النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
الجزءُ (٢٥) - الرّحْفُّ: ٤٣ / ١-٨
الأحكام المبينة في السورة ﴿ وَاَلْكِتَبِ﴾ أي أقسم بالقرآن على أنه مجعول قرآناً
عربياً ﴿اُلْمُبِينِ﴾ الموضح لطريق الهدى والشرائع والأحكام ﴿إِنَّا جَعَلْتَهُ﴾
أوجدنا القرآن - ﴿ وَاَلْكِتَبِ﴾ ﴿قُرْءَنَّا عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب ﴿لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا معانيه أيها العرب.
﴿ وَإِنَّهُ﴾ مثبت، معطوف على ﴿إِنَّا﴾ ﴿أَمِّ الْكِتَبِ﴾ اللوح المحفوظ، فإنه
أصل الكتب السماوية ﴿لَدَيْنَا﴾ عندنا ﴿لَعَلِىُّ﴾ رفيع الشأن لكونه معجزاً
من بينها، مهيمناً على الكتب قبله ﴿حَكِيمُ﴾ ذو حكمة بالغة، أو محكم لا
ینسخه غيره.
﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي أنهملكم ونترككم فنمسك عنكم
القرآن إمساكاً، فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل ما. أو أننحي عنكم القرآن،
وتنحيته عنهم إعراض؛ يقال: ضربت وأضربت عنه: تركته،
و﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن، و﴿صَفْحًا﴾: إعراضاً. والمراد إنكار أن يكون
الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب بلغتهم ليفهموه.
﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ أي لأن كنتم ﴿قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ متجاوزين الحد في
الإسراف، مشركين بالله، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم،
أي لا نترككم لكونكم مشركين ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ثَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
(٣) أي ما أتاهم نبي إلا استهزؤوا به، وهذا تسلية للنبي وَّل عن استهزاء
قومه.
﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أشد من قومك قوة ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَِّينَ﴾
أي سبق وسلف في آيات الله بيان قصتهم العجيبة وإهلاكهم، فكذلك
يكون قومك مثلهم، والآية وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على
. الأولين.
١٢٢
الُرُ (٢٥) - الرّخْرُّقُ: ٤٣ /١-٨
الغاية والهدف من الآيات:
يريد الله تعالى أن يؤكد كون القرآن بلغة العرب، مما يقتضي إيمان العرب
قاطبة به، فهم أقدر الناس على فهمه وإدراك معانيه، ويؤكد أيضاً أن القرآن
كلام الله ومن عنده، فهو محفوظ مصون في اللوح المحفوظ، وليس من عند
محمد # كما تزعمون، وأن الإعراض عنه لا يكون سبباً لترك تذكيرهم به،
فضلاً من الله ونعمة ورحمة، وليعتبروا بمصائر أمثالهم من الأمم التي أهلكها
الله.
التفسير والبيان:
ج) تقدم بيان المراد من ﴿حمّ (!)). ثم
﴿حَمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ
يقسم الله بالقرآن نفسه البيِّن الواضح الجلي المعاني والألفاظ، المبين طريق
الهدى وكل ما يحتاج إليه الناس في الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَنَّا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي إنا أنزلنا هذا القرآن
بلسان العرب أو اللغة العربية التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس،
وقد جعلناه بلغة العرب فصيحاً واضحاً، لتفهموه أيها العرب، وتتدبروا
﴾ [الشعراء: ١٩٥/٢٦].
١٩٥)
معانيه، كما جاء في آية أخرى: ﴿ ◌ِلِسَانٍ عَرَبِّ ◌ُبِينٍ
والآية جواب القسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم
والمقسم عليه وكونهما من واد واحد. ولعل: للتمني والترجي وهو لا يليق بمن
كان عالماً بعواقب الأمور، فكان المراد ههنا كما ذكر الرازي وغيره، أنزلناه
قرآناً عربياً لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه.
هذا في الأرض، وأما في السماء فقال تعالى:
﴿وَإِنَُّ فِيَّ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴾﴾ أي وإن هذا القرآن في
اللوح المحفوظ عندنا رفيع القدر، عالي الشأن في البلاغة والإرشاد وغير
١٢٣
الجُرُ (٢٥) - الزّزُقُ: ٤٣ /١-٨
ذلك(١) عظيم الشرف والمكانة، ذو حكمة بالغة، ومحكم النظم لا يوجد فيه
لَبْس واختلاف ولا تناقض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ﴿١) فِ كِنَبٍ
١٨٠
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٧٩
◌َّكْنُونٍ ﴿ لَّا يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
روز
[الواقعة: ٧٧/٥٦-٨٠] وقال سبحانه:
كَلّّ إِنَّهَا
نَذكِرةً
(* فَن شَآءَ ذَكَرَهُ
12) في
فَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ
صُحُفٍ مُكََّةٍ شَم
(4)) [عبس:
كِرَكِ بَرَةٍ
١٥
١١/٨٠-١٦] (٢) .
(٢)
﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾﴾؟ أي
أنترككم دون إنذار، ونطوي عنكم القرآن طياً دون تذكير، ولا وعظ ولا أمر
ولا نهي، لأنكم قوم منهمكون في الإسراف، مصرّون على الشرك ؟ لا نفعل
ذلك لطفاً ورحمة منا بكم، فلا نترك دعوتكم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو
القرآن، وإن كنتم مسرفين معرضين عنه، بل نأمر به ليهتدي المهتدون في قدر
الله وعلمه، وتقوم الحجة على الأشقياء(٣).
ثم سلّ الله رسوله عما يلقاه من صدود قومه، فقال:
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّبِيٍّ فِ اُلْأَوَِّينَ ﴾﴾ ﴿وَكَمْ﴾: هنا خبرية، أي ما أكثر
ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة، فكذبوهم، كما قال تعالى:
﴾ أي وما أتاهم من نبي
﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ◌َّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
ولا رسول إلا كانوا به يكذبون ويسخرون، كتكذيب قومك واستهزائهم بك.
أي فدمرنا وأهلكنا
٨
﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
قوماً أشد قوة من هؤلاء القوم المكذبين لك يا محمد، وقد سلف في القرآن
(١) غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري: ٤٣/٢٥.
(٢) وقد استنبط العلماء من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف، تشهباً بالملائكة الأطهار
لتعظيمه.
(٣) تفسير ابن كثير: ١٢٢/٤.
بِأَيْدِى سَفَرَةٍ
١٤
١٢٤
الْجُرءُ (٢٥) - الرّخْرُف: ٤٣ / ١-٨
. ذكرهم أكثر من مرة وعرفت سنة الله فيهم، وإذا علمتم ما آل إليه أمرهم
بسبب تكذيب الرسل، فاحذروا الوقوع في مثل مصائرهم.
فالمثل: سنتهم أو عقوبتهم كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى
الْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
(٨٢)﴾ [غافر: ٤٠ / ٨٢].
أو المثل: عبرتهم، أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما
﴾ [الزخرف:
أصابهم، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ
٥٦/٤٣] وقوله سبحانه ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِمْ﴾ [غافر: ٨٥/٤٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام والمبادئ التالية:
اً - القرآن الكريم أنزله الله بلسان العرب؛ لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان
قومه، وجميع ما في القرآن عربي مادة ومعنى، لفظاً ونظماً، فقد أقسم الله
سبحانه بالقرآن أنه جعله عربياً، وأنه جعله مبيِّناً، فهو المبيّن للذين أنزل
إليهم؛ لأنه بلغتهم ولسانهم، ولأنه الذي أبان طريق الهدى من طريق
الضلالة، وأبان فيه أحكامه وفرائضه.
أَ - ليس إنزال القرآن باللغة العربية دليلاً على أنه خاص بالعرب دون
العجم؛ لأن نصوصه قاطعة الدلالة على عالمية الإسلام للناس كافة، كماهو
معروف في مواضع متقدمة، لذا كان تفسير ابن زيد لقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ لعلكم تتفكرون هو الأولى؛ لأنه على هذا التأويل يكون خطاباً
عاماً العرب والعجم. أما على تفسير ابن عيسى: لعلكم تفهمون أحكامه
ومعانيه، فيكون خاصاً للعرب دون العجم(١)
(١) تفسير القرطبي: ٦١/١٦
١٢٥
الُعُ (٢٥) - الرَّحْقِ: ٤٣ / ١-٨
والظاهر إرادة كلا المعنيين ولا يلزم التخصيص بالعرب، لأن عموم
الرسالة الإسلامية من المبادئ الكبرى المعروفة.
وقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يدل - كما ذكر الرازي - على أن
القرآن كله معلوم، وليس فيه شيء مبهم مجهول، خلافاً لمن يقول: بعضه
معلوم، وبعضه مجهول(١).
◌َّ - وصف الله تعالى القرآن في السماء بأنه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى:
﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِدٌ ﴿َ فِ لَوَج ◌َحْفُوظِ
[البروج: ٢١/٨٥-٢٢]، ثم وصف
اللوح المحفوظ بأربع صفات هي:
الأولى - أنه ﴿أَمِّ الْكِتَبِ﴾ وأصل كل شيء: أمه، أي أن القرآن مثبت
عند الله في اللوح المحفوظ.
الثانية - وأنه لدى الله بقوله: ﴿لَدَيْنَا﴾. وإنما خصه الله بهذا التشريف
لكونه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته.
الثالثة - كونه علياً، أي كونه عالياً عن وجوه الفساد والبطلان.
الرابعة - كونه حكيماً، أي محكماً في وجوه البلاغة والفصاحة، وذو
حكمة بالغة، ويرى مفسرون آخرون أن هذه الصفات كلها صفات القرآن.
وهذا على تفسير أم الكتاب باللوح المحفوظ، وفي تفسير آخر أنه الآيات
المحكمات لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ
اُلْكِنَبِ﴾ [آل عمران: ٧/٣] والمعنى: أن سورة ﴿حمّ (٣) واقعة في الآيات
المحكمة التي هي الأصل والأم.
٤ - إن اختيار المشركين دين الشرك لا يمنع من تذكيرهم، ووعظهم،
(١) تفسير الرازي: ١٩٣/٢٧
١٢٦
المُرُ (٢٥) - الزَّرُّف: ٤٣ / ٩-١٤
وأمرهم، ونهيهم، لطفاً من الله ورحمة بهم، وقطعاً لحجتهم بعدم البيان
والتكليف.
٥ - إن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب
والاستهزاء، فلا داعي أيها الرسول وأتباعه للتأذي من أقوام، بسب إقدامهم
على التكذيب والاستهزاء؛ لأن المصيبة إذا عمَّت خفَّت.
أَ - إن عدد الأنبياء في البشر كثير، فما أكثر ما أرسل الله من الأنبياء،
ولكن الله تعالى أهلك أقوامهم الذين كذبوهم واستهزؤوا بهم، بالرغم من
أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ومضى مَثَّلهم في
الأمم الغابرة. والمثل: العقوبة أو السنّة أو الوصف والخبر، أي سلفت
عقوبتهم، أو صفة الأولين بأنهم أهلكوا على كفرهم، أو مضت سنة الله فيهم.
فإذا سلك كفار مكة وغيرهم في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم،
فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم، فقد ضرب الله لهم مَثَلهم،
كما قال: ﴿وَكُلَّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَلَ﴾ [الفرقان: ٣٩/٢٥]. ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ
اُلْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥/١٤].
من مصنوعات الله تعالى وصفاته
﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُّلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءْ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنَاْ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلَكِ وَاْأَنْعَمِ مَا تَرَكَبُونَ
١٢
لِتَسْتَوُاْ عَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَنَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى
٢١٤
وَإِنّا إِلَى رَبْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ )
١٢٧
الزُُّ (٢٥) - الرّخْرُوّ: ٤٣ / ٩-١٤
القراءات:
﴿مَهْدًا﴾: قرئ:
١- (مَهْداً) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (مِهاداً) وهي قراءة باقي السبعة.
٠٠
﴿ تُخْرَجُونَ﴾: قرئ:
١- (تَخْرُجُون) وهي قراءة ابن ذكوان، وحمزة، والكسائي.
٢- (تُخْرَجُون) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمْ﴾ اللام: لام القسم و﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع
لتوالي النونات: وواو الضمير لالتقاء الساكنين.
﴿مَا تَرَّكَبُونَ﴾ حذف العائد اختصاراً، أي تركبونه، وإنما قال ﴿تَرَكَبُونَ﴾
مع أنه يقال: ركبوا الأنعام، وركبوا في الفلك، لأنه غلب المتعدي بغير
واسطة، لقوّته على المتعدي بواسطة، فقيل: تركبونه.
﴿عَلَى ظُهُورِهِ،﴾ جمع الظهر مراعاة المعنى ﴿مَا﴾ وذكّر الضمير نظراً للفظ
﴿مَا﴾.
البلاغة:
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ تشبيه بليغ، أي كالمهد وهو الفراش،
حذفت منه الأداة ووجه الشبه.
﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا﴾ استعارة تبعية، شبّه الأرض قبل نزول المطر
بالميت، ثم أنشرها الله، أي أحياها بالمطر.
١٢٨
الزُعُ (٢٥) - الزّخْزُقُّ: ٤٣ /٩-١٤
كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ سجع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ هذا مقول المشركين، أي خلقهن ذو العزة
والعلم ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ استئناف من الله تعالى،
المهد: الفراش، كالمهد للصبي، فتستقرون فيها ﴿سُبُلًا﴾: طرقاً، جمع سبيل،
أي طريق ﴿لَّعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا إلى مقاصدكم أو إلى حكمة
الصانع بالنظر في ذلك.
﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار أو تقدير ينفع ولا يضر، بحسب الحاجة، ولم يجعله
طوفاناً ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾ أحيينا ﴿بَلْدَةً مَّيْنَأً﴾ خالية من النبات، وتذكير كلمة
(ميت)) لأن البلدة بمعنى البلد والمكان ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الإنشار (الإحياء)
﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم أحياء.
﴿ وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ أصناف المخلوقات ﴿اُلْفُلْكِ﴾ السفن
﴿ وَاُلْأَنْعَمِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ لتستقروا على ظهور ما
تركبون ﴿سَخَّرَ﴾ ذلل ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، مأخوذ من أقرن الشيء: إذا
أطاقه، وأصله: وجده قرينه ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون، فالنقلة العظمى هي
الانقلاب إلى الله تعالى، لتجازى كل نفس بما كسبت.
المناسبة:
هذه الآيات تذكير للمشتركين المسرفين في أعمالهم وإعراضهم عن القرآن
بأنهم يقرون بوجود الخالق، وتذكير لهم أيضاً بنعم الله ومصنوعاته وصفاته
التي عدَّد منها هنا ثماني صفات، ثم أردفها يتعليم عباده ذكر الله في قلوبهم
وعلى ألسنتهم، فعنه وَّ: أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله،
فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا
١٤
هَذَا﴾- إلى قوله - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
١٢٩
لِمُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ /٩-١٤
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات كما أشرت ثماني صفات له وهي:
اً -َّ -: كونه خالقاً السماوات والأرض، العزيز، العليم: ﴿وَلَيْن
سَأَلْنَهُمِ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ أي
تالله لئن سألت أيها النبي هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره من
قومك: من الذي خلق السماوات والأرض ؟ لأجابوا واعترفوا بأن الخالق
لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهو العزيز أي الغالب القوي، إشارة إلى
كمال القدرة، العليم، أي الواسع العلم، إشارة إلى كمال العلم.
وكمال القدرة والعلم دليل على أن الموصوف به قادر على خلق جميع
الممكنات. ومع هذا فهم يعبدون مع الله إلهاً آخر من الأصنام والأنداد.
٤ -الذي جعل الأرض ممهدة كالفراش: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
مَهْدًا﴾ أي إنه تعالى الذي جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش والبساط،
صالحة للإقامة والاستقرار عليها، فمع أنها تدور وتتحرك، فهي ثابتة أرساها
الله بالجبال، لئلا تميد وتضطرب.
هَ - وخلق فيها الطرق: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي
وأوجد فيها الطرق والمسالك بين الجبال والأودية، لتهتدوا بسلوكها إلى
مقاصدكم ومنافعكم، وتنتقلوا إلى أرجاء البلاد، للمتاجرة وطلب الرزق
والسياحة وغير ذلك.
أَ - منزل الغيث النافع وباعث الناس: ﴿وَأَلَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مََُ
بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾﴾ أي والله هو الذي أنزل
المطر من السماء بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة للزروع والثمار
والشرب، ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم، لئلا يحدث الطوفان والغرق
١٣٠
لُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٩-١٤
وهدم المنازل وتلف المزارع، ولا دون الحاجة، حتى لا يكفي النبات والزرع
والناس.
فأحيينا بذلك الماء البلاد الميتة المقفرة التي لا نبات فيها، فلما جاءها الماء،
اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكما أحيينا الأرض بعد موتها نحيي
الأجساد يوم المعاد بعد موتها، وتبعثون من قبوركم أحياء.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَدٍ
قَّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (®﴾ [فاطر: ٩/٣٥].
وظاهر الآية هنا يقتضي أن الماء ينزل من السماء، والواقع أنه ينزل من
السحاب، وسمي نازلاً من السماء؛ لأن كل ما سَاك أو علاك فهو سماء.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ كما يدل على قدرة الله وحكمته، فكذلك يدل
على قدرته على البعث والقيامة، ووجه التشبيه أنه يجعلهم أحياء بعد الإماتة،
كهذه الأرض التي أحييت بالنبات الأخضر والثمر اليانع بعدما كانت ميتة.
اً - كونه خالقاً أصناف الأشياء: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ أي والله
هو الذي خلق الأصناف كلها من نبات وزرع وشجر وثمر، وإنسان وحيوان
وغير ذلك مما نعلمه وما لا نعلمه.
٨ - خالق وسيلة الركوب من الفلك والأنعام: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلَكِ
وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ﴾ أي والله الذي خلق لكم بالإلهام والتعليم وسيلة الركوب
في البحر وهي السفن، وأوجد واسطة الركوب في البر من الأنعام وهي
الإبل، إذ المعهود أنه لا يركب من الأنعام إلا هي، والله هو الذي ذلَّلها لكم
وسخّرها ويشَرها لركوب ظهورها، وكذا لأكل لحومها وشرب ألبانها
والانتفاع بأوبارها، قال وَ﴿ فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي
١٣١
الجُرُ (٢٥) - الزّزُوّ: ٤٣ / ٩-١٤
هريرة: ((بينما رجل راكب بقرة إذ قالت له: لم أُخلق لهذا، إنما خلقت
للحرث، فقال النبي وَلّر: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر))(١).
ولا تقتصر وسائل الركوب على السفن والإبل، فهناك آية أخرى تشمل.
الدواب والسيارات والقطارات والطائرات ونحوها من وسائل المواصلات
الحديثة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَكَبُهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا
[النحل: ٨/١٦].
٨
لَا تَعْلَمُونَ
﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى
سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾﴾ أي لتستقروا ولتستعلوا متمكنين
مرتفقين على ظهور هذا الجنس من المخلوقات وهو ما تركبونه من الفلك
والأنعام، ثم تذكروا مع التعظيم في قلوبكم وألسنتكم نعمة الله التي أنعم بها
عليكم من تسخير المراكب في البحر والبر، فتعرفوا أن الله تعالى خلق وجه
البحر صالحاً للإبحار والرياح قوة دافعة، وعلَّم الإنسان كيفية صنع السفينة
على نحو يتمكن فيها من الإبحار عليها إلى أي مكان شاء وأراد.
وتقولوا إذا استويتم وركبتم على المركوب. ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا
وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي تنزيهاً لله عن كل عجز ونقص لا يليق، الذي ذلل
لنا هذا المركب، وما كنا مطيقين لتسخيره لولا أن سخره الله لنا.
﴿ وَإِنَّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾﴾ أي وإنا لصائرون راجعون إليه بعد مماتنا،
فيجازي كل نفس بما عملت من خير أو شر. ووجه اتصال هذا الكلام بما
قبله أن ركوب الفلك والأنعام عرضة لخطر الهلاك، فوجب على الراكب أن
يتذكر أمر الموت وأن يعتقد أنه هالك لا محالة، وأنه راجع إلى الله تعالى.
أخرج مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله
(١) ولم یکونا حاضرين حينئذ.
١٣٢
الْجُرُ (٢٥) - الزّزُّقة: ٤٣ / ٩-١٤
عنهما قال: ((إن النبي ◌َّ ﴿ كان إذا ركب راحلته، كبَّر ثلاثاً، ثم قال:
﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما
ـير
ترضى، اللهم هَوِّن علينا السفر، واْوِ لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في
السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا)».
وكان ◌َّيه إذا رجع إلى أهله قال: ((آيبون تائبون إن شاء الله عابدون، لربنا
حامدون)) .
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
اً - إذا سئل المشركون عمن خلق السماوات والأرض لأجابوا بأن الخالق
هو الله القوي الغالب الكامل العلم، فأقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه
غيره جهلاً منهم.
أَ - الله تعالى كامل القدرة فهو سبحانه الذي مهد لنا الأرض وجعلها
صالحة للعيش عليها بسلام واستقرار، وأوجد فيها المعايش والطرق لنسلكها
إلى حيث أردنا، ولنهتدي بها في الأسفار، ونستدل بمقدوراته على قدرته.
◌َّ - الله تعالى لطيف بعباده رحيم بهم، فهو جل وعز ينزل المطر النافع
بقدر الحاجة ومقتضى الحكمة، فلا يجعله طوفاناً مغرقاً، ولا قليلاً قاصراً عن
الحاجة، حتى يكون معاشاً صالحاً للأنفس والأنعام، فينبت به الزرع
والشجر، ويخرج به الغلال والثمار.
ومن قدر على إحياء الأرض بعد جدبها، قدر على بعث المخلوقات من
القبور.
٤ - الله تعالى جميل يحب الجمال، فهو الذي نوّع الأشياء كلها، وأوجد
٠
١٣٣
الُ (٢٥) - الرّحْزُقُّ: ٤٣ / ٩-١٤
فيها الأصناف المختلفة، وأبدع مباهج الحياة، وجعل فيها الحيوية والحركة
بالانتقال في أرجاء الأرض بوسائط الركوب المتنوعة براً وبحراً وجواً.
٥ - قال القرطبي: علَّمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرّفنا في
آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن: وهي قوله
﴿﴿﴿ وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِهَا وَمُرْسَهَاً إِنَّ رَبِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
تعالی :
[هود: ٤١/١١] فكم من راكب دابة عَثَرَت به أو شَسَت أو تقحَّمَت(١)
أو طاح من ظهرها فهلك، وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرِقوا(٢).
والخلاصة: هناك أذكار ثلاثة ما ينبغي لعبد أن يدع قولها، وليس بواجبٍ
ذكرها في اللسان، وهي دعاء السفر في البحر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَاً
إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ودعاء السفر في البر: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾
ودعاء دخول المنازل: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنِلِينَ﴾(٣).
(١) تقحم الفرس براكبه: ألقاه على وجهه.
(٢) تفسير القرطبي: ٦٧/١٦
(٣) تفسير الرازي: ١٩٨/٢٧ وما بعدها.
١٣٤
الجُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ١٥-٢٥
عبادة المشركين الملائكة
﴿ أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا
﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ
وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا
١٦
يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِالْبَنِينَ
أَوَمَن يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ
١٧
ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ
غَيْرٌ مُبِينٍ
وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ مَّا لَهُم
١٩
سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
فَ أَمّ ◌َيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ،
بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
مُسْتَمْسِكُونَ ﴿ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىّ أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَىْ ءَانَزِهِم مُّهْتَدُونَ
وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا
(٢٣
ءَبَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِم مُقْتَدُونَ
قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا
وَجَدْتُمُ عَلَيْهِ ءَابَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُزْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
٢٥
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمَّ فَأَنْظُرْ
القراءات:
(يُنَشَؤُأ﴾ : قرئ:
١- (يُنَشَّأ) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (يَنْشَأُ) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿عِبَدُ الرَّحْمَنِ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (عندَ الرحمن) - ظرفاً -.
﴿أَشَهِدُواْ﴾ :
١٣٥
الُ (٢٥) - الرّزُقة: ٤٣ / ١٥-٢٥
وقرأ نافع (أَأُشهدوا).
﴿قَالَ أَوَلَوْ﴾ : قرئ:
١- (قال أَوَلَوْ) وهي قراءة ابن عامر، وحفص.
٢- (قلْ أَوَلَوْ) وهي قراءة باقي السبعة.
جِئْتُكُ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيتكم).
الإعراب:
﴿مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ أي من رجال عباده، فحذف المضاف وأقام المضاف
إليه مقامه.
﴿ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿وَجْهُُ﴾: إما اسم ﴿ظَلَّ﴾ أو بدل
من ضمير مقدر فيها مرفوع؛ لأنه اسمها. و﴿ مُسْوَدًا﴾: خبرها، ﴿وَهُوَ
كَظِيمُ﴾ : جملة اسمية في موضع نصب على الحال.
﴿أَمِ أَّخَذَ﴾ ﴿أَمِ﴾: بمعنى بل والهمزة وتقديره: بل أأتخذ مما يخلق
بنات، ولا يجوز أن يكون بمعنى ((بل)) بغير همزة، لأنه يؤدي التقدير إلى
الكفر، وهو: بل اتخذ بنات.
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ﴾ (مَنْ): إما في موضع نصب بتقدير فعل، أي
أجعلتم من ینشأ، أو في موضع رفع؛ لأنه مبتدأ، وخبره محذوف أي كائن،
وهو قول الفراء.
البلاغة:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ تأكيد بإن واللام وصيغة المبالغة على وزن
فعول وفعيل
١٣٦
الُرُ (٢٥) - الرّحْزُق: ٤٣ / ١٥-٢٥
أسلوب تهكمي يراد
﴿أَمِ أُمَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِلْبَنِينَ
به التوبيخ والتقريع، وبين لفظ ((البنات)) و ((البنين)) طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ وَجَعَلُوْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ أي جعل المشركون بعد ذلك الاعتراف بأن
الله هو الخالق، من عباده ولداً، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، باعتبار أن
الولد جزء من أبيه، والملائكة من عباد الله تعالى ﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ قائل ما تقدم
﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ بالغ الكفر وظاهر الكفر.
﴿أَمِ أَتَّخَذَ﴾ بل أَتَّخَذَ، والهمزة في ﴿أَمِ﴾ همزة الإنكار والتعجب، أو القول
مقدر أي أتقولون: اتخذ ﴿وَأَصْفَنَكُمْ﴾ خصكم واختاركم، وهذا لازم من
قولكم السابق ﴿ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أي جعل له شبهاً بنسبة البنات إليه؛
لأن الولد يشبه الوالد ﴿ظَلَّ﴾ صار ﴿مُسْوَدًا﴾ متغيراً لما يعتريه من الكآبة،
وقرئ: (مسود) و(مسوادّ)، على أن في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المبشر و﴿وَجْهُمُ
مُسْوَدًّا﴾: جملة واقعة موقع الخبر ﴿كَظِيمُ﴾ ممتلئ غماً وغيظاً.
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ﴾ أي أو يجعلون لله من يتربى في الزينة ؟
والهمزة همزة الإنكار، وواو العطف يعطف جملة: يجعلون لله .. إلخ ﴿الْخِصَامِ﴾
الجدل والنقاش ﴿غَيْرُ سُبِينٍ﴾ غير مظهر الحجة لضعفه عنها وعجزه عن الجدل
بالأنوثة. وفيه دلالة على فساد ما قالوه.
﴿ أَشَهِدُواْ﴾ أحضروا خلق الله إياهم، فشاهدوهم إناثاً؟ ﴿سَتُكْنَبُ
شَهَدَُهُمْ﴾ بأنهم إناث ﴿ وَيُسْئَلُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيعاقبون على شهادة
الزور، وهو وعيد﴿ وَقَالُوْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ﴾ ما عبدنا الملائكة،
فعبادتنا إياهم بمشيئته، فهو راضٍ بها، أي إنهم استدلوا بنفي مشيئته عدم
العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها، وذلك باطل؛ لأن المشيئة ترجح
بعض الممكنات على بعض، مأموراً كان أو منهياً، حسناً كان أو غيره،
١٣٧
الُعُ (٢٥) - الزّزُق): ٤٣ / ١٥-٢٥
ولذلك حكم عليهم بالجهل بقوله تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ليس
لمقولهم من الرضا بعبادتهم أدنى علم بمراد الله ﴿إِنَّ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي ما
هم إلا یکذبون فيه وتجْدِسون، فيعاقبون عليه.
{أَمْ ءَانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ﴾ أي هل أعطيناهم كتاباً من قبل القرآن
ينطق بصحة ما قالوه، ويقرر عبادة غير الله؟ ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾ متمسكون بذلك
الكتاب، والمعنى: لم يقع ذلك.
﴿ مُتَرَفُوهَا﴾ منعموها وأهل الترف فيها ﴿عَلَىّ أُمَّةٍ﴾ ملة أو طريقة ومذهب
﴿قُقْتَدُونَ﴾ متبعون، قال البيضاوي: هذه الآية تسلية لرسول الله وعليه
ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم ﴿قَالَ أَوْلَوْ جِئْتُكُمُ بِأَهْدَى﴾؟ أي
قال لهم النذير نبيهم: أتتبعون ذلك ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ؟
وهذا حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾
أي قال الأقوام للنذير: إنا كافرون بما أرسلت به أنت ومن قبلك . ﴿فَأَنْتَقَمْنَا
مِنْهُمْ﴾ قال الله: فانتقمنا من المكذبين للرسل قبلك ﴿عَقِبَةُ﴾ مصير ونهاية،
فلا تکترث بتکذیبهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٩):
﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَبِكَةَ﴾: أخرج ابن المنذر عن قتادة قال: قال ناس من
المنافقين: إن الله صاهر الجن، فخرجت من بينهم الملائكة، فنزل فيهم:
وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا﴾
نزول الآية (٢٢):
﴿بَلِّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا﴾ حكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد
ابن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش؛ أي وكما
قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضاً، يعزّي نبيه وَلاتؤ.
١٣٨
الُعُ (٢٥) - الزّرُون: ٤٣ / ١٥-٢٥
المناسبة:
بعد بيان اعتراف المشركين بأن الله خالق السماوات والأرض، ذكر الله
تعالى ما يناقض ذلك وهو ادعاؤهم أن الملائكة بنات الله، فلم يقتصروا أن
جعلوا الله ولداً، وإنما جعلوه من الإناث ومن الملائكة، فرد تعالى عليهم
بأجوبة ثلاثة: نفرتهم من الإناث، وضعف الإناث، وجهلهم بحقيقة الملائكة.
ثم ذكر تعالى شبهة أخرى للمشركين: وهي أن عبادة الملائكة بمشيئة الله،
ورد عليهم بأن المشيئة ترجيح بعض الأشياء على بعض، ولا دلالة فيها على
الرضا والغضب أو الحسن والقبح، فهم جهلة كاذبون، وليس لهم دليل نقلي
صحيح يعتمدون عليه إلا محض التقليد الآباء والأجداد، دون برهان معقول،
وشأنهم في الكفر شأن من سبقهم من الأمم التي كذبت الرسل، فانتقم الله
منهم وأهلکھم.
التفسير والبيان:
أى إن
١١٥
﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ
المشركين بالرغم من اعترافهم بألوهية الله وكونه خالق السماوات والأرض،
أثبتوا له ولداً، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، باعتبار أن الولد جزء من أبيه،
قال ◌َّيه فيما رواه أحمد والحاكم عن المِسْوَر: ((فاطمة بَضْعة مني)) إن الإنسان
جحود نعم ربه جحوداً بيِّناً، يقابل وضوح النعمة، فيكون الجحود من أبين
الكذب. والآية متصلة بقوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمِ﴾.
وهذا من جهلهم بالله وصفاته، واستخفافهم بالملائكة حيث نسبوا إليهم
الأنوثة، ونسبوهم إلى الله نسبة تقتضي نسبة الأضعف من نوعي الإنسان، فالله
ليس كمثله شيء، فلا يشبهه أحد من خلقه، ونسبة الولد له تقتضي جعله
مشابهاً للحوادث، فلا يصلح إلهاً، ولأن هذا الادعاء للجزء يجعل الله مركباً
من أجزاء فهو حادث.
١٣٩
الْخُرُ (٢٥) - الرّزُقُ: ٤٣ / ١٥-٢٥
ثم أنكر تعالى عليهم أشد الإنكار، فقال:
﴿أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِلْبَنِينَ ﴿٣)﴾؟ أي وإذ نسبتم الولد
إلى الله، لزم منه أن الله اتخذ ولداً له من أضعف الجنسين، واختار لكم
الأفضل، وهذا يعني أنه جعل لنفسه المفضول من الصنفين، ولكم الفاضل
منهما، فكيف يصح هذا مع أنه تعالى هو الخالق؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ
[النجم: ٢١/٥٣-٢٢] أي
٢٢
﴿َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى
الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ
جائرة.
ومعنى قوله: ﴿أَمِ أَتَّخَذَ﴾ بل أَّخَذَ؟ الهمزة للإنكار تجهيلاً لهم وتعجيباً من
شأنهم حيث جعلوا ذلك الجزء أضعف الجزأين، وهو الإناث دون الذكور.
ثم ذكر الله تعالى تتمة الإنكار والتوبيخ والتعجيب، فقال:
﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ, مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ
(٣) أي وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بما جعل الله مشابهاً، وهو الأنثى،
أنف من ذلك واغتم، وعلته الكآبة من سوء ما بُثِّر به، فصار وجهه متغيراً،
وأضحى ممتلئاً غيظاً، شديد الحزن، كثير الكرب، فكيف تأنفون أنتم من
البنت، وتنسبونها إلى الله عز وجل ؟ !.
وللآية شبيه تام هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَى ظَلَّ وَجْهُهٍُ مُسْوَدًّا
يَتَوَرَى مِنَ اُلْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشِّرَ بِهِءَ﴾ [النحل: ٥٨/١٦-٥٩].
وَهُوَ كَظِيمٌ ◌َّّـ
ثم أكد الله تعالى الإنكار، فقال:
﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرٌ مُّبِينٍ
﴾ أي أو يجعل
١٨
للرحمن من الولد من صفته أنه يتربى في الزينة والنعمة، وإذا احتاج إلى مخاصمة
غيره لا يقدر على الجدال وإقامة الحجة ؟ فلا بيان عنده، ولا يأتي ببرهان يدفع
ما يجادل به خصمه، لنقصان عقله وضعف رأيه.
١٤٠
الُزُعُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ١٥-٢٥
والآية دليل على رقة المرأة وغلبة عاطفتها عليها، وميلها إلى التزين
والنعومة، وعلى أن التحلي بالذهب والحرير مباح للنساء، وأنه حرام على
الرجال؛ لأنه تعالى جعل ذلك عنواناً على الضعف والنقصان، وإنما زينة
الرجل: الصبر على طاعة الله، والتزين بزينة التقوى، كما قال الرازي.
ومن مفتريات المشركين عدا ما ذكر من نسبة الإناث إلى الله: زعمهم أن
الملائكة إناث، كما قال تعالى:
﴿ وَجَعَلُواْ الْمَلَتَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَشًا﴾ أي حكموا بأن الملائكة
إناث، وهذا مترتب على قولهم السابق: الملائكة بنات الله.
فأنكر الله عليهم ورد مقالهم بقوله :
﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾؟ ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَهُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ أي هل حضروا
وشاهدوا خلق الله إياهم حتى يشهدوا بأنهم إناث، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا
[الصافات: ١٥٠/٣٧] ستكتب شهادتهم
١٥٠
الْمَلَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَهِدُونَ
بذلك في ديوان أعمالهم، لنجازيهم على ذلك، ويسألون عنها يوم القيامة،
فهي شهادة زور. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد بالعذاب، ودليل على أن
الادعاء من غیر برهان وإثبات جريمة.
واستدلّ بهذه الآية: ﴿هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ﴾ من قال بتفضيل الملائكة على
البشر.
ثم أورد الله تعالى شبهة أخرى للمشركين، ولوناً آخر من ألوان افتراءاتهم،
فقال :
﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ أي قال الكفار: لو أراد الله ما عبدنا
هذه الملائكة، فإنه قادر على أن يحول بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي
على صور الملائكة التي هي بنات الله، ويريدون بذلك القول إن الله راضٍ عن