النص المفهرس

صفحات 1-20

ياأيها الذينآمنوا استجوا فة والرسول إذاد معكم علىعيسيكم
الأنفال ٨ / ٢٤
النَّفْسِرُ المُنَُّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الأستاذ الدكتور وهبة الزميلي
المجلد الرابع عشر
الجزءان ٢٧ - ٢٨
فكرة
أفاق معرفة متجددة .

(القدس)
دار الفكر - دمشق - البرامكة
٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣
٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣
http://www.fikr.com/
e-mail:fikr@fikr.net
التفسير المنير
في العقيدة والشريعة والمنهج
أ.د. وهبة الزحيلي
المجلد الرابع عشر
الرقم الاصطلاحي: ١٤ - ١٦٩٠٫٠١١
الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN
الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه)
٧٢٨ ص، ١٧ × ٢٥ سم
الطبعة العاشرة: ١٤٣٠ هـ= ٢٠٠٩م
ط ٢ / ٢٠٠٣م
جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق

بِشِ اللهِالشَِّ الرَّحِيمُ
النَّفَةُ المَنَُّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
المجلد الرابع عشر
الجزءان ٢٧ - ٢٨

٥
الجُرَءُ (٢٧) السورة (٥١) الزَّارَاتِ
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ الزَّارِيَاتِ
مكية، وهي ستون آية
تسميتها:
سميت (سورة الذاريات) لافتتاحها بالقسم بالذاريات، وهي الرياح التي
تذرو التراب وغيره، أي تفرقه وتنقله من مكان إلى آخر. والقسم بها دليل على
خطورتها، وأنها من جند الله تعالى.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:
اً - ختمت سورة ﴿قَ﴾ بذكر البعث والجزاء والجنة والنار في قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ وافتتحت هذه السورة بالقسم بالرياح والسحب
والسفن والملائكة على أن ما وُعِد به الناس من ذلك صادق، وأن الجزاء واقع.
٣ - ذكر في سورة ﴿قَّ﴾ إجمالاً إهلاك الأمم المكذبة، كقوم نوح، وعاد،
وثمود، ولوط وشعيب، وتُبَّع، وفي هذه السورة تفصيل ذلك في قصص
إبراهيم ولوط وموسى وهود وصالح ونوح عليهم السلام.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية إثبات أصول العقيدة والإيمان

٦
لُ (٢٧) السورة (٥١) الذّارَاتِ
وهي التوحيد والرسالة والبعث، ونفي أضدادها وهي الشرك، وتكذيب
النبوة، وإنكار المعاد.
وقد افتتحت ببيان دلائل البعث ووقوع المعاد من عجائب الكون، بالقسم
على حدوثه حتماً بأربعة أمور هي الرياح المحركة للأشياء، والسحب التي
تحمل الأمطار، والسفن الجارية بسهولة في البحار والأنهار الكبرى، والملائكة
التي تقسِّم المقدرات الربانية، وتدبِّر أمر الخَلْق.
ثم ذكرت السورة أحوال كفار مكة وغيرهم الذين كذبوا بالقرآن وبالآخرة
وما يلقونه من العذاب الشديد في نار جهنم، كما ذكرت أحوال المؤمنين
المتقين وما أعدّ لهم من جنات ونعيم في اليوم الآخر، ليدرك العاقل الفرق
بينهما، ويقترن الترهيب بالترغيب للعظة والعبرة.
وتأكيداً لتلك الغاية أشارت الآيات إلى أدلة القدرة الإلهية والوحدانية في
الأرض والسماء والأنفس وضمان الأرزاق للعباد، وأوردت أخبار الأمم
السالفة التي كذبت رسلها، فكان مصيرهم الدمار والهلاك، وهم قوم إبراهيم
ولوط وموسى، وعاد وثمود، وقوم نوح. وكان في الحديث عن قصص هؤلاء
الرسل مع أقوامهم تسلية للنبي وَّر عما يلقاه من أذى قومه.
ثم عادت إلى التذكير ببناء السماء وفرش الأرض وإيجاد الزوجين لبقاء
النوع الإنساني والحيواني، وأعقبت ذلك بالتزهيد في الدنيا، والفرار إلى الله
من مخاطرها، والنهي عن الشرك بالله، والإخبار عن تكذيب الرسل
باستمرار، وأمر النبي ◌َّ بالإعراض عن قومه، وتذكير من تنفعه الذكرى من
المؤمنين.
وختمت السورة ببيان الهدف من خلق الجن والإنس وهو معرفة الله تعالى
وعبادته والإخلاص له، وأخبرت بكفالة الزرق لكل مخلوق، وأوعدت
الكفار والمشركين الظالمي أنفسهم بعذاب شديد يوم القيامة، وهددتهم بعذاب
في الدنيا مماثل لعذاب أمثالهم ونظرائهم من المكذبين السابقين.

٧
الُزُرُ (٢٧) - الزَّارَاتِ: ٥١ /١-١٤
مے
القسم على وقوع البعث
فَالْمُفَسِّمَتِ أَمْرًا
فَالْحَرِيَتِ يُسْرَّ
فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا
﴿ وَالنَّرِيَتِ ذَرْوًا
والسَّمَاءِ ذَاتِ اٌلْحُكِ ﴿ إِنَّكُرْ لَفِى
وَإِنَّ الِينَ لَوَفِعٌ
۵
إِنََّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ
٤
﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةِ
قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴿َ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿ قُلَ الْخَرَّصُونَ
سَاهُونَ
يَسْتَلُونَ أَيَّنَ يَوْمُ اُلِدِينِ
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ ﴿٣) ذُوقُواْ
١٤
فِيْتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُم بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ
الإعراب:
﴿ وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴾﴾ الواو: واو القسم، ﴿وَالذَّرِيَتِ﴾ صفة لموصوف
محذوف تقديره: ورب الرياح الذاريات، فحذف الموصوف، وجواب القسم:
). ﴿فَلْحَمِلَتِ وِقْرًا ﴾﴾ ﴿وِفْرًا﴾ مفعول الحاملات.
۵
﴿إِنََّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ
﴿فَالْحَرِيَتِ يُسْرًّاً (﴾﴾ ﴿يُسْرًا﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: جرياً يسراً،
فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه، أو مصدر في موضع الحال، أي
ميسرة.
﴿إِنََّا تُوعَدُونَ﴾ ما: مصدرية أو موصولة، وهو جواب القسم.
﴿ أَيَّانَ يَوْمُ اَلِيْنِ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْنَنُونَ (٣)﴾ ﴿يَوْمَ﴾ في موضع رفع على البدل من
﴿يَوْمُ﴾ الأول، إلا أنه بني؛ لأنه أضيف إلى غير متمكن.
البلاغة:
﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ (٣)﴾ في قوله: ﴿قُئِلَ﴾ استعارة تبعية، حيث استعار
القتل للدعاء عليهم باللعن؛ لأن الملعون يشبه المقتول في الهلاك.

٨
الجُزْءُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /١-١٤
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَّرِيَةِ﴾ الرياح تذرو التراب وغيره. ﴿فَالْحَمِلَتِ﴾ السحب تحمل
الأمطار. ﴿وِقْرًا﴾ ثقِلاً. ﴿فَالْجَرِيَتِ﴾ السفن التي تجري على سطح الماء.
(4) الملائكة التي تقسِّم
﴿يُسْرَّ﴾ بسهولة أو جرياً سهلاً. ﴿فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا
أمور العباد والأمطار والأرزاق وغيرها.
﴿إِنََّا تُعَدُونَ﴾ أي إن وعدكم بالبعث وغيره. ﴿لَصَادِقَ﴾ لوعد صادق.
﴿وَإِنَّ الِّينَ﴾ الجزاء بعد الحساب. ﴿لَوَفِعُ﴾ لحاصل لا محالة. استدل تعالى
باقتداره على هذه الأشياء على اقتداره على البعث الموعود.
﴿وَالسَّماءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٣) ذات الطرق جمع حبيكة، إما الطرق المحسوسة التي
هي مسير الكواكب أو الطرق المعقولة التي يتوصل بها إلى المعارف . ﴿إِنَّكُمْ لَفِىِ
قَّوَلٍ مُخْتَلِفٍ (٣)﴾ إنكم يا أهل مكة في شأن القرآن الكريم والنبي ◌َّ في قول
متناقض مضطرب، فتقولون تارة: سحر وساحر، وتارة: شعر وشاعر،
وتارة: كهانة وكاهن، وتقولون أحياناً الله خالق السماوات والأرض، ثم
تقومون بعبادة الأوثان معه، وفي شأن الحشر: تارة تقولون: لا حشر ولا
بعث، وأخرى تقولون الأصنام شفعاؤنا يوم القيامة عند الله.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٤) يصرف عن الرسول أو القرآن أو الإيمان من
صرف عن الهداية في علم الله تعالى؛ إذ لا صرف أشد منه.
﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ ﴾﴾ لعن الكذابون من أصحاب القول المختلف. ﴿فِى
غَمْرَةٍ﴾ جهل يغمرهم. ﴿سَاهُونَ﴾ غافلون عما أمروا به . ﴿يَسْتَلُونَ﴾ النبي
سؤال استهزاء . ﴿أَيَانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ متى مجيء يوم الجزاء؟ وجوابهم محذوف، أي
يجيء . ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون، يقال: فتنت الذهب: أحرقته وأذبته ليعرف غشه،
فاستعمل في الإحراق والتعذيب . ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا
تعذيبكم . ﴿هَذَا﴾ التعذيب. ﴿الَّذِى كُ بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ﴾ وقوعه في الدنيا
استهزاء.

٩
الجُرُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /١-١٤
التفسير والبيان:
ج
لما بيّن الله تعالى في آخر سورة ﴿فَ﴾ المتقدمة أن المشركين مصرّون على
إنكار الحشر بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم، لم يبق إلا توكيد الدعوة
بالأيمان، فافتتحت هذه السورة بذلك:
فَأْمُقَسِّمَتِ أَمْرًاً
﴿وَالَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴿﴿ فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا ؟ فَالْجَرِيَتِ يُسْرًّا
إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴾ وَإِنَّ الِّينَ لَوَفِعٌ (٤) أقسم الله سبحانه هنا لإثبات
الحشر بالمتحركات: لأن الحشر فيه جمع وموج وتفريق، وهو بالحركة أليق،
فأقسم بالرياح التي تذرو وتفرّق التراب وكل ما شأنه أن يتطاير متجاوزة
قانون الجاذبية الأرضية، وبالسحب التي تحمل الماء بكميات ثقيلة، وبالسفن
التي تجري فوق وجه الماء، وبالملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار بين
العباد، وكل ملك مخصص بأمر، فجبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء،
وميكائيل الموكل بالرزق والرحمة، وإسرافيل صاحب الصُّور، وعزرائيل
القبض الأرواح.
أقسم سبحانه بتلك المظاهر الكونية المرئية وغير المرئية العجيبة التأثير على
أن ما وُعِد به الناس من الحشر إلى الله تعالى، ووقوع المعاد، لصادق غير
كاذب، وأن الجزاء من الثواب والعقاب لكائن حاصل لا محالة.
وكان هذا القسم تأكيداً لإخباره بوقوع الحشر ويسره وسهولته في السورة
السابقة ﴿ذَلِكَ حَشْرُّ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ وفيه إشارة إلى إنكار مشركي مكة وأمثالهم
البعث وإصرارهم على الكفر به بعد إقامة البرهان عليه.
والحكمة من القسم هنا وفي غير ذلك من السور أن العرب كانت تعتقد أن
النبي ◌َّ قوي الحجة، غالب في المجادلة والبرهان، فأقسم الله لهم بكل شريف
ليعلموا صدقه، ويؤكد حجته، كما أنهم كانوا يعتقدون أن الأيمان الكاذبة
تدع الديار بلاقع (خرائب) وأنها تضر صاحبها، فحلف الله لهم للتصديق

١٠
الْجُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /١-١٤
والثقة التامة، وهم يعلمون أيضاً أن النبي ◌ََّ لا يحلف كاذباً، ولم يصب
بسوء بعد أيمانه، بل ازداد رفعة وثباتاً، مما يدل على كونه صادقاً فيما يقول.
ثم إن هذه الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل على كامل قدرته على
البعث وغيرها، فمن أوجد هذه الأشياء وصرَّفها كيفما يشاء قادر بلا شك
على البعث وإعادة الخلق مرة أخرى يوم القيامة.
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
٨
إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ مُخْلِفٍ (
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ
أي والسماء ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء، فكل شيء أحكمته
وأحسنت عمله، فقد حبكته واحتبكته، أو ذات الشدة مثل قوله تعالى:
﴾ [الطارق: ١١/٨٦] أو ذات الطرائق والممرات المحكمة
وَالسَّمَاءِ ذَاتٍ
وهي ممرات الكواكب، والبناء المتقن، مثل قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
[البروج: ١/٨٥].
والخلاصة: والسماء ذات البنيان المتقن والجمال والحسن والطرائق
المحكمة إنكم يا كفار قريش لفي قول مضطرب متناقض غير متلائم في أمر
القرآن والرسول، فمرة تقولون في القرآن: شعر وسحر وكهانة وأساطير
الأولين، وحيناً تقولون في الرسوم: شاعر وساحر وكاهن ومجنون، وإنما
يصرف عن هذا القرآن والإيمان به من كذَّب به، ويروج على من هو ضال في
نفسه، جاهل غمر لا فهم له؛ لأنه قول باطل، يصرف بسببه من صرف عن
الإيمان برسول الله و لر، وهو قول متناقض؛ إذ الشاعر أو الساحر أو الكاهن
يحتاج إلى عقل وذكاء وفطنة، أما المجنون فلا عقل عنده.
الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَةِ سَاهُونَ (4) لعن وقبح
﴿قُتِلَ الْخَرَّصُونَ (٣)
الكاذبون أصحاب القول المختلف المرتابون في وعد الله ووعيده، الذين هم
في جهل يغمرهم، غافلون في الكفر والشك عما أمروا به وعما هم
قادمون علیه.

١١
الخُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /١-١٤
وهذا في الأصل دعاء عليهم بالقتل والهلاك، كقوله تعالى: ﴿قُئِلَ الْإِنسَرُ مَآ
أَكْفَرَهُ (ِ﴾ [عبس: ١٧/٨٠] ثم جرى مجرى: لعن وقبح. ﴿يَسْئَلُونَ أَيَّنَ يَوْمُ الدِّينِ
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْنَنُونَ (٣)﴾ يسألك المشركون تكذيباً وعناداً واستهزاء،
قائلين: متى يوم الجزاء؟ فقل لهم: إنه يوم يعذب الكفار ويحرقون في نار
جهنم، يقال: فتنت الذهب: إذا أحرقته لتختبره.
ويقال لهم من الْخَزَنة:
﴿ذُوقُواْ فِنْتَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُ بِهِ، تَتَعِْلُونَ (٦) أي يقال لهم: ذوقوا
عذابكم أو حريقكم، هذا العذاب الذي كنتم تتعجلون به أو تطلبون تعجيله
استهزاء منكم، وظناً أنه غير كائن.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي:
اً - تعظيم المقسم به وهو الرياح الشديدة التأثير التي لا تخضع لقانون
الجاذبية، والسحب المحملة بأحمال ثقيلة وهي الأمطار سبب الرزق والخيرات،
والسفن الجارية فوق سطح الماء، والملائكة التي تقسِّم الأمطار وأرزاق العباد
وأمورهم. والله يقسم على ما يشاء، في أي وقت يشاء، ولكل أمر يشاء.
ويلاحظ أن جميع السور التي بدئت بغير الحروف، كهذه السورة، كان
المقسم عليه أحد أصول الاعتقاد: التوحيد، والرسالة، والبعث، فسورة
الصافات أقسم فيها على التوحيد، فقال: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (ج) وفي سورة
النجم والضحى أقسم على صدق الرسول، حيث قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا
غَوَى (٣) ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَأَلَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
وبقية السور كان المقسم عليه هو البعث والجزاء.
كما يلاحظ أيضاً أن الله تعالى أقسم بجموع المؤنث السالم في سور خمس،

١٢
الجُزءُ (٢٧) - الزَّارِيَّاتِ: ٥١ /١-١٤
ففي سورة ﴿وَالقَّنَفَّتِ﴾ لإثبات الوحدانية أقسم بالساكنات، وفي السور
الأربعة الباقية أقسم بالمتحركات لإثبات الحشر، فقال:
﴿ وَالَّرِيَةِ﴾ ﴿ وَالْمُرْسَتِ﴾ ﴿وَالنَّزِعَتِ﴾ ﴿وَالْعَدِيَتِ﴾ لأن الحشر فيه جمع
وتفريق، وذلك بالحركة أليق، كما تقدم.
أَ - إن المقسم عليه هو صدق وعد الله بالحشر والبعث والمعاد، ووقوع
الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
٣٣- أقسم الله تعالى مرة ثانية في مطلع هذه السورة بالسماء ذات البنيان
المتقن والجمال البديع، والاستواء، والطرائق المحكمة على أن المشركين في قول
متخالف متناقض في شأن الله عز وجل، حيث قلتم: إنه خالق السماوات
والأرض، وتعبدون معه الأصنام، وفي شأن الرسول وَالر، حيث قلتم تارة:
إنه مجنون، وتارة أخرى: إنه ساحر، والساحر لا يكون إلا عاقلاً، وفي أمر
الحشر قلتم: لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلاً، وزعمتم أن أصنامكم
شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة، ونحو ذلك من الأقوال المتناقضة.
٤ - يصرف عن الإيمان بالقرآن والرسول من صرف عنه في سابق علم الله
تعالى، وقضائه السابق، لعلمه بأنه ضال في نفسه.
٥- لعن الكذابون من أصحاب القول المختلف المتناقض، المرتابون في وعد
الله ووعيده، الذين يقولون: لسنا نبعث، ويتخرصون بما لا يعلمون،
فيقولون: إن محمداً مجنون كذّاب ساحر شاعر، علماً بأنهم في جهل، غافلون
عما أمروا به. وهذا دعاء عليهم؛ لأن من لعنه الله، فهو بمنزلة المقتول
الهالك.
٦- كان مشركو مكة وغيرهم من العرب متجبرين معاندين مصرين على
كفرهم، مما جعلهم يسألون استهزاء وشكاً في القيامة وعناداً: متى يوم
الحساب؟

١٣
الُ (٢٧) - الذَّارَات: ٥١ /١٥-٢٣
فأجابهم ربهم بأنه اليوم الذي يحرقون فيه في نار جهنم، ثم وبخهم الله
وتهكم بهم قائلاً لهم أو تقول الْخَنة لهم: ذوقوا عذابکم وجزاء تكذیبکم،
ذلك العذاب الذي كنتم تستعجلون به في الدنيا، وتسألون عنه استهزاء وكفراً
به.
جزاء المتقين وأوصافهم
ءَخِذِينَ مَآ ءَانَتُهُمْ رَبُهُمَّ إِنَهُمْ كَانُوْ قَبْلَ ذَلِكَ
١٥
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (
وَفی
وَبِالْأَسْمَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّتِلِ مَا يَهْجَعُونَ (٣)
مُحْسِنِينَ
أَمَّوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَآئِلِ وَالْمَحْرُوِ ٨٦ وَفِ الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِّلْمُوقِينَ ﴿ وَفِىّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِّثْلَ
) وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (®]
٢١
بَصِرُونَ
مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ
القراءات:
وعیونٍ ﴾: قرئ:
١ - (وعُيُون) وهي قراءة ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي.
٢- (وعُيُون) وهي قراءة الباقين.
﴿مِثْلَ﴾: قرئ:
١- (مثلُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (مثلَ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿ءَاخِذِينَ﴾ حال من الضمير في خبر ﴿إِنَّ﴾.

١٤
الجُرُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /١٥-٢٣
﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿)﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ إما صفة مصدر محذوف،
أي يهجعون هجوعاً قليلاً، أو صفة لظرف محذوف، أي كانوا يهجعون وقتاً
قليلاً، و﴿مَا﴾ زائدة، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مع ما بعدها مصدراً في موضع
رفع على البدل من ضمير. (كان) و﴿قَلِيلًا﴾ خبر (كان)، تقدير: كان
هجوعهم من الليل قليلاً. وقال السيوطي: يهجعون: خبر (كان)، و﴿قَلِيلًا﴾
ظرف.
وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿ءَايَتٌ﴾ مبتدأ، و﴿وَفِ
﴿ وَفِي الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ
اْأَرْضِ﴾ خبره. ولا يجوز أن يتعلق ﴿وَفِيّ أَنفُسِكُمْ﴾ بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا نُصِرُونَ﴾
على تقدير: أفلا تبصرون في أنفسكم؛ لأنه يؤدي إلى أن يتقدم ما في حيِّز
الاستفهام على حرف الاستفهام.
مَثَلَ﴾ حال
٢٣
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ
من الضمير في (حق) و﴿مَآ﴾ زائدة، ويقرأ بالرفع على أنه صفة (حق ) لأنه
نكرة: لأنه لا يكتسي التعريف بالإضافة إلى المعرفة وهي ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأن وجوه
التماثل بين الشيئين كثيرة غير محصورة.
٠
البلاغة:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ﴾ مجاز مرسل، أطلق الزرق، وأراد المطر؛ لأنه سبب
الأقوات. ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ فيه تأكيد الخبر بالقسم وإنّ واللام،
وهذا النوع من التأكيد الإنكاري؛ لأن المخاطب منكر لذلك.
المفردات اللغوية:
﴿فِى جَنَاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُونٍ﴾ ينابيع تجري فيها﴿ءَاخِذِينَ مَآ ءَانَدُهُمْ رَبُهُمْ﴾
قابلين لما أعطاهم، راضين به، وهو ما أعطاهم ربهم من الثواب، والمعنى:
أن كل ما آتاهم ربهم حسن مرضي، مُتَلَّقَّىَ بالقبول ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ

١٥
الجزءُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /١٥-٢٣
مُحْسِنِينَ﴾ أي إنهم قبل دخولهم الجنة قد أحسنوا أعمالهم في الدنيا، وهو تعليل
لاستحقاقهم ذلك.
كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ (3) أي ينامون في زمن يسير من الليل،
ويصلون أكثره، والهجوع: النوم، والهجعة: النومة الخفيفة. ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ﴾
أواخر الليل، جمع سَحَر: وهو الجزء الأخير من الليل قبيل الفجر.
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقولون: اللهم اغفر لنا، أي إنهم مع قلة هجوعهم وكثرة
تهجدهم إذا أسحروا، أخذوا في الاستغفار.
﴿وَفِيِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ﴾ نصيب يوجبونه على أنفسهم، تقرباً إلى الله، وإشفاقاً
على الناس. ﴿لِلِسَآَبِلِ﴾ المستعطي المستجدي. ﴿وَاْخْرُومِ﴾ الذي حرم من
المال، والمراد به المتعفف الذي يظن كونه غنياً، فيحرم الصدقة.
﴿وَفِي الْأَرْضِ ءَايَتٌ﴾ أي في كرة الأرض من الجبال والبحار والأشجار
والثمار والمعادن والنبات والإنس والجن والحيوان وغير ذلك دلائل على قدرة
الله تعالى ووحدانيته. ﴿لِّلْمُوقِينَ﴾ الموحِّدين الذين أيقنوا بالله، وسلكوا الطريق
الموصل إلى رضوان الله. ﴿ وَفيِّ أَنفُسِكُمْ﴾ أي في تركيب أنفسكم وخلقكم من
العجائب آيات أيضاً. ﴿أَفَلاَ تُصِرُونَ﴾ تنظرون نظرة متأمل معتبر، يستدل بذلك
على الصانع وقدرته . ﴿وَفِ اُلتَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي في السحاب أسباب الرزق وهو
المطرالذي ينشأ عنه النبات الذي هو رزق مسبب عن المطر . ﴿ وَمَا تُوُعَدُونَ﴾ أي
الذي توعدونه من الخير والشر والثواب والعقاب. ﴿إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ أي ما
توعدون حق ثابت. ﴿مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ﴾ أي مثل نطقكم، فكما أنه لا شك
في أنكم تنطقون، لاشك في تحقق ذلك.
سبب نزول الآية (١٩):
﴿ وَفِىّ أَمْوَلِهِمْ﴾ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن
الحنفية أن رسول الله وَليه بعث سرية، فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعدما

١٦
الجزءُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /١٥-٢٣
فرغوا - لم يشهدوا الغنيمة-، فنزلت: ﴿وَفِيَّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآَيِلِ وَالَْحْرُومِ
﴾. قال ابن كثير: وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية، وليس كذلك، بل
هي مكية شاملة لما بعدها(١). قال ابن عباس: إنه حق سوى الزكاة يصل به
رَحيماً، أو يَقْري به ضيفاً، أو يحمل به كَلاً، أو يغني محروماً. وقال ابن
العربي: لأن السورة مكية، وفرضت الزكاة بالمدينة.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى حال الفجار الأشقياء الذين كذبوا بالبعث،
وأنكروا نبوة محمد بَّر، وعبدوا مع الله إلهاً آخر من وثن أو صنم، أراد تعالى
أن يبين حال المؤمنين الأتقياء وأوصافهم وجزاءهم في الآخرة.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُودٍ
ءَاخِذِينَ مَآ ءَائَنُهُمْ رَبُهُمَّ﴾ أي إن الذين
١٥
اتقوا ربهم، وتجنبوا ما يعرضهم لعذاب الله، من التزام أوامره واجتناب
نواهيه، هم يوم المعاد في بساتين فيها عيون جارية، قابلين قبول رضا لكل ما
أعطاهم ربهم، راضين به، فرحين بعطائه وفضله، بخلاف ما يتعرض له
أولئك الأشقياء من العذاب والنكال والحريق والأغلال. فقوله: ﴿،َاخِذِينَ﴾
كما ذكر الزمخشري: قابلين قبول راض، كما قال تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾
[التوبة: ١٠٤/٩] أي يقبلها. وقيل: الأخذ بمعنى التملك، يقال: بكم أخذت
هذا؟ كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم. وعلى كل: الأخذ في هذا المقام إشارة
إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية؛ لما أسلفوا من حسن العبادة، ووفور
الطاعة، ولهذا علله بقوله :
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي، لأنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم
(١) تفسير ابن كثير: ٢٣٥/٤.

١٧
لُزُعُ (٢٧) - الزَّارِفَاتِ: ٥١ /١٥-٢٣
الصالحة، يراقبون الله فيها، كما قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ
(٢٤) ﴾ [الحاقة: ٦٩ /٢٤].
فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
ثم أبان الله تعالى وجوه إحسانهم في العمل، فقال:
﴾ أي كانوا ينامون زمناً قليلاً من
كَنُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ
الليل، ويصلون أكثره، فتكون ﴿مَا﴾ زائدة وهو القول المشهور، و﴿قَلِيلًا﴾
ظرف، ويجوز أن تجعل ﴿مَا﴾ صفة للمصدر أي كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً.
وأنكر الزمخشري كون﴿مَا﴾ نافية، تقديره: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه،
وقال لا يجوز أن تكون نافية؛ لأن ما بعد﴿مَا﴾ لا يعمل فيما قبلها، تقول:
زيداً لم أضرب(١).
﴾ أي يقولون في الجزء الأخير من الليل:
﴿ وَبِالْأَشْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
اللهم اغفر لنا وأرحمنا. وصفهم بأنهم يُخْيون أكثر الليل متهجدين، فإذا
أسحروا أخذوا في الاستغفار، وكأنهم باتوا في معصية، وهذا سيرة الكريم،
يأتي بأبلغ وجوه الكرم، ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس، يأتي بأقل شيء،
ثم يمنّ به، ويستكثر. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا في
الأسحار بالاستغفار.
ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن رسول
الله وَلّ أنه قال: ((إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حتى يبقى ثلث
الليل الأخير، فيقول: هل من تائب، فأتوب عليه؟ هل من مستغفر، فأغفر
له ؟ هل من سائل، فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر)).
وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخباراً عن يعقوب أنه قال لبنيه:
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ [يوسف: ٩٨/١٢] : أخرهم إلى وقت السحر.
(١) الكشاف : ١٦٨/٣.

١٨
لُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ١٥-٢٣
وبعد أن وصفهم تعالى بكثرة الصلاة التي هي عبادة بدنية، وصفهم بأداء
العبادة المالية، فقال:
﴿ وَفِيّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّبِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿4﴾ أي وجعلوا في أموالهم جزءاً
مقسوماً معيناً للفقراء والمحتاجين على سبيل البِرّ والصلة، والسائل: هو الفقير
الذي يبتدئ بالسؤال، والمحروم: هو الذي يتعفف عن السؤال، فيحسبه
الناس غنياً فلا يتصدّقون عليه.
أخرج الشيخان (البخاري ومسلم) في صحيحيهما عن رسول الله ولايه
قال: ((ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترُّده اللُّقمة واللقمتان، والثّمرة
والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَن له، فيُتصدق
عليه)) وفي لفظ آخر أخرجه ابن جرير وابن حبان وابن مدرويه عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَله: ((ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان،
والأَكْلة والأَكْلتان، قيل: فمن المسكين؟ قال: الذي ليس له ما يغنيه، ولا
يُعلم مكانه، فيتصدق عليه، فذلك المحروم)).
وللسائل حق، أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن الحسين بن علي رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله وَ يقول: ((للسائل حق، وإن جاء على فرس)).
والمشهور في الحق: أنه هو القدر الذي علم شرعاً، وهو الزكاة، وهذا ما
رجحه ابن العربي والجصاص الرازي وغيرهما أخذاً بقول ابن عباس: نسخت
الزكاة كل صدقة. وقال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة.
قال القرطبي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة
(5) والحق
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِيَّ أَمْوَهِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ (
المعلوم: هو الزكاة التي بيَّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن
يقول به، فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدّر ولا مجنّس ولا موقّت(١).
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٤١٢/٣، أحكام القرآن لابن العربي: ١٧١٨/٤، تفسير
الرازي: ٢٠٥/٢٨، تفسير القرطبي: ٣٨/١٧.

١٩
الُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /١٥-٢٣
ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ◌َله: ((إذا أديت زكاة مالك، فقد
قضيت ما عليك فيه)). وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله:
((إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت الحق الذي يجب عليك)). قال
الجصاص(١) فهذه الأخبار يحتاج بها من تأول حقاً معلوماً على الزكاة، وأنه لا
حق على صاحب المال غيرها.
وقال منذر بن سعيد: هذا الحق: هو الزكاة المفروضة.
وبالرغم من أن هذا صحيح، وأنه قول الجمهور، فإن السورة مكية،
وفرض الزكاة بالمدينة، وإذا فسر الحق بأنه الزكاة لم يكن صفة مدح؛ لأن كل
مسلم كذلك يؤدي زكاة ماله، فالظاهر أن المراد بالآية هنا صدقات التطوع
غير الزكاة، وهي أي الصدقات التي تعطى على سبيل البر والصلة، عن ابن
عمر: أن رجلاً سأله عن هذا الحق، فقال: الزكاة وسوى ذلك حقوق،
فعمم.
واحتج من أوجب في المال حقاً سوى الزكاة بما روى الشعبي عن فاطمة
بنت قيس قالت: سألت رسول الله وَله: أفي المال حق سوى الزكاة؟ فتلا:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧/٢] فذكر الزكاة
في نسق التلاوة بعد قوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ،﴾(٢).
ثم أكد الله تعالى وقوع الحشر والدلالة على قدرته بالأدلة الأرضية، فقال:
﴿وَفِىِ الْأَرْضِ مَتٌ لِلْمُوقِينَ (٣)﴾ أي وفي معالم الأرض من جبال ووديان
وقفار وأنهار وبحار وأصناف نبات وحيوان وناس مع اختلاف ألسنتهم
وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى وتفاوت العقول والفهوم وما
(١) الجصاص، المرجع السابق: ص ٤١١ .
(٢) الجصاص، المرجع والمكان السابق .

٢٠
الُعُ (٢٧) - الدَّارَاتِ: ٥١ /١٥-٢٣
في تركيب أجسادهم من عجائب الصنع، دلائل واضحة وعلامات ظاهرة على
عظمة الخالق وقدرته الباهرة، للموقنين بالله؛ لأنهم الذين يعترفون بذلك،
ویتدبرون فيه، فينتفعون به.
﴿وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ (﴿3﴾ أي وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله،
وصدق ما جاءت به الرسل، أفلا تنظرون نظرة متأمل معتبر ناظر بعين
البصيرة، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق، المتفرد بالألوهية، فليست
نفوسكم مخلوقة بالصدفة ولا بالطبيعة، وإنما خالقها الله القادر على كل شيء،
وعلى البعث وإعادة الحياة.
ففي النفس والدماغ ذي الملايين من الخلايا، وحواس السمع والبصر
والإحساس واللمس والذوق، ودورة الدم، وأجهزة التنفس والهضم
والبول، كل ذلك أدلة مقنعة لمن يعقلها، ولا يعقلها حقيقة إلا المؤمنون
المتقون الله، أما غيرهم فيفسرها على أنها حقائق طبيعية مادية فقط.
ثم ذكر الله تعالى ضمانه الرزق للأنفس والعباد كلهم فقال:
﴿وَفِ اُلْتَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (®﴾ أي، وفي السماء تقدير الأرزاق
وتعيينها، وفيها ماتوعدون من خير أو شر، وجنة ونار، وثواب وعقاب،
ففي السماء التي هي السحاب المطر، وفي السماء أسباب الرزق من الشمس
والقمر والكواكب والمطالع والمغارب التي تختلف بها الفصول، التي يكون
تغيرها مناسباً لأنواع النباتات المختلفة التي تسقى بماء الأمطار، وتسوقها
الرياح، وتغذيها الشمس بحرارتها، ويمنحها نور القمر قوة ونمواً ونضجاً.
ثم أقسم الله تعالى بذاته المقدسة على أحقية البعث وضمان الرزق، فقال:
أي فورب العزة
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ
والجلال، إن ما أخبرتكم به في هذه الآيات، وما وعدتكم به من أمر القيامة
والبعث والجزاء، وتيسير الرزق وضمانه، حق لا مرية فيه، كائن لا محالة،
فلا تشكُّوا فيه، كما لا تشكُّوا في نطقكم حين تنطقون، فهو كمثل نطقكم،