النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجُزُ (٢٧) - الذَّارَات: ٥١ /٣٨-٤٦ - فإن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام مؤيداً بالدليل الباهر والحجة القاطعة والمعجزات كالعصا واليد، إلى فرعون الطاغية الجبار، فأعرض عن الإيمان بجنوده وجموعه، وكذبوا برسالته، ووصف فرعون موسى بأنه ساحر يأتي الجن بسحره أو يقرب منهم، والجن يقربونه ويقصدونه إن لم يقصدهم، فيصير كالمجنون، فالساحر والمجنون كلاهما أمره مع الجن، غير أن الساحر يأتيهم باختياره، والمجنون يأتونه من غير اختياره. فكان عاقبتهم الإغراق في البحر لكفرهم وتوليهم عن الإيمان، وإتيان فرعون بما يلام عليه من ادعاء الربوبية والطغيان والعناد. - كذلك أرسل الله هوداً عليه السلام إلى قبيلة عاد، فكذبوه واستكبروا عن دعوته، وعكفوا على عبادة الأصنام، فاستأصلهم الله وأهلكهم بريح صرصر عاتية، لا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة، وهي كما قال مقاتل: الدَّبُور، كما في الصحيح عن النبيِ وََّ: «نُصِرْت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبُور)) وقيل: هي الجنوب، لما روى ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن النبي ◌َّ قال: ((الريح العقيم: الجنوب)) وقال ابن عباس: هي النكباء. وكان تأثير تلك الريح شديداً مرعباً، فلم تمر بشيء من الأنفس والأموال والديار إلا جعلته كالشيء الهشيم، أو كالشيء الهالك البالي، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥/٤٦]. - وأرسل الله أيضاً نبيه صالحاً عليه السلام إلى قبيلة ثمود الذين متعهم الله تعالى بالخيرات في الدنيا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فخالفوا أمر الله، واستكبروا عن الامتثال به، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون إليها نهاراً، وهي كل عذاب مهلك، وهي نار من السماء، أو صيحة منها، أي صوت شديد، فهلكوا، ولم يتمكنوا من النهوض فضلاً عن الهرب والفرار، وما كان لهم ناصر ينصرهم ويمنعهم من العذاب حين أهلكوا. ٤٢ الُ (٢٧) - الدَّارِحَاتِ: ٥١ / ٤٧-٥١ - وقبل هؤلاء أرسل الله نوحاً عليه السلام إلى قومه، فأمرهم بترك عبادة الأصنام، والاتجاه إلى عبادة الله الواحد الأحد، فأبوا وعاندوا واستمروا على كفرهم، فأهلكهم الله بالطوفان، جزاء على كفرهم وبغيهم ووثنيتهم. وأنواع العذاب في إهلاك الأقوام السابقة تدل على أن الله قادر على أن يعذب ويحقق الفناء بما به البقاء والوجود أو عناصر الحياة الأربعة: وهي التراب والماء والهواء والنار، فعذب قوم لوط بالتراب، وعذب قوم نوح وقوم فرعون بالماء، وعذب عاداً بالهواء، وثمود بالنار. إثبات وحدانية الله وعظيم قدرته وَأُلْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَتِهِدُونَ ٤٨ ٤٧ ﴿ وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ فَفِرُواْ إِلَى اَللَّهِ إِنِِّ لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوّجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ (®) ٥١ ®ـ وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيْرٌ مُّبِينٌ مَّبِينَ ءُ القراءات: ﴿نَذَكَّرُونَ﴾: قرئ: ١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (تَذََّّرون) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ نعم: فعل ماض للمدح، و﴿ اَلْمَهِدُونَ﴾ فاعل، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: فنعم الماهدون نحن، فحذف المقصود بالمدح. ٤٣ الُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٤٧-٥١ ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ متعلق بقوله بعده: ﴿خَفْنَا)) البلاغة: ﴿ وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَبْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٨ سجع رصين غير متكلف يزيد في جمال الأسلوب؛ وبين السماء والأرض طباق. وَاُلْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ اُلْمَهِدُونَ ٤٧١ المفردات اللغوية: ﴿بِأَبَيْدٍ﴾ بقوّة، مثل الآد. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ لقادرون على خلقها وخلق غيرها، من الوسع: بمعنى الطاقة، والموسع: القادر على الإنفاق، يقال: آد الرجل يئيد: قوي، وأوسع الرجل: صار ذا سعة وقوة .﴿فَرَشْتَهَا﴾ مهدناها وبسطناها كالفراش لتستقروا عليها، يقال: مهد الفراش: إذا بسطه ووظّأه، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها .﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ أي نحن. ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي من كل جنس من الأجناس. ﴿زَوْجَيْنِ﴾ صنفين ونوعين: ذكر وأنثى، وسماء وأرض. وشمس وقمر، وسهل وجبل، وصيف وشتاء، وحلو وحامض، ونور وظلمة . ﴿لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ أي تتذكرون، فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات، أما الواجب بالذات خالق الأزواج فهو فرد واحد لا يقبل التعدد والانقسام. ﴿فَفِرُّوْاْ إِلَى اللَّهِ﴾ فروا من عقابه إلى ثوابه ورضاه بالإقرار بالتوحيد وملازمة الطاعة وتجنب المعصية . ﴿إِنِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُبِينٌ﴾ أي إني من عذابه المعدّ لمن أشرك أو عصى بيِّن الإنذار والتخويف .﴿ وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ﴾ إفراد وتوحيد لمن يفرّ إليه ويلجأ لجنابه، أي وقل لهم: لا تجعلوا .. ﴿إِنِيِ لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ تكرير الجملة للتأكيد. المناسبة: بعد إثبات وقوع البعث أو الحشر والمعاد لا محالة، أقام الله تعالى الأدلة ٤٤ الجُزءُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٤٧-٥١ على الوحدانية وعظيم القدرة، من خلق السماء محكمة البنيان، والأرض ممهدة كالفراش للاستقرار عليها، وخلق الجنسين كالذكر والأنثى من كل نوع من أنواع الحيوان، والصنفين المتضادين من بقية الأشياء، عدّد الحسن البصري أشياء كالسماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والموت والحياة، وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثيل له. التفسير والبيان: ﴿ وَالسَّمَآءَ بَنَيَْهَا بِأَبِيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. أي ولقد بنينا السماء بقوة ٤٧ وقدرة، وإنا لذوو قدرة وسعة على خلقها وخلق غيرها، فنحن قادرون، لا نعجز عن ذلك، ولا يمسنا تعب ولا نصب. وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان. وقوله: ﴿ِأَنِيْدٍ﴾ تأكيد لذلك، وقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ مزيد تأکید. ﴿ وَاُلْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَدِهِدُونَ (٨)﴾ أي والأرض مهدناها وبسطناها كالفراش لتصلح للعيش والاستقرار عليها، فنعم الماهدون نحن الذين جعلناها مهداً لأهلها، ومترعة بالخيرات على سطحها وجوفها، برها وبحرها وجوها، فعلى سطحها يعيش الإنسان والحيوان، وفي جوفها الثروة المعدنية الجامدة والسائلة كالنفط، وفي برها مختلف النباتات والأزهار والأشجار، وفي بحرها آلاف الأنواع من الأسماك، واللآلئ والمرجان وتسير فيها السفن، وفي جوها الطير والهواء والسحب الزاخرة بالمطر، وتحليق الطائرات وغيرها. وإنما أطلق الفرش على الأرض، ولم يطلق البناء؛ لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى. وقوله: ﴿بَلَيَْهَا﴾ أدل على الاستقلال وعدم الشريك في التصرف. والآية تشير إلى أن دَحْو الأرض وبسطها كان بعد خلق السماء؛ لأن بناء البيت يكون أولاً قبل الفرش، وهذا هو المعروف الآن علمياً. قال ٤٥ الجُزءُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٤٧-٥١ الرازي: في الآية دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء؛ لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش(١). ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوّجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ (﴿3﴾ أي وأوجدنا من جميع المخلوقات صنفين أو نوعين ضدين أو متقابلين: ذكر وأنثى، وحلو مرّ، وسماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وخير وشر، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، لذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ أي خلقنا ذلك على هذا النحو لتعلموا وتتذكروا أن الخالق واحد لا شريك له، وتستدلوا بذلك على التوحيد. ثم رتب على دليل الوحدانية والقدرة أمرين: اللجوء إلى الله وتجنب الشرك إتماماً للتوحيد، فقال: - ﴿فَفِرُواْ إِلَى اللَّهِ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيْرٌ مُّبِينٌ (®﴾ أي الجؤوا إلى الله، واعتمدوا عليه في أموركم كلها، وتوبوا من ذنوبكم، وأطيعوا أوامره، فإني لكم منذر بيِّن الإنذار، ومحوّف من عذابه وعقابه. وهذا أمر بالإقبال على الله، والإعراض عما سواه. وقوله: ﴿فَفِرُّواْ﴾ ينبئ عن سرعة الإهلاك، كأنه يقول: الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع، فافزعوا إلى الله سريعاً وفروا. - ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ إِنِِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (﴾﴾ أي لا تشركوا بالله شيئاً آخر سواه، فإن الإله المعبود بحق هو الذي لا تصلح العبادة لغيره، ثم كرر التذكير بمهمة الإنذار البيّنة للنبي ◌َلّ للتأكيد. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: (١) تفسير الرازي : ٢٢٧/٢٨. ٤٦ الُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٤٧-٥١ اً - إثبات وحدانية الله وقدرته بآيات الكون الكبرى، من خلق السماء التي تدل بكواكبها ونجومها وشمسها وقمرها وتوابعهما على أن الإله الصانع قادر على الكمال، وكذا خلق الأرض الممهدة المبسوطة الممدودة كالفراش بما فيها من خيرات ظاهرة وباطنة، وأيضاً خلق الصنفين والنوعين المختلفين من ذكر وأنثى، حلو وحامض، ونحو ذلك، وسماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، ونور وظلام، وسهل وجبل، وجنّ وإنس، وخير وشر، وبكرة وعشيّ، والأشياء المختلفة الطعوم والروائح والأصوات. فهذا كله دليل على قدرة الله، ومن قدر على هذا قدر على الإعادة، وهو إشارة إلى أن ما سوى الله تعالى مركب من أجزاء، وهو دليل على الانتقال من المركب إلى البسيط، ومن الممكن إلى الواجب، ومن المصنوع إلى الصانع، فإن خالق الأزواج فرد وإلا لكان ممكناً، فيكون مخلوقاً، ولا يكون خالقاً، فلا يقدَّر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قیام، ولا ابتداء ولا انتهاء، إذ ليس كمثله شيء. أَ- إن الإله المتصف بالوحدانية والقدرة الباهرة يجب في حقه أمران أساسيان: اللجوء إليه وحده، والتوبة إليه من الذنوب، والفرار من معاصيه إلى طاعته، واجتناب الشرك أو عبادة شيء آخر معه. قال سهل بن عبد الله: فِرُّوا مما سوى الله إلى الله. ٣ - إن النبي ◌َّ في حياته وبعد مماته بما تركه من بيان وسنة دائم الإنذار، بَيِّن التخويف، ينذر الناس من عقاب الله على الكفر والمعصية. ٤٧ الْخُرُ (٢٧) - الذَّارِيَاتِ: ٥١ / ٥٢-٦٠ حل الله وَسَالم تهديد المشركين بالعذاب لتكذيب النبي أَنَوَاصَوْاْ ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِحِرْ أَوْ مَجُنُ شَةَ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى ٥٤ ﴿﴿ فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ بِّءَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن ٥٦ رِزْقِ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَيِهِمْ فَلاَ يَسْتَعِْلُونِ الَّذِى يُوعَدُونَ القراءات: فَوَيِّلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ ٥٩ ﴿يَوْمِهِمُ الَّذِى﴾: قرئ: ١- (يومهِمِ) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (يومهُمُ) وهي قراءة خلف، وحمزة، والكسائي. ٣- (يومهِمُ) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِ﴾ الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع رفع: لأنها خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر كذلك. ﴿ذُو اُلْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرفع: صفة لـ ﴿ذُو﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للقوة، وذكّر؛ لأنه تأنيث غير حقيقي، ولأن فعيل يصلح صفة للمذكر والمؤنث، والرفع أشهر في القراءة، وأقوى في القياس. البلاغة: إطناب بتكرار ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ فعل ﴿أُرِيدٌ﴾ للمبالغة والتأكيد. ٤٨ الُرُ (٢٧) - الذَّارَات: ٥١ / ٥٢-٦٠ ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ﴾ تشبيه مرسل مجمل؛ لأنه حذف منه وجه الشبه، أي نصيباً من العذاب مثل نصيب أسلافهم المكذبين في الشدة والألم. المفردات اللغوية: (كَذَلِكَ﴾ أي الأمر مثل ذلك، والإشارة إلى تكذيبهم الرسول بَّه، وتسميتهم إياه ساحراً أو مجنوناً . ﴿مَا أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ الآية كالتفسير له، أي مثل تكذيبهم لك بقولهم: إنك ساحر أو مجنون تكذيب الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك. ﴿أَنَوَاصَوْاْ بِهِ﴾ أي هل أوصى أولهم آخرهم؟ استفهام بمعنى النفي على سبيل التعجب، أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضاً بهذا القول، حتى قالوه كلهم . ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول طغيانهم. ﴿فَوَلَ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم وعن مجادلتهم بعد الإصرار والعناد. ﴿فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ لست ملوماً على الإعراض عنهم؛ لأنك بلّغتهم الرسالة وبذلت الجهد في التذكير. ﴿ وَذَكِرٌ﴾ داوم على التذكير والموعظة بالقرآن. ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. مَنْ عَلِم الله تعالى أنه يؤمن، فإن التذكير يزيده بصيرة. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا لنأمرهم بالعبادة ويعبدوا الله بالفعل لا لاحتياجي إليهم، فإن أعرض أو قصر بعضهم أو أكثرهم فعليه تبعة فعله . ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ لا أريد منهم الاستعانة بهم على تحصيل أرزاقهم ومعايشهم لأنفسهم أو غيرهم وهو أولى . ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ أن يطعموا أنفسهم أو غيرهم. والمراد بيان أن شأن الله مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم يملكونهم للاستخدام في حوائجهم ﴿الَّزَّقُ﴾ الذي يرزق كل محتاج، وفيه إيماء باستغنائه عن الرزق .﴿اَلْمَتِينُ﴾ الشديد القوة. ٤٩ الُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ / ٥٢-٦٠ ﴿ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم. ﴿ذَنُوبًا﴾ نصيباً من العذاب، وأصل الذنوب في اللغة: الدّلْو العظيمة المملوءة ماء . ﴿مِّثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَِمْ﴾ مثل نصيب نظائرهم من الأمم السالفة، الهالكين قبلهم، ﴿فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالعذاب إن أخّرتهم إلى يوم القيامة، وهو جواب لقولهم: ﴿مَنَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥/٦٧]. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي هلاك لهم وشدة عذاب. ﴿مِن يَوْمِهِمُ﴾ في يومهم وهو يوم القيامة. سبب النزول نزول الآيتين (٥٥،٥٤): وَذَكِرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ٥٥ ٥٤ ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِعَلُومٍ أخرج ابن منيع وابن راهويه والهيثم بن كليب في مسانيدهم عن علي قال: لما (@) لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهَلَكةِ، إذ نزلت: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِعَلُومٍ أمر النبي ◌َّ أن يتولى عنهم، فنزلت: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىَ نَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ٥٥ فطابت أنفسنا. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما نزلت: ﴿فَوَلَ عَنْهُمْ﴾ الآية، اشتد على أصحاب رسول الله وَّر، ورأوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَ نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ٥٥ المناسبة: بعد بيان الأدلة على الحشر، وعلى إثبات الوحدانية وعظيم القدرة الإلهية، وتذكير المشركين بإهلاك الأمم المكذبة السالفة، بيَّن الله تعالى أن كل رسول كُذِّب، وكأن التكذيب بين الأمم شيء متواصى به من الجميع، والواقع أنهم قوم طغاة تجاوزوا حدود الله، لذا أمر النبي ◌َليل بالإعراض عنهم، علماً بأنهم خلقوا لعبادة الله، لا لتحصيل المعايش والأرزاق، ثم ختمت السورة بتهديد ٥٠ الُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٥٢-٦٠ مشركي مكة بعذاب مماثل لعذاب من قبلهم من الأمم، والعذاب واقع بهم، لا شك فيه، ولا مردّ له. التفسير والبيان: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاِرٍ أَوْ مَجْنُنُ (69)﴾ أي كما كذبك قومك من العرب ووصفوك بالسحر أو الجنون، فعلت الأمم المتقدمة التي كذبت رسلها، فهذا شأن الأمم في القديم، ولست أنت وحدك الذي كُذّب. وهذا إيناس للرسول وَّر عن إعراض قومه، وحمله على الصبر وتحمل الأذى. ﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣)﴾ هذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار بمعنى النفي، فهو تعجب من حالهم يراد به: كأنما أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب، وتواطؤوا عليه، أي هل أوصى بعضهم بعضاً بهذه المقالة؟ والواقع أنهم لم يتواصوا بذلك لتباعد زمانهم، لكن هم قوم طغاة، جمعهم الطغيان: وهو مجاوزة الحد في الكفر، فقال متأخروهم كما قال متقدموهم. ، أي أعرض عنهم أيها الرسول، وكفّ ﴿فَوَلَ عَنَّهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومِ (@) عن جدالهم، فقد فعلت ما أمرك الله به، وبلّغت رسالته، وما أنت بملوم عند الله بعد هذا؛ لأنك قد أدّيت ما عليك، وما على الرسول إلا البلاغ، وعلى الله الحساب. ®) أي ولكن تابع التذكير، وعظ ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىْ نَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ بالقرآن من آمن به من قومك، فإن التذكير ينفعهم، أو إنما تنتفع بالذكرى القلوب المؤمنة المستعدة للهداية. والمراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم الهدى، لا يوجب ترك البعض الآخر. ثم بَيَّن الله تعالى الغاية من خلق الثقلين: وهي العبادة، مع أن المشركين كذبوا الرسول، وتركوا عبادة الخالق، فقال: ٥١ الْجُرُ (٢٧) - الذَّارِفَاتِ: ٥١ / ٥٢-٦٠ أي ما خلقت الثقلين: ٥٦ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الإنس والجن إلا للعبادة، ولمعرفتي، لا لاحتياجي إليهم كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدًا لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١/٩] وكما ورد: ((كنتُ كنزاً مخفياً فأردتُ أن أُعْرفَ، فخلقت الخلق، فبي عرفوني)).(١) والعبادة في اللغة: الذل والخضوع والانقياد. وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك، فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة. وقال مجاهد: المعنى إلا لآمرهم بعبادتي وأنهاهم. وهذا كلام جديد مستأنف لتقرير وتأكيد الأمر بالتذكر، فإن خلقهم للعبادة يستدعي دوام التذكير بها. وحكمة تقديم الجن على الإنس أن عبادتهم سرية لا يدخلها الرياء كعبادة الإنس. ثم ذكر الله تعالى سمو الغاية من الخلق، فقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ ٥٧ ﴿مَا أُرِيِدٌ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ اَلْمَنِينُ (@) أي لا أريد من خلقهم جلب نفع لي، ولا دفع ضرر عني، كما تريده السادة عادة من عبيدهم، فإن الله هو الغني المطلق، الرزاق المعطي، الذي يرزق مخلوقاته، ويقوم بما يصلحهم، وهو ذو القدرة والقوة، والشديد القوة، فلم يخلقهم لنفع ينفعونه به، فعليهم أن يؤدوا ما خلقوا له من العبادة. وما في قوله: ﴿مَآ أُرِيدٌ﴾ للنفي في الحال، ولا: للنفي في الاستقبال، ونفي الحال وهو الدنيا أولى من نفي الاستقبال وهو في أمر الآخرة. والخلاصة: إنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم (١) قال ابن تيمية: إنه ليس من كلام النبي نَّه، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف. ٥٢ الُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /٥٢-٦٠ الجزاء، ومن عصاه عذّبه أشد العذاب، وهو غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، تفرَّعْ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك)). وورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: ((ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدْني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء)). ثم هدد الله تعالى مشركي مكة وأمثالهم بقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ فَلاَ يَسْتَعِْلُونِ (﴾﴾ أي فإن للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك وتكذيب الرسول نصيباً من العذاب، مثل نصيب أمثالهم الكفار من الأمم السابقة، فلا يطلبوا مني تعجيل العذاب لهم، فإن حظهم من العذاب آتٍ لا ريب فيه، وواقع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُهُ﴾ [النحل: ١/١٦]. وهذا جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥/٦٧] وقولهم: ﴿فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [هود: ٣٢/١١]. أي فهلاك وشدة ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ عذاب للكافرين في يوم القيامة الذي يوعدون به، وقيل: اليوم يوم بدر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - إن تكذيب الرسل شأن الأمم قديمها وحديثها، فكما كذب محمداً قومه، وقالوا: ساحر أو مجنون، كذّب من قبلهم رسلهم، وقالوا مثل قولهم،. ٥٣ الزُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٥٢-٦٠ وكأن أولهم أوصى آخرهم بالتكذيب، والتواطؤ عليه، والواقع ليس كذلك، فلم يوص بعضهم بعضاً، بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر. والغرض من الخبر إيناس النبي وّر عما يلقاه من صدود قومه عن دعوته. أَ- أمر الله نبيه بالإعراض عن جدال قومه، وطمأنه ربه بأنه غير ملوم ولا مقصر، فقد بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد. وهذه إيناس آخر؛ لأن النبي ◌َّ كان من كرم أخلاقه وشدة حساسيته ينسب نفسه إلى تقصير في التبليغ، فيجتهد في الإنذار والتبليغ. ٣ - لكن التولي عن القوم ليس مطلقاً، لذا أمر النبي وَلّر بمتابعة التذكير، فإنه ينفع المؤمنين، وهم من علم الله سابقاً أنهم يؤمنون. ٤- وغاية التذكير: توجيه الناس إلى عبادة الله وتوحيده والإخلاص له، فلم يخلق الله الخلق إلا العبادة، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة، فيكون التذكير بها ضرورياً، والإعلام بأن كل ما عداها تضييع للزمان، وفائدة العبادة: التعظيم لأمر الله، والشقّقة على خلق الله. ثم إن مهمة الأنبياء منحصرة في أمرين: عبادة الله، وهداية الخلق. وهناك غرض ثالث آخر من ذكر هذه الآية: وهو بيان سوء صنيع الكفار، حيث تركوا عبادة الله، مع أن خلقهم ما كان إلا للعبادة. وقال مجاهد وغيره ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إي إلا للعبادة، وهذا كما قال الثعلبي قول حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم، لما عُرف وجود الله وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَفَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧/٤٣]. ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ [الزخرف: ٩/٤٣]. وهذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك. ٥- لم يكن خلق الناس للعبادة لحاجة من الخالق، فالله عز وجل غني عن عبادة العباد، ولم يكن خلقهم للتسخير للخدمة في توفير الطعام والشراب أو ٥٤ الجُزُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٥٢-٦٠ حفظه، كما يفعل السادة مع العبيد، وهو سبحانه الرزاق الذي يرزق غيره، وهو القدير الشديد القوي، الذي لا يتقوى بأحد. وقوله: ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ تعليل لعدم طلب الرزق، وقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ تعليل لعدم طلب العمل؛ لأن من يطلب رزقاً، يكون فقيراً محتاجاً، ومن يطلب عملاً من غيره، يكون عاجزاً لا قوة له. ٩- إن للذين ظلموا أنفسهم وهم كفار مكة وأمثالهم نصيباً من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة، فلا داعي لاستعجالهم نزول العذاب بهم، فإنه آتيهم لا محالة. وهذا تهديد للكفار الذين وصفهم الله بأنهم ظلمة؛ لأن من وضع نفسه في موضع عبادة غير الله، يكون قد وضع الشيء في غير موضعه، فيكون ظالماً. وإذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة، فإن الذين ظلموا بعبادة غير الله، لهم هلاك مثل هلاك من تقدم. ومناسبة الذَّنوب التي هي في الأصل: الدلو العظيمة: هي أنه تعالى قال: نصبُّ من فوق رؤوسهم ذَنوباً كذَنُوب صُبَّ فوق رؤوس أولئك. ٥٥ ٢ إِلُ (٢٧) السورة (٥٢) التُورٌ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ الُْورِ مڪية، وهي تسع وأربعون آية تسميتها: سميت سورة (الطور) لافتتاحها بقسم الله تعالى بجبل الطور الذي يكون فيه أشجار، كالذي كلَّم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، فنال بذلك شرفاً عظيماً على سائر الجبال. مناسبتها لما قبلها: تتجلى للمتأمل مناسبة هذه السورة لسورة الذاريات قبلها من وجوه: اً - تشابه الموضوع: فإن كلتا السورتين مكية، تضمنت الكلام عن التوحيد والبعث وأحوال الآخرة، والرسالة النبوية، وتفنيد معتقدات المشركين الفاسدة. أَ - تماثل الابتداء والانتهاء: ففي مطلع كل منهما وصف حال المتقين في ريات: ١٥/٥١]. ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُودٍ [الطور: ١٧/٥٢] وفي ختام كل منهما صفة حال الكفار: ١٧ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ ﴿فَوَيِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الذاريات: ٦٠/٥١]. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٥٢ /٤٢]. ٥٦ الجُزُ (٢٧) السورة (٥٢) الُورِ ◌ّ- اتحاد القسم بآية كونية: ففي الذاريات أقسم الله بالرياح الذاريات النافعة في المعاش، وفي الطور أقسم الله بالجبل الذي حظي بالنور الإلهي بتكليم موسى عليه السلام وإنزال التوراة عليه لنفع الناس في المعاش والمعاد. ٤- تطابق الأمر للنبي رَّ بالإعراض عن الكافرين ومتابعة تذكير المؤمنين: ففي الذاريات: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [٥٤] ﴿وَذَكِرْ﴾ [٥٥] وفي الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ﴾ [٢٩]: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ﴾ [٤٥]. ما اشتملت عليه السورة: لما ختم الله تعالى السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود، أقسم على ذلك بالطور، وهو الجبل الذي ذكر مراراً في قصة موسى عليه السلام، والكتاب المسطور: التوراة ونحوها أو اللوح المحفوظ، والبيت المعمور: الكعبة المشرفة، والسقف المرفوع: السماء، والبحر المسجور: المملوء أو الموقد. فهو قسم بآيات كونية علوية وسفلية على أن العذاب آتٍ لا ريب فيه. ثم وصف الله تعالى عذاب النار الذي يزجّ به المكذبون، وما يلقونه من الذل والإهانة، وأردفه بوصف نعيم المتقين أهل الجنة، وما يتمتعون به من أنواع الملذات في الملبس والمسكن والمطعم والمشرب والزواج بالحور العين. وأعقب هذا الوصف أمر النبي وَله بمتابعة التذكير، وتبليغ الرسالة، وإنذار الكفرة، والإعراض عن سفاهة المشركين وافترائهم حين يقولون عنه: إنه شاعر أو كاهن، أو مجنون، أو مفتر على الله. ثم أنكر تعالى عليهم مزاعمهم الباطلة هذه، وأثبت بالأدلة الدامغة صدق رسالة النبي وَّة، وأقام البراهين والحجج القاطعة على الألوهية الحقة والوحدانية، ونعى على المشركين قولهم: الملائكة بنات الله، ووبخهم وتهكم بهم في عنادهم ومكابرتهم وبلوغهم حد إنكار المحسوسات المشاهدة لهم. وختمت السورة بأمر الرسول وله بترك الكفار في ضلالهم حتى الهلاك، وبالصبر في تبليغ رسالته وبالتسبيح والتحميد ليل ٥٧ الخُ (٢٧) - الْتُوُرّ: ٥٢ /١-١٦ نهار، والإخبار بأن الله حارسه وعاصمه وحافظه، وبأن للظالمين عذابين: في الدنيا والآخرة. فضلها: أخرج البخاري وغيره عن أم سلمة: ((أنها سمعت رسول الله وَليقول يصلي إلى جنب البيت بالطور وكتاب مسطور)). وعن جبير بن مُطْعِم: «أتيت رسول الله ◌َيَ أُكلِّمه في الأُسَارى، فألفيته في صلاة الفجر، يقرأ سورة والطور، فلما بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ جَ مَّا لَهُ مِن دَافِعِ (٤) أسلمتُ خوفاً من أن يَنْزل العذاب فلما انتهى إلى هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمَ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لََّ يُوقِنُونَ (٤) كاد قلبي أن يطير. وقوع القيامة وإثبات العذاب في اليوم الموعود ٤ وَاُلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِ رَّ مَّنشُورٍ ﴿وَالُورِ جَ وَكِنَبٍ تَسْطُورِ (٦) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ـ) مَّا لَهُ مِن ٧ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ وَالْبَحْرِ المُسْجُورِ ٥ فَوَيْلٌ يَوْمَیِدٍ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا دَافِعِ جَ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا لإ الَّذِينَ هُمْ فِ خَوْضٍ يَلْعَبُونَ لِلْمُكَذِّبِينَ يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَقًّا ١٢ ١٣ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿٦ أَفَسِحْرُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٥ ١٦) الإعراب: ﴿ وَاُلُورِ ﴿﴿ وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ ﴾﴾ الواو الأولى واو القسم، والثانية واو ٧ العطف، وجواب القسم: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ ٥٨ الزُ (٢٧) - الُوَرَّ: ٥٢ /١-١٦ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا جَ﴾ العامل في الظرف هو ﴿لَوَفِعٌ﴾ أي يقع في ذلك اليوم، ولا يجوز أن يعمل فيه . ﴿دَافِعٍ﴾ لأن المنفي لا يعمل فيما قبل النافي. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ ويل: مبتدأ مرفوع، وخبره ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وجاز الابتداء بكلمة (ويل ) النكرة؛ لأن في الكلام معنى الدعاء كقولهم: سلام عليكم، والفاء في ﴿فَوَيْلٌ﴾ جواب الجملة المتقدمة؛ لأن الكلام متضمن معنى الشرط، أي إذا كان الأمر كذلك فويل ... ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ بدل من قوله: ﴿یَوپذٍ﴾. ﴿ أَفَسِحْرُّ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿َ﴾ ﴿هَذَآ﴾ في موضع رفع مبتدأ، وسحر: خبر مقدم وتقديم الخبر لأنه مقصود بالإنكار والتوبيخ. وأما هنا : منقطعة لا متصلة؛ لمجيء جملة اسمية تامة بعدها، فلو لم يكن بعدها جملة تامة لكانت متصلة. والمتصلة بمعنى (أي) والمنقطعة بمعنى (بل والهمزة) وتقديره: أفسحر هذا، بل أنتم لا تبصرون. و﴿سَوَآءُ عَلَيْكُمْ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، أي سواء عليكم الجزع والصبر. البلاغة: • جناس اشتقاق، وكذا قوله: ﴿وَتَسِيرُ ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا (يَ اُلْجِبَالُ سَبْرً (٣)﴾. ﴿أَفَسِحْرُ هَذَا﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع. ﴿أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ ﴿أَصْلَوْهَا﴾ للإهانة والتوبيخ. وبين قوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ﴾ وقوله: ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ طباق السلب. ﴿وَالْطُورِ ﴿﴿ وَكِنَبٍ ◌َّسْطُورٍ ، مَّا لَهُ مِن الآيات فيها سجع لطيف، وكذا في قوله ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ دَافِعِ المفردات اللغوية: (+) هو الجبل المشجر الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه ﴿ وَاُلُورِ ٥٩ لُ (٢٧) - الظُوُرّ: ٥٢ /١-١٦ عيسى، وغير المشجر لا يقال له: طور، وإنما يسمى جبلاً. وموقع الطور في صحراء سيناء ببلاد مدين، وهو طور سينين. والطور بالسريانية: الجبل. ﴿وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ (٤) أي مكتوب، تم فيه ترتيب الحروف المكتوبة على وجه منتظم، والسطر: ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد به: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من الكتب السماوية، كالتوراة وألواح موسى والزبور والإنجيل والقرآن. ﴿رَقِ مَّنشُورٍ﴾ الرِّق: جلد رقيق يكتب فيه، وقد استعير هنا لما كتب فيه الكتاب، والمنشور: المبسوط المفتوح، وتنكيرها للتعظيم والإشعار بأنهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس. ﴿وَاُلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (!) الكعبة المعمورة بالحجاج والزوار والمجاورين. ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ﴾﴾ هو السماء. ﴿وَاَلْبَحْرِ الْمسْجُورِ ) البحر المملوء ماءً، وهو المحيط، أو الموقد المحمى المملوء ناراً، من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ (٢) [التكوير: ٦/٨١] من سجّر النار: أوقدها، روي أن الله تعالى سُچِرَتْ يجعل يوم القيامة البحار ناراً تسجر بها جهنم. ﴿لَوَفِعٌ﴾ لنازل بالمستحقين. ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ( يدفعه أو يمنعه عن ٨ المستحقين. والمراد بهذه الأمور المقسم بها على وقوع عذاب الله يوم القيامة أنها تدل على كمال قدرة الله وحكمته، وصدق أخباره، وضبط أعمال العباد للمجازاة. ﴿تَمُورُ﴾ تتحرك وتضطرب وتدور وترتجّ في مكانها. ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرً ١﴾ أي تسير عن وجه الأرض، فتصير هباء منثوراً، وذلك في يوم القيامة إي إذا وقع ذلك فویل الذي يقع فيه العذاب . ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ لهم، أي شدة عذاب. ﴿فِي خَوْضٍ﴾ باطل. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يتشاغلون بكفرهم. ﴿يُكَثُّونَ﴾ يدفعون دفعاً شديداً بعنف. ﴿هَذِهِ النَّارُ الَِّ كُتُم بِهَا ٦٠ الجزءُ (٢٧) - الظُورِّ: ٥٢ /١-١٦ تُكَذِبُونَ (®)﴾أي فيقال لهم ذلك. ﴿أَفَسِحُ هَذَا﴾ أي أسحر هذا العذاب الذي ترون، كما كنتم تقولون في الوحي: هذا سحر . ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ﴾ بل أنتم لا تبصرون هذا أيضاً، كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدل عليه، وهو تقريع وتهكم . ﴿أَصْلَوْهَا﴾ ادخلوها وقاسوا شدائدها. ﴿فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ ادخلوها على أي وجه شئتم من الصبر وعدمه وهو الجزع، فإنه لا محيص لكم عنها . (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي الأمران: الصبر والجزع سواء، لأن صبركم لا ينفعكم . ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تعليل للاستواء؛ لأنه لما كان الجزاء واجب الوقوع، كان الصبر وعدمه سببين في عدم النفع. التفسير والبيان: يقسم الله تعالى بمخلوقاته الدالة على كمال قدرته في إيقاع العذاب بأعدائه دون أن یکون هناك دافع له عنهم، فيقول: أقسم الله سبحانه وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ ﴿﴿ فِ رَقِ مَّنْشُورٍ ® ﴿ وَالُورِ ® بجبل طور سيناء الذي فيه أشجار، تشريفاً له وتكريماً، لما حدث فيه من حادث عظيم وهو تكليم الله موسى فيه، وأنزل عليه التوراة التي كتبت بحروف منتظمة، في جلد رقيق مبسوط. وكانت الجلود أكثر ما يكتب فيها قبل اختراع الورق. ) يشمل الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على ٢ فقوله: ﴿وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ ( الناس جهاراً، كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقرن الله الكتاب بالطور؛ لإنزاله على موسى وهو فيه، وقوله: [مَّنْشُورِ﴾ إشارة إلى الوضوح. (®) أي ، وَاَلْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ٥ ﴿وَاَلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ والكعبة المشرفة التي تعمر بالحجاج والزوار والمجاورين الذين يقصدونها للعبادة والدعاء والتبرك بها، والسماء العالية التي هي كالسقف للأرض وما