النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١
الزُ (٢٦) - الخُطُرَائِ: ٤٩ /١٤-١٨
التفسير والبيان:
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيَمَنُ فِى
قُلُوبِكُمْ﴾ أي قالت جماعة من سكان البادية وهم بنو أسد أول ما دخلوا
الإسلام مدعين لأنفسهم مقام الإيمان: صدقنا بالله ورسوله وتمكن الإيمان في
قلوبنا، فرد الله تعالى عليهم مبيناً لهم أنهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل، ولم
يصدقوا تصديقاً صحيحاً عن اعتقاد قلب وخلوص نية وطمأنينة وثقة تامة بالله
عز وجل، وأمرهم بأن يقولوا: انقدنا لك يا رسول الله واستسلمنا، وسالمناك
فلا نحاربك، وأعلمهم بأنه لن يتمكن الإيمان في قلوبهم بعدُ، بل كان مجرد
قول باللسان، دون اعتقاد صحيح ولا نية خالصة، لذا جاء النفي بـ ﴿ وَلَمَّا﴾
حرف الجزم الدال على انتفاء الشيء إلى زمان الإخبار. وقوله: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾
لا يراد به انتفاء الإيمان في الزمن الماضي، بل متصلاً بزمان الإخبار أيضاً.
وقد دلت الآية الكريمة على أن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب
أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن
الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم
للأخص، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب، فهو تصديق القلب مع الطمأنينة
والثقة بالله، والإسلام أعم، فهو مجرد نطق باللسان بالشهادتين وإظهار
الانقياد والخضوع لما جاء به النبي قل﴾.
وهذا لا يمنع أن المؤمن والمسلم واحد عند بعض أهل السنة(١)، بدليل قوله
تعالى عن لوط عليه السلام ومن آمن معه: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(٣٦) ﴾ [الذاريات: ٣٥/٥١-٣٦].
فَا وَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
ثم حرضهم الله تعالى على الإيمان الصادق بقوله:
(١) تفسير الرازي: ١٤١/٢٨
٦٠٢
الجُزْءُ (٢٦) - الخُطُراتِ: ٤٩ /١٤-١٨
﴿وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي
وإن تطيعوا الله ورسوله إطاعة تامة، وتخلصوا العمل وتصدقوا تصديقاً
صحيحاً، لا ينقصكم من أجور أعمالكم شيئاً، فلا تضيعوا أعمالكم بعدم
الإخلاص، والله تعالى غفور ستار لمن تاب إليه وأناب وأخلص العمل،
رحيم به فلا يعذبه بعد التوبة، وفيه حث على التوبة من الأعمال السالفة،
وتسلية لقلوب من تأخر إيمانه، فالله تعالى يغفر لكم في كل وقت ما قد سلف،
ويرحمكم بما أتيتم به. ونظير الآية: ﴿وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الطور:
٢١/٥٢] .
ثم أبان الله تعالى صفات المؤمنين وحقيقة الإيمان بقوله :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ ﴾﴾ أي إنما المؤمنون إيماناً
صحيحاً خالصاً وهم المؤمنون الكمّل هم الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله
محمد بَّه تصديقاً تاماً بالقلب، وإقراراً باللسان، ثم لم يشكُّوا ولم يتزلزلوا، بل
ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، وجاهدوا بالأموال والأنفس
حق الجهاد، من أجل طاعة الله وابتغاء مرضاته، قاصدين بجهادهم إعلاء
كلمة الله ودينه، أولئك المتصفون بهذه الصفات المذكورة هم الصادقون
بالاتصاف بصفة الإيمان، والدخول في عداد المؤمنين، لا كبعض الأعراب
الذين أظهروا الإسلام، ولم يطمئن الإيمان في قلوبهم.
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن النبي
قال: ((المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم
يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ والذي يأمنه الناس على
أموالهم بأنفسهم؛ والذي إذا أشرف على طمع تركه الله عز وجل)) .
ثم عرفهم الله تعالى بأنه عالم بحقيقة أمرهم قائلاً:
٦٠٣
الُ (٢٦) - الحجرات: ٤٩ /١٤-١٨
﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِّ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ قل لهم أيها الرسول: أتخبرون الله بما في ضمائركم من
الدين ليعلم بذلك حيث قلتم: آمنا؟ والله عالم لا يخفى عليه شيء، يعلم كل
ما في السماوات وما في الأرض من جمادات ونباتات وحيوانات وإنس وجن،
فكيف يجهل حقيقة ما تدّعونه من الإيمان؟ والله لا تخفى عليه خافية من ذلك،
يعلم بكل شيء، فاحذروا أن تدَّعوا شيئاً خلاف ما في قلوبكم.
وفيه إشارة إلى أن الدين ينبغي أن يكون لله، وأنتم أظهرتموه لنا، لا لله،
فلا يقبل ذلك منكم.
ثم أوضح الله تعالى أن إسلامهم لم يكن الله، فقال:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ أي يعدّون إسلامهم مِنّة ونعمة عليك أيها النبي،
حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو
فلان. فرد الله تعالى عليهم قائلاً :
﴿قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن كُمْ
صَدِقِينَ﴾ أي قل أيها الرسول: لا تعدوا أيها الأعراب إسلامكم مِنّة علي،
فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، فهو سبحانه الذي يمن
عليكم، إذ أرشدكم إلى الإيمان وأراكم طريقه، ووفقكم لقبول الدين، إن
كنتم صادقين فيما تدعونه، وفي هذا إيماء إلى أنهم كاذبون في ادعائهم الإيمان.
وذلك كما قال النبي وَلّ للأنصار يوم حنين: ((يا معشر الأنصار، ألم
أجدكم ضُلّالاً، فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرِّقين فألّفكم الله بي؟ وكنتم عالة
فأغناكم الله بي؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل)).
ثم أكد الله تعالى علمه بكل شيء، فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
أی إن
(١٨)
٦٠٤
لُعُ (٢٦) - الحُعرَانِ: ٤٩ / ١٤-١٨
الله عليم بما ظهر وما غاب في جميع أنحاء السماوات والأرض، ومن جملة
ذلك: ما يشّره كل إنسان في نفسه، والله مطّلع على كل شيء من أعمالكم،
فهو مجازيكم بالخير خيراً، وبالشر شراً. والآية تكرار وتأكيد الإخبار بعلم الله
بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات، ليترسخ ذلك في الأذهان،
ويستقر في أعمال القلوب، ويتمثل دائماً في النفوس.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - موضوع الآيات توبيخ من في إيمانه ضعف بعد الآيات السابقة التي
فيها حث عموم الناس على تقوى الله تعالى.
فلا يكفي الإسلام الظاهري، وإنما لا بد من الإيمان والإذعان القلبي، ولا
يكفي الإسلام اللغوي، وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل، ودخولاً في
زمرة أهل الإيمان والسلم.
أَ - إنْ أخلص الناس الإيمان لله تعالى وفّر لهم ثواباً عظيماً لأعمالهم، ولم
ينقصهم شيئاً من أجورهم.
◌َّ - لا حرج على من تأخر إيمانه، فالله سبحانه غفار لذنوب عباده كلها
بمشيئته، رحيم بهم فلا يعذبهم بعد التوبة.
- إن عناصر الإيمان الجوهرية في الآية: هي الإيمان بالله وحده لا شريك
له، والإيمان بأن محمداً رسول الله وخاتم الأنبياء والرسل، وعدم الارتياب في
شيء، بل لا بد من عقيدة ثابتة ويقين كامل لا يتزعزع أبداً، والجهاد في سبيل
الله بالأموال والأنفس محكّ الإيمان ودليله، والمؤمنون هم الذين صدّقوا ولم
يشكّوا وحققوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة، وهم الذين صدقوا في
إيمانهم، لا من أسلم خوف القتل ورجاء الكسب.
٦٠٥
الجُزءُ (٢٦) - المُعُراتِ: ٤٩ /١٤-١٨
ويجب أن يكون الجهاد من أجل نصرة دين الله والدعوة إلى سبيله، أو
لاسترداد الحقوق المغتصبة والبلاد المحتلة، لذا قال النبي ◌َّ في الحديث المتفق
عليه عن أبي موسى الأشعري: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله)) وقال تعالى في الدفاع عن البلاد: ﴿وَقِيْلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلٍ
اُللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٧/٣].
٥ - لا حاجة لإعلام الله تعالى بأن الإنسان مؤمن، فهو سبحانه يعلم
بالدين الذي يكون الناس عليه، ويعلم كل شيء في الكون، والآية تجهيل لهم
في قوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾.
٩ - إن نفع الإيمان يعود للمؤمن نفسه، فلا يصح لأحد أن يمتن بإسلامه
على أحد، بل المنة والفضل والنعمة الله عز وجل الذي وفق عباده للإيمان،
وأرشدهم إليه ودلهم عليه.
والصادقون هم الذين يعترفون بهداية الله لهم، والهداية هنا بمعنى الدلالة
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ تعريض بأن الأعراب سبب النزول
كاذبون، ولهذا قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ وذلك تأديب لهم.
لاً - ظاهر الآية يدل على أن أولئك الأعراب لم يكونوا مؤمنين إيماناً . .
صحيحاً، بل كانوا مسلمين إسلاماً ظاهرياً، والإيمان أخص، والإسلام
أعم، كما تقدم، ولم يكونوا منافقين، فلو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما
فعل الله تعالى في سورة براءة.
٨ - إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك ما في
الضمائر والقلوب، فهو تعالى يعلم الإيمان الحقيقي من الإيمان الكاذب،
ويعلم المقاصد والغايات، والمخاوف والأطماع، والبواعث التي تدفع إلى
الدخول في الإسلام.
٦٠٦
لُ (٢٦) السورة (٥٠) ڤنت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْرَةُ قْسِ
مڪية، وهي خمس وأربعون آية
تسميتها:
سميت سورة ﴿قَ﴾ تسمية لها بما افتتحت به من أحرف الهجاء، كقوله
تعالى: ﴿صَّّ﴾، ﴿نَّ﴾، ﴿الْمَّ
؟)، ﴿طسَّ﴾ قال
ج))، (حمّ
الشعبي: ق: فاتحة السورة.
مناسبتها لما قبلها:
أخبر الله تعالى في آخر سورة الحجرات المتقدمة أن أولئك الأعراب الذين
قالوا: آمنا، لم يكن إيمانهم حقاً، وذلك دليل على إنكار النبوة وإنكار البعث،
فافتتح هذه السورة بوصف إنكار المشركين نبوة النبي ◌َّ وإنكار البعث، ثم رد
عليهم بالدليل القاطع.
ما اشتملت عليه السورة:
بما أن هذه السورة مكية بالإجماع، فموضوعها مثل موضوعات سائر
السور المكية التي تعالج أصول العقيدة الإسلامية وهي التوحيد، والبعث،
والنبوة والرسالة، ولكنها عنيت بالأصل الثاني وهو البعث وإثباته والرد على
منکریه.
٦٠٧
لُرُ (٢٦) السورة (٥٠) ڤنت
لذا ابتدأت بالكلام عن إنكار مشركي العرب وقريش أمر البعث والنشور،
وأمر النبوة ورسالة محمد وَله، وتعجبهم من إرسال رسول منذر منهم، ومن
إعادة الحياة بعد الممات، فأقسم الله بالقرآن المجيد قائلاً: ﴿فَ وَالْقُرْءَانِ
الْمَجِيدِ
بَلّ ◌َبُوْ أَنْ جَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ غَجِبُ
٢
أَِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
ومن أجل الاستدلال على قدرة الله الباهرة على البعث وغيره، حثَّت
الآيات بعدئذ على التأمل في صفحة الكون، والنظر في السماء وبنائها
وزينتها، وفي الأرض وجبالها وزروعها ونباتاتها وأمطارها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى
السَّمَآءِ﴾ الآيات.
ثم أثارت دواعي التفكر وأقامت العبر والعظات في إهلاك الأمم السابقة
المكذبة بالرسل، كقوم نوح وأصحاب الرسّ وثمود وعاد وفرعون وقوم لوط
وأصحاب الأيكة قومٍ شعيب وقوم تُبَّع، تحذيراً لكفار مكة أن يصيبهم مثلما
أصاب غيرهم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّ وَثَمُودُ (13) الآيات.
وانتقلت الآيات للحديث عن الإنسان ومسؤوليته وملازمة الملكين له
لرصد أعماله وأقواله ومراقبة أحواله، وطيّ صحيفته بسكرة الموت، وتعرضه
لأهوال الحشر وأهوال الحساب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ﴾ ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُورِ ذَلِكَ
ءُ الْوَعِيدِ
یوم
﴾ الآيات، وأعقبت كل ذلك بضرورة العبرة والتذكر بتلك
الأحداث الكبرى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾
وختمت السورة الكريمة بمشاهد عظيمة، من خلق السماوات والأرض
وما بينهما، وسماع صيحة الحق للخروج من القبور، وتشقق الأرض عن
الأموات سراعاً، وتخلل ذلك أمر الرسول وأتباعه بالصبر والتسبيح آناء الليل
وأطراف النهار، وعدم المبالاة بإنكار المشركين البعث وتهديدهم عليه،
والتذكير بالقرآن من وعيد الله وعقابه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ﴾ ﴿وَأَسْتَمِعْ
يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ الآيات.
٦٠٨
الزُ (٢٦) السورة (٥٠) قِ
فضل السورة:
تقرأ هذه السورة في الأحداث الكبرى والمجامع العامة، كالجُمَع والعيدين،
لتذكير الناس ببدء الخلق، ومظاهر الحياة، وعقوبات الدنيا، والبعث
والنشور، والجنة والنار، والثواب والعقاب.
١
وأدلة سنِّية قراءتها في تلك المناسبات أحاديث، منها حديث جابر بن سمرة
في صحيح مسلم أن النبي وَّ كان يقرأ في الفجر ب﴿قَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ
(٤)و كانت صلاته بعدُ تخفيفاً.
وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي وابن ماجه عن أم هشام بنت حارثة بن
النعمان، قالت: ما أخذت ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ اَلْمَجِيدِ ﴾﴾ إلا عن لسان رسول
الله وَله، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، أنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله وَ الر في الأضحى
والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ
﴿) و ﴿أَقْتَبَتِ
السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ
والسبب أن العيد يوم الزينة والفرح، فينبغي ألا ينسى الإنسان خروجه إلى
ساحات الحساب، فلا يكون فرحاً فخوراً، ولا فاسقاً فاجراً، فيتذكر بالقرآن
كما في بداية السورة: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ﴾ ونهايتها: ﴿فَذَكِّرٌ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ
وَعِيدٍ﴾ ويتأمل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ
اَلْخُرُوجُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾.
أوجه الشبه بين سورة ق وسورة ص:
لاحظ العلماء وجهي شبه بين سورتي ﴿صَّّ﴾ و﴿قَّ﴾ وهما(١):
(١) تفسير الرازي: ١٤٥/٢٨ بتصرف.
٦٠٩
الُ (٢٦) السورة (٥٠) قِ
أولاً - تشترك السورتان في افتتاح أولها بحرف واحد من حروف الهجاء،
والقسم بالقرآن، وقوله: ﴿بَلْ) والتعجب. كما أن أول السورتين وآخرهما
متناسبان، ففي أول ﴿صََّ﴾: ﴿ وَأَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ وفي آخرها: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا
﴾، وفي أول ﴿قَّ﴾: ﴿وَلْقُرْءَانِ اٌلْمَجِيدِ﴾ وفي آخرها:
ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
﴿فَذَكِرْ بِلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ فافتتح بما اختتم به. أي إن السورتين
تبدأان بحرف هجاء، وتبتدئان وتنتهيان بالتحدث عن القرآن.
ثانياً - عنيت سورة ﴿صَّّ﴾ بتقرير الأصل الأول وهو التوحيد، وقوله
تعالى: ﴿أَجَعَلَ اَلْأَلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَ
ءَالِهَتِكُمْ﴾، وعنيت سورة ﴿قَّ﴾ بتقرير الأصل الثاني وهو الحشر، في قوله
تعالى: ﴿أَعِذَا مِتْنَا وَكُنَّا نُرَبًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
وبدئت وختمت كل سورة بما يناسبها، فكان افتتاح سورة ﴿صَّ﴾ في
تقرير المبدأ، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِذْ قَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَِكَةِ إِنِى خَلِقٌ بَشَرًّاً مِّنِ
لحكاية بدء الخلق؛ لأنه دليل الوحدانية، وكان افتتاح سورة
طِینٍ
﴿قَّ﴾ لبيان الحشر، ثم قال سبحانه في آخرها: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ
فاتفق بدء كل سورة مع خاتمتها.
33
سِرَاعَا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
٦١٠
الُعُ (٢٦) - فَت: ٥٠ / ١-١١
إذكار المشركين البعث والزّد عليهم
بَلْ عِبُواْ أَن جَاءَهُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا
﴿فَّ وَاُلْقُرْءَانِ اَلْمَجِيدِ
قَدْ عَلْنَا مَا نَنَقُصُ الْأَرْضُ
شَىْءُ غَجِبُ (﴿َ أَِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
مِنْهُمِّ وَعِندَنَا كِتَبَّ حَفِيْظُ ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيِّ أَمْرٍ مَّرِيج
﴿َ أَفَلَمْ يَنْظُرُوْاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّتَهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوجِ
تَبْصِرَةً
وَاُلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيج ()
وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿ وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ
الْحَصِيدِ
رِزْقًا لِلْعِبَادِّ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّمَا طَلْعٌ نَضِيدٌ
٩
مَّيْثًا كَذَلِكَ الْخُرُوِجُ
القراءات:
﴿ وَالْقُرْءَانِ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (والقران).
﴿مِنَّنَا﴾:
وهي قراءة نافع، وحفص، وحمزة، وخلف، والكسائي.
وقرأ الباقون (مُتْنا).
الإعراب:
{وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ قسم، وجوابه: إما محذوف تقديره: (ليبعثن) أو جوابه
﴿قَدْ عَلِمِنَا﴾ أي لقد علمنا، فحذفت اللام كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّنَهَا
﴾ [الشمس: ٩/٩١] أو يكون ما قبل القسم قام مقام الجواب على رأي من
٩
٦١١
الجُزءُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١-١١
يرى أن معنى ﴿فَّ﴾: قضي الأمر، وهو الذي قام مقام الجواب، ودلّ
﴿فَ﴾ عليه. والمعنى: أقسم بالقرآن أنك جئتهم منذراً بالبعث، فلم يقبلوا بل
عجبوا، وهو إضراب إيطالي.
﴿ أَِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا﴾ عامل (إذا) فعل مقدر دلّ عليه الكلام، تقديره:
أنبعث إذا متنا وكنا تراباً، ولا يعمل فيه ﴿مِنْنَا﴾ لأنه محل مضاف إليه،
والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
﴿اَلْأَرْضُ﴾ معطوف على موضع ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾.
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ منصوبان على المفعول لأجله.
﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ تقديره: وحبّ الزرع الحصيد، فحذف المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه.
بَاسِقَتٍ﴾ حال.
﴿رِّزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ منصوب إما مفعول لأجله، أو منصوب على أنه مصدر.
البلاغة:
﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ﴾ إظهار في موضع مفعول لأجله، أو منصوب على أنه
مصدر.
﴿أَِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا﴾ استفهام إنكاري لاستبعاد البعث.
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ﴾ إضراب عن الكلام السابق لبيان ما هو أشنع من
التعجب، وهو التكذيب بآيات الله وبرسوله.
كَذَلِكَ الْخُرُوبُ﴾ تشبيه مرسل مجمل، شبه إحياء الموتى بإخراج النبات من
الأرض الميتة.
٦١٢
الجُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ /١-١١
المفردات اللغوية:
﴿قَّ﴾ حرف هجاء، يقرأ هكذا: قاف، بإسكان القاف. للتنبيه على
إعجاز القرآن وعلى خطورة ما يتلى بعده من الأحكام والأحداث. قال أبو
حيان: ﴿فَ﴾: حرف هجاء، وقد اختلف المفسرون في مدلوله على أحد
عشر قولاً متعارضة، لا دليل على صحة شيء منها، فاطّرحت نقلها في كتابي
هذا.
﴿ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ قسم من الله تعالى بالقرآن ذي المجد والشرف على سائر
الكتب، ولكثرة ما فيه من الخير الدنيوي والأخروي، قال الراغب: المجد:
السعة في الكرم. ﴿بَلْ عَبُوْ أَنْ جَهُم ◌ُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ إنكار لتعجبهم مما ليس
يعجب، وهو أن ينذرهم ويخوفهم بالنار بعد بعث رسول من أنفسهم ومن
جنسهم . ﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ غَجِيبُ﴾ أي هذا الإنذار، وهو حكاية
لتعجبهم، قال البيضاوي: وهذا إشارة إلى اختيار الله تعالى محمداً اليه
للرسالة، وإضمار ذكرهم، ثم تسجيل الكفر عليهم بذلك.
﴿أَِذَا مِنْنَا﴾ أي أنبعث أو نرجع إذا متنا. ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي ذلك
البعث بعث أو رجوع بعد الموت في غاية البعد عن التصديق والإمكان
والعادة . ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنَقُصُ اٌلْأَرْضُ مِنْهُمّ﴾ تأكل من أجسادهم بعد موتهم،
وهو ردّ لاستبعادهم . ﴿ وَعِنْدَنَا كِنَبُّ حَفِيْظُ﴾ هو اللوح المحفوظ، والحافظ
لجميع الأشياء المقدرة وتفاصيلها كلها، وهو تأكيد لعلمه بما يحدث.
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِ﴾ أي بالنبوة الثابتة بالمعجزات وبالقرآن. ﴿فَهُمْ﴾ في
شأن القرآن والنّبي ◌َِّ ﴿فِيّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾ مضطرب، وهو قولهم تارة: إنه
شاعر وشعر، وتارة: إنه ساحر وسحر، وتارة: إنه كاهن وكهانة.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا﴾ حين كفروا بالبعث ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ إلى آثار قدرة الله
٦١٣
لُرُ (٢٦) - ث: ٥٠ /١-١١
تعالى في خلق العالم. ﴿كَيْفَ بَيْنَهَا﴾ رفعناها بلا عمد. ﴿وَزَيَّنَّهَا﴾
بالكواكب. ﴿وَمَا لَا مِن فُرُوجِ﴾ شقوق وفتوق تعيبها.
﴿ وَاْلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا﴾ بسطناها أي بحسب نظر الإنسان الجزئي إلى الموقع
الجغرافي الذي يعيش فيه، لا بالنظرة الكلية الشاملة للأرض، فهي كروية،
كما أثبت العلم القديم والحديث، وبخاصة بعد غزو الفضاء وإطلاق
الصواريخ ورؤية روّاد الفضاء أنها كرة معلّقة في هذا الكون . ﴿رَوَسِىَ﴾ أي
جبالاً ثوابت لحفظ الأرض من الاضطراب . ﴿زَوْجِ﴾ صنف من النبات
﴿بَهِيج) حسن مبهج.
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ تبصيراً منا وتذكيراً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ تُنِيبٍ﴾ رجّاع إلى طاعة الله
وتوّاب، متفكر في بدائع صنع الله تعالى . ﴿مَآءُ مُّبَرَكًا﴾ كثير الخير والبركة
والمنافع . (جَنَّاتٍ﴾ بساتين ذات أشجار وأثمار. ﴿وَحَبَّ الْمَصِيدِ﴾ أي حبّ
الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالتّر والشعير وغيرهما. و﴿الْحَصِيدِ﴾ المحصود.
(بَاسِقَاتٍ﴾ طوالاً. ﴿طَلْعٌ﴾ ما ينمو ويصير بلحاً، ثم رطباً، ثم تمراً.
﴿نَضِيدٌ﴾ منضود، متراكب بعضه فوق بعض. ﴿رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ علة لـ
﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، أو مصدر فإن الإنبات رزق. ﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ﴾ بذلك الماء. ﴿بَلْدَةً
مَّيْنًا﴾ أرضاً جدباء لا نماء فيها، والميْت: يستوي فيه المذكر والمؤنث.
(كَذَلِكَ الْخُرُويُ﴾ أي من القبور، والمعنى كما أحييت هذه البلدة بالماء، يكون
خروجكم أحياء بعد موتكم.
التفسير والبيان:
﴿قَّ﴾ عرفنا أنها حرف هجاء، لتحدي العرب بأن يأتوا بمثل القرآن أو
آية منه ما دام القرآن مكوناً من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون بها،
وهي أيضاً للتنبيه إلى أهمية ما يأتي بعدها، وأكثر ما جاء القسم بحرف واحد
إذا أتى بعده وصف القرآن، كما أن أغلب القسم بالحروف ذكر بعده القرآن أو
الكتاب أو التنزيل.
٦١٤
اِلُحُ (٢٦) - قَتْ: ٥٠ /١-١١
وذكر الرازي تصنيفاً دقيقاً للقسم من الله بالحروف الهجائية وغيرها، وهو
بإيجاز ما يأتي(١):
(Q) ﴿وَالنَّحْرِ﴾
أ - وقع القسم من الله بأمر واحد، مثل ﴿وَالْعَصْرِ
وبحرف واحد مثل: ﴿صَّ﴾، و﴿تَّ﴾.
وَاَلَيْلِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
ب - ووقع بأمرين، مثل: ﴿وَالضُّحَى
(®))، (حمّ
٤، وبحرفين مثل: ﴿طه (ج)، ﴿طسَّّ﴾، ﴿يَسّ
جـ - ووقع بثلاثة أمور، مثل: ﴿وَالصَّفَّتِ﴾ ﴿فَالزَّجِرَتِ﴾ ﴿فَالنَّلِيَتِ
وبثلاثة أحرف، مثل: ﴿المّ ﴾﴾، ﴿طِسّمَ ﴾﴾، ﴿الَرَ﴾.
د- وبأربعة أمور، مثل: ﴿وَالذَّرِيَتِ﴾ ﴿فَالْحَمِلَتِ﴾ ﴿فَاْجَرِيَتِ
﴿فَلْمُقَسِّمَتِ﴾، وفي: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ اٌلْبُرُوجِ ﴾﴾ وفي: ﴿وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ
(٤)، وبأربعة أحرف، مثل: ﴿الّصّ ج) أول الأعراف ﴿الَمَرَّ﴾
أول الرعد.
هـ - وبخمسة أمور، مثل: ﴿وَاُلْطُّورِ ﴾﴾، وفي: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾، وفي:
وبخمسة أحرف، مثل:
﴿ وَالنَّزِعَتِ﴾، وفي: ﴿وَاَلْفَجْرِ
(٤). ولم يقسم بأكثر من
عسق
كهيعصّ
خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَّهَا (٦) ولم يقسم
بأكثر من خمسة أصول؛ منعاً من الاستثقال.
وفي القسم قد يذكر حرف القسم وهي الواو، مثل: ﴿وَاُلُّورِ
﴿ وَالنَّجْمِ﴾، ﴿ وَالشَّمْسِ﴾ وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم، فلم يقل
(١) تفسير الرازي: ١٤٦/٢٨ وما بعدها.
٦١٥
لُعُ (٢٦) - فَتْ: ٥٠ /١-١١
لأن القسم لما كان بالحروف نفسها كان الحرف
و﴿قَ﴾، ورحم
مقسماً به.
وأقسم الله بالأشياء كالتين والطور وأقسم بالحروف من غير تركيب.
وأقسم بالحروف في أول ثمانٍ وعشرين سورة، ولم يوجد القسم بالحروف إلا
في أوائل السور، وأقسم في أربع عشرة سورة عدا ﴿ وَالشَّمْسِ﴾ بأشياء عددها
وَالَتْلِ إِذْ أَذْبَرَ
عدد الحروف، في أوائل السور وفي أثنائها، ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ
٣٣
١٧
W﴾، ﴿ وَلَّيِّلِ إِذَا عَسْعَسَ
، ﴿وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
،
ووقع القسم بالحروف في نصفي القرآن، بل في كل سبع، وبالأشياء
المعدودة لم يوجد إلا في النصف الأخير والسبع الأخير غير ﴿وَالصَّفَّتِ﴾.
﴿ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ القرآن مقسم به، والمقسم عليه محذوف، أي أقسم
بالقرآن الكريم كثير الخير والبركة، أو الرفيع القدر والشرف، أنك يا محمد
جئتهم منذراً بالبعث. دلّ على جواب القسم المذكور مضمون الكلام بعد
القسم وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد، وهذا كثير في القرآن، مثل: ﴿صَّّ
وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ جَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ
﴿بَلْ عِبُواْ أَنْ جَاءَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عِيدُ (3)﴾ أي
عجب كفار قريش، لأن جاءهم منذر، هو واحد منهم أي من جنسهم، وهو
محمد رَله، فلم يكتفوا بمجرد الشّك والرّد، بل جعلوا ذلك من الأمور
العجيبة، فقالوا: كون هذا الرسول المنذر بشراً مثلنا شيء يدعو إلى العجب،
وهو كقوله جلّ جلاله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ
النَّاسَ﴾ [يونس: ٢/١٠]، أي وليس هذا بعجيب، فإن الله يصطفي من الملائكة
رسلاً ومن الناس.
وتعجبوا أيضاً من البعث فقالوا كما حكى القرآن:
٦١٦
الُهُ (٢٦) - قَتْ: ٥٠ / ١-١١
﴾ أي أنبعث ونرجع أحياء إذا متنا
﴿أَِذَا مِتْنَا وَكُنَّا نُرَبّا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
وتفرقت أجزاؤنا في الأرض وبلينا وصرنا تراباً، كيف يمكن الرجوع بعدئذٍ إلى
هذه البنية والتركيب؟ إن ذلك البعث والرجوع بعيد الوقوع عن العقول؛ لأنه
غير ممكن في زعمهم، وغير مألوف عادة.
فردّ الله تعالى عليهم مبيّناً قدرته على البعث وغيره، فقال:
﴿قَدْ عَلْنَا مَا نَقُصُ اُلْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِنْدَنَا كِتَبَّ حَفِظُ ﴾﴾ أي علمنا علماً
يقينيّاً ما تأكل الأرض من أجسادهم حال البلى، ولا يخفى علينا شيء من
ذلك، فإنا ندري أين تفرقت الأبدان وأين ذهبت وإلى أي شيء صارت؟
وعندنا كتاب حافظ شامل لعددهم وأسمائهم وتفاصيل الأشياء كلها، وهو
اللوح المحفوظ الذي حفظه الله من التغيير ومن الشياطين. أخرج مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة عن النّبي ◌َّ: ((كلُّ ابنِ آدم يأكله التراب إلا
عَجْب الذنب ومنه خلق ومنه يركّب )).
والأصح في تقديري أن هذا تقريب لأذهاننا وتمثيل لإحاطة علم الله تعالى
بجميع الأشياء والكائنات، وإحصائه كل الوقائع والأعمال، كمن عنده
سجل حسابات لكل شاردة وواردة. ولا يمنع ذلك وجود اللوح المحفوظ الذي
نؤمن به لوروده في آيات كثيرة أخرى. والآية إشارة إلى جواز البعث وقدرته
تعالی علیه.
ثم أبان الله تعالى سبب كفرهم وعنادهم وما هو أشنع من تعجبهم من
البعث، وهو تكذيبهم بآيات الله تعالى ورسوله وَله، فقال:
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيَّ أَمْرٍ مَّرِيجِ ﴾﴾ أي إن كفار قريش.
في الحقيقة كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد بهله الثابتة بالمعجزات، إنهم كذبوا
(بالقرآن وبالنبوة) بمجرد تبليغهم به من قبل الرسول وَّة، من غير تدبر ولا
تفكر ولا إمعان نظر، فهم في أمر دينهم في أمر مختلط مضطرب، يقولون مرة
٦١٧
لُعُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ /١-١١
عن القرآن والنّبي: ساحر وسحر، ومرة: شاعر وشعر، ومرة: كاهن
وكهانة، فهم في قلق واضطراب ولَيْس، لا يدرون ماذا يفعلون، كما قال
[الذاريات: ٨/٥١-٩].
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
ثم أقام الله تعالى الدليل على قدرته العظيمة على البعث وغيره، على حقيقة
المبدأ والمعاد، فقال:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجِ
﴾ أي أفلم ينظر هؤلاء الكفار بأم أعينهم، المكذبون بالبعث بعد الموت،
المنكرون قدرتنا العظمى، إلى هذه السماء بصفتها العجيبة، فهي مرفوعة بغير
أعمدة تعتمد عليها، ومزيَّنة بالكواكبِ المنيرة كالمصابيح، وليسٍ فيها شقوق
وفتوق وصدوع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى
خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَُوتٍ فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ﴿٣ ثُمَّ ارِجِعِ الْصَرَ كَرََِّّ
﴾ [الملك: ٣/٦٧-٤] أي يرجع كليلاً
يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِتًا وَهُوَ حَسِيرٌ
عن أن يرى عيباً أو نقصاً. وقوله: ﴿فَوقَهُمْ﴾ مزيد توبيخ لهم، ونداء عليهم
بغاية الغباوة.
{وَاْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْغَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ
٧
أي وكذلك، أو لم ينظروا إلى الأرض التي بسطناها ووسعناها، وألقينا فيها
جبالاً ثوابت لئلا تميد بأهلها وتضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف ذي
بهجة وحسن منظر، من جميع الزروع والثمار والأشجار والنباتات المختلفة
الأنواع، كما قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
﴾ [الذاريات: ٤٩/٥١] .
٤٩٦
) أي فعلنا ذلك لتبصرة العباد
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ ◌ُِّبٍ
وتذكيرهم، فيتبصر بكل ما ذكر ويتأمل العبد المنيب الراجع إلى ربّه وطاعته،
ويفكر في بدائع المخلوقات.
٦١٨
الجُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ /١-١١
ثم أوضح الله تعالى كيفية الإنبات، فقال:
﴿وَنَّْنَا مِنَ السَّمَآِ مَآءَ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (ج) أي
ولينظروا إلى قدرتنا كيف أنزلنا من السحاب ماء المطر الكثير المنافع، المنبت
للبساتين الكثيرة الخضراء والأشجار المثمرة، وحبات الزرع الذي يحصد
ويقتات كالقمح والشعير ونحوهما.
﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَمَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾﴾ أي وأنبتنا به أيضاً النخيل الطوال
الشاهقات، التي لها طلع (وهو أول ما يخرج من ثمر النخل) منضّد متراكم
بعضه على بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه الدال على كثرة التمر.
وفائدة إعادة هذا الدليل بعد المذكور في الآية السابقة: هو أن قوله:
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ استدلال بالنبات نفسه، أي الأشجار تنمو وتزيد، فكذلك
بدن الإنسان بعد الموت ينمو ويزيد، بأن يرجع إليه قوة النشوء والنماء كما
يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء.
﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِّ وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَدَةً مَّيْتًّا كَذَلِكَ اَلُْ ﴾﴾ أي أنبتنا كل ما ذكر
للرزق، أي إن إنبات النباتات والأشجار والنخيل، ليكون أرزاقاً وأقواتاً
للعباد. وأحيينا بالماء بلدة مجدبة، لا ثمار فيها ولا زرع، وإن الخروج من
القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة، فكما أن
هذا مقدور لله، فذلك أيضاً مقدور له. وهذا تشبيه قريب الإدراك، ومن واقع
الحياة الملحوظة المجاورة للإنسان، وهو أيضاً تفخيم لشأن الإنبات، وتهوين
لأمر البعث في مقدور القدرة الإلهية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - القرآن كثير الخير والمنفعة عظيم المجد والقدر والرفعة، وقد أقسم الله
به للدلالة على ما فيه من الخيرات.
٦١٩
الُزُ (٢٦) - قَتْ: ٥٠ /١-١١
أَ - لقد تعجب الكفار من قريش من أمرين: إرسال رسول بشر يخوفهم
من عذاب الله من جنسهم وهو محمد وَّله، وإمكان حدوث البعث والمعاد
والرجوع إلى الحياة بعد الموت مرة أخرى.
ءَّ - إن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وعالم بكل شيء،
فهو سبحانه قادر على إحياء الموتى، عالم بما تؤول إليه الأجساد من ذرات
متفتتة وعظام بالية، ولا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر، وقادر على جمعها
وتأليفها وإحيائها مرة أخرة، كما خلق الناس جميعاً في مبدأ الأمر من
التراب:
oo﴾ [طه:
﴿﴿ مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيذُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
٢٠ / ٥٥] .
٤ - إن سبب تكذيب الكفار بالبعث وبالمعاد وعنادهم: هو تكذيبهم بالحق
الثابت الذي لا شكّ فيه، وهو القرآن الكريم المنزل من عند الله، الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنبوة الثابتة بالمعجزات، فصاروا في
أمر دينهم في قلق واضطراب.
٥ - الأدلة على قدرة الله تعالى العظيمة لإثبات البعث وإمكانه كثيرة، منها
خلق الكون المشتمل على السماوات المبنية بغير أعمدة، المزينة بالكواكب
المنيرة، الخالية من الشقوق والصدوع، والمتضمن الأرض البديعة الجميلة التي
بسطها الله لتصلح للعيش الهنيء المريح، وثبتها بالجبال الراسخات الشامخات،
وأنبت فيها النباتات والأشجار ذات الألوان المختلفة والأشكال العجيبة
والروائح العطرة والثمار الطيبة اليانعة.
فعل الله ذلك تبصيراً وتنبيهاً للعباد على قدرته، وتذكيراً لكل عبد راجع إلى
الله تعالى، مفكّر في قدرته.
٩ - ومن أدلة القدرة الفائقة لله تعالى إنزال المطر الكثير البركة والنفع من
السحاب، الذي أنبت به البساتين، والحبوب المحصودة زروعها، المقتاتة على
٦٢٠
الُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١-١١
مدار العام، والنخيل الطوال الشاهقات ذات الطلع (وهو أول ما يخرج من
ثمر النخل).
لاً - وكما أحيا الله هذه الأرض الميتة، فكذلك يخرج الناس أحياء بعد
موتهم. وهذا دليل الإبقاء للأشياء المخلوقة بعد ذكر دليل الإحياء، فأبان تعالى
أولاً أنه يحيي الموتى، ثم بيَّن أنه يبقيهم.
والخلاصة: أن الآيات اشتملت على أدلة أربعة على جواز البعث وإمكانه،
وهي علم الله تعالى الشامل بمصير الأجساد بعد موتها، وخلقه السماوات
وتزيينها بالكواكب وتسويتها دون شقوق أو صدوع، وخلقه الأرض وما فيها
من جبال وأنهار ونباتات وحيوانات، وإنزاله المطر من السحاب وإخراج
النبات، وهذا دليل مما بين السماء والأرض.
ويلاحظ أنه تعالى ذكر في كل آية ثلاثة أمور متناسبة، ففي آية السماء ذكر
البناء والتزيين وسدّ الفروج، وفي آية الأرض ذكر المدّ وإلقاء الرواسي
والإنبات فيها، وكل واحد هنا في مقابلة واحد مما سبق، فالمدّ في مقابلة
البناء؛ لأن المدّ وضع والبناء رفع، والرواسي في الأرض ثابتة والكواكب في
السماء مركوزة مزيِّنة لها، والإنبات في الأرض شقُّها. وفي آية المطر ذكر إنبات
الجنات والحبّ والنخل، وهذه الأمور الثلاثة إشارة إلى الأجناس الثلاثة:
وهي ما له أصل ثابت يستمر مكثه في الأرض سنين وهو النخيل، وما ليس له
أصل ثابت مما لا يطول مكثه في الأرض وهو الحبّ ويتجدد كل سنة، وما
يجتمع فيه الأمران وهو البساتين، وهذه الأنواع تشمل مختلف الثمار
والزروع(١).
(١) تفسير الرازي: ١٥٦/٢٨، ١٥٨