و(ثُمُود) بلا صرف: اسم للقبيلة، وهو معطوف على ﴿عَادًا﴾ وبالصرف: اسم للأب. ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ أي قبل عاد وثمود أهلكناهم. ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْنَى﴾ من عاد وثمود؛ لأنهم مع عدم إيمانهم بنوح عليه السلام على مدى ألف سنة إلا خمسين عاماً كانوا يؤذونه ويضربونه . ﴿ وَالْمُؤْنَفِكَةَ﴾ قرى قوم لوط، سميت بذلك؛ لأنها ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بهم، ومنه الإفك؛ لأنه قلب الحق . ﴿أَهْوَى﴾ أسقطها وقلبها في الأرض بعد أن رفعها إلى السماء، بأمر جبريل بذلك. ﴿فَغَشَّلَهَا﴾ غطَّاها بالحجارة وغيرها ﴿مَا غَشَى﴾ ما غطّى، أبهم ذلك تهويلاً وتعميماً لما أصابهم. سبب النزول: سبب نزول الآيات (٣٣ - ٤١): قال مجاهد وابن زيد فيما أخرجه الواحدي وابن جرير: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله ◌َله على دينه، فعيَّره بعض المشركين، وقال: لم تركتَ دين الأشياخ وضللتهم، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله، ورجع إلى شِرْكه، أن يتحمل عنه عذاب الله سبحانه وتعالى، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل ومنعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي كان ربما يوافق النبي ◌َل في بعض الأمور. ١٣٨ الجُزءُ (٢٧) - النَيْ: ٥٣ /٣٣-٥٤ وقال محمد بن كعب القرظيّ: نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق؛ فذلك قوله تعالى ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَّ ٣٤ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: أن النبي وَلّ خرج في غزوة، فجاء رجل يريد أن يحمل- أي يركب-، فلم يجد ما يخرج عليه، فلقي صديقاً له، فقال: أعطني شيئاً، فقال: أعطيك بَكْري هذا على أن تتحمل ذنوبي، فقال له: نعم، ﴾ الآيات. فأنزل الله: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَى سبب نزول الآية (٤٣): ®): أخرج الواحدي عن عائشة قالت: مرّ ﴿ وَأَنَّمُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى رسول الله ◌َ﴿ل بقوم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، فنزل عليه جبريل عليه السلام بقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبِّكَّى (4) فرجع إليهم فقال: ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل عليه السلام، فقال: ائت هؤلاء، وقل لهم: إن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَنَّهُ ٤٣ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى المناسبة: بعد أن بيَّن الله سبحانه سعة علمه وقدرته الفائقة على إيقاع الجزاء يوم القيامة بأهل الإساءة والإحسان، وبيَّن جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر على سبيل التعجيب والتقريع نبأ واحد معين منهم بسوء فعله، أعرض عن الإيمان والدخول في الإسلام، بالرغم من سماع ما أنزل، وظن أن غيره يتحمل عنه أوزاره، مع أن جميع الشرائع كشريعة إبراهيم وموسى تقرر مبدأ المسؤولية الشخصية أو الفردية، وأن لا تتحمل نفس آثمة وزر أو ذنب نفس أخرى، وأن ليس لكل إنسان إلا سعيه بالخير. ١٣٩ لُرُ (٢٧) - الفَرْ: ٥٣ /٣٣-٥٤ التفسير والبيان: ذمّ الله تعالى ووبخ كل من تولى عن طاعة الله، فقال: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى تَوَلَى: ﴿ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَ ﴿٨َ أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَكَّ (2)(١) أي أعلمت وأخبرت شأن الذي تولى عن الخير، وأعرض عن اتباع الحق، وأعطى قليلاً من المال، ثم أحجم عن العطاء في سبيل أن يتحمل عنه غيره وزره، أو كما قال ابن عباس: أطاع قليلاً ثم قطعه، أفعند هذا الكافر الذي آثر الكفر على الإيمان علم ما غاب عنه من أمر العذاب، فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه أوزاره يوم القيامة؟ ليس الأمر كما يظن. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّفَ وَلَا صَلَى ﴿ وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَّى (®)) [القيامة: ٣١/٧٥-٣٢] ثم ذكّره تعالى بما أجمعت عليه الشرائع من أن المسؤولية شخصية، وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَ (49﴾ أي بل (٣٦ فقال: ﴿أَمَ لَمْ يُنَبَأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى ( أإنه لم يُخْبَر بما جاء في أسفار التوراة، وصحف إبراهيمَ الذي تمم وأكمل ما أمر به، وأدى الرسالة على الوجه الأكمل، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَإِ أَبْتَلَى إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَّمَّهُنِّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤/٢] فإنه قام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبَلَّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماماً يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله. واكتفى بذكر صحف إبراهيم وموسى؛ لأن المشركين يدّعون أنهم على ملة إبراهيم، وأهل الكتاب يتمسكون بالتوراة، وإنما قدم هنا صحف موسى خلافاً للترتيب الزمني، ولما جاء في سورة الأعلى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى اُلُّحُفِ اُلْأُولَی ﴾ [١٨/٨٧-١٩]؛ لأن صحف إبراهيم ١٩ صُحُفٍ إِزَهِيَمَ وَمُوسَى كانت بعيدة، وكانت المواعظ فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى التي هي أقرب وأشهر وأكثر. (١) ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: معناها المراد: أخبرني، ومفعولها الأول: ﴿الَّذِى﴾، والثاني: جملة الاستفهام. ١٤٠ الجُرُ (٢٧) - التحرير: ٥٣ /٣٣-٥٤ ثم أوضح الله تعالى ما تقرر في صحف موسى وإبراهيم، فقال: ﴾ أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، فكل اً - ﴿أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى نفس ارتكبت جرماً من كفر أو أي ذنب، فعليها وحدها وزرها، لا يحمله عنها أحد، وهذا مبدأ المسؤولية الفردية أو الشخصية أو لا يؤاخذ امرؤ بذنب غيره، كما جاء في آيات أخرى منها: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَهُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىٌّ﴾ [فاطر: ١٨/٣٥]. أي ليس له إلا أجر سعيه وجزاء ◌َ - ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى (49) عمله، فلا يستحق أجراً عن عمل لم يعمله، وهذا المبدأ وهو ألا يثاب أو يكافأ امرؤ إلا بعمله يقابل المبدأ السابق، فكما لا يتحمل أحد مسؤولية أو وزر غيره، كذلك ليس له من الأجر إلا ما کسب هو لنفسه. والمراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة وكل عمل، فالخير مثاب عليه، والشر معاقب به، وعبر بصيغة الماضي في قوله: ﴿إِلَّا مَا سَعَى﴾ لزيادة الحث على العمل الصالح. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. والمعتمد في المذاهب الأربعة أن ثواب القراءة يصل إلى الأموات؛ لأنه هبة ودعاء بالقرآن الذي تتنزل الرحمات عند تلاوته، وقد ثبت في السنة النبوية وصول الدعاء والصدقة للميت، وذلك مجمع عليه، وروى مسلم في صحيحه والبخاري في الأدب وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَله قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفع به، أو ولد صالح يدعو له)). قال القرطبي: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره(١). (١) تفسير القرطبي : ١٧/ ١١٤.