النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
لُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
د- أهل فارس والروم وأهل الأوثان.
قال ابن جرير: إنه لم يقم دليل من نقل ولا من عقل على تعيين هؤلاء
القوم، فلندع الأمر على إجماله دون حاجة إلى التعيين.
ثم وعدهم الله تعالى بالثواب إن أطاعوا، وأوعدهم بالعذاب إن عصوا،
فقال: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرً حَسَنَّا وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي فإن تستجيبوا، وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا ما عليكم،
يعطكم الله ثواباً حسناً، وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وإن تعرضوا كما أعرضتم من قبل زمن الحديبية، حيث دعيتم فتخلفتم،
يعذبكم عذاباً شديداً مؤلماً بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في
الآخرة، لعظم جرمكم.
ثم استثنى الله تعالى أصحاب الأعذار من فرضية الجهاد ومن الوعيد على
التخلف، فقال:
﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي
ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار وهي العمى والعرج المستمر والمرض
المزمن، أو الطارئ أياماً حتى يبرأ إثم وذنب في التخلف عن الجهاد؛ لعدم
استطاعتهم. وقدم الأعمى على الأعرج؛ لأن عذره دائم مستمر.
قال مقاتل: هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية، وقد عَذَرهم.
ثم رغّب سبحانه وتعالى في الجهاد وطاعة الله تعالى ورسوله وجَّه، فقال:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبَهُ
عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي يطع الله تعالى ورسوله بَّر بإخلاص، فيجاهد مع المؤمنين
لإعلاء كلمة الله تعالى والدفاع عن دينه، يدخله الله في الآخرة جنات تجري

٥٠٢
لُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ /١١-١٧
من تحت قصورها الأنهار تتدفق عذوبة وتتلألأ بياضاً، ومن يعرض عن
الطاعة، ويعص الله تعالى ورسوله ◌َّه، فيتخلف عن القتال، يعذبه الله عذاباً
شديد الألم، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
وبالرغم من أن طاعة كل واحد من الله والرسول طاعة الآخر، فإنه جمع
بينهما بياناً لطاعة الله غير المرئي وغير المسموع كلامه، فقال: طاعته عز وجل
في طاعة رسوله ◌َهالر، وكلامه سبحانه يسمع من رسوله محملة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات الإخبار عن أحوال ثلاثة للمتخلفين:
الحالة الأولى- اعتذارهم بالأموال والأهل: وهذا يدل على الأمور التالية:
اً - إن اعتذار جماعة من الأعراب كانوا حول المدينة كان بعذر سطحي
واهٍ هو الانشغال بالأموال والأهل، أي ليس لهم من يقوم بهم، بعد أن
استنفرهم النبي ◌َّمِ ليخرجوا معه حَذَراً من قريش، وأحرم بعُمْرَة وساق معه
الهَذْي (شاة ونحوها) ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقلوا عنه واعتلوا
بالشغل، فنزلت الآية في شأنهم، وسموا بالمخلَّفين أي المتروكين.
وأحسوا بضعف موقفهم، فقالوا لرسول الله وَلّ: ﴿فَأَسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ يعني
فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة، فاستغفر لنا واعف عنا في أمر
الخروج.
وهذا إن قبل مع الناس فلا يقبل مع الله تعالى المطلع على حقائق الأمور،
لذا دل هذا الموقف على قصور النظر، فضلاً عن سوء الاعتقاد والجهل.
أَ - لقد فضحهم الله تعالى أيضاً، وكذبهم بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس
في قلوبهم، وهذا هو النفاق المحض، فهم قوم منافقون، ينطبق عليهم العذاب
المذكور في الآية السابقة: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ﴾ [٦].

٥٠٣
الزُّعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ١١-١٧
◌َ - وردَّ الله تعالى عليهم أيضاً حين ظنوا أن التخلف عن الرسول بول
يدفع عنهم الضُّر، ويعجل لهم النفع، والضُّر: اسم لما ينال الإنسان من الهزال
وسوء الحال. والنفع: ضد الضر.
ومضمون الرد بإيجاز: لن يستطيع أحد دفع ما أراده الله في عباده من خير
أو شر.
٤ - وزيَّف الله تعالى مُدَّعاهم، وافتضح شأنهم، وأبان سوء ظنهم حين
قالوا: إن محمداً وأصحابه أَكَلَة رأس(١) لا يرجعون، وزعموا أن الرسول
والمؤمنين سيقتلون ويستأصلون، ولن يعودوا إلى أهليهم أبداً؛ لأنهم قالوا:
أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة، فكيف يكون حالهم إذا دخل المسلمون
بلادهم، وأحاطوا بهم؟!
وزيَّن الشيطان النفاق في قلوبهم، وظنوا ظناً سيئاً أن الله تعالى لا ينصر
رسوله وَقة، وبذلك جمعوا بين النفاق وسوء الظن وسوء التقدير.
لكل هذا أخبر الله تعالى عن حكمه فيهم وهو أنهم قوم بور، أي هلكى
فاسدون لا يصلحون لشيء من الخير.
ة - ثم أوعدهم الله تعالى بعذاب السعير، وأبان أنهم كفروا بالنفاق.
أَ - وأخبر تعالى عن قدرته الفائقة بتصرفه في أهل السماوات والأرض،
وأنه غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف بالجهاد وغيرهم ليثيب من آمن،
ويعاقب من كفر وعصى.
الحالة الثانية- طلب المسير إلى خيبر: وهذا يشير إلى ما يأتي:
اً - إنهم قوم أغبياء جهلة كذبة: فكيف اعتذروا سابقاً بالانشغال
بالأموال والأهل، والآن يطلبون المشاركة في السير إلى خيبر؟!
(١) أي هم قليل يشبعهم رأس واحد.

٥٠٤
الجزءُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ /١١-١٧
أَ - إنهم قوم ماديون: يفرون من مواطن الخوف والخطر واحتمال القتال
ويحرصون على أخذ غنائم الحرب حينما يحسون بضعف الأعداء وهم يهود
خيبر.
◌ًّ - إنهم قوم كفرة: يريدون أن يغيروا كلام الله وحكمه، وقدره ووعده
الذي وعد لأهل الحديبية؛ لأن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر، عِوَضاً عن
فتح مكة إذا رجعوا من الحديبية على صلح.
٤ - إنهم جماعة يستحقون النبذ والعزل المدني: لذا حكم الله تعالى بمنعهم
من الخروج مع المسلمين إلى خيبر.
٥ - إنهم مرضى القلوب لانطوائها على الحقد والحسد، ومن حقد على
الآخرين أو حسدهم ظن أن الآخرين مثله، لذا حاولوا اتهام المسلمين زوراً
وبهتاناً بأنهم يحسدونهم على أخذ شيء من الغنائم. وربما فهموا ذلك من قول
رسول الله وَله: ((إن خرجتم لم أمنعكم، إلا أنه لاسهم لكم)) فقالوا: هذا
حسد، فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه، وهو قوله
تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾.
٩ - إنهم قوم لا يفهمون: فلا يعلمون من الدين شيئاً أو قليلاً بسبب ترك
القتال، وإن كانوا يعلمون أمور الدنيا.
الحالة الثالثة- حقل التجربة بالمعارك القادمة: وهذا يدل على ما يأتي:
اً - أخبر تعالى زيادةً في تكذيبهم وافتضاح أمرهم أن ميدان القتال
مفتوح، فإن كانوا مسلمين صادقين فليجربوا أنفسهم في ملاقاة أقوام ذوي
بأس شديد، ومراس ونجدة.
أَ - فتح الله تعالى باب الأمل أمامهم، وأفادهم بأنهم إن أطاعوا أمر الله
تعالى ورسوله وسيلة وجاهدوا بحق يعطهم الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في

٥٠٥
الزُعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ١١-١٧
الآخرة، وإن أعرضوا في المستقبل عن الجهاد كما أعرضوا في الماضي عام
الحديبية، يعذبهم بعذاب مؤلم موجع وهو عذاب النار.
وقد استدل بعض المفسرين بآية: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسِ شَدِيرٍ﴾ على
صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني
حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم.
:
واستدلوا بآية ﴿نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على حكم من لا تؤخذ منهم الجزية،
وهم مشركو العرب والمرتدون، فالخيار مقيد فيهم بأمرين: إما المقاتلة وإما
الإسلام، لا ثالث لهما.
واستدل الفقهاء بآية ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ على إعفاء أصحاب الأعذار
من فريضة الجهاد، وهم الأعمى والأعرج عرجاً دائماً، والمريض المزمن أو
المريض مرضاً مؤقتاً يمنع من الخروج من المنزل إلى أن يبرأ. واقتصر النص
القرآني على الأصناف الثلاثة؛ لأن العذر إما بسبب اختلال القوة أو إخلال
في عضو، فيقاس عليهما ما في معناهما، كالفقر الذي يمنع من إحضار السلاح
حال التطوع بالجهاد ودون تقديمه من الدولة، والاشتغال بذوي الحاجة
والضعف كطفل ومريض، ونحو ذلك مما يعرف في الفقه. وقد ضبط الفقهاء
الأعذار المانعة من الجهاد بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.
فمن الأول: الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال،
والعرج البيّن، وفقد البصر، وعدم وجدان السلاح وآلات القتال.
ومن الثاني: الرق والدَّيْن الحالّ بلا إذن رب الدين، وعدم إذن أحد
الأبوين المسلمين.
ودل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ على الحث على الجهاد والترهيب
من ترك القتال، فإن من أطاع الله تعالى ورسوله وقوله وجاهد في سبيل الله،
٠٠

٥٠٦
.
الُ (٢٦) - الفَتح: ٤٨ / ١٨-١٩
أدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن أعرض عن المشاركة في
الجهاد، عذَّبه عذاباً شديد الألم، لعظم جُرْمه، وإساءته للمجتمع الإسلامي.
فإن الجهاد سبيل لدحر العدوان، وطرد المعتدين، والتخلص من أذاهم،
وهو طريق العزة والكرامة، وصون الاستقلال، وحماية حرمات البلاد
والأوطان، والحفاظ على كيان الأمة، ولولاه لذابت الأمم، وزالت الأديان
والقيم، وانصهرت الجماعات، ولحق الذل والهوان والاستعباد بالشعوب إلى
الأبد، أو إلى أن تصحو وتستيقظ من رقادها وسباتها، وتنفض الذل عن
هاماتها.
لذا جعله الله فريضة على المؤمنين، وإن كان مكروهاً على النفس، ليعلم
الصادق في إيمانه، الصابر على تحمل مشاق التكاليف، واختبار أعمال الناس
حسنات أو سیئات، فیجازيهم بها.
وهو ذروة سنام الإِسلام، وسبيل إلى جنان الخلد، والشهداء أحياء عند
ربهم يرزقون، وهم في درجة الأنبياء والصدّيقين، وحسن أولئك رفيقاً.
جزاء أهل بيعة الرضوان
لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى
﴿﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَاً
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا
١٩
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
البلاغة:
﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ التعبير بصيغة المضارع المفيد للحال عن الماضي
. . لاستحضار صورة المبايعة.

٥٠٧
الجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١٨-١٩
المفردات اللغوية:
﴿رَضِىَ﴾ الرضى: ما يقابل السخط ﴿عَنِ الْمُؤْمِينَ﴾ أهل الحديبية،
ورضى الله عنهم لمبايعتهم رسول الله وَلقر، وكان عددهم على الأصح ألفاً
وأربع مئة، ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ يبايعون الرسول وَّل على أن يقاتلوا قريشاً، ولا
يفرّون منهم، ولا يخشون الموت ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ هي سَُرة (وهي شجرة
الطلح أو السنط) ﴿وَأَثَبَهُمْ﴾ كافأهم على عملهم.
﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ علم الله ما في قلوبهم من الصدق والوفاء وإخلاص
البيعة ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة والأمن وسكون النفس بالتشجيع أو
الصلح ﴿وَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيِبًا﴾ جازاهم على بيعة الرضوان بفتح خيبر، بعد
انصرافهم من الحديبية.
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ أي وأثابهم أيضاً مغانم خيبر يأخذونها، وكانت خيبر
ذات بساتين نخيل ومزارع، قسمها رسول الله ولو بين أهل الحديبية المقاتلة،
فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهماً ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي كان الله وما
يزال غالباً قوياً، مراعياً مقتضى الحكمة في تدبير خلقه.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال:
(بينا نحن قائلون(١)، إذ نادى منادي رسول الله وَله، يا أيها الناس، البيعةَ
البيعةً، نزل روح القُدُس، فسرنا إلى رسول الله وَّر، وهو تحت شجرة سُرة،
فبايعناه، فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية)).
فبايع لعثمان بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئاً لك لابن
(١) نائمون نوم القيلولة.
٨

٥٠٨
الجُزُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١٨-١٩
عفان، يطوف بالبيت ونحن هنا، فقال رسول الله وَله: ((لو مكث كذا وكذا
سنة، ما طاف حتى أطوف)) .
وروي أنه لما نزل الحديبية بعث حِراش بن أمية الخزاعي إلى أهل مكة، .
فهمُّوا به، فمنعه الأحابيش، فرجع، فبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه،
فحبسوه، فأرجف بقتله، فدعا رسول الله و له أصحابه، وكانوا ألفاً وثلاث
مئة أو أربع مئة أو خمس مئة، وبايعهم على أن يقاتلوا قريشاً ولا يفرّوا منهم،
وكان جالساً تحت سمرة أو سدرة.
وأخرج الشيخان عن يزيد بن عُبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: (( على
أي شيء بايعتم رسول الله؟ قال: على الموت)).
وأخرج مسلم عن معقل بن يسار قال: ((لقد رأيتني يوم الشجرة- التي
كانت تحتها بيعة الرضوان بالحديبية - والنبي ◌َّة يبايع الناس، وأنا رافع
غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مئة، قال: لم نبايعه على
الموت، ولكن بايعناه على ألا نفِرَّ)).
ووفّق العلماء بين الروايتين، فجماعة كانت مع سَلَمة، وجماعة مع معقل،
وأرى أن الغاية من الحديثين واحدة هي الثبات في مواجهة قريش، لذا قال
جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله وَ له تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا
نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جَدّ بن قَيْس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط
ناقته، ولم يثر مع القوم. ويلاحظ أن جابر جمع بين الروايتين.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر أن النبي وَّ قال:
((لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)) .
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى حال المخلفين عام الحديبية، عاد إلى بيان حال الذين

٥٠٩
الُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١٨-١٩
بايعوا تحت الشجرة، وذكروا فيما تقدم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ
إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ﴾ فأبان جزاءهم في الدنيا والآخرة، وهو الظفر بغنائم كثيرة
من خيبر، وأخبر الله عن رضاه عن أهل تلك البيعة في الآخرة، لصدق
إيمانهم، وإخلاصهم في بيعتهم، وإنزال السكينة (الطمأنينة) عليهم وتثبيت
قلوبهم وأقدامهم. والخلاصة: لما ذكر تعالى حال من تخلف عن السفر مع
الرسول * ذكر حال المؤمنين الخلّص الذين سافروا معه. والآية دالة على
رضى الله تعالى عنهم، ولذا سميت بيعة الرضوان.
التفسير والبيان:
﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ أي تالله لقد
رضي الله عن المؤمنين المخلصين الذين بايعوا رسول الله وَ له تحت الشجرة بيعة
الرضوان، بالحديبية، على أن يقاتلوا قريشاً ولا يفروا، وروي أنه بايعهم على
الموت، وكان عددهم في الأصح ألفاً وأربع مئة. وسميت بيعة الرضوان، لقوله
تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ﴾.
روى البخاري أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: انطلقت
حاجاً، فمررت بقوم يصلّون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة
حيث بايع رسول الله وَلر بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته،
فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان ممن بايع رسول الله وَليم تحت الشجرة، قال:
فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن
أصحاب محمد وَلّ لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم !!
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن نافع قال: بلغ عمر أن أناساً يأتون
الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها، فقطعت.
﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا﴾ أي فعلم الله
ما في قلوبهم من الإيمان والصدق، والإخلاص والوفاء، والسمع والطاعة،

٥١٠ ٫
الْجُزْءُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ١٨-١٩
فأنزل الطمأنينة وسكون النفس عليهم، وجازاهم فتح خيبر بعد انصرافهم من
الحديبية، ثم أتبعه بفتح مكة وفتح سائر البلاد والأقاليم.
مـ
وفاء ﴿فَعَلِمَ﴾ للتعقيب، والفعل متعلق بقوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ وبما أن
العلم بما في القلوب قبل الرضى، فيكون المراد كما يقول القائل: فرحت
أمس إذ كلَّمت زيداً، فقام إلي، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد
الإكرام ترتيباً في المعنى، والآية كذلك إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة
فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم. وفاء ﴿فَأَنْزَلَ
السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ للتعقيب الواقعي، فإنه تعالى رضي عنهم، فأنزل السكينة
عليهم.
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾﴾ أي: وأثابهم أيضاً
مغانم كثيرة، وهي غنائم خيبر، وكان توزيع الغنائم تعويضاً لهم عما تأملوه من
غنائم أهل مكة، ومخصصاً بأهل بيعة الرضوان.
وكان الله وما يزال غالباً كامل القدرة، مدبراً أمور خلقه على وفق الحكمة
والسداد، وقد حقق لأهل بيعة الرضوان العز والنصر والرفعة في الدنيا
والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
جازى الله تعالى أهل بيعة الرضوان بجزاءين: مادي ومعنوي، أما
المعنوي: فهو إسباغ الرضى الإلهي عليهم، وإنزال السكينة والطمأنينة على
قلوبهم، بسبب ما علمه في نفوسهم من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة.
وأما الجزاء المادي: فهو فتح خيبر أو فتح مكة، وغنائم خيبر وأموالها،
فقسمها عليهم، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة،
أو غنائم فارس والروم.

٥١١
الزرعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
مغانم وفتوحات ونعم كثيرة أخرى للمؤمنين
﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ
وَأُخْرَى لَمْ تَقِّدِرُواْ
٢٠
عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
ـ) وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ
عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اَللَّهُ بِهَاً وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ
كَفَرُواْ لَوَلَّوَأْ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
خَتْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴿ وهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمَّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا
٢٤)
القراءات:
(صِرَطًا﴾ :
وقرأ قنبل (سراطاً).
﴿ تَعْمَلُونَ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (يعملون).
الإعراب:
﴿ وَلِتَكُونَ﴾ أي المعجلة، وهو عطف على مقدر، أي لتشكروه.
﴿وَأُخْرَى لَمَّ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ ﴿وَأُخْرَى﴾: في موضع نصب بالعطف على
﴿مَغَانِمَ﴾ وتقديره: وعدكم ملك مغانم كثيرة وملك أخرى؛ لأن المفعول
الثاني وهو: ﴿مَغَانِمَ﴾ لا يكون إلا منصوباً؛ لأن الأعيان لا يقع الوعد
عليها، إنما يقع على تملكها وحيازتها. ويصح أن تكون مبتدأ، و﴿لَمْ تَقْدِرُواْ

٥١٢
الجزء (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
عَلَيْهَا﴾: صفة لها، وجاز الابتداء بها لكونها موصوفة، و﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ
بِهَا﴾: خبر المبتدأ.
(سُنَّةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، أي سن الله ذلك سنة.
البلاغة:
﴿لَوَلَّوُاْ اْلْأَدْبَرَ﴾ كناية عن الهزيمة؛ لأن المنهزم يدير ظهره للعدو عند
الهرب.
المفردات اللغوية:
﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي ما وُعد به المؤمنون إلى يوم القيامة إثر
الفتوحات ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي غنائم خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾
أيدي قريش بالصلح، وأيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان،
وأيدي اليهود عن المدينة إذا هُّوا بعيالكم، بعد خروج الرسول وَّ منها إلى
الحديبية، بأن قذف في قلوبهم الرعب ﴿وَلِتَّكُونَ﴾ أي الغنائم المعجلة ﴿ءَايَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي أمارة للمؤمنين في نصرهم يعرفون بها صدق الرسول وَلَه في
وعدهم فتح خيبر والمغانم وغير ذلك، وحراسة الله لهم في غيبتهم ومشهدهم،
وحفظ كيان المؤمنين الآتين بعدهم ما داموا على الاستقامة ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا
تُسْتَقِيمًا﴾ يوفقكم ويرشدكم إلى الثقة بفضل الله والتوكل عليه في كل الأمور.
﴿ وَأُخْرَى﴾ أي ومغانم أخرى هي مغانم فارس والروم ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾.
الآن، لما تتطلب من الإعداد الأقوى ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ علم أنها ستكون
لكم، وقد أعدها لكم وغنمكموها وأظهركم عليها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ أي ولم يزل متصفاً بذلك؛ لأن قدرته ذاتيه لا تختص بشيء دون
شيء.
﴿ وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالحديبية ﴿لَوَلَّوْ اْلْأَرْبَرَ﴾ لهربوا وانهزموا ﴿ثُمَّ

٥١٣
الُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ حارساً حامياً يحرسهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ معيناً ينصرهم.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ حكم الله وقانونه القديم فيمن مضى من الأمم غلبة أنبيائه،
ونصر المؤمنين، وهزيمة الكافرين، كما قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا
وَرُسُلِيَّ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] أي سنَّ الله ذلك سنة ثابتة دائمة ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلًا﴾ تغييراً.
﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ أيدي كفار مكة ﴿بَطْنِ مَكَّةَ﴾ في داخل مكة
بالحديبية ﴿أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أظهركم عليهم وجعلكم متغلبين عليهم، فإن
ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم، فأخذوا وأُتي بهم إلى رسول الله
وَلّه، فعفا عنهم، وخلّ سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ أي ولم يزل مطلعاً على جميع الأمور.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤):
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ﴾: أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: لما
كان يوم الحديبية هبط على رسول الله وبَّله وأصحابه ثمانون رجلاً في السلاح
من جبل التنعيم (١)، يريدون غِرّةٍ (٢) رسول الله وَ ليل، فأخذوا، فأعتقهم، فأنزل
الله: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.
وأخرج مسلم ونحوه من حديث سلمة بن الأكوع، وكذا أحمد والنسائي
نحوه من حديث عبد الله بن مُغفل المزني، وابن إسحاق نحوه من حديث ابن
عباس.
(١) التنعيم: موضع في الحل بين مكة وسَرِف.
(٢) الغِرَّة: الغفلة: أي يريدون أن يصادفوا منه بَله ومن أصحابه غفلة من التأهب لهم.

٥١٤
لالجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
وحديث أحمد عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنهما هو: قال: ((كنا
مع رسول الله وَير في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع من
أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله وَّة، وكان علي بن أبي طالب
وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله وّي لعلي رضي الله عنه: اكتب
بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم،
اكتب في قضيتنا ما نعرف، قال: اكتب باسمك اللهم .
وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ◌َ ر أهل مكة، فأمسك سهيل
ابن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما
نعرف، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.
فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا بثلاثون شاباً، عليهم السلاح، فثاروا في
وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله وَالر، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم
فأخذناهم، فقال رسول الله ◌َّ: هل جئتم في عهد أحد؟ وهل جعل لكم
أحد أماناً؟ فقالوا: لا، فخلّ سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ.
أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةً مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمَّ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن وعد الله تعالى أهل الحديبية بمغانم خيبر، أردفه بذكر نعم كثيرة
أخرى.
أولها- أنّ ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب، بل وعدهم
مغانم كثيرة من غير تعيين، وكل ما غنموه كان منها، والله كان عالماً بها.
وثانيها- وعدهم بغنائم هوازن وفارس والروم وغيرها من البلاد التي
ستفتح.
وثالثها- الوعد بنصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وتلك سنّة الله القديمة.

٥١٥
الُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
ورابعها- امتنان الله على عباده المؤمنين بكفّ أيدي المشركين عنهم في
الحديبية.
التفسير والبيان:
﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ
عَنكُمْ وَلِتَكُونَ مَايَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَفِيمًا ﴾﴾ أي وعدكم الله
أيها المؤمنون مغانم كثيرة من المشركين والكفار على ممرّ الدهر إلى يوم القيامة،
ولكن عجّل لكم غنائم خيبر، وكفّ أيدي قريش عنكم يوم الحديبية بالصلح،
وأيدي اليهود أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطّفان عن قتالكم، وقذف في
قلوبهم الرعب، فلم ينلكم سوء مما أضمره أعداؤكم لكم من المحاربة
والقتال.
كل ذلك لتشكروه، ولتكون تلك النعم علامة للمؤمنين يعلمون بها صدق
رسول الله وَّي في جميع ما يَعِدهم به، وأن الله حافظهم وناصرهم على سائر
الأعداء، مع قلة العدد، وليزيدكم بتلك الآية أو العلامة هدى، أو يثبّتكم
على الهداية إلى طريق الحقّ، والانقياد لأمر الله تعالى وطاعة رسوله وَ له.
- ﴿ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرًا (٨) أي وعدكم الله غنائم أخرى وفتوحات أخرى غير صلح الحديبية
وفتح خيبر، لم تكونوا تقدرون عليها في حالتكم الراهنة، قد أحاط الله بها
علماً أنها ستصير أو ستكون لكم، وتفتحونها وتأخذونها، مثل غنائم هوازن
في غزوة حنين، وفتوحات فارس والروم، وكان الله وما يزال على كل شيء
قديراً مقتدراً، لا يعجزه شيء.
- ﴿ وَلَوْ قَتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوَلَّوَأُ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
؛ أي لو بادركم بالقتال كفار قريش بالحديبية، لنصر الله تعالى رسوله وَله
وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارّاً هارباً، ثم لا يجدون حارساً
وحامياً يحرسهم ويواليهم على قتالكم، ولا ناصراً معيناً ينصرهم عليكم.

٥١٦
لُحُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
(@) أي
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً
تلك سنّة الله القديمة وعادته في خلقه بنصر جيش الإيمان على جيش الكفر،
ورفع الحق ووضع الباطل، وغلبة أوليائه على أعدائه، بالرغم من عدم تكافؤ
القوى، مثل نصر الله يوم بدر أولياءه على أعدائه من المشركين، وتلك السّنة
مستمرة ثابتة، لا تغيير لها.
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (®﴾ أي والله سبحانه وتعالى هو
الذي كفَّ أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما
جاؤوا يصدّون رسول الله وَل ومن معه عن البيت الحرام عام الحديبية، في
داخل مكة وحدودها، فإن ثمانين رجلاً من أهل مكة- كما تقدّم في سبب
النزول- هبطوا على النّبي ◌َّ من قبل جبل التنعيم، متسلحين، يريدون غِرَّة
النَّبِي وََّ، فأخذهم المسلمون، ثم تركوهم. وهذا امتنان من الله تعالى على
عباده المؤمنين بكفِّ المشركين عنهم، وكفّ المسلمين عن الكفار.
وكان الله وما يزال بصيراً بأعمال عباده المؤمنين والمشركين، لا يخفى عليه
من ذلك شيء. وعلى هذا، ليس المراد من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
فتح مكة، فالصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، وأن مكة
فتحت عنوة، وإنما المراد: ما بعد الأسر لم يحدث قتل.
فقة الحياة أو الإحكام:
أرشدت الآيات البيّنات إلى ما يأتي:
اً - وعد الله تعالى المؤمنين الصادقين مغانم الأعداء إلى يوم القيامة،
ومغانم خيبر المعجلة جزء منها.
أَ - إتماماً للمنّة والفضل الإلهي، منع الله تعالى عباده المؤمنين وحماهم من

٥١٧
الجُرُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٠-٢٤
أذى وحرب أهل مكة، وكفَّهم عنهم بالصلح، كما كفَّ أيدي اليهود عن
المدينة بعد خروج النَّبي ◌َّ إلى الحديبية وخيبر، وأيدي اليهود وحلفائهم من
أسد وغطفان عن قتال المسلمين في خيبر. وكان قد جاء عُيينةُ بن حِصْن وعوف
ابن مالك النَّضْري ومن كان معهما لينصروا أهل خيبر، والمسلمون محاصرون
لهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وكفّهم عن المسلمين، وزاد الله هؤلاء
هدى، وثبَّتهم على الهداية.
◌َّ - وعد الله عباده المؤمنين مغانم وفتوحات أخرى إلى يوم القيامة، منها
غنائم هوازن، وغنائم فارس والروم، وذلك قبل حدوثها، ولم يكونوا
يرجونها، حتى أخبرهم الله بها، وهو إخبار بالمغيبات دالّ على إعجاز القرآن،
وأنه من عند الله تعالى، وأن الرسول ◌َ ﴿ صادق في نبوته.
٤ - ومن أفضاله تعالى على المؤمنين أنه كفّ عنهم شرّ أعدائهم، فإنه سواء
قاتلت غطفان وأسد والذين أرادوا نُصْرة أهل خيبر، أم لم يقاتلوا، لا
ينصرون، والغلبة واقعة للمسلمين، وذلك أمر إلهي محكوم به مختوم، ولن يجد
الكفار موالياً ينفعهم باللطف، ولا ناصراً يدفع بالعنف، وليس للذين كفروا
شيء من ذلك، وطريقة الله وعادته السالفة نصر أوليائه على أعدائه، وهي سنّة
ثابتة مستمرة لا تقبل التغير.
ه - وتأكيداً لنصر المؤمنين وطّد الله تعالى دعائم الصلح والسلم قبل اللقاء
وبعده، ومنع حدوث القتال بين المسلمين والكفار، حتى ولو قاتل الكفار،
فإنهم سينهزمون ويولّون الدّبر، وحتى بعد ظفر المسلمين بهم، فإنه تعالى كفَّ
أيدي المؤمنين عنهم. وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظَفَرَكُمْ
عَلَيْهِمْ﴾ أي من بعد ما أخذتموهم أسارى، وتمكنتم منهم لم يقع القتل، فإنه
متى ظفر الإنسان بعدوه، يبعد انكفافه عنه، مع أن الله كفّ الیدین.
وكفّ أيدي المؤمنين عن الكفار: هو إطلاقهم من الأسر، وسلامتهم من
القتل.

٥١٨
الجُعُ (٢٦) - الفَتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦
ذمّ المشركين وحكمة المصالحة يوم الحديبية
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ وَالْهَدْىَ مَعَكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ
مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ
مَعَزَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ
٢٥
كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنَزَلَ اَللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ
كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُوْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
٢٦
القراءات:
﴿قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾: قرئ:
١- (قلوبهم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (قلوبهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (قلوبهِمُ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّمْ﴾ ﴿وَالْهَدْىَ﴾: منصوب بالعطف على الكاف
والميم في ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾. و﴿مَعَكُوفًا﴾ حال، و﴿أَنْ يَبْلُغَ﴾ في موضع نصب
بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: عن أن يبلغ محله، أو بدل اشتمال.
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ﴾ ﴿رِجَالٌ﴾: مبتدأ مرفوع، ﴿وَنِسَآءٌ﴾:
معطوف عليهم، وخبر المبتدأ محذوف، ولا يجوز إظهار خبر المبتدأ إذا وقع بعد
﴿وَلَوْلًا﴾ لطول الكلام بجوابها.

٥١٩
الجزء (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦
﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ في موضع رفع؛ لأنه صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿وَنِسَآءٌ﴾.
و﴿أَنَ تَطَئُوهُمْ﴾ أي تقتلوهم، وفي موضع ﴿أَنْ﴾ وجهان: الرفع على البدل
بدل اشتمال من ﴿رِجَالٌ﴾ أي ولولا وطؤكم رجالاً مؤمنين لم تعلموهم، أو
النصب على البدل بدل اشتمال من الهاء والميم في (تعلموهم)، أي ولولا
رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا وطأهم.
وجواب ﴿وَلَوْلَا﴾ محذوف أغنى عنه جواب ﴿لَوْ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَوْ
تَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ واللام في ﴿لَيُدْخِلَ اللَّهُ﴾ متعلق بمحذوف، دلّ
عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ ولا تتعلق ب﴿ كَفَّ﴾ هذه
لأنها صلة ﴿الَّذِى﴾، ووقع فصل طويل في الكلام بين ﴿كَفَّ﴾ واللام، ولا
يجوز الفصل بينهما.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ﴿إِذْ﴾: متعلق بـ ﴿لَعَذَّبْنَا﴾.
حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ بدل من ﴿اَلْحَمِيَّةَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَصَدُوكُمْ﴾ منعوكم عن الوصول إليه . ﴿وَالْهَدْىَ﴾ أي وصدّوا الهدي:
وهو ما يهدى إلى مكة، أو ما يقدّم قرباناً لله تعالى إلى الحرم ويذبح فيه، حين
زيارة البيت الحرام في الحج أو العمرة، وهو سنّة. ﴿مَعَكُونًا﴾ محبوساً عن
الوصول للحرم . ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أن يصل مكانه الذي ينحر فيه عادة، وهو
منى أو الحرم المكي. وليس المراد مكانه الذي يحل فيه نحره، وإنما المراد مكانه
المعهود، وهو منى، وإلا لما نحره الرسول وَل حيث أحصر، قال البيضاوي:
فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدى المحصر، هو الحرم.
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَلٌ مُّؤْمِنَتٌ﴾ موجودون بمكة مع الكفار . ﴿لَّمْ
تَعْلَمُوهُمْ﴾ لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين. ﴿أَنَ تَطَُوهُمْ﴾ مأخوذ

٥٢٠
الجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦
من الوطء: الدوس، والمراد به هنا الإهلاك، جاء في الحديث: (( اللهم اشدد
وطأتك على مضر )) أي أن تبيدوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح.
﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم﴾ من جهتهم. ﴿مَعَرَّةٌ﴾ مكروه ومشقّة، وإثم بالتقصير في
البحث عنهم، والمكروه كوجوب الدِّية والكفارة بقتلهم، والتأسف عليهم،
وتغيير الكفار بذلك. مأخوذ من عرَّه: إذا عراه ودهاه ما يكرهه . ﴿بِغَيْرِ
عِلْمٍ﴾ منكم، متعلق بـ ﴿أَنْ تَطَُّوهُمْ﴾ غير عالمين بهم. وضمائر الغيبة للصنفين
بتغليب الذكور. وجواب ﴿وَلَوْلًا﴾ محذوف، لدلالة الكلام عليه، تقديره:
لأذن لكم في الفتح أو لما كفَّ أيديكم عنهم. والمعنى: لولا كراهة أن تبيدوا
أناساً مؤمنين بين الكفار، جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم أو إبادتهم
مكروه، لما كفَّ أيديكم عنهم.
﴿ لَيُدْخِلَ اللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ،﴾ علة لكف أيدي أهل مكة، صوناً للمؤمنين، أي
كان ذلك ليدخل الله في توفيقه لزيادة الخير، أو الإسلام. ﴿مَن يَشَاءٌ﴾ من
المؤمنين أو المشركين .﴿لَوْ تَزَُّواْ﴾ تميَّزوا عن الكفار أو تفرَّقوا عنهم . ﴿لَعَذَّبْنَا
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ أي لعذَّبنا الكافرين من أهل مكة حينئذٍ بالقتل
والسَّبِي ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ مؤلماً شديد الألم.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي اذكر حين ذاك، أو ظرف ﴿لَعَذَّبْنَا﴾، أو
﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ ﴿الْحَمِيَّةَ﴾ الأنفة من الشيء. ﴿حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ التي تمنع
إذعان الحق، وهي صدّهم النّبي وأصحابه عن المسجد الحرام، فهي حمية في
غير موضعها، لا يؤيدها دليل ولا برهان . ﴿فَأَنَزَلَ اَللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ،
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي أنزل عليهم الثبات والوقار، وصالحوا أهل مكة على أن
يعودوا من قابل، ولم يلحقهم من الحمية ما لحق الكفار، حتى يقاتلوهم.
﴿ وَأَلْزَّمَهُمْ﴾ أي المؤمنين. ﴿كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ كلمة الشهادة: ((لا إله إلا
الله، محمد رسول الله))، وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم، أي اختارها
لهم، أو ألزمهم الثبات والوفاء بالعهد، وإضافة الكلمة إلى التقوى؛ لأنها