النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الُ (٢٧) - التُورّ: ٥٢ /٢٩-٣٤
الذي أمرك الله بإبلاغه، والمجنون: هو الذي يتخبطه الشيطان من المس، في
عرف العرب. وممن قال إنه كاهن كما تقدم: شيبة بن ربيعة، وممن قال إنه
مجنون: عقبة بن أبي مُعَيْط.
لا تبال بهذا، فإنه قول باطل متناقض؛ لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى
فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله، ولست بما عرف عنك من رجاحة
العقل أحد هذين.
ثم أنكر الله تعالى عليهم قولاً آخر في الرسول وَله، فقال:
﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّرَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ (®﴾ أي بل يقولون: إنه شاعر ننتظر
به حوادث الأيام، فيموت كما مات غيره، أو يهلك كما هلك من قبله،
فنستريح منه ومن شأنه وینقضي ما جاء به من هذا الدين.
ثم هددهم الله وتهکم بهم قائلاً لرسوله الآتى :
- ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَّيِّصِينَ ﴾﴾ أي قل لهم أيها الرسول:
انتظروا موتي أو هلاكي، فإني معكم من المنتظرين لعاقبة الأمر، وقضاء الله
فيكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، وأنا واثق من
نصر الله تعالى.
- ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهِذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ (®﴾ أي أأنزل عليهم ذكر أم
أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض؟ وهي دعوى أن القرآن سحر أو كهانة
أو شعر، وقولهم في الرسول وَلّ: كاهن وشاعر مع قولهم: مجنون، فالشاعر
غير الكاهن وغير المجنون، فالأول ينطق بالحكمة، والثاني يذكر الخرافات،
والثالث زائل العقل، وكانت عظماء قريش توصف بأنهم أهل الأحلام
والنهى والعقول، فتهكم الله بعقولهم التي لا تميز بين الحق والباطل.
. أم إنهم قوم طغوا وتجاوزوا الحد في العناد والعصيان والضلال عن الحق،
واغتروا وقالوا ما لا دليل عليه سمعاً، ولا مقتضى له عقلاً.

٨٢
الجُزُ (٢٧) - التُور: ٥٢ /٢٩-٣٤
@ متصلة، كما ذكر الرازى، وذكر غيره (١) أن أم في
وعلى هذا تكون
الموضعين منقطعة، أي بل أتأمرهم عقولهم، بل اطغوا وجاوزوا الحد؟ أي
لكن عقولهم تأمرهم بهذه الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب
وزور، وهم قوم طاغون ضلاَّل معاندون.
(*) أي أتقولون: كاهن، أم تقولون:
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَقَوَّهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ
شاعر، أم تقوله أي اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن. فرد الله تعالى
عليهم: بل إن كفرهم وكونهم لا يؤمنون بالله ولا يصدقون بما جاء به رسوله
هو الذي يحملهم على هذه الأقوال المتناقضة، والمطاعن المفتراة الكاذبة.
ثم رد عليهم رداً آخر فيه تحدٍّ لهم، فقال:
{فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ (®﴾ أي إن صدقوا في قولهم:
إن محمداً تقوله وافتراه من عند نفسه، فليأتوا (٢) بمثل هذا القرآن في نظمه
وحسن بيانه وبديع أسلوبه، مع أنه كلام عربي، وهم أساطين البيان، وفرسان
البلاغة والفصاحة، والممارسون لجميع أساليب العربية من نظم ونثر.
والحقيقة أنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس، ما
جاؤوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
(١) قال أبو حيان في (البحر المحيط: ١٥١/٨): والصحيح أنها تتقدر بيل والهمزة، وقد تقدم في
الإعراب أن أم كلها في الآيات منقطعة بمعنى (بل والهمزة) وهو رأي ابن الأنباري وغيره من
النخاة .
(٢) الفاء للتعقيب، أي إذا كان الأمر كذلك، فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى به ليصحح
کلامهم، ويبطل كلامه.

٨٣
الزُ (٢٧) - التُورٌّ: ٥٢ /٢٩-٣٤
اً - أمر الله نبيه محمداً وَ له بالثبات على التذكير والوعظ لقومه بالقرآن،
دون مبالاة بمطاعن كفار قريش، فليس هو بالكاهن ولا بالشاعر ولا
بالمجنون، وإنما هو صادق النبوة، وقد عرف بين قومه أنفسهم برجاحة العقل،
وأصالة الرأي.
أَ - لقد انتظر الكفار المعاندون سوءاً أو هلاكاً بالنبي ◌َلال تخلصاً منه ومن
دينه، فعجل الله لهم الهلاك في معركة بدر وغيرها. قال الضحاك: هؤلاء بنو
عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر: أي يهلك عن قريب كما هلك مَنْ قبلُ من
الشعراء، وأن أباه مات شاباً، فربما يموت كما مات أبوه.
٣- وفي حال حياتهم أورد القرآن عدة تقريعات وتوبيخات لهم بأسلوب
التهكم: أولها - أنه لا عقل لهم بنحو سليم؛ إذ لو كان لهم عقل سليم لميزوا
بين الحق والباطل، والمعجز وغيره، ولما أوقعوا أنفسهم في تناقضات حين
وصفوا محمداً وَل﴿ بأوصاف متناقضة، فقالوا: إنه كاهن، شاعر، مجنون،
والجنون لا يتفق مع الكهانة ونظم الشعر اللذين يتطلبان حذاقة وذكاء وإبداعاً
وقوة خيال.
ثانيها- أنهم قوم طغوا وتجاوزوا الحد بغير عقول.
ثالثها - زعمهم أن محمداً تقوَّل القرآن، أي اختلقه وافتراه من تلقاء نفسه،
والتقول يراد به الكذب.
رابعها - أنهم لم يؤمنوا بالله ورسوله جحوداً وعناداً واستكباراً، وقد صح
عندهم إعجاز القرآن، وإلا ﴿فَلَيَأَتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ أي بقرآن يشبهه من تلقاء
أنفسهم ﴿إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ في أن محمداً ◌ّ افتراه.
فإن كان شاعراً ففيكم الشعراء البلغاء، والكهنة الأذكياء، ومن يرتجل
الخطب والقصائد ويقص القصص، فليأتوا بمثل ما أتى به.

٨٤
الْجُزْعُ (٢٧) - التُوَرَّ: ٥٢ /٣٥-٤٣
إثبات الخالق وتوحيده بالأنفس والآفاق
﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ (٢٥) أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل
لَّا يُوقِنُونَ ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَبْطِرُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلٌَّ
يَسْتَمِعُونَ فِيَّهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانِ مُّبِيٍ
أَمْ
٣٩
٢٠ أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَغْرَمٍ تُثْقَلُونَ ﴿ أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ
كَيَدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوْ هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِّ سُبْحَنَ اْللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٤٣
القراءات:
﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ :
وهي قراءة قنبل، وحفص، وخلف، وقرأ الباقون (المصيطرون).
البلاغة:
٣٩
فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة
﴿أَمَّ لَهُ اٌلْبَثُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
التوبيخ والتقريع لهم.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ من غير خالق، فلذلك لا يعبدونه. ﴿أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ﴾
الذين خلقوا أنفسهم؟ وبما أنه لا يعقل مخلوق بغير خالق، ولا معدوم يخلَق،
فلا بد من خالق هو الله الواحد، فلِمَ لا يوحدونه ويؤمنون برسوله ◌َ ل﴿ وكتابه
الكريم؟!
﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فلا يقدر على

٨٥
الُ (٢٧) - التُّوْرِّ: ٥٢ /٣٥-٤٣
خلقهما إلا الله الخالق القادر، فلم لا يعبدونه؟! ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ به، وإلا
لآمنوا بنبيه، ولو أيقنوا بأن الخالق هو الله لما أعرضوا عن عبادته.
خَزَآئِنُ رَبِّكَ﴾ خزائن رزقه، حتى يرزقوا النبوة والرزق وغيرهما،
فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا. ﴿الْمُصَبْطِرُونَ﴾ القاهرون الغالبون على الأشياء
المسلطون عليها يدبرونها كيف شاؤوا، من سيطر على كذا: إذا تسلط عليه
وأقام عليه، مثل بيطر وبيقر. ﴿سُلٌّ﴾ مرتقى إلى السماء، والسلم: كل ما
يتوصل به إلى غيره من الأماكن العالية . ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيَّهِ﴾ يستمعون عليه إلى
كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن،
وينازعوا النبيِ نَّه بزعمهم إن ادعوا ذلك. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ بحجة قوية . ﴿قُِّينٍ﴾
أي بحجة واضحة تصدّق استماعه.
﴿أَمْ لَهُ اٌلْبَكُ﴾ بزعمكم. ﴿ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾الذكور، فيه تسفيه آرائهم
وإشعارهم بأن من هذا رأيه لا يعدّ من العقلاء، فضلاً عن الاطلاع على
الغيوب . ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أم تطلب منهم أجرة على تبليغ الرسالة. ﴿مَّغْرَمٍ﴾
من التزام غرامة أو غرم: وهو التزام الإنسان ما ليس عليه . ﴿ مُتْقَلُونَ﴾
محملون الثقل، فلذلك زهدوا في اتباعك ولم يسلموا.
﴿أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ﴾ أي علم الغيب. ﴿فَهُمْ يَكْنُبُونَ﴾ ذلك ويحكمون بناء
عليه . ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ تدبير مكيدة وشر، وهو كيدهم في دار الندوة. ﴿فَالَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ يحتمل العموم والخصوص، فيشمل جميع الكفار، أو كفار قريش،
فيكون ذلك تسجيلاً للفكر عليهم . ﴿اٌلْمَكِدُونَ﴾ المغلوبون المهلكون، الذين
يحيق بهم الكيد، أو يعود وبال كيدهم عليهم، وهو قتلهم يوم بدر. ﴿أَمّ ◌َمْ إِلَهُ
غَيِّرُ اللَّهِ﴾ يعينهم ويحرسهم من عذابه. ﴿سُبْحَنَ اُللَّهِ﴾ تنزيهاً لله، وهو اسم علم
للتسبيح . ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن إشراكهم أو شركة ما يشركون به وعن الذين
یشرکون.

٨٦
الزُزُ (٢٧) - الْتُوُرّ: ٥٢ /٣٥-٤٣
المناسبة:
بعد أن رد الله تعالى على ما زعم كفار قريش من أن محمداً كاهن أو شاعر
أو مجنون، ذكر الدليل من الأنفس والآفاق على صدقه، وإبطال تكذيبهم
لرسالته، وإنكارهم للخالق، وإثبات التوحيد بخلقهم وخلق السماوات
والأرض، علماً بأن إثبات الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه
وهو الحشر.
ثم طمأن الله نبيه بأن كيدهم له لا يضره شيئاً، وأن الله ناصره، ومظهر
دينه، ولو كره الكافرون.
التفسير والبيان:
هذه الآيات لإثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴾﴾ هذا رد على إنكار الخالق
الواحد، فهل وُجدوا من غير موجد، أم هم أوجدوا أنفسهم؟ وإذا كان
الأمران منتفيين بشهادة العقل والحس والواقع وبإقرارهم، فالله هو الذي
خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً.
﴾ وهل خلقوا
﴿أَمْ خَلَقُوْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ
السماوات والأرض وما فيهما من العجائب والغرائب وأسباب الحياة
والمعيشة؟ إنهم في الواقع لا يستطيعون ادعاء ذلك، والحقيقة أن عدم إيقانهم
من قولهم بأن الله هو الخالق هو الذي حملهم على التكذيب وإنكار رسالة النبي
محمد وَّر، إذ لو أيقنوا حقاً بأن الله هو الخالق ما أعرضوا عن عبادته.
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٦) أي هل هم يملكون
خزائن الله من النبوة والرزق وغيرهما، فيتصرفوا فيها كيف شاؤوا، أم هم
المسلطون على المخلوقات يدبرون أمرها كيف يشاؤون؟ الواقع أن الأمر ليس
كذلك، بل الله عز وجل هو المالك المتصرف الفعال لما يريد.

٨٧
الُ (٢٧) - التُّون: ٥٢ / ٣٥-٤٣
(٤) أي بل
﴿أَمْ لَهُمْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِيَةٍ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانِ مُبِينٍ
أيقولون: إن لهم سلماً منصوباً إلى السماء يصعدون به، أي مرقاة إلى الملأ
الأعلى، ويستمعون فيه كلام الملائكة وما يوحى إليهم، ويطلعون على علم
الغيب؟ فليأت مستمعهم إليهم على صحة ما هم فيه بحجة ظاهرة واضحة،
كما أتى محمدێ( بالبرهان الدال على صدقه. الواقع ليس لهم سبيل إلى ذلك،
فليس لهم دليل ولا حجة على ما يقولون.
وبعد الرد على إنكار الألوهية، رد الله تعالى على من قال: الملائكة بنات
الله، فقال:
﴾ أي بل أتجعلون لله البنات، وتخصون
(٣٩)
﴿أَمَ لَهُ الْبَثُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (
أنفسكم بالبنين؟ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فمن كان هذا رأيه لا يعدّ من
العقلاء، ولا يستبعد منه إنكار البعث، وجحد التوحيد.
﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُتْقَلُونَ ﴾﴾ أي بل أتسألهم أجرة يدفعونها
إليك على تبليغك الرسالة، فهم من التزام غرامة تطلبها منهم محمّلون غرماً
ثقيلاً، فلا يسلمون ولا يجيبون دعوتك؟ الواقع لست تسألهم على ذلك شيئاً،
ولا تطلب منهم أدنى شيء يشق عليهم ويثقلهم. وهذا على أنه لم يطلب منهم
أجراً ما.
﴿ أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي بل أيدّعون أن عندهم علم الغيب،
وهو ما في اللوح المحفوظ، فيكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب؟ ليس
الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله. قال قتادة: لما قالوا: نتربص به
ريب المنون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ حتى علموا متى يموت محمد
وَ لجه، أو إلى ما يؤول إليه أمره.
﴿أَمْ يُرِدُونَ كَيَّدٌّ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمْ اُلْمَكِيدُونَ ﴾﴾ أي إن كنتم تعلمون
الغيب فأنتم كاذبون، وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه، فأنتم غالطون،

٨٨
لُرُ (٢٧) - التُوُرّ: ٥٢ / ٣٥-٤٣
فإن الله يصونه عنكم وينصره عليكم، فإن كنتم تريدون تدبيراً أو مكراً
برسول الله ير الإهلاكه، فالكافرون هم الممكور بهم، المجزيون بكيدهم،
ولام ﴿فَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لهؤلاء الكفار أو للجنس، فيشملهم وغيرهم. وتنكير
الكيد إشارة إلى وقوع العذاب بغتة من حيث لا يشعرون. وصرح بقوله:
﴿ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ للدلالة على كون الكافر مكيداً في مقابلة كفره، لا في
مقابلة إرادته الكيد.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهَّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي بل ألهم إله غير الله
يحرسهم من عذاب الله؟ تنزه الله عن الشريك والمثيل والنظير وعن كل ما
يعبدونه سواه. وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد
مع الله، وتنزيه الله نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن إثبات وجود الله ووحدانيته وقدرته على الحشر هو خلق الأنفس
والآفاق، أي خلق الإنسان والحيوان والنبات من غير سابق وجود، وخلق
السماوات والأرض بعد العدم، فالخلق دليل على وجود الله تعالى، وهو
الدليل الأعظم الذي ذكره القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ
لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
﴾ [النحل: ١٦ /١٧] .
والانفراد بالخلق دليل على وحدانية الخالق؛ لأن في كل شيء له آية تدل
على أنه واحد. والخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه وهو الحشر.
وإذا أقر الكفار بأن ثَّ خالقاً، فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة دون
الأصنام، ومن الإقرار بأنه قادر على البعث.
وهم يقرون بأنه لا يعقل وجودهم من غير رب خلقهم وقدّرهم، كما

٨٩
الجُ (٢٧) - التُورّ: ٥٢ / ٣٥-٤٣
يقرون إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض بأنه هو الله، فلم لا يوقنون
بالحِق، كما قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
اَللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١].
٣- أنكر القرآن على الكفار اعتراضهم على نبوة محمد تي بأنه هل عندهم
خزائن الرحمة والغيب والرزق حتى يختاروا للنبوة من أرادوه، أو أنهم
المصيطرون على العالم الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم؟
٣- ثم أنكر القرآن على الكفار قدرتهم على شيء من علم الغيب، ومضمون
ذلك: أيدّعون أن لهم مرتقى إلى السماء ومصعداً وسبباً يستمعون الأخبار،
ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه محمد ◌َّه بطريق الوحي، فإذا صح
ذلك فليأت مستمعهم على صحة ادعائه بحجة بيِّنة أن هذا الذي هم عليه حق.
وهذا تتميم للدليل السابق لإثبات النبوة.
٤- سفّه القرآن أحلام قريش وأمثالهم وقرَّعهم ووبخهم في قولهم: الملائكة
بنات الله، وهذا إشارة إلى نفي الشرك. فهل يعقل أن يكون لله البنات، وللبشر
البنون؟ ومن كان عقله هكذا فلا يُستبعد منه إنكار البعث.
٥- ثم أكد الحق سبحانه صدق نبوة عبده محمد وصله بدليل أنه لا يطلب
أجراً على تبليغ الرسالة، فهم من المغرم الذي يطالبهم به مجهدون لما كلفهم به.
ثم أضاف دليلاً آخر وهو أنه ليس عندهم علم بالغيب يكتبون للناس ما أرادوه
من علم الغيب.
٦- أخبر الله تعالى بأنه عاصم نبيه محمداً ل من السوء والشر ومكائد
أعدائه، فإنهم إن أرادوا به شراً ومكيدة ومكراً كما دبروا في دار الندوة، فإنهم
المهزومون المغلوبون الممكور بهم الذين يعود عليهم وبال الكيد: ﴿ وَلَا يَحِيقُ
الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣/٣٥] وذلك أنهم قتلوا ببدر، وأظهر الله
دين الإسلام.

٩٠
الجُزُ (٢٧) - الظُورّ: ٥٢ / ٤٤-٤٩
لاً - أعاد الله تعالى إثبات التوحيد ونفي الشرك، فقال موبخاً: هل لهم إله
غير الله يخلق ويرزق ويمنع، تنزَّه الله وتعالى وتقدس عن نسبة الشرك له أو أن
يكون له شريك، فإن الشريك دليل العجز، والإله الحق يتميز بالقدرة المطلقة
التي تشمل الكون كله وما فيه من مخلوقات حتى تصح الدينونة والخضوع
والانقياد والعبادة له دون غيره.
وهذا تصريح بالمقصود الكلي من الآيات، لذا وبخهم على إشراكهم، ونزه
نفسه عن ذلك بقوله: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي عن إشراكهم وعن الذين
یشرکون.
الإعراض عن الكفار لمكابرتهم في المحسوسات
﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومُ
فَذَرُهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ
٤٤
يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ
٤٥
يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَفُونَ
٤٦
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
٤٧
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَيِّعْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِيْنَ نَقُومُ
﴿ وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ
٤٨
٤٩
القراءات:
﴿ يُصْعَقُونَ﴾: قرئ:
١- (يُصْعَقون) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم.
٢- (يَصْعَقون) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
(كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًَ﴾ ﴿سَاقِطاً﴾ إما مفعول به ثان، أو حال.

٩١
الجُزُ (٢٧) - الطُورِّ: ٥٢ /٤٤-٤٩
يَوْمَهُمُ﴾ مفعول ﴿يُلَقُواْ﴾. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى) منصوب على البدل
وليس بمنصوب على الظرف.
من ﴿ يومهم
﴿وَإِذْبَرَ النُّجُومِ﴾ إدبار بكسر الهمزة: مصدر أدبر إدباراً، وتقديره:
وسبّحه وقت إدبار النجوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرئ
بفتح الهمزة، على أنه جمع (دبر): وهو منصوب لأنه ظرف زمان.
البلاغة:
﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ أسلوب الفرض والتقدير، أي لو رأوا
ذلك لقالوا ما قالوا.
﴿ِأَعْيُنِنَا﴾ مجاز عن الحفظ.
المفردات اللغوية:
﴿كِسْفًا﴾ قطعاً، واحدها كِسْفَة. ﴿يَقُولُواْ﴾ من فرط طغيانهم وعنادهم.
﴿سَحَابٌ قَرْكُومٌ﴾ أي هذا سحاب تراكم بعضه على بعض، نرتوي به، ثم لا
يؤمنون. والآية جواب قولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ [الشعراء: ٢٦/
١٨٧] .
﴿فَذَرْهُمْ﴾ اتركهم وأعرض عنهم. ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَفُونَ﴾
يموتون أو يقتلون. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي لا يفيد شيئاً من
الإغناء في ردّ العذاب. ﴿ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله تعالى في
الآخرة. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بكفرهم، وهو يحتمل العموم والخصوص فإن
كان العذاب هو عذاب القبر فالذين ظلموا عام في كل ظالم، وإن كان العذاب
هو عذاب يوم بدر فالذين ظلموا هم أهل مكة . ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي دون
عذاب الآخرة، أي في الدنيا قبل موتهم، كعذاب الجوع والقحط سبع سنين،
والقتل يوم بدر، أو عذاب القبر.

٩٢
الزُعُ (٢٧) - التُورِ: ٥٢ /٤٤-٤٩
﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكِّمِ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة، ولا يضق صدرك بعنائهم
وإعراضهم وجدالهم. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منا، نراك ونحفظك ونكلؤك،
وُجُمعَ مبالغة بكثرة أسباب الحفظ. ﴿وَسَيِّحْ بَحَهْدِ رَبِّكَ﴾ قارناً التسبيح
بالتحميد، فقل: سبحان الله وبحمده ﴿حِينَ نَقُومُ﴾ من منامك أو من مجلسك أو
إلى الصلاة، أي من أي مكان قمت . ﴿ وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ نزهه بقولك:
سبحان الله، وخصه بالليل وقدمه على الفعل؛ لأن العبادة فيه أشق على النفس
وأبعد عن الرياء . ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ أي عقب غروبها سبحه أيضاً، أي إذا
أدبرت النجوم من آخر الليل.
المناسبة:
بعد تفنيد مزاعم المشركين في الحشر والمعاد، والألوهية والوحدانية،
والنبوة والشرك، وإثبات المعاد والتوحيد وصدق النبوة ونفي الشرك، أجاب
الله تعالى عن بعض مقترحاتهم بإسقاط قطعة من السماء تعذيباً لهم، وبيَّن
مدى مكابرتهم في إنكار المحسوسات، فضلاً عن المعقولات، ثم أمر نبيه
بالإعراض عنهم، والصبر على مساوئهم ومكائدهم، فإن الله ناصرك عليهم
وحافظك، وأخبره بأن العذاب واقع بهم في الدنيا قبل الآخرة، وقوَّى معنوية
نبيه بالاعتصام بالله، والإقبال على طاعته، وذِكْرِه صباحاً ومساء، نهاراً وليلاً
حين يقوم من منامه أو من مجلسه أو بعد غياب النجوم، وإصباح الصباح.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن عناد المشركين ومكابرتهم للمحسوس، فيقول:
﴿وَإِن يَرَوَّا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرْكُومُ ®﴾ أي إن ير هؤلاء
المشركون قطعاً من نار السماء ساقطة عليهم لتعذيبهم، لما صدقوا ولما أيقنوا،
ولما انتهوا عن كفرهم، بل يقولون: هذا سحاب متراكم ملقى بعضه على

٩٣
الجُزُ (٢٧) - الْتُورِّ: ٥٢ / ٤٤-٤٩
بعض، نرتوي به. وهذه غاية المكابرة؛ لأنهم ينكرون ما تبصره الأعين
وتشاهده النفوس.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ
يَعْرُجُونٌ
(g)) [الحجر:
لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرَنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ
١٤/١٥-١٥] .
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُوْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾﴾ أي إذا كان هذا شأنهم
وتبین أنهم لا يرجعون عن کفرهم، فدعهم یا محمد ولا تأبه بهم حتى يلقوا أو
يأتي يوم مجازاتهم بأعمالهم السيئة الذي يحدث فيهم هلاكهم السريع، وهو يوم
موتهم أو قتلهم وهو يوم بدر، وهو الظاهر في الآية كما قال البقاعي؛ لأنهم
عذبوا فيه، أو يوم النفخة الأولى يوم القيامة؛ لأن صعقته تعم جميع الخلائق،
وهو قول الجمهور، كما ذكر أبو حيان.
وإسقاط كلمة الإشارة قبل كلمة ﴿سَحَابٌ﴾ أي هذا سحاب لوضوح الأمر
وظهور العناد، كما أن كلمة ﴿يَقُولُواْ﴾ تدل على العناد.
﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ ﴾﴾ أي ذلك اليوم يوم لا
ينفعهم فيه مكرهم ولا كيدهم الذي كادوا به رسول الله وَل في الدنيا، ولا
يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع ولا ينصرهم ناصر، بل هو واقع بهم لا
محالة.
والكيد: هو فعل يسوء من نزل به، وإن حسن ممن صدر منه. وإنما قال
تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ﴾ للرد على ما كانوا يعتقدون أنه أحسن أعمالهم.
﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَيْكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
أي وإن
EV
للظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي وكيد النبي وعبادة الأوثان عذاباً في الدار
الدنيا وهو قتلهم يوم بدر، أو هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام

٩٤
الخُ (٢٧) - التُورِ: ٥٢ /٤٤-٤٩
والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد، والقحط والجوع سبع سنين قبل يوم بدر
الذي حدث في السنة الثانية من الهجرة، غير أن أكثرهم لا يعلمون ما سينزل
بهم من عذاب الله وبأسه وبلاياه، لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر
والعناد، ولو كشف عنهم العذاب لعادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه. والمراد
بالأكثر الكل على عادة العرب حيث تعبر عن الكل بالأكثر، أو هم في أكثر
أحوالهم لم يعلموا.
ونظير الآية قوله تعالى ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ
[السجدة: ٢١/٣٢]. وجاء في الحديث لبيان
اَلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (جَا﴾
عودة الكفار بعد جلاء العذاب إلى كفرهم: ((إن المنافق إذا مرض وعوفي، مَثَلُه
في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه، ولا فيما أرسلوه)).
﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَّ وَسَّحْ بَحَهْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُوُ (®﴾ أي إلى
أن يحكم الله أو لقضاء الله، والمعنى: واصبر أيها الرسول على أذى هؤلاء
القوم، ولا تبال بهم، إلى أن يقع بهم العذاب الذي وعدناهم به، فإنك
بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا وحمايتنا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من
الناس، ونزِّه ربك عما لا يليق به لإنعامه عليك تنزيهاً مصحوباً بالحمد،
حين تقوم من مجلسك، أي من كل مجلس جلسته، فتقول: (سبحان الله
وبحمده) أو (سبحانك اللهم وبحمدك) أو حين تقوم إلى الصلاة، كما قال
الضحاك: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله
غيرك)).
روى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة،
ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره عن النبي ◌ُّ أنه كان يقول ذلك.
وقال أبو الجوزاء: ﴿وَسَِّّحْ بِجَهْدِ رَبِّكَ حِيْنَ نَقُوُ﴾ أي من نومك من
فراشك، واختاره ابن جرير، ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد

٩٥
لخُ (٢٧) - التُورّ: ٥٢ / ٤٤-٤٩
والبخاري وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن رسول الله وَ لاه قال:
((من تعارّ من الليل(١)، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله
أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي- أو قال: ثم دعا -
استجيب له، فإن عزم فتوضأ، ثم صلى قبلت صلاته)) .
ويتأيد الرأي الأول في كون التسبيح والتحميد بعد كل مجلس بما أخرجه
أبو داود والنسائي والحاكم في المستدرك وابن مردويه وابن أبي شيبة عن أبي
بَرْزة الأسلمي قال: كان رسول الله واللهيقول بآخر عمره إذا أراد أن يقوم من
المجلس: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك
وأتوب إليك)).
﴿ وَمِنَ الَّتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِذْبَرَ النُّجُومِ ﴾﴾ أي وإذا قمت من نومك فسبّحه
واذكره واعبده في بعض الليل، وفي آخر الليل حين أفول النجوم؛ لأن العبادة
حينئذ أشق على النفسِ وأبعد عن الرياء. وقال مقاتل: أي صلّ المغرب
والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر. قال الرازي: والظاهر أن المراد من ﴿وَإِذْبَرَ
النُّجُومِ﴾ وقت الصبح حيث يدبر النجم، ويخفى، ويذهب ضياؤه بضوء
الشمس. وحينئذ يكون قوله: ﴿حِينَ نَقُومُ﴾ المراد به النهار، وقوله: ﴿وَمِنَ
الَّتِلِ﴾ ما عدا وقت النوم.
ونظير هذه الآية: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
[الإسراء: ٧٩/١٧] وهذا يتفق مع الحديث الصحيح: ((خمس
مَقَامًا مَّحْمُودًا
صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوَّع)).
(١) تعارّ الرجل من الليل: إذا هبّ من نومه مع صوت .

٩٦
الخُ (٢٧) - التُّوْرَّ: ٥٢ /٤٤-٤٩
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - شأن الكفار ودَيْدَنُهم العناد ومكابرة المحسوسات، حتى إنهم لو رأوا
بأعينهم أمارات العذاب النازل عليهم من السماء كالشهب والصواعق، لما
أيقنوا وظلوا على كفرهم، وزعموا أنه سحاب محفَّل بالمطر متراكم بعضه على
بعض، وليس صواعق. وهذا جواب قولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ﴾
[الشعراء: ١٨٧/٢٦] وقولهم: ﴿أَوْ تُتَقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾
[الإسراء: ١٧ / ٩٢].
٢- هددهم الله تعالى بالهلاك السريع وأمر نبيه وَ له بتركهم والإغراض
عنهم حتى يوم بدر، أو يوم يموتون أو يوم النفخة الأولى في يوم القيامة حيث
يأتيهم فيه من العذاب ما تشيب منه الرؤوس وتزول به العقول. وليس قوله:
﴿فَذَرْهُمْ﴾ للتخلي عن دعوتهم إلى الإسلام، والقول بأن ذلك منسوخ بآية
القتال ضعيف كما ذكر الرازي، وإنما المراد التهديد.
٣٣- في ذلك اليوم الذي يلاقونه لا ينفعهم فيه شيء من مكرهم وما كادوا
به النبي ◌ّ في الدنيا، وما تآمروا به عليه، ولا يجدون فيه ناصراً ينصرهم من
الله، أو مانعاً يمنعهم من عذاب الله، وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى﴾ فيه تمييز يوم
الكفار والفجار عن يوم المؤمنين حيث قال تعالى فيه: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ
صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩/٥].
٤ - للكفار عذابان: عذاب جهنم في الآخرة، وهو الأدهى والأمر؛ لأنه
عذاب خالد دائم، وعذاب في الدنيا قبل موتهم وهو أخف من عذاب الآخرة
بالتعرض لمصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا وذهاب الأموال
والأولاد، والجوع والْجَهْد والقحط سبع سنين، وقد عذب به أهل مكة،
والقتل في المعارك كمعركة يوم بدر الذي قتل فيه زعماء قريش، ولكن أكثر

٩٧
الُ (٢٧) - الْتُوُرّ: ٥٢ / ٤٤-٤٩
الكفار لا يعلمون أن العذاب نازل بهم، ولا ما يصيرون إليه في الآخرة أو
الدنيا.
٥- الصبر مفتاح الفرج، لذا أمر الله نبيه وكل مؤمن بالصبر على قضاء ربه
فيما كَّله من رسالته، وأعلمه بأنه بمرأى ومنظر من الله يراه ويسمع ما يقول
ويفعل، والله حافظه وحارسه وراعيه.
٩ - إن الإقبال على طاعة الله والاعتصام بقوته وقدرته وتفويض الأمور إليه
يقوي النفس البشرية، وينفخ فيها روح الجِدِّ والعزيمة والإقدام والجرأة على
أداء رسالة الحياة، لذا أمر الله تعالى نبيه وَ ﴿ وكل مؤمن بتسبيح الله وحمده كل
وقت وعقب كل مجلس، وبالصلاة . والتهجد ليلاً. وقد سبق إيراد الآيات
والأحاديث الآمرة والمرغبة بكل ما ذكر، ومنها حديث الترمذي عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله ◌َ ل: ((من جلس في مجلس، فكثر فيه لَغَطه، فقال
قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت،
أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفِر له ما كان في مجلسه ذلك)) وأخرج الترمذي
أيضاً عن ابن عمر قال: ((كنا نعدّ لرسول الله وَله في المجلس الواحد مئة مرة
من قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور))(١).
وفي الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم عن ابن عباس: أن رسول الله
45*هل كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: ((اللهم لك الحمد أنت
نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قَيوم السماوات
والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن،
أنت الحقّ، ووعدك الحق، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار
(١) قال الترمذي عن كل من الحديثين : حديث حسن صحيح غريب .

٩٨
الزُ (٢٧) - الطُورّ: ٥٢ /٤٤-٤٩
حق، والساعة حق، والنبيون حقّ، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت وعليك
توكلت وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر
لي ما قدّمت وما أخرت، وأسررت وأعلنت، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله
إلا أنت، ولا إله غيرك)) .
وعن ابن عباس أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ من الليل،
مسح النوم عن وجهه؛ ثم قرأ الآيات العشر الأواخر من سورة [آل عمران]
أي من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٩٠) إلى آخر
السورة.

٩٩
الُهُ (٢٧) السورة (٥٣) النجار
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
سُورَةُ النَجَدِ
مڪية، وهي اثنتان وستون آية
تسميتها:
سميت سورة النجم؛ لأن الله تعالى افتتحها بالقسم بالنجم، وأل للجنس،
أي بنجوم السماء وقت سقوطها وغروبها؛ لأن النجم إذا كان في وسط
السماء لم يهتد به الساري؛ لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من
الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات، والميل إلى أفق المغرب أولى
بالذكر؛ لأن الناظر إليه يستدل بغروبه على الجهة.
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط هذه السورة بما قبلها بوجوه أربعة:
اً - إن سورة الطور ختمت بقوله: ﴿وَإِدْبَرَ النَّجُومِ﴾ وافتتحت هذه السورة
بقوله: ﴿ وَاَلنَّحْرِ﴾.
اً- في سورة الطور ذكر تقوّل القرآن وافتراؤه، وهذه السورة بدئت بذلك
وردت عليه.
٣- ذكر في الطور ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم، وفي هذه السورة
٠

١٠٠
الُ (٢٧) السورة (٥٣) النَجَيْ
ذكرت ذرية اليهود في آية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمُ مِّنَ اُلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ
فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ [٣٢].
٤ - في حق الآباء المؤمنين قال تعالى في الطور: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ [٢١]
أي ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين، مع نفعهم بعمل آبائهم، وقال في
النجم في حق الكفار أو أبناء الكفار الكبار: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
[٣٩].
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية المعنية بأصول العقيدة
وهو إثبات الرسالة وصدق الرسول ◌َ ل18 في تلقي القرآن بالوحي عن الله،
والتوحيد والكلام على الأصنام وبيان عدم جدواها، والتحدث عن قدرة الله
عز وجل، وعن البعث والنشور.
افتتحت السورة بإثبات ظاهرة الوحي بوساطة جبريل عليه السلام،
والكلام عن (المعراج) وقرب النبي وَّ ر من ربه، ورؤيته عجائب ملكوت الله
تعالى، ومشاهدته جبريل على صورته الحقيقية الملكية مرتين.
ثم قرّعت المشركين على عبادة الأوثان والأصنام، ووصفتها بأنها عبادة
باطلة لآلهة مزعومة لا وجود لها، ووبختهم أيضاً على جعل الملائكة إناثاً،
وتسميتهم إياها : بنات الله، وبيان أن الملائكة لا تملك الشفاعة إلا بإذن الله
تعالى.
ثم وصفت الجزاء العادل يوم القيامة، حيث يجازى المحسن بإحسانه،
والمسيء بإساءته، وذكرت أوصاف المحسنين، ونددت بإعراض الكافرين عن
الإسلام، وأعلمت الناس جميعاً أن المسؤولية فردية شخصية، فيسأل كل
إنسان عن سعيه وعمله، ولا تتحمل نفس إثم أو وزر نفس أخرى، ولا تقبل
تزكية المرء نفسه.