النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
الُعُ (٢٦) - الخطرات: ٤٩ /١١-١٣
نزول الآية (١٣):
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي مُلَيْكة قال:
لما كان يوم الفتح، رَفيَ بلال على ظهر الكعبة، فأذّن، فقال بعض الناس:
أهذا العبد الأسود يؤذِّن على ظهر الكعبة؟ فقال بعضهم: إن يَسْخَطِ الله هذا
يغيّرِه أو إن يرد الله شيئاً يغيره، فأنزل الله: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ
وَأُنثَى﴾ الآية، فدعاهم النبي ◌َّر وزجرهم على التفاخر بالأنساب والتكاثر
بالأموال والازدراء بالفقراء.
وقال ابن عساكر في مبهماته: وجدت بخط ابن بشكوال أن أبا بكر بن أبي
داود أخرج في تفسير له أنها نزلت في أبي هند، أمر رسول الله رَله بني بَيَاضة
أن يزوجوه امرأة منهم، فقالوا: يا رسول الله: نزوج بناتِنا موالينا؟ فنزلت
الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى وأرشد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله
تعالى، ومع النبي ◌َّ، ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بيَّن ما
ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن ومع الناس كافة، من الامتناع عن
السخرية، والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، وإساءة الظن وتتبع عورات
الناس ومعايبهم، والغيبة والنميمة، ووجوب المساواة بين الناس، واعتقاد
أن معيار التفاضل والتمييز هو التقوى والصلاح وكمال الأخلاق.
ويلاحظ سمو الترتيب الإلهي في سرد الآداب العامة في الموضوعات
المذكورة، حيث رتَّب الله تعالى وقوع النزاع والاقتتال بين الطوائف والأفراد
على أنباء الفاسقين، ثم نهى عن الأخلاق المرذولة التي ينشأ عنها النزاع، ثم
أعلن وحدة الإنسانية في الأصل والمنشأ، كل ذلك من أجل الحفاظ على وحدة
الأمة الإسلامية، وجعلها مثالاً يحتذى في التعامل مع الأمم والشعوب
الأخرى، لنشر الإسلام ولإعلاء كلمة الله في كل مكان.

٥٨٢
الْخُرُ (٢٦) - المُجُرَائِ: ٤٩ / ١١-١٣
التفسير والبيان:
هذه أخلاق الإسلام وآدابه العالية أدَّب الله تعالى بها عباده المؤمنين وهي:
اً - النهي عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم وازدراؤهم والاستهزاء
بهم :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَ نِسَآءُ
مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرٌ مِنْهُنَّ﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله لا يهزأ رجال
من آخرين، فربما كان المسخور بهم عند الله خيراً من الساخرين بهم، أو قد
يكون المحتقَر أعظم قدراً عند الله تعالى وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له،
فهذا حرام قطعاً، ذكر فيه علة التحريم أو النهي، كما قال بعضهم:
لا تُمِنِ الفقير علّك أن تركع يوماً، والدهر قد رفعه
فقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ تعليل للنهي:
وقال ◌َله - فيما رواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة: ((رُبَّ
أشعث أغبر ذي طِمْرين(١) تنبو عنه أعين الناس، لو أقسم على الله لأبرّه)).
ورواه أحمد ومسلم بلفظ: ((رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو قسم على الله
أبرّه)) .
وبالرغم من أن النساء يدخلن عادة في الخطاب التشريعي مع الرجال، فقد
أفردهن بالنهي هنا دفعاً لتوهم عدم شمول النهي لهن، وأكد معنى النهي للنساء
أيضاً، وذلك بالأسلوب نفسه، فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي
النساء، بصيغة الجمع؛ لأن أغلب السخرية تكون في مجامع النساء، فقال:
ولا يسخر نساء من نساء، فلعل المسخور منهن يكنَّ خيراً من الساخرات.
ولا يقتصر النهي على جماعة الرجال والنساء، وإنما يشمل الأفراد؛ لأن
علة النهي عامة، فتفيد عموم الحكم لعموم العلة.
(١) الطِّمْر: الثوب الخَلَق البالي.

٥٨٣
◌ِلُعُ (٢٦) - الحُعَراتِ: ٤٩ / ١١-١٣
أخرج مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَله: ((إن الله لا ينظر إلى صُوَركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم)) فالتميز إنما يكون بإخلاص الضمير، ونقاء القلب، وإخلاص
الأعمال لله عز وجل، لا بالمظاهر والثروات، ولا بالألوان والصور، ولا
بالأعراق والأجناس.
أَ - النهي عن الهمز واللمز، أي التعبيب بقول أو إشارة خفية:
﴿ وَلَا نَلْمِزُوْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تلمزوا الناس، ولا يطعن بعضكم على بعض،
ولا يعب بعضكم بعضاً بقول أو فعل أو إشارة. وقد جعل الله لمز بعض
المؤمنين لمزاً للنفس؛ لأنهم كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن أخاه، فكأنما
عاب نفسه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩/٤] أي
لا يقتل بعضكم بعضاً. أخرج أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير عن النبي وَلقر
قال: ((المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه
اشتکی کله)» .
والهماز اللماز مذموم ملعون، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ ثُمَرَةٍ
﴾ [الهمزة: ١/١٠٤]. والهمز يكون بالفعل، واللمز يكون بالقول، وقد
عاب الله من اتصف بذلك في قوله :
﴾ [القلم: ١١/٦٨]
بنَمِيمٍ
هَمَّازِ
4:
أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنً بهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز
بالمقال(١).
والفرق بين السخرية واللمز: أن السخرية احتقار الشخص مطلقاً، على
وجه مضحك بحضرته، واللمز: التنبيه على معايبه، سواء أكان على شيء
مضحك أم غيره، وسواء أكان بحضرته أم لا، وعلى هذا يكون اللمز أعم من
السخرية، ويكون من عطف العام على الخاص؛ لإفادة الشمول.
(١) انظر الفروق للقرافي: الفرق بين قاعدة الغيبة وقاعدة النميمة والهمز واللمز: ٢٠٩/٤

٥٨٤
الجُزْءُ (٢٦) - الخُطرائِ: ٤٩ /١١-١٣
٣ - التنابز بالألقاب أي التداعي بالألقاب التي يسوء الشخص سماعها :
﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ أي لا يلقّب بعضكم بعضاً لقب سوء يغيظه، كأن
يقول المسلم لأخيه المسلم: يا فاسق، يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي
أو یا نصراني، أو يقول لأي إنسان: يا كلب، يا حمار، يا خنزير، ويعزر المرء
القائل ذلك بعقوبة تعزيرية. وقد نص العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما
يكره، سواء أكان صفة له أم لأبيه أم لأمه، أم لكل من ينتسب إليه. والتنابز
يقتضي المشاركة بين الاثنين، وعبر بذلك لأن كل واحد سرعان ما يقابل
الآخر بلقب ما، فالنبز يفضي في الحال إلى التنابز، بعكس اللمز يكون غالباً
من جانب، ويحتاج للبحث عن عيب ما يرد به.
ويستثنى من ذلك: أن يشتهر بلقب لا يسوءُه، فيجوز إطلاقه عليه،
كالأعمش والأعرج من رواة الحديث. أما الألقاب المحمودة فلا تحرم ولا
تكره كما قيل لأبي بكر: عَتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين،
ولعلي: أبو تراب(١)، ولخالد: سيف الله، ولعمرو بن العاص: داهية
الإسلام.
﴿بِئْسَ اُلِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ اُلْإِيَمَنَّ﴾ أي ساء الوصف أن يسمى الرجل
فاسقاً أو كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته، أو أن يذكر بالفسوق بعد الدخول
في الإيمان. والفسوق: هو التنابر بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يفعلون
بعدما دخلوا في الإسلام وعقلوه. والمراد: ذم اجتماع صفة الفسوق بسبب
التنابز بالألقاب مع الإيمان، وذلك تغليظ وتنفير شديد، حيث جعل التنابز
فسقاً، وهو تعليل للنهي السابق.
﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُ الَِّمُونَ﴾ أي ومن لم يتب عما نهى الله عنه من
الأمور الثلاثة (السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب) فهو من الظالمين، بل
(١) لما عليه من التراب عندما أيقظه وَل* من نومه تحت نخيل في أرض بني مدلج.

٥٨٥
الجُزُ (٢٦) - الخُطرائِ: ٤٩ / ١١-١٣
هم لا غيرهم الظالمون أنفسهم، بسبب العصيان بعد الطاعة، وتعريض النفس
للعذاب.
وسبب وصف العضاة بالظلم: أن الإصرار على المنهي كفر؛ إذ جَعَل
المنهي كالمأمور، فوضع الشيء في غير موضعه.
٤- النهي عن سوء الظن وتحريمه:
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِنْهٌ﴾ أي يا أيها
المصدقون بالله ورسوله، ابتعدوا عن كثير من الظن، فيشمل بعض الظن وهو
أن يظن بأهل الخيرسوءاً، وهذا هو الظن القبيح، وهو متعلق بمن ظاهره
الصلاح والخير والأمانة.
أما أهل السوء والفسوق المجاهرون بالفجور، كمن يسكر علانية أو
يصاحب الفاجرات، فيجوز ظن السوء به لتجنبه والتحذير من سلوكه، دون
تكلم عليه، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم.
ثم علل الله تعالى النهي بأن بعض الظن وهو ظن السوء بأهل الخير، أو ظن
الشر بالمؤمن ذنب مؤثم أي موقع في الإثم، لنهي الله عنه، كما قال تعالى:
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَرَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢/٤٨] أي هلكى.
وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم سوء الظن بالمؤمن، منها ما رواه ابن
ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي وَّ يطوف
بالكعبة ويقول: (( ما أطيَبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك،
والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله
ودمه، وأن يظن به إلا خيراً)). قال ابن عباس في الآية: نهى الله المؤمن أن
يظن بالمؤمن إلا خيراً.
ومنها ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله

٥٨٦
الجُزءُ (٢٦) - الخُطْرَارِ: ٤٩ /١١-١٣
عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا
تجسّسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا
تَدَابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)).
وفي رواية أخرى لمسلم والترمذي: ((لا تَقَاطعوا ولا تدابروا، ولا
تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر
أخاه فوق ثلاثة أيام)) والتدابر: الهجر والقطيعة.
٥- تحريم التجسس:
﴿وَلَا تَسَّسُواْ﴾ أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، وتستكشفوا
ما ستروه، وتستطلعوا أسرارهم، فالتجسس: البحث عما هو مكتوم عنك
من عيوب المسلمين وعوراتهم. أما التحسس: فهو البحث عن الأخبار،
والاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم.
أخرج أبو داود وغيره عن أبي بَرْزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله وَل
فقال: ((يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تَتَّبعوا عورات
المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين، فضحه الله في قعر بيته)).
وأخرج الطبراني عن حارثة بن النعمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَّ: «ثلاث لازمات لأمتي: الطَّيَرَة(١) والحسد وسوء الظن، فقال رجل:
(١) الطيرة: ما يتشاءم به من الفأل الرديء، والأدق أن يقال: التطير: هو الظن السيئ الكائن في
القلب، والطيرة: هو الفعل المرتب على هذا الظن من فرار أو غيره، وكلاهما حرام؛ لأنه
(كان ﴿﴿ يحب الفأل الحسن، ويكره الطيرة)) ولأنها من باب سوء الظن بالله تعالى. والفأل :.
هو ما يظن عنده الخير، عكس الطيرة والتطير، والفأل الحسن: كالكلمة الحسنة والتسمية
بالاسم الحسن، والفأل الحرام: كأخذ الفأل من المصحف وضرب الرمل والقرعة والضرب
بالشعير، وجميع هذا النوع حرام؛ لأنه من باب الاستقسام بالأزلام. والأزلام: أعواد كانت
في الجاهلية: مكتوب على أحدهما: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، وعلى الآخر: غفل،=

٥٨٧
الجُرُ (٢٦) - الخطرات: ٤٩ / ١١-١٣
وما يُذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ◌َله: إذا حسدتَ فاستغفر الله،
وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطَّرت فامض )).
وأخرج أبو داود أيضاً عن أبي أمامة وآخرين من الصحابة رضي الله عنهم
عن النبي وَّ قال: ((إن الأمير إذا ابتغى الريبة من الناس أفسدهم)).
قال أبو قلابة: حُدِّث عمر بن الخطاب أن أبا مِجَن الثقفي يشرب الخمر
مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا
رجل، فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس،
فخرج عمر وترکه.
٩ - تحريم الغيبة، وهي ذكرك أخاك بما يكره:
﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَّأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا
فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي لا يذكر بعضكم بعضاً في غيبته بما يكره، سواء أكان الذكر
صراحة أم إشارة أم نحو ذلك، لما فيه من الأذى بالمغتاب. وهو يتناول كل ما
يكره، سواء في دينه أو دنياه، في خُلُقه أو خَلْقه، في ماله أو ولده أو زوجته أو
خادمه أو لباسه ونحو ذلك.
وقد فسر النبي مَ ﴿ الغيبة فيما رواه أبو داود والترمذي وابن جرير عن أبي
هريرة قال: قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال وَله: ((ذِكْرك أخاك بما يكره،
قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ◌َله: إن كان فيه ما تقول فقد
= فيخرج أحدها، فإن وجد عليه: افعل، أقدم على حاجته، أو لا تفعل، أعرض عنها واعتقد
أنها ذميمة، أو خرج المكتوب عليه: غفل، أعاد الضرب، فهو طلب قسمة الغيب بتلك
الأعواد، ويسمى استقساماً، أي طلب القسم الجيد من الرديء ( انظر الفروق للقرافي،
الفرق بين قاعدة التطير وقاعدة الطيرة وما يحرم منهما وما لا يحرم، والفرق بين قاعدة الطيرة
وقاعدة الفأل الحلال والفأل الحرام: ٢٣٨/٤، ٢٤٠).

٥٨٨
الُُ (٢٦) - الخُطْرَائِ: ٤٩ / ١١-١٣
اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَّه)) أي فإن كان الوصف موجوداً فيه
فهو الغيبة، وإن كان مفترىً والمغتاب خال من ذلك، فذلك هو البهتان.
وروى أبو داود أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلّ:
حسبك من صفية كذا وكذا - أي قصيرة- فقال ◌َ له: (لقد قلت كلمة لو
مزجت بماء البحر لمزجته)) قال معاوية بن قُرَّة: لو مرَّ بك رجل أقطع (مقطوع
اليد) فقلت: هذا أقطع كان غيبة.
ثم شبَّ الله تعالى الغيبة بأكل لحم الإنسان الميت للتنفير، وهو أيحب أحدكم
أن يتناول لحم أخيه بعد موته؟ فكما كرهتم هذا، فاجتنبوا ذكره بالسوء
غائباً، فإنه تعالى مثّل الغيبة بأكل جثة الإنسان الميت، وهذا من التنفير؛ فإن
لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، فضلاً عن كونه محرَّماً
شرعاً، وفي الآية أنواع من المبالغات: منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه،
وإسناد الفعل إلى ﴿أَحَدُكُمْ﴾ للإشعار بأن لا أحد يحب ذلك، وتقييد
المكروه بأكل لحم الإنسان، وتقييد الإنسان بالأخ، وجعل الأخ أو اللحم
ميتاً، فيه مزيد تنفير للطبع.
وهذا دليل على تحريم الغيبة وعلى قبحها شرعاً، لذا كانت الغيبة مُحرَّمة
بالإجماع وعلى المغتاب التوبة إلى الله والاستحلال ممن اغتابه، ولا يستثنى من
ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله الڼ
لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر فيما رواه البخاري عن عائشة: «ائذنوا
له، بئس أخو العشيرة)). وكقوله وَيهو لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد
خطبها معاوية وأبو الجهم: (( أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما
معاوية فصعلوك لا مال له))(١).
(١) سبل السلام: ١٢٩/٣ ط البابي الحلبي.

٥٨٩
إِلُعُ (٢٦) - الخُطُرَائِ: ٤٩ / ١١-١٣
وتحريم الغيبة مرتبط بحماية الكرامة الإنسانية، ثبت في الأحاديث الصحيحة
من غير وجه أنه رَسير قال في خطبة حجة الوداع فيما رواه الشيخان عن أبي
بكرة: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا،
في شهركم هذا، في بلدكم هذا )».
وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((كل
المسلم على المسلم حرام: ماله وعِرْضه ودمه، حَسْبُ امرئ من الشر أن يحقِر
أخاه المسلم)) .
وروى أبو داود أيضاً عن أبي بُرْدة البلوي قال: قال رسول الله وَله: ((يا
معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا
تتّبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته،
يفضحه في بيته)) .
﴿وَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ أي واتقوا الله فيما أمركم به ونها كم عنه،
فراقبوه في ذلك واخشوا منه، واكرهوا الغيبة وتباعدوا عنها، إن الله تواب .
علی من تاب إلیه، رحیم بمن رجع إليه واعتمد عليه.
قال جمهور العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك، وأن
يعزم على ألا يعود، ويندم على ما فعل، وأن يتحلل من الذي اغتابه، وقال
آخرون: لا يشترط أن يتحلله، فإنه إذا أعلمه بذلك، ربما تأذى أشد مما إذا
لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذن أن يثني عليه في المجالس التي كان يذمه فيها،
وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، لتكون تلك بتلك، كما روى الإمام أحمد
وأبو داود عن معاذ بن أنس الجُهَني رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ((من
حمى مؤمناً من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه مَلَكاً يحمي لحمه يوم القيامة
من نار جهنم، ومن رمى مؤمناً بشيء يريد سبه، حبسه الله تعالى على جسر
جهنم حتى يخرج مما قال)) .

٥٩٠
الجُرُ (٢٦) - الأعراف: ٤٩ /١١-١٣
لاً- المساواة بين الناس في الأصل والمنشأ، والتفاضل بالتقوى:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ
كان النداء السابق لأهل
١٣
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِمٌ خَبِيٌ
الإيمان لتأديبهم بالأخلاق الفاضلة، ونادى هنا بصفة الناس الذي هو اسم
الجنس الإنساني، ليناسب بيان المطلوب، ويؤكد ما نهى عنه سابقاً، وليعمم
الخطاب للناس جميعاً منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق،
فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية.
والمعنى: أيها البشر، إنا خلقناكم جميعاً من أصل واحد، من نفس واحدة،
من آدم وحواء، فأنتم متساوون، لأن نسبكم واحد، ويجمعكم أب واحد وأم
واحدة، فلا موضع للتفاخر بالأنساب، فالكل سواء، ولا يصح أن يسخر
بعضكم من بعض، ويلمز بعضكم بعضاً، وأنتم إخوة في النسب.
وقد جعلناكم شعوباً (أمة كبيرة تجمع قبائل) وقبائل دونها لتتعارفوا لا
لتتناكروا وتتحالفوا، والمقصود أن الله سبحانه خلقكم لأجل التعارف، لا
للتفاخر بالأنساب.
وإن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى، فمن اتصف بها كان هو الأكرم
والأشرف والأفضل، فدعوا التفاخر، إن الله عليم بكم وبأعمالكم، خبير
ببواطنكم وأحوالكم وأموركم.
والآية دليل للمالكية الذين لم يشترطوا الكفاءة في الزواج، سوى الدين؛
لِقَوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾
وقد وردت أحاديث صحاح كثيرة، منها ما رواه أبو بكر البزار في مسنده
عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقول: ((كلكم بنو آدم وآدم خلق
من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونُن أهون على الله تعالى من
الجُعْلان)).

٥٩١
الجُزءُ (٢٦) - المُعُراتِ: ٤٩ / ١١-١٣
وروى ابن أبي حاتم والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: طاف
رسول الله بقليل يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في
يده، فما وجد لها مُنَاخاً في المسجد، حتى نزل وَليل على أيدي الرجال، فخرج
بها إلى بطن المسيل، فأنيخت، ثم إن رسول الله وقالر خطبهم على راحلته،
فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
((يا أيها الناس، إن الله تعالى قد أذهب عنكم عَيْبة الجاهلية وتعظمها
بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرّ تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي
هيِّن على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ
وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ (٤) ثم قال وَّر: أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم))(١).
وروى الطبري في آداب النفوس قال: ((خطب رسول الله وح لول بمنى في وسط
أيام التشريق، وهو على بعير، فقال:
((يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي
على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا الأحمر على
أسود إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ قالوا: نعم، قال: فليبلّغ الشاهد
الغائب)).
وقد تقدم ذكر حديث مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: ((إن الله لا ينظر إلى
صُوَركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )) وعند الطبراني عن أبي
مالك الأشعري قال: قال رسول الله وَ لقول: ((إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا
إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن
كان له قلب صالح تحنّ الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم، وأحبكم إليه أتقاكم)).
(١) فيه راوٍ ضعيف، وهو عبد الله بن جعفر، والد علي بن المديني.

٥٩٢
الجُزءُ (٢٦) - الخُطَرَائِ: ٤٩ / ١١-١٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
اً - حرَّم الله تعالى بدلالة النهي في الآية الأولى ثلاثة أشياء: هي
السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، ومن فعل ما نهى الله عنه منها فذلك
فسوق، وهو لا يجوز، وهو من الظالمين أنفسهم بتعريضها بسبب ظلمه غيره
إلى العذاب والعقاب إن لم يتب، والعلة واضحة وهي احتمال أن يكون
المسخور منه والملموز والملقّب خيراً ممن عابه.
واستثنى من التنابز بالألقاب المكروهة من غلب عليه اللقب في الاستعمال
والشهرة، فلم يعد يعرف إلا بها، كالأعرج والأحدب والأعمش.
أما الألقاب الحسنة كالصدّيق لأبي بكر، والفاروق لعمر، وذي النورين
لعثمان، وتلقيب خزيمة بذي الشهادتين، وأبي هريرة بذي الشمالين،
والخرباق بن عمرو بذي اليدين، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، فذلك
جائر مقبول مألوف بين العرب والعجم. لهذا كانت التسمية بالأسماء الحسنة
مطلوبة. ذكر الزمخشري: روي عن النبي ◌َّر: ((من حق المؤمن على المؤمن أن
يسمِّيه بأحب أسمائه إليه)) وكانت التكنية من السنة والأدب الحسن. قال عمر
رضي الله عنه: ((أشيعوا الكُتَّى فإنها منِّهة)) وقد لقّب أبو بكر بالعتيق
والصديق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقل من
المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة
في الأمم كلها- من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير
نكير .
أَ - كذلك حرَّم الله سبحانه بدلالة النهي أيضاً في الآية الثانية ثلاثة
أشياء: هي سوء الظن بأهل الخير والصلاح والإيمان، والتجسس، والغيبة.

٥٩٣
الجُزءُ (٢٦) - الخُعرات: ٤٩ /١١-١٣
والظن أنواع(١):
الأول - ظن واجب أو مأمور به: كحسن الظن بالله تعالى وبالمؤمنين، كما
جاء في الحديث القدسي فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن
أبي هريرة: ((أنا عند ظن عبد بي)) وقال النبي ◌ُّ: فيما رواه أحمد ومسلم وأبو
داود وابن ماجه عن جابر: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله)) وقال
أيضاً فيما رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة: ((حسن الظن من حسن
العبادة)) ومثل قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات
وأروش الجنايات غير المقدرة شرعاً.
الثاني- ظن محظور أو حرام، كسوء الظن بالله، وبأهل الصلاح،
وبالمسلمين مستوري الحال، ظاهري العدلة، قال النبي ◌ُّ: ((إن الله حرم من
المسلم دمه وعرضه، وأن يُظنَّ به ظنَّ السوء)) ذكره القرطبي والألوسي، وقال
أيضاً عن عائشة مرفوعاً: (( من أساء بأخيه الظن فقد أساء الظن بربه، إن الله
تعالى يقول: اجتنبوا كثيراً من الظن؟)).
روى أبو داود عن صفية قالت: كان رسول الله وَليل معتكفاً. فأتيته أزوره
ليلاً، فحدثته وقمت، فانقلبت فقام معي ليقلبني(٢)، وكان مسكنها في دار
أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي وَ لّ أسرعا، فقال
النبيِ وَّه: ((على رِسْلكما، إنها صفية بنت حُبَيّ)) قالا: سبحان الله، يا رسول
الله! قال: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يَقْذِف في
قلوبكما شيئاً أو سوءاً))(٣).
(١) انظر وقارن وراجع عمدة القاري شرح البخاري للعيني: ١٣٧/٢٢، الطباعة المنيرية، ١٨/
١٧٩ ط البابي الحلبي.
(٢) أي فانصرفت فقام معي ليصرفني.
(٣) أحكام القرآن للجصاص: ٤٠٦/٣

٥٩٤
الُعُ (٢٦) - الخُطُرَائِ: ٤٩ /١١-١٣
أما من يجاهر بالخبائث أو يتعاطى الريب، فلا يحرم إساءة الظن به، فليس
الناس أحرص منه على نفسه، وقد أمر الله أن يتجنب الإنسان مواضع الريبة
ومواقف التهم.
الثالث- ظن مندوب إليه: كإحسان الظن بالأخ المسلم، وإساءة الظن إذا
كان المظنون به ظاهر الفسق، قال وَلجر: ((من الحزم سوء الظن)) وقال أيضاً
فيما رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أنس، وهو ضعيف: (احترسوا
من الناس بسوء الظن)) . فإذا كان الظن لاتقاء الشر ولا يتعدى إلى الغير، فهو
من هذا النوع، محمود غير مذموم، وعليه يحمل هذان الحديثان، وما جاء في
الحكم: ((حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة)).
وحرمة سوء الظن بالناس: إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى
الغير.
الرابع- ظن مباح: كالظن في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية العملية
بالاجتهاد، والعمل بغالب الظن في الشك في الصلاة، كم صلى ثلاثاً أو
أربعاً.
وأما التجسس فهو من الكبائر وهو البحث عن الأمور المكتومة أو السرية،
ومنه الجاسوس، وكذلك التحسس وهو الاستماع لحديث القوم وهم له
كارهون حرام أيضاً، لكنه قد يستعمل في البحث عن الخير، كما قال تعالى:
﴿فَتَحََسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧/١٢].
والغيبة أيضاً حرام، وهي من الكبائر بالإجماع كما ذكر القرطبي، وأن من
اغتاب أحداً عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، مع استحلال المغتاب في رأي
جماعة، ودون استحلاله في رأي آخرين كما تقدم.
والفرق بين الغيبة والإفك والبهتان: أن الغيبة أن تقول في أخيك ما هو
:

٥٩٥
الجُرُ (٢٦) - الأعراف: ٤٩ /١١-١٣
فيه، والإفك: أن تقول فيه ما بلغك عنه، والبهتان: أن تقول فيه ما ليس فيه.
والله تعالى نفّر من الغيبة أشد تنفير، مشبهاً الاغتياب بأكل لحم الإنسان ميتاً.
وقد ذكر العلماء أشياء ليس لها حكم الغيبة، فالغيبة لا تحرم إذا كانت
لغرض صحيح شرعاً لا يتوصل إليه إلا به وهي ستة أمور (١):
الأول- التظلم: فلمن ظلم تقديم شكوى للحاكم لإزالة ظلمه، لحديث
أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة: «دعوه فإن لصاحب الحق
مقالاً)) وحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: ((مَظْل
الغني ظلم)) أو (ليُّ الواجد يُحِلّ عِرْضه وعقوبته)) رواه أبو داود
والنسائي وابن ماجه عن الشرید.
الثاني - الاستعانة على تغيير المنكر: بأن يذكره لمن يظن قدرته على تغييره،
لقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾
[النساء: ٤ /١٤٨] .
الثالث- الاستفتاء: كأن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا، فما طريق
الوصول إلى حقي؟ لقول هند للنبي ◌ّ في الحديث المتفق عليه عن
عائشة: ((إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي،
فآخذ من غير علمه؟ فقال النبي ◌َّر: نعم فخذي)).
الرابع- التحذير من الفسّاق: فلا غيبة لفاسق فاجر كمدمن خمر وارتياد
أماكن الفجور، للحديث الذي رواه الطبراني وابن حبان في الضعفاء
وابن عدي عن بهز بن حكيم: ((اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس))
وفي رواية للبيهقي عن أنس، وهو ضعيف: ((من ألقى جلباب الحياء،
فلا غيبة له، واتقوا الله فيما نهاكم، وتوبوا فيما وُجد منكم))(٢).
(١) انظر الإحياء للغزالي: ١٣٢/٣
(٢) أما حديث (لا غيبة الفاسق) فلم يصح.

٥٩٦
الُرُ (٢٦) - الأعراف: ٤٩ /١١-١٣
الخامس- التحذير من شر عام: كجرح الشهود والرواة والمصنفين
والمفتين مع عدم الأهلية، ونصح الخاطب والشريك ونحو ذلك.
السادس- التعريف بلقب مشهور إذا لم تمكن المعرفة بغيره، كالأعور
والأعمش والأعرج. وصنف القرافي ما استثناه العلماء من الغيبة
المحرمة وهي ست صور كما يلي: النصيحة، والتجريح والتعديل في
الشهود، والمعلن بالفسوق، وأرباب البدع والتصانيف المضلة، ينبغي
أن يشهر الناس فسادها وعيبها، والعلم السابق بالمغتاب به بين
المغتاب والمغتاب عنده، والدعوى عند ولاة الأمور (١).
◌َّ - ذكرت الآية الثالثة أشياء: المساواة، وتعارف المجتمع الإنساني،
وحصر التفاضل بالتقوى والعمل الصالح.
أما المساواة: فالناس سواسية كأسنان المشط في الأصل والمنشأ الإنساني،
فهم من أب وأم واحدة، وفي الحقوق والواجبات التشريعية، وهذه أصول
الديمقراطية الحقة.
وقد أبان الله أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، ولو شاء لخلقه من غيرهما
كخلقه لآدم، أو دون ذَكَر كخلقه لعيسى عليه السلام، أو دون أنثى كخلقه
حواء.
وأما التعارف: فإن الله خلق الخلق أنساباً وأصهاراً، وقبائل وشعوباً من
أجل التعارف والتواصل والتعاون، لا للتناكر والتقاطع، والمعاداة واللمز
والسخرية والغيبة المؤدية إلى التنازع والعداوة، ولا للتفاخر بالأنساب
والأعراق والأصول، فكل ذلك اعتبارات وهمية مصطنعة تتعارض مع وحدة
الأصل والمنشأ الإنساني.
(١) الفروق: الفرق بين الغيبة المحرمة والغيبة التي لا تحرم: ٢٠٥/٤-٢٠٨

٥٩٧
الجُزُ (٢٦) - المُطرائِ: ٤٩ / ١١-١٣
وأما التقوى: فهي ميزان التفاضل بين الناس، فالأكرم عند الله، الأرفع
منزلة لديه تعالى في الدنيا والآخرة هو الأتقى الأصلح لنفسه وللجماعة، فإن
حدث تفاخر فليكن بالتقوى التي هي التزام المأمورات واجتناب المنهيات.
أخرج الترمذي عن سُرَة عن النبيِ نَِّ قال: «الحَسَبُ المال، والكرم
التقوى)) وفي حديث آخر: ((من أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله)).
وعن أبي هريرة عن النبي ◌َّر: ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة: إني جعلت
نَسَباً، وجعلتم نسباً، فجعلت أكرمكم وأتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا: فلان
ابن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتقون، أين
المتقون؟!)).
وروى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول الله وَ له قال: ((إن أوليائي
المتقون يوم القيامة، وإن كان نسب أقرب من نسب، يأتي الناس بالأعمال،
وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد، فأقول: هكذا وهكذا))
وأعرض في كل عِطْفيه.
٤ - احتج مالك بآية ﴿إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنَتَّى﴾ على عدم اشتراط
النسب في الكفاءة في الزواج إلا الدين، فيجوز زواج الموالي بالعربية، وقد
تزوج سالم مولى امرأة من الأنصار هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وتزوج
بلال أخت عبد الرحمن بن عوف، وتزوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش،
فالكفاءة إنما تراعى في الدِّين فقط. قال ◌َّ﴿ في الحديث الذي رواه الجماعة
(أحمد وأصحاب الكتب الستة): (( تُنْكَح المرأة لمالها وحسبها وجمالها
ولدينها، فاظفر بذات الدِّين، تَرِبَتْ يداك)).
وقال الجمهور: يراعى الحسب والمال، عملاً بالأعراف، ومراعاة لواقع
الحياة المعيشية، وتحقيقاً لهدف الزواج وهو الدوام والاستقرار.

٥٩٨
الجُزءُ (٢٦) - الخُعرات: ٤٩ /١٤-١٨
أصول الإيمان الصحيح
قَالَتِ اُلْأَعْرَابُ ءَنَّاً قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
اُلْإِيَمْنُ فِ قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُم مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ
غَفُورُ زَحِيمٌ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ ﴿ قُلْ
أَتْعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ
شَىْءٍ عَلِيهُ
١٦
عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿لَا يَلِتَّكُمْ﴾:
وقرأ أبو عمرو (لا يألِتْكم).
«تَعْمَلُونَ﴾:
وقرأ ابن كثير (يعملون).
الإعراب:
﴿لَا يَلِتَّكُمْ مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئاً﴾: ﴿يَلِتَّكُمْ﴾ من لات يليت، مثل باع يبيع،
وقرئ: لا يألتكم، من ألت يألِت، والقراءتان بمعنى واحد، يقال: لات
يليت، وألت يألِت: إذا نقصه.
﴿لَا تَمُنُواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض أي بإسلامكم، أو يضمن
الفعل معنى الاعتداد.

٥٩٩
لُعُ (٢٦) - الأعراف: ٤٩ /١٤-١٨
البلاغة:
﴿ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿قُلْ أَتْعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ
المفردات اللغوية:
﴿اَلْأَعْرَابُ﴾ سكان البادية. ﴿ءَامَنَّاً﴾ صدّقنا بما جئت به من الشرائع،
وامتثلنا الأوامر، والإيمان: التصديق بالقلب مع الثقة والطمأنينة. ﴿أَسْلَمْنَا﴾
انقدنا ظاهراً، والإسلام: الاستسلام والانقياد الظاهري وإظهار الشهادتين
وترك المحاربة. ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ آلْإِيمَنُ﴾ لم يدخل الإيمان في قلوبكم إلى الآن،
لكنه يتوقع منكم . ﴿وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالإخلاص وترك النفاق، ﴿لَا
يَلِتَّكُمْ﴾ لا ينقصكم. ﴿مِّنْ أَعْمَلِكُمْ﴾ من ثواب أعمالكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما
فرط من المؤمنين .﴿رَّحِيمٌ﴾ بالتفضل عليهم.
﴿إِنَّمَا أُلْمُؤْمِنُونَ﴾ الصادقو الإيمان، بدليل ما بعده. ﴿لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ لم يشكّوا
في شيء من الإيمان. ﴿ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعة الله
ورضوانه . ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَدِّقُونَ﴾ هم الذين صدقوا في إيمانهم، لا من
قالوا: آمنا ولم تؤمن قلوبهم، ولم يوجد منهم غير الإسلام الظاهري.
﴿قُلْ أَتْعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أتخبرونه بقولكم: آمنا؟. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى
السَّمَتِ﴾ لا يخفى عليه خافيه، وهو تجهيل لهم وتوبيخ . ﴿يَمُنُّونَ﴾ يمتنون
ويعدون إسلامهم عليك مِنّة ونعمة مسداة لك . ﴿لَّا تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ﴾ أي
لا تمتنوا عليَّ بإسلامكم. ﴿بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ أي بحسب
زعمكم، علماً بأن الهداية لا تستلزم الاهتداء . ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في ادعاء
الإيمان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فلله المنة والفضل
علیکم.

٦٠٠
الدع (٢٦) - الزفرات: ٤٩ / ١٤-١٨
﴿غَيْبَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ ما غاب فيهما. ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في
سركم وعلانيتكم، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤):
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ : نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، قدموا المدينة في
سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وكانوا يقولون
لرسول الله وَ له: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان،
فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية(١)
وقال السُّدِّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مُزَيْنة
وجُهَيْنة وأسْلَم وغِفار والدِّيل وأشجع، قالوا: آمنًا ليأمَنوا على أنفسهم
وأموالهم، فلما استُنفِروا إلى المدينة تخلّفوا(٢).
المناسبة:
بعد أن حث الله تعالى على التقوى، قالت الأعراب: لنا النسب الشريف،
فلنا الشرف، فذمّهم الله تعالى، وأبان ضعف إيمانهم، وحدد أصول الإيمان
الصحيح: وهي التصديق بالله ورسوله، والإخلاص في القلب، والجهاد
بالنفس والمال في سبيل الله وطاعته وإعلاء دينه، وأخبر بأن الله يعلم ما في
السرائر والعلانية، فيعلم ما هم عليه من ضعف الإيمان وقوته، وأفاد بأنه لا
ينبغي لمؤمن أن يمتن على الرسول وَلو بإيمانه، بل يمن عليه بتوفيقه للهداية على
يد رسول آلێ.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص٢٢٥
(٢) تفسير القرطبي: ٣٤٨/١٦