النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
الُرُ (٢٥) - الرّزُقِّ: ٤٣ /٧٤- ٨٠
خلاص لکم بموت ولا غيره ﴿لَقَد ◌ِثنگم بِالْقِ﴾ قال تعالی: لقد جئناکم یا
أهل مكة بالحق الثابت على لسان الرسول ﴿ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْرًا﴾ بل أحكموا تدبير
أمر في كيد النبي محمد وتكذيب الحق ورده، ولم يقتصروا على كراهيته ﴿فَإِنَّا
مُبْرِمُونَ﴾ محكمون كيدنا في إهلاكهم ومجازاتهم.
سِرَّهُمْ﴾ حديث الخفية مع النفس أو الغير في مكان ﴿ وَحْوَدُهُمْ﴾ تناجيهـ
فيما بينهم وهو ما يجهرون به بينهم ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك ﴿وَرُسُلُنَا﴾ والحفظة
﴿ لَدَيْهِمْ﴾ عندهم، ملازمون ﴿يَكْثُبُونَ﴾ ذلك.
سبب النزول:
نزول الآية (٧٩):
﴿أَمَّ أَبْرَهُواْ﴾ قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به - بالنبي ◌َّ- في دار
الندوة.
نزول الآية (٨٠):
مْ يَحْسَبُونَ﴾ : أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال:
بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال
واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟ فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا
أسررتم لم يسمع، فأنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمَّ﴾ الآية.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل النار أيضاً، ليبين فضل
المطيع على العاصي، ولما ذكر تعالى الوعد، أردفه بالوعيد، على الترتيب
المستمر في القرآن، فبعد أن ذكر ما أعد لأهل الجنة المتقين من ألوان النعيم،
ذكر ما أعد لأهل النار الكفار من العذاب الأليم وأسبابه وهي الكفر
٢٠٢
الزُعُ (٢٥) - الزّخْرُّقة: ٤٣ /٧٤-٨٠
والمعاصي، مع إحباط مكائدهم ومؤامراتهم لرد الحق المنزل، وإعلامهم بأن
الله عليم بذلك، والحفظة الملازمون لهم يكتبون كل ما بدر منهم من قول أو
فعل، ليكون عنصر إثبات وحجة عليهم.
التفسير والبيان:
) أي إن الذين ارتكبوا الكفر
(VE)
{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ
بالله في دار الدنيا هم معذبون في عذاب النار، عذاباً دائماً، مخلَّدون فيه أبداً.
(٥) لا يخفف عنهم ذلك العذاب فترة أو
﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
لحظة ليستريحوا منه، وهم آيسون من النجاة ومن كل خير، حزينون أشد
الحزن.
وسببه ما اقترفوا في الدنيا كما قال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظِّمِينَ ﴿4﴾ أي ما عذبناهم بغير ذنب،
ولا زدناهم على ما يستحقونه، ولكنهم ظلموا أنفسهم بما ارتكبوا من
الذنوب، وبما عملوا من الأعمال السيئة، حيث كفروا بالله ربهم، وكذبوا
رسله وعصوا ما جاؤوا به، فجوزوا بذلك جزاء وفاقاً، وما ربك بظلام
للعبید.
﴿وَنَادَوَاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ (19) أي ونادى
المجرمون للتخلص مما هم فيه من العذاب الشديد، يا مالك-وهو خازن
النار- ليمتنا الله أو ليقبض أرواحنا، فيريحنا مما نحن فيه من العذاب،
فأجابهم بقوله: إنكم مقيمون في العذاب، لاخروج لكم من النار، ولا محيد
لكم عنها. قال المحققون: سمي خازن النار مالكاً؛ لأن المِلْك ◌ُلْقة، والتعلق
من أسباب دخول النار، كما سمي خازن الجنة رضواناً، لأن الرضا بحكم الله
سبب كل راحة وسعادة، وصلاح وفلاح.
٢٠٣
لُعُ (٢٥) - الرّخْرُق: ٤٣ / ٧٤ -٨٠
وذلك كقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ
عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦/٣٥] وقوله سبحانه: ﴿وَيَنَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿ الَّذِى يَصْلَى النَّارَ
اُلْكُتِى
ـ﴾ [الأعلى: ١١/٨٧- ١٣]. وقد روي أن
١٣
(٣ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَ
أهل النار استغاثوا بالخزنة، وسألوهم أن يخفف عنهم ربهم يوماً واحداً من
العذاب، فردت الخزنة عليهم أسوأ رد: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِىِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ
قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ
٤٩
أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ
رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدَوُاْ أَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِىِ ضَلٍ
٥٠) ﴾ [غافر: ٤٩/٤٠ -٥٠].
ثم ذكر الله تعالی سبب عقابهم قائلاً:
﴿لَقَدْ جِئْنَكُمُ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَلِفُونَ (٣)﴾ أي لقد بينا لكم الحق
ووضحناه وفسرناه، وأرسلنا إليكم الرسل، وأنزلنا عليهم الكتب، فدعوكم
إلى الصراط المستقيم، فأبيتم وكذبتم وكفرتم وعاندتم، وكان أكثركم أي كلكم
كارهين للحق وأهله لا يقبلونه.
ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده کیفیة مکرهم وفسادهم
في الدنيا، فقال بطريق الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة لبيان كون تدبيرهم
أسوأ من كراهتهم للحق.
﴾ أي بل دبّر مشركو مكة بإحكام كيداً للنبي
٧٩
﴿ أَمْ أَبْرَهُوْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
وَبطله في دار الندوة بمكة ليقتلوه أو يحبسوه أو يطردوه، والمعنى أنهم كلما
أحكموا أمراً في المكر بمحمد بَّله، فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم، وإنا محكمون
لهم كيداً، أي نبيَّت لهم جزاء وعقاباً شديداً، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا
[النمل: ٢٧ /٥٠] وقال سبحانه:
٥٠
وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
ا ﴾ [الطور: ٤٢/٥٢]. وكل من الكيد
يُرِيدُونَ كَيَدٌ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ
والمكر يراد به العقاب من الله تعالى، جزاءً على تحايلهم في رد الحق بالباطل،
ورد وبال ذلك عليهم، وإحباطه، ولهذا قال تعالى:
٢٠٤
الُزُ (٢٥) - الرّخْرُفِّ: ٤٣ /٧٤-٨٠
يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمَّ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْنُبُونَ ﴾﴾ أي
بل أيظنون أننا لا نسمع سرهم وعلانيتهم، سواء ما يضمرونه من شر وسوء
وكيد، أو ما يتناجون به فيما بينهم علانية لحبك المؤامرة، والتخطيط
لإنفاذها؟ بلى، نحن نسمع ذلك ونعلم به تماماً، والملائكة الحفظة أيضاً يكتبون
جميع ما يصدر عنهم من قول أو فعل، صغير أو كبير: ﴿عَنِ اٌلْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ
[ق: ١٧/٥٠ -١٨] .
١٨
فَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِدٌ
قال يحيى بن معاذ: من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه
شيء في السماوات، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآيات ما يأتي:
اً - إن جزاء الكفار الذين لم يؤمنوا بوجود الله ووحدانيته، ولم يصدقوا
بالرسل والكتب الإلهية هو نار جهنم. وقد وصفهم الله تعالى بصفة المجرمين.
أَ - وصف تعالى عذاب جهنم بثلاث صفات: هي أولاً - الخلود وهو في
رأي الرازي: عبارة عن طول المكث، ولا يفيد الدوم، وثانياً - عدم التخفيف
من العذاب، وثالثاً - الإياس من الرحمة أو السكوت سكوت يأس.
٣- لا ظلم للكفار بالعذاب يوم القيامة، ولكنهم هم الظالمون لأنفسهم
بالشرك، وإن أعظم جريمة في حق الله هي الشرك به، لذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤].
- يطلب الكفار من مالك خازن جهنم أن يتخلصوا من العذاب بالموت
الأبدي، وهم بالرغم من أنهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب،
طلبوا ذلك إما على سبيل التمني أو على وجه الاستغاثة، وكلا الأمرين تعبير
عن الحيرة والقلق والاضطراب ونحوها مما يفعله اليائس المتخبط في أحواله
كلها، فأُجيبوا بأنهم مقيمون على الدوام في نار جهنم.
٢٠٥
لُعُ (٢٥) - الرّحْزُقُ: ٤٣ / ٧٤-٨٠
ويذكر المفسرون أن بين سؤالهم هذا وبين جوابهم ثمانين سنة، أو ألف
سنة، أو مئة سنة، أو أربعين سنة، الأول قول عبد الله بن المبارك، والثاني
قول الأعمش، والثالث قول ابن عباس، والرابع قول عبد الله بن
عمرو (١) وكل ذلك يحتاج لدليل أوثق وأثبت، ونفوض العلم فيه إلى الله تعالى.
٥ - إن سبب عقاب الكفار أن الله تعالى جاءهم بالحق فلم يقبلوا، وكلهم
نافر من محمد رَ﴿ ومن القرآن، شديد البغض لقبول الدين الحق، وهو
الإسلام ودين الله تعالى.
أَ - أحبط الله كل مؤامرات الكفار على النبي ◌َّلو؛ لأن الله عاصمه من
الناس، قال مقاتل- كما تقدم -: نزلت آية ﴿أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْرًّا فَإِذَا مُبْرِمُونَ (9) في
تدبيرهم بالمكر بالنبي ◌َّ في دار النَّدْوَة، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو
جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل، ليشتركوا في قتله، فتضعف المطالبة
بدمه؛ فنزلت الآية (٢)
لاً - يخطئ الناس وبخاصة الكفار حين يظنون أن الله لا يسمع سرهم
ونجواهم، والسر: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ،
والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم، فإن الله سميع بصير، يسمع ويعلم كل
شيء، والملائكة الحفظة يكتبون عليهم تلك الأحوال، وستكون الكتابة في
سجل الأعمال يوم القيامة يحاسبون بناء عليها، وحجة وبرهاناً لإثبات
معاصيهم ومنكراتهم، وهذا تأكيد لعلم الله.
-
-
(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١١٧
(٢) المرجع السابق: ١١٨/١٦
٢٠٦
الزُرُ (٢٥) - الزّخْرُقُّ: ٤٣ / ٨١-٨٩
تنزيه الله سبحانه عن الولد والشريك
سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
٨١
﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَنَاْ أَوَّلُ الْعَنِدِينَ
رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى
٨٤
وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
١٣
يُوعَدُونَ
وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ
وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ
٨٥٦
تَرَجَعُونَ
وَقِيلِهِ،
٨٧
وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ (
ج
يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿٨َ فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٨٩
القراءات:
﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ﴾
قرأ نافع بإثبات الألف وصلاً ووقفاً.
وقرأ الباقون بحذفها وصلاً، وإثباتها وقفاً.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي (يُرْجَعون).
﴿وَقِيلِهِ﴾: قرئ:
١- (وَقِيْلِهِ) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (وقِيْلَهُ) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَعْلَمُونَ﴾ :
٢٠٧
الجُزُ (٢٥) - الرّزُقُ: ٤٣ / ٨١-٨٩
وقرأ نافع، وابن عامر (تعلمون).
الإعراب:
﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ ﴿إِن﴾: إما شرطية على سبيل الافتراض، أي إن
كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده، على أنه لا ولد له، أو على حد قول
الرجل لصاحبه: إن كنت كاتباً فأنا حاسب، والمعنى: لستَ بكاتب، ولا أنا
حاسب. او أن تكون ﴿إِن﴾ بمعنى (ما) وتقديره: ما كان للرحمن من ولد.
﴿فِى السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ كل من الجار والمجرور متعلق بما بعده.
﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ اللام في ﴿وَلَيِنِ﴾ لام القسم.
و﴿ لَيَقُولُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع وواو الضمير.
﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ﴾ بالجر لكلمة ﴿وَقِيلِهِ﴾ عطفاً على ﴿السَّاعَةِ﴾ أي وعنده
علم الساعة وعلم قيله؛ أو بالرفع عطفاً على ﴿عِلْمُ﴾ في قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ
السّاعَةِ﴾ أي وعلم قيله، فحذف المضاف، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف،
تقديره: وقيلُه: يارب، مسموع؛ أو بالنصب على المصدر، أي ويقول قيله،
أو عطفاً على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَهُمْ﴾ في قوله: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدِهُمْ﴾ أو عطفاً
على معنى ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي ويعلم الساعة ويعلم قيله، أو عطفاً على
المفعول المحذوف لـ ﴿يَكْثُبُونَ﴾ في قوله: ﴿ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ﴾ أي يكتبون
ذلك ویکتبون قيله.
ج
ج
﴿وَقُلْ سَلَمْ﴾ ﴿سَلَمْ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي أمري سلام، أي مسالمة
منكم، وليس من السلام بمعنى التحية.
المفردات اللغوية:
أي إن وجد له ولد على
﴿قُلْ إِن كَانَ لِلَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ
١
٢٠٨
الُزْعُ (٢٥) - الرّحْزُقُ : ٤٣ / ٨١-٨٩
سبيل الفرض والتقدير، وثبت ذلك بالدليل القاطع، فأنا - أي محمد النبي
وَي- أول العابدين أي المعظمين للولد تعظيماً للوالد، لكن ثبت ألا ولد له
تعالى، فانتفت عبادته وبطلت ﴿سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ﴾ أي تنزيهاً لله عن كونه
ذا ولد وعن كل نقص ﴿رَبِّ اُلْعَرْشِ﴾ العرش أو الكرسي: مخلوق عظيم
أعظم من السماوات والأرض، الله أعلم به ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يقولون كذباً
بنسبة الولد إليه.
﴿ فَذَرْهُمْ﴾ اتركهم ﴿يَخُوضُواْ﴾ يعبثوا في باطلهم، ويبطلوا مع المبطلين
﴿وَيَلْعَبُواْ﴾ في دنياهم ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾ أي يوم القيامة الذي يوعدون فيه
العذاب ﴿إِلَّهُ﴾ أي إنه هو معبود في السماء ومعبود في الأرض ﴿اٌلْحَكِيمُ﴾ في
تدبير خلقه ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بمصالحهم، وهما دليلان على استحقاق العبادة، والمعنى
أن الله في السماء والأرض بالألوهية والربوبية، وليس الاستقرار.
﴿وَتَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ كالهواء وجميع المخلوقات ﴿وَعِندَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
للحساب والجزاء ﴿ يَدْعُونَ﴾ يعبدون، وهم الكفار ﴿مِن دُونِهِ﴾ من غير الله
﴿الشَّفَاعَةَ﴾ لأحد ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي قال: لا إله إلا الله. والاستثناء
إما متصل؛ لأن من جملة مَنْ يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً، أو منقطع، أي
"لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يتيقنون بقلوبهم
مثلما شهدت به ألسنتهم، وهم عيسى وعزير والملائكة، فهؤلاء هم الذين
يشفعون بإذن الله للمؤمنين ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن عبادة الله.﴿وَقِيلِهِ﴾
معطوف على ﴿السَّاعَةِ﴾ أي وعنده علم الساعة وعلم قيله، أي قيل محمد
النبيِ وَّه، والقيل والقال والمقاله والقول بمعنى واحد، أي وقوله ﴿فَأَصْفَحْ
عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم ﴿وَقُلْ سَلَمٌ﴾ سلام متاركة وهجران، لاسلام تحية
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يطلعون على ما أعد لهم من عذاب، وهذا تهديد وتوبيخ لهم
أي للكفار.
٢٠٩
الُرُ (٢٥) - الرّزُقُّ: ٤٣ /٨١-٨٩
المناسبة:
بعد بيان أحوال المجرمين الكفار في الآخرة، أردفه تعالى ببيان استحالة
نسبة الولد والشريك له، وأنه المعبود بحق في السماء والأرض وأنه الحكيم في
صنعه العليم بكل شيء، وأن الله سبحانه مالك السماوات والأرض ومالك
كل شيء في الكون، وأن الآلهة المعبودة من دون الله ليس لها أي نفع كالشفاعة
في الآخرة، وأن المشركين متناقضون حين يقرون بأن الخالق للكون هو الله، ثم
يعبدون معه غيره، وأن حسابهم آتٍ يوم القيامة الذي لا يعلم بميقاته أحد غير
الله تعالی.
التفسير والبيان:
أي قل یا محمد: إن ثبت
﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ
ببرهان صحيح لله تعالى ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون
ثبوته، وأول من يعظمه كما يُعِّم الرجل ولد الملك لعظم أبيه، ولكن هذا
ممتنع في حقه تعالى، ويستحيل أن يكون له ولد فهو محال في ذاته؛ لأنه يؤدي
إلى العجز والحاجة لغيره والنقص، والإله كامل الصفات. والجملة شرطية
لفظاً ومعنى، مركبة من شرط وجزاء، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز
أيضاً، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل، بقصد المبالغة في نفي
الولد، وهو أبلغ وجوه النفي وأقواها، كما تقول لمن يجادلك: إن ثبت ما
تقول بالدليل فأنا أول من يعتقد به.
وهو مثل قوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا
(@)) [الزمر: ٤/٣٩] وقوله سبحانه:
يَشَآءُ سُبْحَنَةُ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَأَ﴾
[الأنبياء: ٢٢/٢١] أي لو كان في
السماوات والأرض أكثر من إله لفسدت.
ويؤكد نفي الولد قوله تعالى:
::
٢١٠
الُعُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٨١-٨٩
سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (19)﴾ أي تنزيهاً له
وتقديساً عما يقولون من الكذب بأن له ولداً، ويفترون عليه تعالى ما لا يليق
بجنابه، أو تعالى وتنزه وتقدس خالق الأشياء عن أن یکون له ولد، فهو مالك
السماوات والأرض، ورب العرش المحيط بالكون، وهو منزه عما يصفه به
المشركون كذباً من نسبة الولد إليه.
ثم أمر الله تعالى نبيه بالإعراض عن المشركين المعاندين قائلاً:
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُ الَّذِى يُوعَدُونَ (٨٣) أي فاتركهم
أيها النبي يخوضوا في جهلهم وباطلهم وضلالهم، ويلعبوا ويلهوا في دنياهم،
حتى يلقوا يوم القيامة الذي يوعدون به. وفي هذا تهديد ووعيد.
ویزید الله تعالى تأکیده تنزيه نفسه عن الولد قائلاً:
١- ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ اُلْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
ج
٨٤
أي هو الله المعبود بحق في السماء، والمعبود بحق في الأرض، فلا يستحق
العبادة سواه، وهو الحكيم في تدبير خلقه، العليم بمصالحهم، والمعنى: كما
أنه تعالى ليس له ولد، ليس له مكان يستقر فيه، بل له الألوهية والربوبية في
الكون كله، وفي كل مكان، ويستحيل عليه المكان؛ لأنه يكون محدوداً
محصوراً في جهة معينة، له حجم ونهاية، وتلك صفات الحوادث، والله منزه
عنها، فلا يحده زمان ومكان، والحكمة البالغة والعلم الواسع يتنافيان مع
إثبات الولد لله.
ثم أبطل الله تعالى قول الكفرة: إن الأصنام تنفعهم، قال:
٢- ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (®﴾﴾ أي تعاظم وتعالى وزادت خيراته وبركاته الله مالك
السماوات ومالك الأرض، وما بينهما من الفضاء والهواء وأنواع الحيوان
٢١١
الزُعُ (٢٥) - الرّحْرُّقة: ٤٣ / ٨١-٨٩
والإنسان وخالق كل شيء، وهو المختص بعلم الوقت الذي تقوم فيه الساعة،
وإليه مرجع ومصير الخلائق كلها، فيجازي كل إنسان بعمله، إن خيراً فخير،
وإن شراً فشر.
وهذه صفات تتنافى كلها أيضاً مع إثبات ولد لله؛ لأنه تعالى غير محتاج
لمعونة أحد من خلقه، كما أن له السلطان المطلق في الحساب والجزاء في عالم
القيامة، ولما نفى الله تعالى الولد أتبعه بنفي الشركاء، فقال مؤكداً عدم نفع
الأصنام:
٣- ﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ (®﴾(١) أي ولا تملك- ولا تقدر- الأصنام وكل معبود مدعو من
دون الله - الشفاعة عند الله كما يزعم عبادها أنهم يشفعون لهم، لكن من آمن
وشهد بالحق على بصيرة ويقين بأن الله واحد لا شريك له، فإن شفاعته مقبولة
عند الله بإذن الله. فقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ معناه: وهم على علم وبصيرة بما
شهدوا به. وهذا دليل على أن إيمان المقلِّد وشهادته غير معتبرين.
ثم أبان الله تعالى تناقض المشركين قائلاً:
٤ - ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٣)﴾ أي وتالله لئن
سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره عمن خلقهم؟ لأجابوا بأنه
الله، فهم يعترفون بأنه الخالق للأشياء جميعها، ومع هذا يعبدون معه غيره
ممن لا يملك شيئاً، ولا يقدر على شيء، فكيف يصرفون عن العبادة الحقه
عبادة الله إلى عبادة غيره، مع هذا الاعتراف؟ إنهم في هذا التناقض في غاية
الجهل والسفاهة وسخافة العقل، وهذا مدعاة للعجب من إشراكهم،
والغرض من الآية: التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع، ثم يجعلون له
أنداداً.
(١) استثناء منقطع بمعنى لكن، ويجوز أن يكون متصلاً كما بينا.
٢١٢
الجزءُ (٢٥) - الرّخْرُفُ: ٤٣ / ٨١-٨٩
ثم أعلن الله تعالى علمه بشكوى النبي وَلّ من إعراض قومه قائلاً:
٥ - ﴿وَقِيْلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿٨﴾ أي ويعلم الله تعالى
علم الساعة وقول النبي قال# وشكواه إلى ربه من قومه الذين كذبوه: يا ربّ،
إن هؤلاء القوم الذين أرسلتني إليهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون بك ولا
برسالتي إليهم، كما أخبر تعالى في آية أخرى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوِْى
أُتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
[الفرقان: ٣٠/٢٥] .
ثم أمر الله تعالى نبيه بالإعراض عنهم ونبذهم لإشراكهم قائلاً:
﴿ فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (9﴾﴾ أي اصفح عن المشركين صفح
المغاضب لا الموافق المجامل، وأعرض عما يقولون وما يرمونك به من السحر
والكهانة، واصبر على دعوتهم إلى أن يأتي أمر الله، وقل: أمري معكم مسالمة
ومتاركة إلى حين، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم. وهذا تهديد شديد ووعيد
أكيد من الله لهم، ووعد ضمني بنصر الإسلام والمسلمين عليهم، وقد أنجز الله
وعده، فأيد رسوله والمؤمنين، وهزم أركان الشرك والمشركين، وطهر جزيرة
العرب من فلولهم وآثارهم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وانتشر
الإسلام- ولله الحمد- في المشارق والمغارب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات البيّنات إلى ما يأتي:
اً - إن إنكار وجود الولد لله تعالى ليس عناداً ولا منازعة، وإنما بدلالة
الأدلّة القاطعة على نفي وجود الولد، فالعبرة للدّليل، وقد أثبت الدّليل
القاطع عدم وجود الولد لله تعالى؛ لأن صفة الألوهية تقتضي الكمال والقدرة
والحكمة والعلم، واتخاذ الولد دليل العجز والنقص.
وهذا مأخوذ من معنى الآية الأولى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ أي لو كان
له ولد كنت أول من عبده؛ على افتراض أن له ولداً ثابتاً بالبرهان، ولكن لا
ينبغي ذلك، ولم يقم دلیل علیه.
٢١٣
الجزءُ (٢٥) - الزّزُوّ: ٤٣ / ٨١-٨٩
أَ - نزّه الله نفسه ربّ السماوات والأرض عن كلّ ما يقتضي الحدوث،
وأمر النَّبِيّ وَّ بالتَّنزيه عما يقوله المشركون من الكذب.
◌َّ - أمر الله نبيَّه أيضاً أن يترك المشركين يخوضون في باطلهم، ويلعبون في
دنياهم، حتى يأتيهم إما العذاب في الدنيا أو في الآخرة.
٤ - كذب الله المشركين بقوله: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ
﴾ في أن لله شريكاً وولداً، فهو وحده المستحق للعبادة
٨٤
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
في السماء والأرض.
قال الرّازي: هذه الآية من أدلّ الدّلائل على أنه تعالى غير مستقرّ في
السماء؛ لأنه تعالى بيَّن بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالألوهية كنسبته إلى
الأرض، فلما كان إلهاً للأرض، مع أنه غير مستقرّ فيها، فكذلك يجب أن
يكون إلهاً للسماء، مع أنه لا يكون مستقرّاً فيها(١)
٥ - الله تعالى مصدر الخير والبركة، وهو صاحب العظمة، مالك
السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات والموجدات والعناصر، وهو
العالم بوقت قيام القيامة، وإليه مصير الخلق للحساب والجزاء. وقوله:
﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ بعد بیان كمال قدرته: هو التنبيه على أن من كان كامل
الذّات والعلم والقدرة، امتنع عليه اتّخاذ ولد كعيسى موصوف بالعجز وعدم
الاطلاع على أحوال العالم.
٩ - نفى الله تعالى الولد إليه، ثم نفى الشُّركاء بقوله: ﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ﴾ أي لايملك عيسى وعزير والملائكة وغيرهم من
الأصنام الشَّفاعة إلا من شهد بالحقّ وآمن على علم وبصيرة، وهم يعلمون
حقيقة ما شهدوا به.
(١) تفسير الرازي: ٢٣٢/٢٧
٢١٤
الُزُعُ (٢٥) - الزّزُونَ: ٤٣ / ٨١-٨٩
لاً - دلّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ على أمرين:
الأول- أنّ الشفاعة بالحقّ غير نافعة إلا مع العلم، وأن التّقليد لا يغني
مع عدم العلم بصحة المقالة.
الثاني- أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد
عالماً بها، كما روى البيهقي والحاكم وابن عدي عن ابن عباس- وهو
ضعيف - عن النَّبِي وَِّ: (إذا رأيت مثل الشمس فاشهد، وإلا فَدَعْ)).
٨ - المشركون قوم متناقضون كما ثبت في أول السورة وآخرها، فلما
اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى، فكيف أقدموا مع
هذا الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام جامدة لا تضرّ ولا تنفع؟
الواقع أنهم يكذبون على الله حين يقولون: إن الله أمرنا بعبادة الأصنام.
ودلّ قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم.
- شكا النَّبي ◌َّ قومه إلى ربِّه بأنّهم لا يؤمنون بالله وحده لا شريك له،
ولا برسالته ولا بالقرآن المنزل عليه. وهذه الشكوى صدرت منه وَ ليل بعد أن
ضجر منهم، وعرف إصرارهم على الكفر. وهذا قريب مما حكى الله عن نوح
أنه قال: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّ ◌َزِدَّهُ مَالُمُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح:
٢١/٧١] .
· أَ - أمر الله نبيِّه بالصَّفح عن المشركين صفح الغاضب النّاقم لا الرّاضي
بفعلهم، وبالمتاركة حتى حين، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب في
الدنيا والآخرة، وهذا تهديد للمشركين، ولا حاجة كما ذكر الرّازي إلى القول
بأن هذه الآية منسوخة بآية السَّيف؛ لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة،
فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ، وأما التكرار فيكون بدليل
آخر، كما أن اللفظ قد يتقيَّد بقرينه العرف.
.
٢١٥
لِلُ (٢٥) السورة (٤٤) الدُّخَانِ
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الدُّخَان
مڪية، وهي تسع وخمسون آية
تسميتها:
سّيت (سورة الدُّخَان) لما فيها من تهديد المشركين في الماضي بالجدب
والقحط الذي يجعل الجائع كأنه يرى في الفضاء دخاناً من شدة الجوع، وتهديد
الأجيال المقبلة بظهور الدُّخان في السماء مدة أربعين يوماً والذي يعدّ أمارة
من أمارات السّاعة.
مناسبتها لما قبلها:
تتجلّ مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حاميم من وجوه ثلاثة:
اً - افتتاح كلتا السُّورتين بالقسم بالقرآن العظيم تنويهاً به، في قوله تعالى:
﴿حَمّ ﴿ وَلْكِتَبِ الْمُبِينِ
أَ - تشابه خاتمة السّورة المتقدِّمة ومطلع هذه السّورة، حيث ختمت سورة
الزّخرف بالتهديد والوعيد في قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ
يَوْمَعُ الَّذِى يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ [٨٣] فذكر يوماً غير معيّن ولا موصوفاً، ثم أبان
وصفه في سورة الدُّخان في القسم الأول منها حيث أنذر تعالى المشركين في
[١٠].
قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
٢١٦
الجُ (٢٥) السورة (٤٤) الدُّخَان
◌َّ - حكاية ما قاله النَّبِي وَ ◌ّ لقومه وما قاله أخوه موسى عليه السّلام لقوم
فرعون، فقال النَّبِي وَِّ في السّورة المتقدِّمة: ﴿يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
١٨٩﴾ [٨٩]،
[٨٨]، ثم قال الله له: ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
وحكى الله عن موسى في هذه السُّورة: ﴿فَدَهَا رَبَّهُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
وَإِن لَّمْ
[٢٢]، وقال موسى: ﴿وَإِِّ عُذْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ
(3) [٢٠-٢١]، والتّشابه واضح في الموقعين.
نُؤْمِنُواْ لِى فَأْنَزِلُونِ
ما اشتملت عليه السُّورة:
موضوع سورة الدُّخان المكيّة كسائر موضوعات السُّور المكيّة وسور آل
حاميم السَّبع، وهو بيان أصول العقيدة الإسلامية: التوحيد، والنّبوة
والرِّسالة، والبعث.
بدئت السورة ببيان تاريخ بدء إنزال القرآن في ليلة القدر من رمضان، رحمة
من الله بعباده، وأن منزله هو مالك الكون كله والمخلوقات جميعها، وأنه هو
الإله الحقّ الواحد الذي لا شريك له، غير أن المشركين في شكّ وارتياب من
أمر القرآن.
ثم أوعدَتهم بالعذاب الشديد، وبالدُّخان المخيف الذى ينذرهم بأسوأ
العواقب، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا.
وأردفت ما سبق بعظتهم بقصة فرعون وقومه مع موسى عليه السّلام،
حيث نَجَّى الله المؤمنين، وأغرق الكافرين في البحر.
ثم وصفت مشركي مكة بأنهم قوم منكرون للبعث في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ
[٣٥]، وهدّدتهم بالإهلاك كما
٣٥
إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
أهلك المجرمين الأشدّاء من قبلهم، مثل قوم تُبَّع الحميري، مع إيراد الدَّليل
على قدرة الله عزّ وجلّ على كلِّ شيء.
٢١٧
الُ (٢٥) السورة (٤٤) الدُّخَّانِ
ثمّ وصفت لهم أهوال يوم القيامة وما فيه من الحساب والعقاب وطعام
الزَّقوم في نار جهنم وغير ذلك مما يرهب ويرعب، ويثير المخاوف الشَّديدة في
النفوس.
وختمت السُّورة بنعت وبيان مصير الأبرار ومصير الفجّار، لترغيب الفريق
الأول وتبشيره بالعاقبة الحميدة، وترهيب الفريق الثاني وإنذاره بالنكال
والعذاب الشَّدید.
فضلها:
ذكر المفسّرون أحاديث في فضل سورة الدُّخان، لكنها لا تخلو من
ضعف(١) منها ما رواه الدّراميّ في مسنده عن أبي رافع قال: ((من قرأ الدُّخان
في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له، وزُوِّج من الحور العين)) ورواه الثّعلبي
مرفوعاً عن أبي هريرة أنّ النّبي ◌َّر قال: ((من قرأ الدّخان في ليلة الجمعة
أصبح مغفوراً له)) وفي لفظ آخر للتِّرمذي: ((من قرأ حم الدُّخان في ليلة،
أصبح يستغفر له سبعون ألف مَلَك))، وعن أبي أمامة قال: سمعت النَّبِي وَلِّ
يقول: ((من قرأ حم الدُّخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، بّى الله له بيتاً في
الجنة)) .
(١) وهكذا أغلب الأحاديث الواردة في فضائل الشُّور ضعيفة لا يصح الاعتماد عليها، لذا
استبعدت ذكر هذه الأحاديث، وأوردت بعضها هنا للتّنبيه والبيان.
٢١٨
الجُءُ (٢٥) - الدُّخَانِّ: ٤٤ / ١-٩
إنزال القرآن في ليلة القدر المباركة وصفات منزله
﴿حَمّ جَ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا
مُنذِرِينَ (3)
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
ج رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا
رَحْمَةً مِّن زَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِى، وَيُمِيثٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِّكُمُ
الْأَوَّلِينَ ﴿ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ
القراءات:
﴿رَبِّ﴾: قرئ:
١- (ربِّ) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.
٢- (ربُّ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿أَمْرًّاً مِّنْ عِندِنَا﴾ ﴿أَمْرًا﴾: إما منصوب على الحال بمعنى آمرين، أو
منصوب على المصدريّة، أو منصوب بفعل مقدرّ، أي أعني أمراً، وهو قول
أبي العباس المتّرد.
(رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: إما منصوب على أنه مفعول لأجله، أي
للرّحمة، وحذف مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾، أو لأنه مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾ والمراد بالرّحمة
حينئذٍ النَّبِي وََّ، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَّمِينَ
[الأنبياء: ١٠٧/٢١]، أو منصوب على البدل من قوله: ﴿أَمْرًا﴾، أو منصوب على
المصدر، أو منصوب على الحال، وهو قول أبي الحسن الأخفش.
٢١٩
الُرُ (٢٥) - الدُّخَانَ: ٤٤ / ١-٩.
﴿رَبِّ السَّمَوَتِ﴾ بالجرّ: بدل من ﴿زَيٌِّ﴾، وبالرَّفع: خبر آخر، أو
صفة، أو استئناف على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ربّ السماوات.
البلاغة:
﴿حَكِيمٍ﴾ ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة على وزن فعيل.
﴿ نُحِىء وَيُمِيثٌ﴾ بينهما طباق.
﴿إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ﴾ حثّ وتحريض على الإيمان والتّفكر والتّبصر.
المفردات اللغوية:
حمّ (4) الحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن، والتنبيه على
خطورة ما يلقى من أحكام في هذه السّورة، كما تقدّم . ﴿وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ
هذا قسم بالقرآن، أي والقرآن ذي البيان الواضح لكل حاجات
الإنسان في الدِّين والدنيا.
﴿ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر، ابتدئ فيها إنزال القرآن، أو أنزل فيها
جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وبركتها لأن نزول القرآن سبب
للمنافع الدِّينية والدُّنيوية .﴿مُنذِرِينَ﴾ مخوّفين به، وهو استئناف يتَبَين فيه
المقتضي للإنزال.
(فِيَهَا﴾ في ليلة القدر . ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصّل ويسّن. ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ محكم لا
لبس فيه، من الأمور المحكمة التّشريعية، والأرزاق والآجال وغيرها على مدار
السّنة إلى تلك الليلة.
﴿ أَمْرًّا مِّنْ عِندِنَا﴾ أي أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا على مقتضى
حكمتنا، وهو مزيد تفخيم للأمر ﴿مُرْسِلِينَ﴾ الرّسل: محمد نَّله ومن قبله
عليهم السّلام ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ رأفة بالمرسل إليهم ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم
﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم، وهو وما بعده بيان أنّ الرّبوبية لا تحقّ إلا لمن
٢٢٠
الدُءُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ /١-٩
هذه صفاته، مما ينفي ربوبية غيره. ﴿ إِن كُنْتُم ◌ُوقِنِينَ﴾ أي إن كنتم من
أهل الإيقان في العلوم وفي أنه تعالى ربّ السماوات والأرض، أو كنتم
تطلبون اليقين وتريدونه.
﴿لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا خالق سواه. ﴿يُحِى، وَيُمِيثٌ﴾ كما تشاهدون. ﴿بَلّ
صلے
هُمْ فِ شَكٍ﴾ من البعث، وهو ردّ لكونهم موقنين. ﴿ يَلْعَبُونَ﴾ يعبثون
استهزاء بالنَّبِي وَِّ، لذلك قال: ((اللهم أعِّي عليهم بسبع كسبع يوسف)).
التفسير والبيان:
﴿حَمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
أقسم الله سبحانه بالقرآن العظيم الذي هو الكتاب الموضِّح لكلّ ما
يحتاجه الإنسان من أمور الدِّين والدُّنيا، على أنه أنزل القرآن في ليلة كثيرة
الخيرات التي هي ليلة القدر، كما جاء مبيّناً في آية أخرى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
اَلْقَدْرِ ﴾ [القدر: ١/٩٧]، من ليالي شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن،
كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِّلِنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢]، أي أنه بدئ بإنزاله في ليلة
القدر من ليالي رمضان، واستمرّ نزوله منجّماً ثلاثاً وعشرين سنة، أو أنزل
القرآن كلّه في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدُّنيا.
إنّا كنّا بهذا القرآن منذرين الناس من العذاب الأليم في الآخرة إذا اقترفوا
الشّرك والمعاصي، ومعلِّمين النّاس ما ينفعهم ويضرّهم شرعاً لتقوم حجّة الله
على عباده.
قال ابن كثير: ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان- كما روي عن
عكرمة- فقد أبعد النّجعة - أي الطلب- فإن نصّ القرآن أنها في رمضان (١).
وقال القرطبي بعد حكاية قول عكرمة: إنها ليلة النّصف من شعبان:
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ١٣٧