النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ لُ (٢٧) - التُون: ٥٢ /١-١٦ حوتها من شموس وأقمار وكواكب ثابتة وسيّارة وعوالم لا يحصيها إلا الله تعالی. والبحر المملوء ماءً، المحبوس عن الأرض اليابسة، الموقد ناراً كالتّثُّور المحْمَى الذي يتفجر بالنار الملتهبة يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ [التكوير: ٦/٨١] روي: أن البحار تسجر يوم القيامة، فتكون سُچِرَتْ ناراً. ومن المعروف أن النفط يستخرج من قاع البحار كالأرض اليابسة، وتتصاعد منه بين الحين والآخر الزلازل والبراكين. وقرن الله السقف المرفوع بالبيت المعمور ليعلم شأن الكعبة، وأماكن شعائر الإسلام، وعظمة قدر النبي محمد صل الذي دعا فيه (في البيت) ربه قائلاً: ((سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)). كما أن يونس عليه السلام كلَّمِ ربه في البحر قائلاً: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١ /٨٧]. وتنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء لتعظيمه وشهرة معرفته، حتى إنه ما احتاج إلى تعريف، أما بقية الأشياء فاحتاجت إلى التعريف. ثم ذكر الله تعالى جواب القسم قائلاً: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ ﴿ مَا لَهُ مِن دَافِعِ ﴾﴾ هذا هو المقسم عليه أو جواب القسم، أي أقسم بتلك المخلوقات العظيمة على أن عذاب الآخرة لواقع كائن لا محالة لمن يستحقه من الكافرين والعصاة الذين كذبوا الرسل، ليس له دافع يدفعه ويردّه عن أهل النار. وقوله ﴿لَوَفِعٌ﴾ فيه إشارة إلى الشدة. وقوله: ﴿عَذَابَ رَيِّكَ﴾ ليأمن النبي وكل مؤمن حين يسمع لفظ الرب فإن اسم الله منبئ عن العظمة والهيبة، واسم الرب ينبئ عن اللطف. ٦٢ الُ (٢٧) - التُورَّ: ٥٢ /١-١٦ ثم بيّن الله تعالى ما يصاحب وقوع العذاب يوم القيامة، فقال: وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَبْرًا ﴾﴾ أي إن العذاب ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَةُ مَوْرَا جَ لواقع يوم تضطرب السماء اضطراباً ويموج بعضها في بعض موجاً، وتتحرك في مكانها، وتزول الجبال من مواضعها كسير السحاب، وتصير هباء منبثاً، وتنسف نسفاً. والحكمة في مور السماء وسير الجبال: الإعلام بألا عودة إلى الدنيا، لخرابها وعمارة الآخرة؛ لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها، فإن لم يؤمل العود إليها، لم يبق فيها نفع. ثم ذكر الله تعالى من يقع عليه العذاب وينزل عليه يوم القيامة، فقال: الَّذِينَ هُمْ فِ خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (19)﴾ أي ويل- ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وهي كلمة تقال للهالك- لأولئك الذين كذبوا الرسل، ذلك اليوم، من عذاب الله ونكاله بهم وعقابه لهم، فمن لا يكذّب لا يُعذّب بنحو دائم، والمكذبون الذين كانوا في الدنيا في تردد وخوض في الباطل، واندفاع فيه، لا يذكرون حساباً، ولا يخافون عقاباً، ويتخذون دينهم هزواً ولعباً، ويخوضون في أمر محمد ◌ّ بالتكذيب والاستهزاء. والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ الاتصال المعنى وهو الإعلام بأمان أهل الإيمان. أما أهل الكبائر فلا يستمر تعذيبهم ولا يخلّدون في النار؛ لأنهم لا يكذبون الرسل. وأسلوب إلقاء المكذبين في النار هو ما ذكره تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ يُدَقُونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَعًا (٣)﴾ أي يوم يدفعون ويساقون إلى نار جهنم دفعاً عنيفاً شديداً. ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً : ٦٣ الُعُ (٢٧) - التُورِّ: ٥٢ /١-١٦ (4) أي تقول الزبانية لهم تقريعاً ١ - ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُم بِهَا تُكَذِبُونَ وتوبيخاً: هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا. والتكذيب بها تكذيب للرسول الذي أخبر بها من طريق الوحي. ◌َ- ﴿أَفَسِحْرُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ (﴿)﴾ أي أهذا الذي ترون وتشاهدون سحر كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة ولكتبه المنزلة؟ بل إنه لحق ولكنكم أنتم عُمي عن هذا، كما كنتم عمياً عن الحق في الدنيا، أي لا شك في المرئي، ولا عمی في البصر، فالذي ترونه حق. ◌َ- ﴿أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أي إذا لم یمکنکم إنكار ماترون من نار جهنم، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل، فالآن ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته، وقاسوا حرها وشدتها، ثم يستوي الأمران: الصبر على العذاب وعدم الصبر وهو الجزع، فلا ينفعكم شيء، وافعلوا ما شئتم، فالأمران سواء في عدم النفع، وإنما الجزاء بالعمل خيراً أو شراً، وبما أن العذاب واقع حتماً، كان الصبر وعدمه سواء، فسواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها، ولا خلاص لكم منها، ولا يظلم الله أحداً، بل يجازي كلاً بعمله. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - أقسم الله تعالى بأشياء خمسة: هي الطور والكتب المنزلة، والبيت المعمور، والسقف المرفوع والبحر المسجور، تشريفاً لها وتكريماً. والحكمة في اختيار الأماكن الثلاثة: وهي الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور هي كونها أماكن ثلاثة أنبياء، انفردوا فيها للخلوة بربهم، والخلاص من الخلّق، ومناجاة الله وخطابه. أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام، وخاطب ٦٤ لُزُعُ (٢٧) - الظُورٌّ: ٥٢ /١-١٦ ربه، فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الشُّفَهَآءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥/٧] وقال: ﴿رَبِّ أَرِبِيِّ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣/٧]. ونادى محمد ◌ّ ربه في البيت المعمور (الكعبة) فقال- كما تقدم -: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)» . ودعا يونس عليه السلام ربه في أعماق البحر، فقال: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧/٢١]. فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب، فحلف الله تعالى بها، ثم قرن بها الكتاب؛ لأن الله تعالى كلَّم موسى عليه السلام في الطور، وأنزل عليه التوراة(١)، وبقية الكتب مثل التوراة للهداية والنور. أَ- كان المقسم عليه هو وقوع عذاب اليوم الموعود لا محالة، بلا أدنى شك، واستحالة قدرة أحد أن يدفعه عن المعذَّبين المكذبين بالرسل. ٣- يقع العذاب بالمكذبين يوم القيامة، وهو اليوم الذي تمور فيه السماء، أي ترتج بما فيها وتضطرب في مكانها، وتسير الجبال عن أماكنها حتى تستوي بالأرض، إعلاماً بألا عودة إلى الدنيا. ٤ - الويل: كلمة عذاب أو واد في جهنم، وتقال للهالك، والويل لكل من كذب الرسل الذين هم في تردد في الباطل، وهو خوضهم في أمر محمد بالتكذيب. ٥- يدفع أهل النار إليها يوم القيامة دفعاً عنيفاً شديداً، قال المفسرون: إن (١) تفسير الرازي: ٢٣٩/٢٨ - ٢٤٠. ٦٥ الخُ (٢٧) - التُورِّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ خزنة النار يغلُّون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم، وزجّاً في أقفيتهم. أَ- وإذا دنوا من النار قالت لهم الخزنة للتوبيخ والتقريع والتهكم: أ - هذه النار التي کذبتم بها في الدنيا. ب - أفسحر هذا الذي ترون الآن بأعينكم، كما كنتم تقولون عن الوحي: إنه سحر؟ بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون؟ جـ - ذوقوا حر جهنم بالدخول فيها، سواء كان لكم فيها صبر أو لم يكن، فلا ينفعكم شيء، وإنما الجزاء بالعمل. وقد أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١/١٤] . جزاء المتقين ونعم الله عليهم يوم القيامة ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ فَكِهِينَ بِمَآ ءَائَنُهُمْ رَبُّهُ وَوَقَدْهُمْ رَبُهُمْ ١٧ مُتَكِينَ عَ سُرُدٍ كُلُواْ وَأُشْرَبُوْ هَنِيَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (9َ ١٨ عَذَابَ الْجَحِيمِ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَُّهُمْ يِيَمَنٍ اَلْحَقْنَا بِهِمْ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجُنَهُم بِحُورٍ عِینِ وَأَمْدَدْنَهُم ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَّءٍ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ يَزَعُونَ فِيَهَا كَأَسَا لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثٌِّ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْنَهُونَ ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَّلُونَ ٢٤ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْتُونٌ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنْنَا عَذَابَ ٢٦ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ٢٥ السَّمُومِ ﴿ إِنَّا كُنَا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ٢٨ القراءات: ﴿ وَأَنَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُمْ﴾ : قرئ: ٦٦ الجُزُ (٢٧) - التُور: ٥٢ / ١٧-٢٨ ١- (وأتبعناهم ذرياتهم) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (وأتبعتهم ذرياتهم) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (واتبعتهم ذريتهم) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿ ذُرِّيََّهُمْ وَمَا﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر (ذرياتهم وما). وقرأ ابن كثير (ألِتناهم). ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِرٌ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (لا لغوَ فيها ولا تأثيمَ). ﴿ نَدْعُوهُ إِنَّهُ﴾: وقرأ نافع، والكسائي (ندعوه أنه). الإعراب: ﴿فَكِهِينَ بِمَآ ءَنُهُمْ﴾ ما: مصدرية. ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَا﴾ ﴿هَنِيْئًا﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿كُلُواْ﴾ أو ضمير ﴿وَأَشْرَبُواْ﴾. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء: سببية، أي بعملكم. ﴿ مُتَّكِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿جَنَّتٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم ◌ِإِيمَانٍ ◌َلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَهُمْ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ﴾ في محل رفع مبتدأ، وخبره: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ ٦٧ الجُزُ (٢٧) - الطُورّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ ﴿ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ في موضع نصب على الحال. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ بالكسر: على الابتداء، وبالفتح: على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأنه. البلاغة: ﴿ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ تشبيه مرسل، مجمل، حذف منه وجه الشبه، فصار مجملاً. المفردات اللغوية: أي إن العاملين بالأوامر الإلهية، ﴿إِنَ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ لـ المبتعدين عن المحظورات الشرعية هم في بساتين خضراء نضرة تجري العيون والينابيع والأنهار من تحتهم، ويغمرهم نعم كثيرة من الله تعالى . ﴿فَكِهِينَ﴾ متلذذين مستمتعين مسرورين وقرئ (فكِهين) أي طيبة نفوسهم . ﴿ءَانَتُهُمْ﴾ أعطاهم. ﴿ وَوَقَنْهُمْ﴾ حفظهم وحماهم، وهو معطوف على ﴿ءَائَنُهُمْ﴾ أي بإتیانهم ووقایتهم. (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ أي ويقال لهم ذلك. ﴿هَنِيْئًا﴾ أي أكلاً وشرباً هنيئاً، أو طعاماً وشراباً هنيئاً: وهو مالا تنغيص فيه ولا نكد، أو مالا مشقة فيه ولا يؤدي إلى سَقَم أو عناء وتُخْمة. ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي بسبب عملكم . ﴿سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ أي متصلة بعضها ببعض حتى تصير صفاً واحداً. ﴿ وَزَوَّحْنَهُمْ﴾ قرناهم، معطوف على ﴿جَنَّتٍ﴾ ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ حور: جمع حوراء: وهي المرأة البيضاء، والعين: جمع عيناء، هي المرأة العظيمة الواسعة العين، أي نساء بيض عظام الأعين حسانهن، وحَوَر العين: اسوداد المقلة. ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ معطوف على (حور ) أي قرناهم بأزواج ورفقاء مؤمنين كقوله تعالى: ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧/١٥]، ويصح جعله ٦٨ لِجُرُ (٢٧) - التُورٌّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ مبتدأ، وخبره: ﴿اَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾. ﴿وَالنَّبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُمْ بِيِمَنٍ﴾ اعتراض للتعليل، والذرية: لفظ يقع على الواحد والكثير، وقرئ: (وأتبعناهم ذرياتهم) أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان، والذرية: تشمل الصغار والكبار، وقوله: ﴿بِإِيمَنٍ﴾ حال من ضمير: واتبعتهم، وتنكيره للتعظيم، أو الإشعار بأنه يكفي للإلحاق: المتابعة في أصل الإيمان. ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ في دخول الجنة، أو الدرجة، وإن لم يعملوا بعملهم، تكرمةً للآباء باجتماع الأولاد إليهم، ولما روي مرفوعاً: أنه وَلّر قال فيما يرويه ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن کانوا دونه لتقرّ بهم عينه)) ثم تلا هذه الآية. ﴿وَمَآ أَلَْنَهُمِ﴾ وما نقصناهم بهذا الإلحاق. ﴿مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ أي فيزاد في عمل الأولاد بالتفضل عليهم، وهو اللائق بكمال لطف الله. ﴿بِمَا كَسَبَ﴾ من خير أو شر ﴿رَهِينٌ﴾ مرهون بعمله عند الله، فيؤاخذ بالشر، ويجازى بالخير، والعمل الصالح يفكّه، والعمل الطالح يهلكه. ﴿ وَأَمْدَدْنَهُم﴾ زدناهم وقتاً بعد وقت . ﴿مِّمَّا يَشْنَهُونَ﴾ من أنواع النعم، وإن لم يصرحوا بطلبه. يَزَعُونَ فِهَا﴾ يتجاذبون في الجنة ملاعبة وسروراً، أو يتعاطون بينهم. (كأسًا﴾ خمراً، فهي إناء الخمر مادام مملوءاً، فإن كان فارغاً لم يسم كأساً، وسماها باسم محلها، ولذلك أنث الضمير في قوله: ﴿لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثٌِّ﴾ أي لا يتكلمون بسب شربها بلغو الحديث (وهو ما لا خير فيه)، ولا يفعلون ما يأثم به فاعله من فحش الكلام وغيره مما يغضب الله، كما هو عادة الشاربين في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لَا فِيَهَا غَوْلُ﴾ [الصافات: ٤٧/٣٧]. ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ للخدمة بالكأس وغيرها. ﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ مماليك مخصوصون بهم . ﴿ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤْ مَكْنُونٌ﴾ أي كأن الغلمان حسناً ولطافة لؤلؤ مصون في الصدف، لأن فيها أحسن منها في غيرها، وذلك من صفائهم ٦٩ الُرُ (٢٧) - التطُورٌّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ وبياضهم، قال ◌َير فيما رواه ابن جرير وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة: ((والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)) . ﴿ وَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلُونَ (9)﴾ يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله، استمتاعاً وتلذذاً واعترافاً بالنعمة. ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىّ أَهْلِنَا ﴾﴾ أي كنا في الدنيا خائفين من عذاب الله، وهذا القول إيماء إلى مُشْفِقینَ علة الوصول إلى الجنة. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمغفرة والرحمة. ﴿ وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ حمانا من عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم، وقرئ: (ووقّانا) بالتشدید. وقالوا أيضاً إيماء إلى الوصول إلى الجنة: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿ نَدْعُوهُ﴾ نعبده موحدين، أو نسأله الوقاية. ﴿إِنَّهُ﴾ بالكسر: استئناف، وإن كان تعليلاً معنى، وقرء بالفتح: (أنه) تعليلاً لفظاً. ﴿اَلْبَرُّ﴾ المحسن، الصادق في وعده. ﴿الرَّحِيمُ﴾ الكثير الرحمة. المناسبة: بعد بيان وقوع البعث والعذاب بالكافرين حتماً وما يلاقونه من الشدائد والإهانات، ذكر الله تعالى حال المؤمن وجزاءه المتميز، أي إنه ذكر ما يتلقاه المؤمن في الآخرة بعد بيان حال الكافر، ثم ذكر الثواب عقب العقاب، جرياً على الموازنة وعادة القرآن في إيراد الأضداد، والجمع بين الترغيب والترهيب، حتى يتأمل الإنسان في المصير، فيرغب في الرحمة، ويرهب النقمة والعقاب. ومما يزيد في الترغيب: أنه تعالى لم يقصر النعمة على المستحق، وإنما أفاضها أيضاً على الذرية والأولاد، فلم يكتف بتعداد صنوف اللذات النفسية في الملبس والمسكن والمأكل والمشرب والزواج، وإنما زاد في الفضل والإكرام، فألحق بالأصول الذرية المؤمنة في المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الجنان. ٧٠ الزُ (٢٧) - التطور: ٥٢ /١٧-٢٨ وأبعد اليأس والملل والوحشة عن أهل الجنة، وأحل محلها المتعة المتجددة والأنس بتجاذب الكؤوس فرحاً ولعباً، والتندر بأطيب الأحاديث، والتحدث بأحوال الدنيا ومقارنتها بأحوال الآخرة، ونحو ذلك. التفسير والبيان: فَكِهِينَ بِمَآ ءَائَنْهُمْ رَبُّهُ وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ ١٧ ﴿إِنَ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ ﴾ إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا باتباع أوامره واجتناب ١٨ عَذَابَ الْجَحِيمِ نواهيه يكونون في بساتين نضرة، ويتنعمون فيها بنعيم دائم، بضد ما أولئك الكفار فيه من العذاب والنكال، وهم يتفكهون بفواكه الجنة تفكهاً فيه غاية الطيبة واللذة والسرور، بما أعطاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والفُرُش والأزواج وغير ذلك، وحماهم الله من عذاب النار، ونجاهم من لظى السعير، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها، مع دخول الجنة التي فيها من السرور مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: ﴿فِ جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ﴾ يفيد أنهم يتنعمون في الجنان تنعماً فعلياً، لا كمجرد الناطور الذي يحرس البستان. وقوله ﴿فَكِهِينَ﴾ للدلالة على أن التنعم في النفس والقلب أيضاً، فقد يكون التنعم ظاهرياً، والقلب مشغول؛ كحال كثير من أغنياء الدنيا. وتقول لهم ملائكة الرضوان في الجنة: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِّيَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي تهنئهم الملائكة وتقول لهم: كلوا من طيبات الرزق، واشربوا مما لذ وصفا وطاب، لا تجدون في الأكل والشرب تنغيصاً ولا نكداً ولا كدراً، وهذا معنى الهنيء، وذلك بسبب ما قدمتم من أعمال صالحة في الدنيا، فهذا بذاك تفضلاً وإحساناً. ٧١ لُهُ (٢٧) - التُورٌّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ ونظير الآية: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّمِ الْخَالِيَةِ ٢٤ [الحاقة: ٢٤/٦٩]. قيل للربيع بن خَيْئَم، وقد صلى طوال الليل: أتعبتَ نفسَك، فقال: راحتَها طلبتُ. ثم ذكر الله تعالى تمتعهم بالفرش والبسط والأزواج، فقال: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ قَصْفُوفَةٍ وَزَقَحْنَهُم بِحُورٍ عِينِ ﴾﴾ أي الحال أنهم يجلسون ويستندون على أسرّة مصفوفة متصل بعضها ببعض، حتى تصير صفاً واحداً، وهذا دليل الاطمئنان والراحة وعدم التكلف وفراغ البال من الشواغل. وكذلك قرنّا كل واحد منهم بقرينات صالحات وزوجات حسان من نساء الجنة، وهن الحوريات الشديدات بياض العين، والشديدات سوادها، والواسعات الأعين. ويلاحظ أن كلمتي الحور والعين جمع للمذكر والمؤنث، أي أحور حوراء وأعين عيناء. روى ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي أنه سمع رسول الله وله يقول: ((إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة، ما يتحول عنه ولا يملّه، يأتيه ما اشتهت نفسه، ولَذَّت عينه)). ويلاحظ أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسباب التنعيم الأربعة على الترتيب، فذكر أولاً المسكن وهو الجنات، ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط، ثم الأزواج. وذكر في كل نوع ما يدل على الكمال فيه، وهو قوله ﴿فَلَكِهِينَ﴾ في الجنات؛ لأن مكان التنعيم قد ينتغص بأمور، وقوله ﴿هَنِيثًا﴾ إشارة إلى خلو المأكول والمشروب عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا كالتخمة والمرض والغصة والانقطاع. وقوله في السرر: ﴿مُتَّكِينَ﴾ للدلالة على عدم التكلف، والهيئة دليل خير. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنجاز لما وعدهم به ربهم في الدنيا، من غير منّ، وإنما كان المنّ في الدنيا بالهداية للإيمان والتوفيق للعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿بَلِ اٌللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلِْيَمَنِ﴾ [الحجرات: ٤٩ / ١٧] . ٧٢ الجُزُ (٢٧) - التطور: ٥٢ / ١٧-٢٨ صل وقوله: ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ إشارة إلى أنها مخصصة لكل واحد، لا اشتراك فيها. وقوله: ﴿ وَزَوَّجْنَهُم﴾ دليل على أن المزوج بأمانة هو الله تعالى، وأن المنفعة في التزويج لهم وأنه لم يقتصر على الزوجات، بل وصفهن بالحسن، واختار أحسن الحسن وهو جمال العيون(١). ويلاحظ أيضاً الفرق بين جزاء الكفار حيث قال تعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبين جزاء المتقين حيث قال في حقهم: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فجزاء الكفار منحصر بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، أي لا تجزون إلا ذلك، وأما المؤمنون فيضاعف ما عملوا ويزيدهم من فضله، ويجازي الكفار عين أعمالهم بقوله: ﴿مَا كُنتُمْ﴾ إشارة إلى المبالغة في المماثلة، وقال في حق المؤمنين: ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملهم الصالح، وذكر الله تعالى الجزاء في حق الكفار، وهو ينبئ عن الانقطاع، ولم يذكره في حق المؤمنين مما يدل على الدوام وعدم الانقطاع(٢). ثم أخبر الله تعالى عن مزيد فضله وكرمه ولطفه بخلقه وإحسانه بإلحاق الذرية بالآباء في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقرَّ عين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فقال : ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَّعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُم بِإِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ أي إن المؤمنين الذين تتبعهم ذريتهم في الإيمان أو بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء، يلحقهم الله بآبائهم في المنزلة فضلاً منه وكرماً، والمعنى: أن الله سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر عينه، وتطيب نفسه، بشرط كونهم مؤمنين. ومن باب أولى يلحق الآباء بالأبناء إن كان (١) تفسير الرازي : ٢٤٩/٢٨. (٢) تفسير الرازي : ٢٤٩/٢٨. ٧٣ الُ (٢٧) - التُورّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ هؤلاء أحسن حالاً من آبائهم، فيرفع ناقص العمل إلى منزلة كامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك، قال ابن عباس: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبَعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُم ◌ِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَمَّ أَلَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾ (١) وتنكير لفظة (إيمان) للدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم(٢). وروى الحافظ الطبراني عن ابن عباس عن النبي ◌َّه قال: ((إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: ياربّ، قد عملتُ لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به)). وقرأ ابن عباس: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم بِمَنٍ﴾ الآية. وهذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وفضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: ياربّ أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)) وله شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله وَالر: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) . ﴿وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَّعٍ﴾ أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئاً. ﴿ كُلُّ أَعْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي كل إنسان مرتهن يوم القيامة بعمله، فلا (١) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ورواه البزار عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه الثوري عن ابن عباس موقوفاً . (٢) تفسير الكشاف : ١٧٣/٣. ٧٤ الجزءُ (٢٧) - الظُورِّ: ٥٢ / ١٧-٢٨ يتحمل أحد ذنب آخر سواء كان أباً أو ابناً، كما أن الرهن لا ينفك ما لم يؤدّ الدين، فإن كان العمل صالحاً فكّه ونجاه؛ لأن الله يقبله، وإن كان طالحاً أهلكه. ونظير الآية كثير في القرآن، مثل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةُ ﴿ إِلَّ أَصْحَبَ [المدثر: ٣٨/٧٤-٣٩] أي كل نفس مرهونة بعملها، لا يفك رهنها ٣٩ اَلْيَمِنِ إلا أصحاب اليمين بعملهم الطيب. ثم عدد الله تعالى أصناف النعم على المتقين، فقال: ١ - ﴿ وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَا يَشْنَهُونَ (®﴾ أي وزدناهم على ما كان له من النعيم فاكهة متنوعة، ولحماً مختلفاً من أنواع اللحوم، من كل ما تشتهيه أنفسهم وتستطيبه وتلذ به. ◌َ - ﴿يَزَعُونَ فَِهَا كَأْسَا لَا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ (®)﴾ أي يتعاطون في الجنة كأساً من خمر الجنة، ويتجاذبون الكؤوس مع جلسائهم تجاذب سرور ولهو وملاعبة، لشدة فرحهم، وليس في شراب الآخرة ما يدعو إلى اللغو والإثم، فلا يتكلمون بكلام لاغ، أي هذيان، ولا قول فيه إثم أي فحش، كما يتكلم شاربو الخمر في الدنيا، قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم، فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم. وقد أخبر الله تعالى عن حُسن منظر خمر الآخرة وطيب طعمها ومذاقها ، فقال: بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِيِينَ ﴿٨َ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (10)﴾ [الصافات: ٣٧/ ٤٦-٤٧] وقال: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنِفُونَ } [الواقعة: ١٩/٥٦]. ◌َّ- ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُوْلُوٌ مَّكْتُونٌ (٣)﴾ أي ويدور عليهم للخدمة بالكأس والفواكه والطعام وغير ذلك فتيان يخدمونهم، كأنهم في الحسن والبهاء لؤلؤ مستور، مصون في الصدف، لم تمسّه الأيدي. ٧٥ الزُعُ (٢٧) - الطُّورّ: ٥٢ /١٧-٢٨ بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنْ مَّعِينٍ لا ونحو الآية: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَُّونَ [الواقعة: ١٧/٥٦-١٨]. روى ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ((بلغني أنه قيل: يارسول الله، هذا الخادم مثل اللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل ما بينهم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)) وروي ذلك أيضاً عن الحسن. (٥)) أي أقبلوا يتحادثون ويسأل ٤ - ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَاءَلُونَ بعضهم بعضاً في الجنة عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وما كان فيها من متاعب ومخاوف. ونكد وكدر. ثم ذكر الله تعالى أجوبتهم التي تومىء إلى علة الوصول إلى الجنان، فقال: ـ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَتْنَا عَذَابَ ٣٦ - ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ السَّمُومِ ﴾ أي أجابوا قائلين: إنا كنا في الدار الدنيا خائفين وجلين من ٢٧ عذاب الله وعقابه، فتفضل الله علينا بالمغفرة والرحمة ووفقنا إلى العمل الصالح، وأجارنا مما نخاف من عذاب النار. وسموم جهنم: ما يوجد من حَرّها. - ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْبُّ الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي إنا كنا في الدنيا نوحد الله ونعبده، ونسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا، إنه سبحانه الكثير الإحسان والكرم، الكثير الرحمة والفضل لعباده. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ٧٦ المُ (٢٧) - التُّون: ٥٢ / ١٧-٢٨ اً - إن جزاء المتقين دخول الجنان، والتمتع بأنواع النعيم المختلفة، فهم ذوو فاكهة كثيرة، طيبو النفس، مزّاحون، ناجون من عذاب النار، يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئاً، والهنيء: مالا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. وهم متكئون على سرر موصولة بعضها ببعض حتى تصير صفاً واحداً، ويتزوجون بما شاؤوا من الحور العين، أي بنساءٍ بيض نُجْل العيون حِسَانها. أَ - يُلحق الله الذرية الصغار والكبار بالآباء، والآباء بالذرية، في المنزلة والدرجة في الجنة تكريماً من الله وتفضلاً وإحساناً لتقر أعين الآباء بهم، ولا ينقص الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم، ولا ينقص الآباء من ثواب أعمالهم شيئاً بإلحاق الذريات بهم، وذلك بشرط الإيمان بين الأصول والفروع. قال الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم(١). وقال الرازي في الآية: ﴿ وَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُمْ﴾ تدل على أن شفقة الأبوة كما هي في الدنيا متوفرة كذلك في الآخرة، ولهذا طيب الله تعالى قلوب عباده بأنه لا يُؤْلهِّهُم (يفرق بينهم وبين أولادهم)، بل يجمع بينهم (٢). ◌َّ- ﴿كُلُّ آقْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، قال الزمخشري: عام في كل أحد، مرهون عند الله بالكسب، فإن كسب خيراً فك رقبته، وإلا أربق بالرهن(٣). ٤- زيادة من الله وفضله يمد المؤمنين بأنواع الفاكهة واللحوم المختلفة (١) الكشاف : ١٧٣/٣. (٢) تفسير الرازي : ٢٨/ ٢٥٠. (٣) الكشاف: ١٧٤/٣ . ٧٧ الُعُ (٢٧) - التُورّ: ٥٢ /١٧-٢٨ حسبما يشتهون، غير الذي كان لهم، ويتناول بعضهم من بعض كأساً وهو إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره، وهم المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة. ويطوف عليهم مماليك مخصوصون بالفواكه والتحف والطعام والشراب كما قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١/٤٣] ﴿يُطَافُ [الصافات: ٤٥/٣٧] . وأولئك المماليك كأنهم في ٤٥ عَلَيْهِم بِكَأْسِ مِّن مَّعِينٍ الحسن والبياض لؤلؤ مستور مصون في الصدف، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلِمْ وِلْدَانٌ مُخَّدُونَ [الواقعة: ٥٦ /١٧] . عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّ قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خَدَمه، فيجيبه ألفٌ كلُّهم: لَبِيك ◌َبِيك))(١). ٥- يُقبل أهل الجنة بعضهم على بعض، فيتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من العاقبة، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم، وامتنان الله عليهم بالجنة والمغفرة، وبالتوفيق والهداية، والنجاة من عذاب نار جهنم، نار السَّموم، والسموم: الريح الحارّة. أَ- يجد أهل الجنة ثواب ما عملوا في الدنيا، فإنهم كانوا في الدنيا يعبدون الله ويوحدونه، ويَدْعونه بأن يمنّ عليهم بالمغفرة من تقصيرهم، فيرون ثمرة ذلك في الآخرة، فإن الله تعالى كثير البر والجود والإحسان، اللطيف الصادق فيما وعد، الكثير الرحمة. (١) تفسير الألوسي: ٣٤/٢٧ ٧٨ الجزء (٢٧) - التُون: ٥٢ /٢٩-٣٤ متابعة التذكير والموعظة بالرغم من المكائد ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا يَحْنُونٍ ﴿٨ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ تَتَُّ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ ﴿ قُلْ تَرَبَّصَُّواْ فَإِ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَّيِّصِينَ ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَمُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ فَلْيَأْتُواْ (٣٣ أَمْ يَقُولُونَ نَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ٣٢ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ (٣٤) القراءات: ﴿بِنِعْمَتِ﴾: رسمت بالتاء، فوقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي بالهاء. ووقف الباقون بالتاء. الإعراب: (بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ﴿بِكَاهِنٍ﴾ خبر ما، و﴿مَحْنُونٍ﴾ معطوف عليه. ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ ﴿أَمْ﴾هنا: منقطعة بمعنى بل والهمزة، وكذلك في أوائل الآيات: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهَذَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّيَّ﴾ (٣٢-٤٣) كلها منقطعة، بمعنى (بل والهمزة) وهي خمسة عشر موضعاً. و﴿بَل﴾ للإضراب الانتقالي والهمزة للإنكار والتقريع والتوبيخ، أي ما كان ينبغي أن يحصل، أو بمعنى ما حصل هذا. البلاغة: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ استعارة تصريحية، استعير لفظ الريب (وهو الشك) النوائب الدهر وحوادثه، بتشبيه حوادث الدهر بالريب بجامع التقلب وعدم الاستمرار على حالة واحدة. ٧٩ الُعُ (٢٧) - التُورّ: ٥٢ /٢٩-٣٤ ج ﴿أَمَّ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهَذَا﴾ أسلوب تهكمي للتهكم بعقولهم والسخرية منهم، وأمر الأحلام بأقوالهم مجاز عن أدائها إليه. المفردات اللغوية: ﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثبت على التذكير والموعظة، ولا تكترث بقولهم، ولا تتراجع لاتهامات باطلة كالقول بأنك كاهن أو مجنون . ﴿فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ بحمد ربك وإنعامه عليك . ﴿بِكَاهِنٍ﴾ الكاهن: هو المخبر عن الماضي بالظن، والعرَّاف: هو المخبر عن المستقبل، بالاعتماد على الجن . ﴿نَّثْرَبَّصُ﴾ ننتظر. ﴿رَيِّبَ اٌلْمَنُونِ﴾ أي حوادث الدهر ليهلك كغيره، والريب في الأصل: الشك، وأطلق على الحوادث، والمنون: الدهر، سمي بذلك؛ لأنه يقطع الأجل، وقيل: المنون: الموت. ﴿َتَرَبِّصُواْ﴾ انتظروا هلاكي. ﴿فَإِّى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَيِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي، فعذبوا بالقتل يوم بدر . ﴿أَحْلَمُهُمْ﴾ عقولهم، جمع حلم: وهو العقل. ﴿بَهَذَا﴾ التناقض في القول، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون عديم العقل، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق نابع من الخيال، ولا يتأتى ذلك من المجنون. ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ بل هم مجاوزون الحد في العناد والمكابرة. ﴿نَقَوَّلَكُ﴾ اختلق القرآن وافتراه من تلقاء نفسه. ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ بل يكفرون. فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم . ﴿ فَلَيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ مثل القرآن . ﴿إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ في زعمهم؛ إذ فيهم كثير من الفصحاء، فهذا رد لأقوالهم المذكورة بالتحدّي. سبب النزول: نزول الآية (٣): ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ أخرج ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس: أن ٨٠ الزُرُ (٢٧) - التُورِّ: ٥٢ / ٢٩-٣٤ قريشاً لما اجتمعوا في دار النَّدوة في أمر النبي ◌َّ، قال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة والأعشى، فإنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ تَتَبَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ المناسبة: بعد قسم الله تعالى على وقوع العذاب، وذكر أحوال المعذبين والناجين، أمر تعالى نبيه بالتذكير إنذاراً للكافر، وتبشيراً للمؤمن، ودعاء إلى الله تعالى بنشر رسالته، ثم نفى عنه ما كان الكفار ينسبونه إليه من الكهانة والجنون باعتبارهما طريقين إلى الإخبار ببعض المغيَّبات، بالاعتماد على الجن. وكان شيبة بن ربيعة ممن ينسبه إلى الكهانة، وعقبة بن أبي مُعَيْط ممن ينسبه إلى الجنون. ثم بيّن الله تعالى ما في هذا الاتهام من التناقض والاضطراب، ثم أمره ربه بتهديدهم بمثل صنيعهم، ثم تحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل أقصر سورة من هذا الكلام المفترى، وفيهم الفصحاء والبلغاء، بل هم قوم طاغون متجاوزون الحد، جاحدون كافرون لا يؤمنون بالوحي، فقالوا بأهوائهم مثل تلك الأقاويل. التفسير والبيان: أي إذا كان في ٣٩ ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَحْنُونٍ الوجود قوم يخافون الله، ويشفقون في أهليهم من عذاب الله كما تقدم في الآيات السابقة، فوجب عليك أيها الرسول الإتيان بما أمرت به من التذكير، فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبِّطنك قولهم: كاهن أو مجنون، فلست بحمد الله وإنعامه بکاهن كما يقول جهلة كفار قريش، ولا مجنون، والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، ويخبر عن الماضي بالأخبار الخفية، وليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي