النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الُرُ (٢٥) - الدُّخَانَّ: ٤٤ / ٥١-٥٩ فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - يفيض الله على عباده المتقين الأبرار في الجنة أنواع النعم الحسية والمعنوية، ذكر منها هنا خمسة أنواع تشمل المساكن، والملابس، والتقابل في الجلسات واستئناس البعض بالبعض، والأزواج، والمآكل الدائمة. قال مجاهد: إنما سميت الحُور حوراً لأنهن يحار الطرف في حسنهنّ وبياضهن وصفاء لونهنّ. وهل الحور العين أفضل أو نساء الآدميات؟ اختلفوا في ذلك، فقال حِبّان ابن أبي جَبَلة- فيما ذكره ابن المبارك -: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فُضِّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وروى ابن المبارك مرفوعاً : ((إن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف)). وقال آخرون: إن الحور العين أفضل؛ لقوله مَ له في دعائه فيما رواه مسلم عن عوف بن مالك: ((وأبدله أهلاً خيراً من أهله)). وأما مهورهن فروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَالله قال: ((مهور الحور العين قبضات التمر، وفِلَق الخبز)) وعن أبي قِرْصافة: سمعت النبي ◌َّه يقول: ((إخراجُ القُمامة من المسجد مهور الحور العين)) وذكر الثعلبي عن أنس أن النبي ◌َّقال: (كَنْس المساجد مهور الحور العين)). أَ - إن تلك النعم في الجنان لها صفة الدوام والاستمرار، دون أن يطرأ عليها انقطاع، ولا ينشأ عنها أذى أو مكروه. ◌َّ - أهل الجنة وأهل النار في خلود دائم، فكل منهم خالد إما في النعيم وإما في العذاب الأليم، ولا يطرأ عليهم موت، لكن الموتة الأولى في الدنيا قد ذاقوها. قال المحققون: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس، وفرحها بمعرفة الله ٢٦٢ لُءُ (٢٥) - الدَّخَارِ: ٤٤ / ٥١-٥٩ وبمحبته؛ فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة، وفي الآخرة أيضاً في الجنة، فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى. واكتفى الله تعالى هنا ببشارة أهل الجنة بالخلود مع أن أهل النار يشاركونهم فيه، للدلالة على أن دوام الحياة مقرون مع ما ذكر سابقاً من حصول الخيرات والسعادات. ٤ - أكرم الله المتقين بألوان النعيم، وحفظهم من عذاب الجحيم، تفضلاً منه عليهم، وتلك هي السعادة، والربح العظيم، والنجاة العظيمة، والفوز الأكبر الذي لا مثيل له على الإطلاق. ودل قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق، لوصفه بأنه فضل من الله، وكونه فوزاً عظيماً، أي إن المنحة الإلهية أفضل من الأجر والأجرة. ٥ - إنما أنزل الله القرآن الكريم بلغة النبي وَ الر ولغة قومه العرب، وسهله عليهم وعلى كل من يقرؤه ولو من غير العرب، ليتعظوا وينزجروا. وهذا في ختام السورة حث على اتباع القرآن، ودليل على أنه تعالى أراد من كل الناس الإيمان والمعرفة، وأنه ما أراد من أحد الكفر. أَ - هدد الله تعالى المخالفين المكذبين للقرآن ورسول الله بالهلاك والدمار، ووعد نبيه بالنصر عليهم، وسلاه عن مكابدته المشاق معهم، وأمره بانتظار ما وعده به من النصر عليهم، فإنهم منتظرون له الموت والهلاك. ٢٦٣ لِلُعُ (٢٥) السورة (٤٥) الجَّائِيَّةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ الجَائِيَّةِ مكية، وهي سبع وثلاثون آية تسميتها: سميت (سورة الجاثية) أخذاً من الآية المذكورة فيها: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَانِيَةٌ أي كل أمة باركة على كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (®َا﴾ الرُّكَب لشدة الأهوال التي يشاهدها الناس يوم القيامة، انتظاراً للحساب، قبل قسمة الخلائق فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين: اً - ابتدأت هذه السورة بالكلام عن تنزيل القرآن من الله تعالى، والذي هو مكمِّل لما ختمت به السورة المتقدمة من جعل القرآن بلغة النبي وَليو ولغة قومه العرب، فهو عربي اللسان نصاً وفحوى، ومعنى وأسلوباً، وفي ذلك حث على اتباعه والإيمان به. أَ - تشابه السورتين في الغايات الكبرى التي يستهدفها القرآن: وهي إثبات وحدانية الله من خلال بيان أدلة القدرة الإلهية في خلق السماوات والأرض، ومناقشة المشركين في عقائدهم الفاسدة، وضرب الأمثال من مصائر الأمم الغابرة التي أهلكها الله لتكذيبهم الرسل. ٢٦٤ الجُ (٢٥) السورة (٤٥) الجَائِيَةِّ ما اشتملت عليه السورة: 1 موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السورة المكية، وبخاصة آل حم السور السبعة، وهو تأصيل عقيدة الإسلام الأساسية وإثبات عناصرها وأركانها الثلاثة: وهي الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والاعتقاد بنزول القرآن من عند الله، وبنبوة محمد وَله ورسالته، والتصديق باليوم الآخر والحساب والبعث والجزاء. ابتدأت السورة ببيان مصدر القرآن الكريم وهو الله تعالى، وإثبات وجود الخالق ووحدانيته بخلق السماوات والأرض، وخلق البشر والدواب، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال المطر سبب الحياة، وتسخير الرياح. ثم هددت وأوعدت كل من كذَّب بآيات الله، واستكبر عنها، واتخذها هزواً بعذاب جهنم. وأخبرت عن نعم الله العظمى وأولها كون القرآن هدى للناس، ثم تسخير البحر لجريان السفن فيه والاتجار بين الأقطار، وتسخير جميع ما في الكون لعباد الله تعالى. وأردفت ذلك بمبادئ خلقية واجتماعية إنسانية سلمية هي عفو المؤمنين وترفعهم عن زلات الكافرين، فالعمل الصالح أو الفاسد يعود أثره على صاحبه، وتذكير بني إسرائيل بما امتن الله عليهم من نعم روحية ومادية هي التوارة، والحكمة والفقه وفصل الخصومات بين الناس، والنبوة، ورزق الطيبات، والتفضيل على العالمين في عصرهم، والإتيات بالبينات وهي الآيات والمعجزات، وأمر الرسول بعدم إطاعة المشركين واتباع أهوائهم، والتعجب من حالهم وتجرؤهم على إنكار البعث، واتخاذهم الهوى إلهاً ومعبوداً. ٢٦٥ الُ (٢٥) السورة (٤٥) الجَّائِيَّةِ وفي مقابل ذلك بيان استقلال الشريعة الإسلامية وإثبات ذاتيتها، وأمر الرسول والمؤمنين باتباعها وحدها دون ما عداها، والاعتزاز والثقة بالله الذي يمدّ نبيه بالعون وأنه ولي المتقين، والتزام منهج الله وهدايته ورحمته وهو القرآن العظيم، ومعرفة قانون الله وعدله وحكمته في التفرقة بين المؤمنين الأبرار والمجرمين الأشرار، وبين المتبصرين بآيات الله، ومن أغلق على نفسه منافذ الهداية، فحجب السمع والبصر والقلب عن نور الله. ثم رد الله تعالى على المشركين منكري البعث بأن الله هو المحيي والمميت وجامع الناس ليوم القيامة، فهو صاحب القدرة العجيبة ومالك السماوات والأرض، والمتفرد بالسلطان الأعظم في الآخرة ذات الأهوال الرهيبة في العرض والحساب وشهادة صحف الأعمال على أصحابها. وختمت السورة ببيان الجزاء الحق العادل، وقسمة الناس فريقين: فريق الجنة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفريق النار الذين كفروا بالله ورسوله، واقترفوا السيئات والمعاصي، وهزئوا بآيات الله، واغتروا بالحياة الدنيا. وذلك كله يستوجب الحمد لله رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله وحده الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم. سبب نزولها: ذكر المهدوي والنحاس عن ابن عباس: أنها نزلت في عمر رضي الله عنه، شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [١٤] ثم نسخت بقوله: ﴿فَأَقِّئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩]. فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف. وهي سبع وثلاثون آية. ٢٦٦ الُعُ (٢٥) - الجَائِيَّةِّ: ٤٥ / ١-٦ مصدر القرآن وإثبات الخالق ووحدانيته إِنَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ٢ · تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَّهِ اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (حمّ وَاخْتِلَفِ وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِن دَابَّةٍ عَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ اَلَّتْلِ وَالنََّارِ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَتَصْرِيفٍ تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ اُلْرِّيَجِ ءَنْتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( وَءَئِهِ، يُؤْمِنُونَ القراءات: ءَايَتُ : ( وقرأ حمزة، والكسائي (آيَاتٍ). الرِّيَجِ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (الريح). ﴿ يُؤْمِنُونَ﴾ : قرئ: ١- (يؤمنون) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (تؤمنون) وهي قراءة الباقين. الإعراب: تَنْزِيلُ الْكِنَبِ﴾ ﴿تَزِيلُ﴾: مبتدأ، وخبره ﴿مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ﴾ ﴿وَيَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿ءَايَتٌ﴾ بالضم: مرفوع بالابتداء، ﴿وَفِي خَلْفِكُمْ﴾: خبره، أو بالعطف على موضع إن واسمها وخبرها، أو مرفوع بالظرف. ومن ١ ٢٦٧ الُءُ (٢٥) - الجَائِيَّةُّ: ٤٥ /١-٦ قرأ بالكسر: جعله منصوباً بالعطف على لفظ اسم ﴿إِنَّ﴾، أو بالعطف بالجر على ﴿السَّمَوَتِ﴾ أو منصوب على البدل من ﴿لَيَتٍ﴾. وكذا قوله ﴿وَأَخِْلَفِ الَّيْلِ وَالْنَهَارِ﴾ يقرأ بالكسر وبالضم بالأوجه السابقة. ﴿ نَتَّلُهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِ﴾ متعلق بـ ((نتلو)) و﴿نَتْلُوهَا﴾: حال، عاملها معنى الإشارة. البلاغة: فيها تأكيد بـ ﴿إِنَّ﴾ واللام للرد على ﴿إِنَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ﴾ المخاطبين منكري وحدانية الله. ﴿وَمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ﴾ أي مطر، مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المطر النازل من السماء هو سبب الرزق والنبات، أما الرزق فلا ينزل من السماء. المفردات اللغوية: ﴿حَمّ (ج) هذه الحروف للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى أهمية ما يتلى بعدها ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللهِ﴾ أي تنزيل القرآن من الله تعالى ﴿اَلْعَزِيزِ﴾ القوي الغالب في ملكه ﴿اَلْحَكِيمِ﴾ في صنعه، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة للعباد. ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي إن في خلق السماوات والأرض، بدليل قوله ﴿وَفِ خَلْقِكُمْ﴾ ﴿لَيَتِ﴾ لدلائل دالة على قدرة الله ووحدانيته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذه الدلائل ﴿ وَفِ خَلْفِكُمْ﴾ أي في خَلْق كل واحد منكم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن يصبح إنساناً ﴿ وَمَا يَبْثُ﴾ أي وخلق ما ينشر ويفرق في الأرض ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم ﴿يُوقِنُونَ﴾ يصدقون عن يقين وإذعان بقدرة الله على البعث وغيره. ٢٦٨ الُءُ (٢٥) - الجَّائِيَةُّ: ٤٥ / ١-٦ (وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي وفي تعاقبهما ﴿مِن رِّزْقٍ﴾ مطر يكون سبب الرزق ﴿وَتَصْرِيفِ اٌلْرِّيَجِ﴾ تقليبها وتحويلها جنوباً وشمالاً، حارة وباردة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يفكرون ويتدبرون الدليل، فيؤمنون ﴿تِلْكَ﴾ الآيات المذكورة ﴿وَإِيَتُ اللَّهِ﴾ حججه ودلائله الدالة على وحدانيته ﴿نَتْلُوهَا﴾ نقصها ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي متلازمة ملتبسة بالحق الواضح الذي لا غموض فيه ولا التباس ﴿فَأَِّّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ أي بعد حديث الله وهو القرآن، وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم، كقول الله: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩] ﴿وَءَايَتِهِ،﴾ حججه ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون، وهم كفار مكة، وقرئ ((تؤمنون)). قال الصاوي على الجلالين: ذكر الله سبحانه وتعالى من الدلائل ستة في ثلاث آيات، ختم الأولى بـ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الثانية بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾ والثالثة بـ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ووجه التغاير بينها في التعبير: أن الإنسان إذا تأمل في السماوات والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد إيماناً فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث كمل عقله واستحكم علمه. وهذا مأخوذ من كلام الزمخشري(١). وقال البيضاوي: لعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور. التفسير والبيان: حَمّ ◌َ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ (حمّ ?): تقدم شرحها إن هذا القرآن منزل من عند الله القوي الغالب الذي لا يقهر، الحكيم في كل شيء بتدبيره ووضعه في المكان المناسب له، وتحقيقه المصلحة لعباده، ويقتضي إثبات هاتين الصفتين لله عز وجل: كونه قادراً على جميع الممكنات، (١) الكشاف: ١١٢/٣ ٢٦٩ الُرُ (٢٥) - الجَائِيَةُ: ٤٥ / ١-٦ عالماً بجميع المعلومات، غنياً عن كل الحاجات، فلا يصدر منه العبث والباطل. ثم ذكر الله تعالى ما تقتضيه العزة والحكمة، فقال: أي إن في خلق السماوات ٣ ﴿إِنَّ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيْتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وخلق الأرض لدلائل قاطعة على وجوده ووحدانيته وقدرته العظيمة، وهذا دليل من الكون، ثم ذكر تعالى دليلاً من الأنفس، فقال: ﴾ أي وإن في خلقكم ﴿ وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُهُ مِن دَابَّةٍ ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ دون وجود سابق، ومروركم في أطوار مختلفة من الخلق، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، إلى أن يصير الواحد منكم إنساناً كامل الذات والصفات البشرية، وفي خلق ما يفرق وينشر من دابة في نواحي الأرض المختلفة، وأقاليمها المتفاوتة حرارة وبرودة واعتدالاً، وأراضيها الرطبة والجافة، وأنواع حيواناتها الإنسية والوحشية، البرية والبحرية والجوية، آيات ودلائل أخرى شديدة الوضوح، تدل على قدرة الصانع العظيم وحكمته، التي يعتبر بها أهل اليقين، الذين آمنوا ثم قبلوا الحق، ثم ازدادوا إيماناً وأذعنوا ورسخ الإيمان في قلوبهم كالجبال الثوابت، فأيقنوا يقيناً تاماً لا يخالطه أي شك. ﴿ وَأَخْتِلَفِ الَّلِ وَلَهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي وإن في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وتفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، وفيما أنزل الله من السحاب من مطر يكون سبباً لرزق العباد وإحياء الأرض بإخراج النبات، وفي تقليب الرياح وتغييرها من جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، مرة من الجنوب ومرة من الشمال، وتارة تكون حارّة، وتارة تكون باردة، وأحياناً نافعة، وأحياناً ضارة، كل ذلك أيضاً لأدلة عظيمة ٢٧٠ الُ (٢٥) - الجَاثِيَّةُّ: ٤٥ / ١-٦ وحجج باهرة دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته، التي ينتفع بها عادة أهل العقول الراجحة، المتأملون بها، الفاهمون لحقائقها، ولا ينتفع بها أهل الجهل والعناد. وهكذا يترقى المتأملون في تلك الآيات من إثبات أصل الإيمان في قلوبهم، إلى اليقين، إلى اكتمال العقل والنظر، وهو ترقِّ من حال إلى ما هو أعلى منها، وهذه سمة المؤمنين الكُمَّل الذين استخدموا طاقاتهم الفكرية والنظرية للوصول إلى أسمى الغايات وأمثل الحالات. ١ وهذه الآيات شبيهة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَّمَاءِ مِن ◌َآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ١٦٤٦ [البقرة: ٢ /١٦٤] . ثم أوجز الله تعالى العبرة من تلك الآيات بقوله: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الَّهِ وَءَايَئِهِ، يُؤْمِنُونَ ٦ أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه وبيناته نتلوها عليك أيها النبي متضمنة الحق المبين، ونحن محقون صادقون فيما ننزله عليك من القرآن المتلو، ليستفيد منها البشر قاطبة، فإذا كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينقادون لها، فبأي حديث أو كلام بعد حديث الله وكلامه وآياته وهو القرآن يؤمنون ويصدقون؟! وعبَّر بـ (تِلْكَ﴾ إشارة إلى علو مرتبة الآيات. والخلاصة: من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث بعده. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ٢٧١ اِلُعُ (٢٥) - الجَائِيَّةِّ: ٤٥ / ١-٦ اً - كون مصدر القرآن الكريم هو الله عز وجل، ولیس له أي مصدر آخر سواه. اً - إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته بأدلة ستة في ثلاث آيات: الدليل الأول من الكون - خلق السماوات والأرض فهو يدل على وجود الإله - كما ذكر الرازي من ستة وجوه(١) أولاً- أنها أجسام حادثة، وکل حادث له محدث. ثانياً - أنها مركبة من أجزاء متماثلة في مواضع متفاوته عمقاً وسطحاً، مما يدل على أن وقوع كل جزء في موضعه لا بد له من مرجح ومخصص. ثالثاً - أن الأفلاك والعناصر مع تماثلها في ماهيتها الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة، واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية، وذلك لا بد له من مرجح. رابعاً - أن أجرام الكواكب مختلفة في الألوان مثل كُمودة زُحل، وبیاض المشتري، وحمرة المريخ، والضوء الباهر للشمس، ودرية الزهرة، وصفرة عطارد، ونور القمر ومحوه، واختلافها في تلك الصفات دليل على أنه الإله القادر المختار هو الذي خصص كل واحد منها بصفته المعينة. خامساً- أن كل فلك مختص بحركة إلى جهة معينة، ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء، وذلك دليل على مخصص فاعل مختار وهو الله وحده. سادساً - أن كل فلك مختص بمهمة معينة، فلا بد من مخصص فاعل مختار. الدليل الثاني والثالث من الأنفس- وهما خلق الإنسان والدواب بتركيب (١) تفسير الرازي: ٢٥٧/٣٧-٢٥٨ ٠ ٢٧٢ الجزءُ (٢٥) - الجَّائِيَّةِ: ٤٥ /١-٦ عضوي عجيب، وخواص وطاقات مادية ومعنوية مذهلة، يدلنا ذلك على أن هناك خالقاً مبدعاً لتلك الأنفس وهو الله تعالى. الدليل الرابع والخامس والسادس من الظواهر الكونية- وهي تعاقب الليل والنهار بنحو دائم وتفاوتهما، وإنزال الأمطار والثلوج لإحياء الأرض بالنبات وتغذية الينابيع والأنهار، وتقليب الرياح وتغييرها، كل ذلك دليل واضح على وجود الله القادر القاهر، الحكيم الصنع، البديع الخلق والإتقان. ٣ - هذه آيات الله، أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته، أنزلها الله في قرآنه بياناً متلواً إلى يوم القيامة، مشتملاً على الحق الذي لا ريب فيه، والصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه، فإذا لم يؤمن الناس بها، ولم يصدقوا بالقرآن وآياته البينات، فلن يجدوا سواها طريقاً للإيمان وتصحيح العقيدة. ولقد قال الله تعالى في هذه الآيات عبارات ثلاثاً أولها ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وثانيها ﴿ يُوقِنُونَ﴾ وثالثها ﴿يَعْقِلُونَ﴾ والمقصود بها كما قال الرازي: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين، فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. أو أن الآيات النفسية تحتاج إلى الإيقان؛ لقربها من الإنسان، وأما الآيات الخارجية الفلكية فيكفي فيها التصديق لبعدها عن الإنسان، وأما العلوية فتحتاج إلى النظر والاستدلال. وهذا دليل قاطع على أن القرآن اشتمل على أصول العقيدة والإيمان ودلائل التوحيد والنبوة والبعث والقيامة، كما اشتمل في مواضع أخرى على الأحكام الفقهية الجزئية في العبادات، والمعاملات، وأحكام الأسرة، والدولة، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والحكم، وغير ذلك. ٢٧٣ الُعُ (٢٥) - الجَائِيَّةِّ: ٤٥ / ٧-١١ وعيد المكذبين بآيات الله وجزاؤهم يَسْمَعُ ءَايَتِ الَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ بُصُِّ مُسْتَكْرًا كَن ◌َّ ﴿وَيٌَّ لِكُلِّ أَفَاكِ أَخِرٍ ® وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَا هُزُوَّا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَكِ ﴾ مُهِينٌ جَ مِّن وَرَآبِهِمْ جَهَّمٌ وَلَا يُغْنِ عَنْهُمْ مَا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ هَذَا هُدَّىٌّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن ١٠ اللَّهِ أَوْلِيَةٍ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ ١١ رِجْزٍ أَلِيمُ القراءات: ﴿هُزُوا﴾: قرأ حفص (هُزُواً) وحمزة (هُزْءاً) وقرأ الباقون (هزؤاً). ﴿مِّنْ يّجْزٍ أَلِيمُ﴾: ١- قرأ ابن كثير، وحفص (من رجزٍ أليمٌ). ٢- وقرأ الباقون (من رجزٍ أليم). الإعراب: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّنْ يِّجْزِ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع: صفة ﴿عَذَابٌ﴾ ويقرأ بالجر: صفة ﴿رِجْرٍ﴾. البلاغة: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكِ أَثِ ﴿٣) من صيغ المبالغة على وزن فعّال وفعيل. ﴿فَشِّرَهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أسلوب تهكمي، لأن استعمال البشارة التي تكون عادة بالخير في الشر تهكم. ٢٧٤ الُعُ (٢٥) - الجَائِيَةٌ: ٤٥ / ٧-١١ ﴿يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعُهَا﴾ تشبيه مرسل، أي كأنه لم يسمع آيات القرآن. ﴿هَذَا هُدَىّ﴾ وصف القرآن بالمصدر الذي هو هدى للمبالغة، كأنه لوضوح حجته عين الهدى. المفردات اللغوية: ﴿وَيٌَّ﴾ كلمة عذاب ﴿أَفَاءٍ﴾ كذاب، أي كثير الكذب والإفك ﴿أَثِّرٍ﴾ كثير الإثم والمعصية ﴿ءَايَتِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿ثُمَّ يُصِرُ﴾ على كفره، والإصرار على الشيء: ملازمته ﴿مُسْتَكْبًا﴾ متكبراً متعاظماً عن الإيمان بالآيات، و﴿ثمّ﴾ لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات. ﴿ كَأَنْ لَّمَ يَسْمَعْهًا﴾ أي كأنه لم يسمعها. فخففت وحذف ضمير الشأن، والجملة في موقع الحال، أي يصرّ مثل غير السامعِ ﴿فَشْرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ على إصراره، والبشارة للتهكم ﴿مِنْ ءَيَِنَا﴾ القرآن ﴿أَتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ أي مهزوءاً بها ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي الأفاكون ﴿لَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ذو إهانة، أي عذاب مخز مذل. ﴿مِّن وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامهم وقدامهم: لأنهم متوجهون إليها، أو من خلفهم؛ لأنه بعد آجالهم ﴿ وَلَا يُغْنِى عَنْهُمْ﴾ لا يدفع عنهم ﴿مَا كَسَبُواْ﴾ من المال والأولاد والفعال ﴿شَيْئًا﴾ من عذاب الله ﴿وَلَا مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي الأصنام ﴿أَوْلِيَاءٌ﴾ نصراء وأعوان ﴿وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يتحملونه. ﴿هَذَا هُدَى﴾ أي هذا القرآن هاد من الضلالة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ لهم حظ من العذاب ﴿مِّن رِّجْزٍ﴾ الرجز: أشد العذاب ﴿أَلِيمُ﴾ موجع. سبب النزول: نزولة الآية (٨): ﴿يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ﴾: نزلت في النضر بن الحارث الذي كان يشتري ٢٧٥ الُعُ (٢٥) - الجَائِيَّةٌ: ٤٥ / ٧-١١ أحاديث الأعاجم، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. والآية عامة في كل من صد عن الدین وتکبر عن هدیه. المناسبة: بعد بيان الآيات للكفار، وبيان أنهم إن لم يؤمنوا بها مع ظهورها، فلا يؤمنوا بعدها بشيء، أتبعه تعالى بوعيد عظيم بالعذاب الشديد لكل من كذب بتلك الآيات، ثم أصر على كفره بها، ثم ذكر أن جزاءهم جهنم، دون أن تنفعهم أصنامهم شيئاً، وأن القرآن العظيم هو الهدى فقط من الضلالة. التفسير والبيان: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاكٍ أَثِ ﴾﴾ أي الهلاك وأشد العذاب لكل كذاب بآيات الله، كثير الإثم والمعاصي، ولهذا الأفاك حالتان: الأولى- الإصرار والاستكبار: ﴿يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَن لَّمْ يَسْمَعْهَّا فَبَشِّرَهُ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾ أي إن هذا الأفاك إذا سمع آيات القرآن تتلى على مسامعه، وفيها الدلالة الواضحة على وحدانية الله وقدرته، ووعده ووعيده، بقي مصراً على كفره، وأقام على ما كان عليه إقامة بقوة وشدة، ولم يتعظ بما يسمع من كلام الله، وتكبر وتعاظم عن الإيمان بالآيات، معجباً بنفسه، وكأنه لم يسمعها، مشبهاً حاله بحال غير السامع في عدم الالتفات إليها، فأخبره بأن له عند الله عذاباً شديد الإيلام، جزاء إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات. والتعبير عن هذا الخبر المحزن بالبشرى تهكم شديد واحتقار لهم. ونظير الآية: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلْظُلُمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾﴾ [الأنعام: ١/٦]. ٢٧٦ الُعُ (٢٥) - الجَّاثِيَّةِّ: ٤٥ / ٧-١١ الحال الثانية- الاستهزاء بالآيات: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًّا أي وإذا علم هذا الأفاك من آيات الله شيئاً، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ اتخذ ذلك الشيء هزواً، أي موضوعاً للسخرية والتندر مما حوته من المعاني، أولئك الأفاكون الذين سبقت صفاتهم لهم عذاب موصوف بالإهانة والذل والخزي بسبب إصرارهم واستكبارهم عن سماع آيات الله واتخاذها موضوع استهزاء واستهانة بالقرآن، والعذاب المهين: هو المشتمل على الإذلال والفضيحة. روي- كما تقدم - أن أبا جهل حين سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَّجَرَتَ طَعَامُ الْأَثِمِ (®) دعا بتمر وزُبْد وقال لأصحابه: تزقموا من الزَّقُّومِ (ج) هذا، ما يعدكم محمد إلا شَهْداً- عسلاً- وحين سمع قوله تعالى ﴿عَلَيْهَا ◌ِسْعَةَ أي على النار قال: إن كانوا تسعة عشر، فأنا ألقاهم وحدي. عَشَرَ (®َا﴾ ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب المهين، فقال: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَّمُ وَلَا يُغْنِ عَنْهُم ◌َّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَءٍ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ أي إن أمام أولئك الأفاكين جهنم يوم القيامة؛ لأنهم متوجهون إليها مثل قوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءِ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦/١٤] أي من أمامه، أو لأن وراء تعززهم بالدنيا وتكبرهم عن الحق جهنم، فإنها خلفهم وستدركهم، ولا يدفع شيئاً من العذاب عنهم ما كسبوا في الدنيا من الأولاد والأموال: ﴿لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١١٦/٣]، ولا ينفعهم أي نفع، ولا تنفعهم أيضاً الأصنام التي اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله، يرجون منها النفع، ودفع الضرر، ولهم عذاب عظيم دائم مؤلم في جهنم التي هي من ورائهم، وكل ما توارى عنك فهو وراء، تقدَّم أو تأخر، كما ذكر في غرائب القرآن. وسبب التفرقة بين قوله ﴿لَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وقوله ﴿وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أن ٢٧٧ لُُ (٢٥) - الجَاثِيَّةُ: ٤٥ / ٧-١١ الوصف الأول يدل على حصول الإهانة مع العذاب، والوصف الثاني يدل على كونه بالغاً أقصى المراتب في كونه ضرراً. ثم وصف الله تعالى القرآن بقوله: ﴿هَذَا هُدَىّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِجْزٍ أَلِيمُ ﴾﴾ أي هذا القرآن والآيات المتقدمة في هذه السورة هي هادية إلى الحق، ومرشدة إلى الصواب، وموجهة إلى النور من الظلمة والضلال، والذين كفروا بآيات الله القرآنية لهم أشد العذاب يوم القيامة. فقوله ﴿هَذَا هُدَّىٌ﴾ أي كامل في كونه هدى، والرجز: أشد العذاب لقوله تعالى: ﴿فَأَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩/٢] وقوله سبحانه: ﴿لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤/٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - توعد الله تعالى بوعيد شديد كل من ترك الاستدلال بآيات الله بالرغم من وضوحها التام، ثم كفر بها وكذب بما جاءت به، وتمادى في كفره، متعظماً في نفسه عن الانقياد لها، وجحد بها استكباراً وعناداً. والآية عامة في مثل هؤلاء، وإن كان سبب نزولها الخاص هو النضر بن الحارث، أو الحارث بن كَلَدة، أو أبو جهل وأصحابه. أَ - يتضمن الوعيد أيضاً حال كل من استهزأ بآيات الله، وتحدى قدرة الله، فوصف الزقوم بأنه الزبد والتمر، وقال في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر، فأنا ألقاهم وحدي. ٣ - وصف الله تعالى نوع عذاب هؤلاء الأفاكين الكذابين الآثمين الكفرة ٢٧٨ لُرُ (٢٥) - الجَاثِيَّةِّ: ٤٥ / ١٢-١٥ المعاندين بأوصاف أربعة هي: ﴿فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ، ﴾ ﴿وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿لَمْ عَذَابٌ مِّن رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. مِّن وَرَآپِهِمْ ٤ - احتاط الله تعالى لحرمة كتابه القرآن، فلم يعرضه للاستهانة والاستهزاء به، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله وَ ير أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو)) . ٥ - لن يغني ولن يفيد هؤلاء الكافرين في تخليصهم من ذلك العذاب كل ما كسبوه في الدنيا من المال والولد، ولا الأصنام التي اتخذوها آلهة وعبدوها من دون الله. ٩ - القرآن الكريم هدى للبشرية من الضلالة، ثم أكد تعالى وعيده للذين جحدوا دلائله بأن لهم عذاباً هو أشد العذاب. والخلاصة: إن الله تعالى جعل مؤيدات جزائية صارمة وشديدة لكل من كفر بالقرآن، ولم يتفكر بآيات الله ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته، وذلك إنذار دائم شديد التأثير لكل من حاد عن منهج القرآن وعقيدة الإسلام. من نعم الله تعالى على عباده اللَّهُ الَّذِىِ سَخَّرَ لَكُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِنَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرَضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتِ تَشَّكُرُونَ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴿ قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهًا ثُمَّ إِلَى ١٤ قَوْمَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ١٥ رَبَّكُمْ تُجَعُونَ ٢٧٩ الجُعُ (٢٥) - الجَاثِيَّةِّ: ٤٥ / ١٢-١٥ القراءات: ﴿ لِيَجْزِىَ قَوْمًا﴾: وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي (لنجزيَ قوماً). الإعراب: ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بحال، أي كائنه منه تعالى. ﴿يَغْفِرُواْ﴾ مجزوم؛ لأن تقديره: قل للذين آمنوا اغفروا يغفروا، وحقيقة جزمه بتقدير حرف شرط مقدر. ﴿لِيَجْزِىَ قَوْمًا﴾ أي ليجزي الله، وهو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، و﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. وقرئ: (ليَجزِين) بفتح الياء وكسر الزاي، و ((ليُجْزَى)) بضم الياء وفتح الزاي، و((لِتَجزي)) بفتح التاء، ومن قرأ ((ليُجَزَى)) بالبناء للمجهول، نصب ﴿قَوْمًا﴾ على تقدير: ليُجزَى الجزاءُ قوماً، وهذا جائز على مذهب الأخفش والكوفيين، وغير جائز على مذهب البصريين؛ لأن المصدر لا يجوز إقامته مقام الفاعل مع مفعول صحيح. وقرئ: (( لنجزي)) بالنون على التعظيم. البلاغة: ﴿سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ﴾ إطناب لإظهار الامتنان. ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهًا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿سَخَّرَ﴾ هيأ وذلل ﴿اُلْفُلَكُ﴾ السفن ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإذنه ﴿وَلَِبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ لتطلبوا بالتجارة والغوص والصيد وغيرها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم ٢٨٠ لُعُ (٢٥) - الجَّائِيَّةِّ: ٤٥ / ١٢-١٥ ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ﴾ من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره ﴿وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها، والمراد: خلق ذلك لمنافعكم ج ﴿َمِيعًا﴾ تأكيد ﴿مِنْهُ﴾ حال، أي سخرها كائنة منه تعالى ﴿يَنَفَكَّرُونَ﴾ في صنائعه. ﴿يَغْفِرُواْ﴾ يعفوا ويصفحوا، وقد حذف المقول لدلالة الجواب عليه، والمعنى: قل لهم: اغفروا للكفار أذاهم لكم يغفروا ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْعُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ لا يخافون وقائعه بأعدائه، يقال: أيام العرب، أي وقائعهم ﴿لِيَجْزِىَ﴾ أي الله ﴿قَوْمًا﴾ هم المؤمنون ﴿بِمَا كَانُوْ يَكِْبُونَ﴾ من المغفرة للكفار أذاهم، أو الإساءة. ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي لها ثواب العمل، وعليها عقابه، والمراد: فلنفسه عمل، وعليها أساء ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُجَعُونَ﴾ تصيرون، فيجازيكم على أعمالكم، يجازي المصلح والمسيء. سبب النزول: نزول الآية (١٤): ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾: ذكر الواحدي النيسابوري والقشيري عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب وعبد الله بن أُبيّ وجماعتهما، وذلك أنهم نزلوا في غزاة بني المُصْطَلِقِ على بئر يقال لها: الْمُرَيْسيع، فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه قال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على قفّ - فم - البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مَثَلُنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سَمِنْ كلبك يأكلك، فبلغ عمر رضي الله عنه، فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾