النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١,
لُعُ (٢٥) - الشُِّؤْرَى: ٤٢ / ٤٤-٤٦
اً - يرى المؤمنون الظالمين الكافرين عند عرض النار عليهم، حال كونهم
حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذّلّ، يرونهم قائلين طالبين أن يردّوا إلى
الدنيا، ليعملوا بطاعة الله، فلا يجابون إلى ذلك.
◌َّ - ويرونهم أيضاً حين يعرضون على النار أذلّة صاغرين لا يرفعون
أبصارهم للنظر رفعا تامّاً؛ لأنهم ناكسو الرؤوس، والعرب تصف الذَّليل
بغضّ الطّرف.
٤ - يقول المؤمنون في الجنة، لما عاينوا ما حلّ بالكفار: إن الخسران في
الحقيقة ما صار إليه هؤلاء الكفار؛ فإنهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم في العذاب
المخلَّد، وخسروا أهليهم؛ لأن الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن
كانوا في الجنة، فقد حدثت القطيعة الدائمة بينهم وبينهم، ألا إن الظالمين في
عذاب دائم لا ينقطع.
- ليس لأولئك الكافرين الظالمين أعوان ونصراء ينصرونهم من عذاب
الله، وليس للأصنام التي كانوا يعبدونها بقصد الشفاعة لهم عند الله أي مجال
في الشفاعة: ﴿مَا لِلِّمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨/٤٠]، ومن
أضلّه الله وخذله، فلا طريق له يصل به إلى الحق في الدنيا والجنة في الآخرة؛
لانسداد طريق النّجاة عليه.

١٠٢
الُرُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٤٧-٥٠
الاستجابة لنداء اللّه مالك السماوات والأرض
(أُسْتَجِبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِّنِ
فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
مَّلْجٍَ يَوْمَيٍِ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرِ ﴾
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ
سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَنَ كَفُورُ (@)
وَاُلْأَرْضِّ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن ◌َّهُ إِنَاثًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُوُرَ
ج أَوْ
٥٠
يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَكَثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاْ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيْرٌ
الإعراب:
﴿لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اْللَّهِ﴾ ﴿لَا﴾: نافية للجنس، و﴿مَرَدَّ﴾: اسمها المبني على
الفتح، والجارّ والمجرور الأول: صفة له، والآخر: خبره.
﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ ﴿وَيَجْعَلُ﴾: بدل من ﴿يَخْلُقُ﴾ بدل البعض
من الكلّ.
البلاغة:
(يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ فيها ما يسمى بالتّقسيم.
المفردات اللغوية:
﴿ أَسْتَجِيبُواْ لِرَبِكُمْ﴾ أجيبوا نداء ربّكم إلى ما فيه نجاتكم بالتّوحيد والعبادة
الخالصة لله. ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة. ﴿لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اُللَّهِ﴾
لا يردّه الله بعد ما حكم به، فيكون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صلة ﴿لَّا مَرَدَّ﴾ ويصح
كونه صلة لـ: ﴿يَأْتِىَ﴾ أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على ردّه.
٠

١٠٣
لُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٤٧-٥٠
﴿مَّلْجَلٍ﴾ مأمن أو منجى أو ملاذ تلجؤون إليه. ﴿نَّكِيرٍ﴾ إنكار لذنوبكم
يومئذٍ.
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ﴾ عن الإجابة ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رقيباً أو محاسباً
لأعمالهم . ﴿إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلَّغت.
﴿رَحْمَةً﴾ نعمة كالصّحة والغنى. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ الضمير يعود لجنس
الإنسان. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ بلاء من مرض أو فقر أو خوف أو موت عزيز مثلاً.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما قدّموا لأنفسهم من ذنوب وآثام، وعبَّر بالأيدي؛
لأن أكثر الأفعال تزاول بها. ﴿كَفُورٌ﴾ جحود للنّعمة، نسَّاء لها، ذكّار
للبلية، يذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها. وهذا وإن اختصّ بالمجرمين من
الناس، جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه.
﴿وَهَبُ لِمَن كَشَآءُ إِنَثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ الله المالك يهب ويمنح بعض الناس إناثاً فقط
أو ذكوراً فقط، أو يجعل لهم الذّكور والإناث، أو يجعل من يشاء عقيماً، فلا
يلد ولا يولد له. والمعنى: يجعل أحوال العباد في الأولاد أربعة أصناف مختلفة
على مقتضى المشيئة، ولعل تقديم الإناث؛ لتكثير النسل وتطييب قلوب الآباء،
والتكريم والاهتمام رداً على العرب الذي يعدّونهن بلاء. وعرف ﴿الذُّكُرَ﴾
للمحافظة على فواصل الآيات على نسق واحد: ﴿ذَّكِيرٍ﴾، ﴿كَفُورُ﴾،
﴿الذُّكُوُرَ﴾. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ إنه تعالى يفعل بحكمة واختيار، عليم بما
يخلق، قدير على ما يشاء.
المناسبة:
بعد الإفاضة في وعد المؤمنين ووعيد الكافرين وبيان أحوال الكفار أمام
النار، ذكر الله تعالى الهدف والغاية، وهو الاستجابة لدعوة الله إلى التوحيد
والعبادة الخالصة، محذِّراً من أهوال القيامة، ومبيِّناً أنهم إن أعرضوا عن

١٠٤
المُعْ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٤٧-٥٠
دعوته، فلا يؤبه بهم، وأن من شأن الإنسان حجود النعمة، لبيان سبب
إعراضهم وإصرارهم على مذاهبهم الباطلة، ثم ذكر تعالى مثلاً من تقسيم
هبات الأولاد ليكون دليلاً على تصرف الله في العالم.
التفسير والبيان:
يحذّر تعالى من أهوال يوم القيامة، ويأمر بالاستعداد له؛ فّيقول:
﴿ أُسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَّدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي أجيبوا
دعوة ربّكم إلى الإيمان به وبكتبه ورسله، واتَّبعوا ما جاءكم به رسول الله وَّرَ،
من قبل مجيء يوم يكون كلمح البصر، ليس له دافع ولا مانع، فلا يردّه أحد،
أو لا يردّه الله بعد أن حكم به، وهو يوم القيامة. واستجاب وأجاب بمعنى
واحد.
﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَیِدٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ أي ليس لكم فيه حصن
أو ملجأ تتحصّنون أو تلجؤون إلیه، ولا تجدون يومئذٍ من يُنکِرُ ما ینزل بكم
من العذاب، ولا تقدرون إنكار شيء مما اقترفتموه من السَّيئات؛ لرصده في
صحفكم، وشهادة ألسنتكم وجلودكم به، فلا ملجأ من الله إلا إليه، كما قال
كَلَا لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْسُنَفَرُ
١٠
تعالى: ﴿يَقُولُ اَلْإِنْسَنُ يَوْمَيِدٍ أَيْنَ الْغَرُّ
[القيامة: ١٠/٧٥- ١٢].
والنكير بمعنى المُنكِر، كالأليم بمعنى المؤلم، أو بمعنى الإنكار، أي إنكار
ما ينزل بهم من العذاب، والنكير والإنكار: تغيير المنكر.
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوْ فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَغُ﴾ أي فإن
أعرض المشركون عن إجابة دعوة الله ورسوله، فما أرسلناك أيها الرّسول
موّلاً بهم، رقيباً عليهم، تحفظ أعمالهم وتحصيها، حتى تحاسبهم عليها، فما
عليك إلا تبليغ ما أرسلناك به، وليس عليك غيره . .

١٠٥
الْجُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٤٧-٥٠
[الغاشية: ٢٢/٨٨]،
ونظائر الآية كثير، مثل: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطِرٍ
ومثل: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢/
٢٧٢]، ومثل: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠/١٣].
وهذا كله تسلية من الله تعالى لرسوله، ثم بيَّن الله تعالى سبب إصرارهم على
مذاهبهم الباطلة وهو طبع الإنسان، فقال:
﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيْئَةٌ بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ أي وإننا إذا أعطينا الإنسان منا نعمة،
وغمرناه بالرَّخاء كالصّحة والأمن وسعة الرّزق، فرح بذلك، وإن أصيب
الناس بسيئة، كجدب ونقمة، وبلاء وشدّة، ومرض أو فقر، بسبب ما اقترف
من المعاصي والذنوب، فإن الإنسان جحود ما تقدّم من النّعم، ينساها ولا
يذكرها بسبب الضّر الواقع عليه، ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته
نعمة بطر وأشر، وإن أصابته محنة يئس وقنط. والكفور: المبالغ في كفران النّعم.
ويظهر أثر هذا في الواقع المتكرر من أكثر النّساء، كما قال رسول الله وَله
للنّساء فيما أخرجه مسلم وابن ماجه عن ابن عمر: ((يا معشر النّساء،
تَصَدَّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار، فقالت امرأة: ولمَ يا رسول الله ؟ فقال
وَلَه: لأنكنّ تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير - الزوج -، لو أحسنتَ إلى
إحداهنّ الدهرَ، ثم تركتَ يوماً قالت: ما رأيتُ منكَ خيراً قطّ)).
أما المؤمن الصالح فشأنه كما قال ◌َ ◌ّ فيما أخرجه أحمد ومسلم عن
صهيب: ((إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء، صبر،
فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)).
ثمّ حذَّر تعالى من الاغترار بالدنيا، وما ملكه الإنسان من المال والجاه،
فقال مبيّناً أن الكلّ ملك الله ونعم الله :

١٠٦
الُرعُ (٢٥) - الشُِّورَّ: ٤٢ / ٤٧-٥٠
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ أي إنه تعالى خالق السماوات والأرض
ومالكهما والمتصرِّف فيهما بما يريد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن،
وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
(يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَشَّا وَبَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُرَ، أَوْ
يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَثَا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاْ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرُ (®َ﴾ أي إنه
تعالى يخلق ما يشاء من الخلق والأولاد، فيرزق من يشاء البنات فقط، ويرزق
من يشاء البنين فقط، ويعطي من يشاء من الناس الصنفين معاً الذّكر والأنثى،
فالتّزويج هنا : الجمع بين البنين والبنات، ويجعل من يشاء عقيماً لا يولد له؛
لأن الملك ملكه، ويمنح على وفق الحكمة والمصلحة، فإنه سبحانه عليم بمن
يستحق كلّ صنف أو قسماً من هذه الأقسام، بليغ عظيم القدرة على ما يريد
من تفاوت الناس في ذلك، على حسب الحكمة والعلم. يقال: رجل عقيم،
وامرأة عقیم.
وإنما قدّم الله تعالى أولاً الإناث اهتماماً وعنايةً من الله بهنّ بسبب
ضعفهنّ، وردّاً على العرب في النّفور من الأنثى، والفرح بالذّكور. وعبَّر عن
الإناث بالتّكير وعن الذّكور بالتّعريف، للتّنبيه على كون الذّكر أفضل من
الأنثى، وقال في إعطاء الإناث وحدهنّ، وفي إعطاء الذكور بلفظ الهبة:
﴿يَهَبُ﴾ وقال في إعطاء الصّنفين معاً: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ للدلالة على الاقتران،
أي إنه تعالى يقرن الإناث والذّكور في جعلهم أزواجاً، وكل شيئين يقرن
أحدهما بالآخر فهما زوجان.
وأما التّعبير بالعقم فللدلالة على قدرة الله في منع الولد مع توافر الأسباب
الظاهرة.
وأكثر المفسّرين على أن هذا الحكم عام في حقّ كلّ الناس؛ إذ لا معنى
للتّخصيص؛ ولأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء كيف شاء

١٠٧
لالُزُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٤٧-٥٠
وأراد، لكنهم ذكروا أمثلة لكل حالة، لتكون سلوة المكروب والمخزون، فمثال
الحالة الأولى: لوط وشعيب عليهما السّلام لم يكن لهما إلا البنات فكان للوط
بنتان، ومثال الحالة الثانية: إبراهيم عليه السّلام لم يكن له إلا الذّكور وهم
ثمانية، ومثال الحالة الثالثة: محمد سي كان له من البنين ثلاثة: القاسم ، وعبد
الله ويلقب بالطيب والطاهر، وإبراهيم، ومن البنات أربع: زينب ورُقّيَّة وأم
كلثوم وفاطمة، وكلهم من خديجة رضي الله عنها ما عدا إبراهيم فإنه من مارية
القبطية، ومثال الحالة الرابعة: عيسى ويحيى عليهما السّلام. قال واثلة بن
الأسقع: إن من يُمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذّكر، وذلك أن الله تعالى
قال: ﴿َهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَثًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ فبدأ بالإناث.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - على البشر كافة إجابة ما دعاهم الله إليه من الإيمان به والطاعة، قبل
مفاجأتهم بيوم القيامة الذي لا يردّه أحد بعدما حكم الله به، وجعله أجلاً
ووقتاً معلوماً لديه، ولا منجى ينجي أحداً من العذاب، ولا ناصر ينصر.
اً - إن أعرض الناس عن الإيمان، فليس الرّسول ◌َ لير موكّلاً بهم يستطيع
إكراههم على الإيمان، ولا حافظاً لأعمالهم حتى يحاسبهم عليها، إنما عليه
التبليغ فقط.
◌َ - طبع الإنسان الكافر عجيب غريب، يفرح ويبطر عند الرحمة والرخاء
والصحة والمتعة، ويجحد النعمة عند البلاء والشدّة بسبب ما اقترف من
الذّنوب، فيعدد المصائب وينسى النّعم.
◌َ - إن الله تعالى مالك السماوات والأرض وما فيهما، يفعل ويتصرّف في
ملكه ما يشاء بمقتضى علم تام دقيق، وحكمة بالغة، فيهب الإناث فقط لمن

١٠٨ ٠
الجُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
يريد، والذّكور فقط لمن يريد، والذكور والإناث معاً لمن يريد، ويجعل من
يشاء عقيماً لا يولد له.
جاء في الحديث الصحيح ((إذا سبق ماءُ الرّجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق
ماء المرأة: ماء الرّجل آنثا)) وفي لفظ آخر: ((إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه
الولد أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله)).
أما الخنثى ففيه الذّكورة والأنوثة، ويغلّب إحداهما بعمل جراحي، وفي
الماضي من حيث يبول، روى ابن عباس عن النَّبِي وَ لّ أنه سئل عن مولود له
قُبُل وذَكّر، من أين يورّث ؟ قال: ((من حيث يبول)) واقتصر النّص القرآني على
الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام
الأول عن غير العقيم.
أنواع الوحي
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولَا فَيُوْحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا
مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ اْلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ
مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (@)
صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى
٥٣٦
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
القراءات:
﴿يُرْسِلَ﴾، ﴿فَيُّوحِىَ﴾ :
وقرأ نافع (یرسلُ، فیوحيْ).
(صِرَاطٍ﴾:

١٠٨
المُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
وقرأ قنبل (سراط).
الإعراب:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآبٍِ حَادٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولًا﴾ ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾: اسم كان، و﴿لِبَشَرٍ﴾: خبرها، و﴿إِلَّا زَحْيًا﴾:
منصوب على المصدر في موضع الحال من اسمه تعالى: ﴿اَللَّهُ﴾، و﴿مِن﴾
متعلّقة بمقدر، أي إلا موحياً أومكلِّماً من وراء حجاب . ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾
معطوف بالنَصب على معنى قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ تقديره: أو أن يرسل رسولاً؛
لأن ﴿أَنْ﴾ مع الفعل في تأويل المصدر، فيكون عطف مصدر على مصدر،
ويقرأ بالرفع: ( أَوَ يُرْسِلُ ) على الاستئناف تقديره: أو هو يرسل رسولاً.
﴿مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَنُ﴾ النّفي علق الفعل ﴿نَدْرِى﴾ عن
العمل، وكان مابعده سادّاً مسدّ المفعولين.
(صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بدل من الأول.
البلاغة:
﴿حَكِيمٌ﴾ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وغير ذلك من مقاطع السورة: فيها ما يسمى
توافق الفواصل.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صحّ وما استقام له. ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ الوحي: كلام
خفي يدرك بسرعة، أو إلقاء شيء في القلب بإلهام في اليقظة أو في المنام. وهو
يشمل المشافَه به كما في حديث المعراج، وما وعد به في حديث الرؤية،
والمهتوفَ به كما حدث لموسى عليه السّلام في الظُّور وطوى ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ
حِجَابٍ﴾ بأن يسمعه كلامه ولا يراه كما وقع لموسى عليه السّلام، فالآية دليل

١١٠
الجُرعُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
على جواز رؤية الله في الآخرة، لا على امتناعها .﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أي إِلا
أن يرسل رسولاً مَلَكاً كجبريل عليه السّلام. ﴿فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾
يوحي الرّسول إلى المرسل إليه بأن يكلِّمه بإذن الله، ما يشاء الله. ﴿إِنَّهُ عَلِيٍّ﴾
عن صفات المخلوقين. ﴿حَكِيمُ﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، فيكلِّم تارة
بوسيط وتارة بغير وسيط، إما عياناً، وإما من وراء حجاب.
﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا﴾ أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا
محمد . ﴿رُوحًا﴾ ما أوحى به، وهو القرآن كالرّوح، وسّي الوحي روحاً؛ لأن
القلوب تحيا به . ﴿مِّنْ أَمْرِنَا﴾ أي من بعض أمرنا الذي نوحيه إليك. ﴿مَا كُنْتَ
تَدْرِى﴾ تعرف قبل الوحي إليك. ﴿مَا الْكِتَبُ﴾ القرآن. ﴿وَلَ الْإِيمَنُ﴾ ولا
حقيقة الإيمان الصحيح المشتمل على الشرائع والأحكام الموحى بها . ﴿ وَلَكِن
جَعَلْنَهُ﴾ الرّوح أو الكتاب أو الإيمان. ﴿الَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تدعو
بالوحي إليك إلى الإسلام . ﴿لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ﴾ ملكاً وخلقاً
وعبيداً . ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ترجع الأمور، من غير وسائط، وفيه
وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين.
سبب النزول:
نزول الآية (٥١):
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنّبي ◌َّ ألا تكلم
الله وتنظر إليه إن كنت نبيّاً، كما كلّمه موسى؟ فنزلت، وقال: لم ينظر موسى
إلى الله تعالى.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى دلائل كمال قدرته وعلمه وحكمته ونعمته مما هو
محسوس، أتبعه ببيان أنواع وحيه وكلامه إلى أنبيائه من النّعم الروحية، التي

١١١
لُ (٢٥) - الشورَ: ٤٢ / ٥١-٥٣
اختصّ بها الأنبياء والرُّسل من سائر الناس. وأوضح أن الوحي إلى النَّبِي وَيّ
بالقرآن المشتمل على الشرائع التي تصلح البشر وتهديهم إلى الحق هو مثل
الوحي إلى الأنبياء السابقين. وهذا الختام للسورة مشابه لما بدئت به، لينسجم
البدء والختام.
التفسير والبيان:
وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمُ ﴾﴾ أي ما صحّ لبشر
تكليم الله إلا بوحي يوحى، أو بسماع كلام من وراء ستار، أو بواسطة مَلَك.
وقد نفى الله تعالی تکلیم أحد من البشر إلا بأحد ثلاثة أو جه تحدث في الدنيا :
الأول - الوحي: وهو الإلهام والقذف بمعانٍ تُلْقى في القلب يقظة في
الغالب، أو في المنام، كرؤيا إبراهيم الخليل عليه السّلام ذبح ولده. وقد يطلق
الوحي على الإلهام المجرد، كما أوحى إلى أم موسى.
الثاني - سماع كلام من وراء حجاب: بأن يسمعه النَّي مِن غير واسطة
متيقناً أنه كلام الله من حيث لا يُرَى، كما كلَّم موسى عليه السلام ربّه، وسماه
الله وحياً بقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣/٢٠] . وكان موسى قد سأل
الرؤية بعد التكليم، فحجب عنها.
الثالث - إرسال رسول: وهو إرسال رسول من الملائكة إما جبريل أو
غيره فيوحي ذلك الملك إلى الرّسول من البشر بأمر الله وتيسيره ما يشاء أن
يوحى إليه، كما كان جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة ينزلون على
الأنبياء عليهم السلام.
إن الله عليّ عن صفات المخلوقين وصفات النَّقْص، يفعل ما تقتضيه حكمته
حكيم في كل أحكامه، فيجعل الوحي معتمداً على وسيط، أو بغير وسيط.

١١٢
الجُزءُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
وهذه الأنواع الثلاثة يتيقن النَّبي في كلّ منها أن الله تبارك وتعالى هو مصدر
الوحي، دون أي شكّ، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله وَلاول أنه
قال: ((إن رُوح القدس نفث في رُوعي(١) أن نفساً لن تموت حتى تستكمل
رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب)).
وقد جاء في السُّنّة بيان أنواع الوحي إلى النَّبِي وَِّ، روى البخاري في
صحيحه عن عائشة رضي الله عنها - كما تقدّم - ((أن الحارث بن هشام رضي
الله عنه، سأل رسول الله وَّله، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي ؟
فقال رسول الله ويلي: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ،
فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثَّل لي الملك رجلاً، فيكلمني
فأعي ما يقول)). قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد
البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصَّد عرقاً، أي يسيل عرقاً.
ثم ذكر تعالى تشابه الوحي بين النَّبي ◌َله وبين الأنبياء السابقين، فقال:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ أي مثلما أوحينا إلى سائر الأنبياء،
أوحينا إليك هذا القرآن، الذي هو من أمر الله، وهو روح؛ لأنه يهتدى به،
ففيه حياة سعيدة بعد موت الكفر، وكان نزوله حدّاً فاصلاً بين عهدين،
استيقظ به العرب والمسلمون من رقدتهم، وصنعوا حضارة سامقة ومجداً.
﴿مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ
مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي ما كنت أيها النَّبي قبل إنزال الوحي عليك تعرف ما القرآن،
ولا معنى الإيمان، ولا تفاصيل الشرائع، ولا تهتدي إلى معالمها الصحيحة، "
وخصّ الإيمان؛ لأنه رأس الشريعة.
ولكن جعلنا هذا القرآن الذي أوحيناه إليك ضياءً ونوراً نهدي به من نشاء
(١) الّروع - بالضّم: القلب والعقل. والرَّوْع - بالفتح: الفزع.

١١٣
الُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٥١-٥٣
هدايته، ونخرجه من ظلمات الجهالة والضلال إلى الهداية والمعرفة، ونرشده
إلى الدين الحق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾
[فصلت: ٤٤/٤١]، وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢/١٧]، وقال عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَّكُمْ
مَّوْعِظَةٌ مِّن رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
٥٧
[يونس: ١٠ / ٥٧] .
﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَّطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضُِ﴾ أي وإنك يا محمد لتهدي بذلك النوع إلى المنهج السليم، والحق
القويم، الذي هو شرع الله الذي أمر به، وطريق الله الذي له ملك السماوات
والأرض، وربّهما المتصرف فيهما، والحاكم الذي لا معقّب لحكمه. وفي
إضافة الصراط إلى اسم الجلالة تغظيم له وتفخيم لشأنه.
﴿أَلََّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي ألا أيها الخلائق ترجع الأمور كلها يوم
القيامة إلى الله تعالى، لا إلى غيره، فيحكم فيها بقضائه العدل. وهذا وعد
للمتّقين المهتدين، ووعيد للظالمين الكافرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
اً - إن مظاهر الوحي إلى الأنبياء والرُّسل منحصرة في ثلاثة أنواع هي:
الأول - الإلهام المباشر والإلقاء في القلب معاني ذات دلالة عامة وصبغة
تشريعية، تستقر في النفس.
الثاني - إسماع الله كلامه للنَّبي من غير واسطة.
الثالث - إرسال رسول من الملائكة لتبليغ الرسالة، كإرسال جبريل عليه
السلام.

١١٤
الجُرَءُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
أَ - فَهِمَ المعتزلة من حصر الوحي بهذه الأنواع أن رؤية الله غير جائزة في
الآخرة، إذ لو صحّت رؤية الله تعالى، لصحّ من الله تعالى أن يتكلّم مع العبد
حالما يراه العبد، فيكون ذلك قسماً رابعاً زائداً، وقد نفاه الله تعالى بقوله:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلا على هذه الأوجه الثلاثة.
والجواب أن في الآية قيداً: هو ما كان لبشر أن يكلِّمه الله في الدنيا إلا على
هذه الأقسام الثلاثة، وزيادة هذا القيد مفهومة من السياق، ويجب المصير
إليها للتوفيق بين هذه الآية وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم
القيامة، مثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
﴾ [القيامة:
٢٢/٧٥- ٢٣] .
◌َ - احتجّ بهذه الآية: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ الإمام مالك والنّخعي على أن
من حلف ألا يكلِّم رجلاً، فأرسل إليه رسولاً، أنه حانث؛ لأن المرسل قد
شُِّّي مكلِّماً للمرسَل إليه، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب. قال ابن
عبد البر: ومن حلف ألا يكلِّم رجلاً فسلّم عليه عامداً أو ساهياً، أو سلَّم
على جماعة هو فيهم، فقد حنث في ذلك كله عند مالك. وإن أرسل إليه رسولاً
أو سلَّم عليه في الصلاة، لم يحنث.
٤ - الصحيح عند أهل الحق أن الملّك عندما يبلِّغ الوحي إلى الرسول، لا
يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي.
والملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة.
ولا يسمى كلام الله مع ابليس من غير واسطة وحياً من الله تعالى إليه.
ه - حقيقة الوحي واحدة بالنسبة لجميع الأنبياء، ومظاهرها وأنواعها
متعددة، ذكرت الآية منها هنا ثلاثة فقط.
أَ - ظاهر الآية: ﴿مَا كُنْتَ نَّدْرِى﴾ يدلّ على أنه لم يكن النَّبي قبل الإيحاء

١١٥
الجزءُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
متّصفاً بالإيمان، والصّواب أن الأنبياء معصومون قبل النّبوة من الجهل بالله
وصفاته والتّشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار عن الأنبياء
بتنزيهم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان. وإنما
المراد بالإيمان هنا: الشرائع والأحكام المعتمدة على الوحي الإلهي، فقد أطلق.
الإيمان على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢/
١٤٣] .
والآية دليل على أن النَّبي ◌َ ◌ّه لم يكن قبل النّبوة متعبِّداً بشرع ما.
وذهبت المعتزلة إلى أنه لابدّ أن يكون على دين، ولكن عين الدِّين غير
معلومة عندنا. وهذا إن كان جائزاً عقلاً، لكن ليس عليه دليل قاطع.
قال القرطبي: والذي يُقطع به أنه وَلّه لم يكن منسوباً إلى واحد من الأنبياء نسبة
تقتضي أن يكون واحداً من أمته، ومخاطباً بكلِّ شريعته؛ بل شريعته مستقلة
بنفسها، مفتتحة من عند الله الحاكم جلّ وعزّ. وأنه ﴿ ﴿ كان مؤمناً بالله عزّ وجلّ،
ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا زنى، ولا شرب الخمر، ولا شهد
السامر(١) ولا حضر حلف المطيِّين(٢) بل نزهه الله وصانه عن ذلك(٣).
ولكنه الحضر حلف الفضول، فقال: ((شهدت في دار عبد الله بن
جُدْعان حلفاً لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت)).
لاً - لم يكن النَّبِي وَ ل ◌ِ قبل البعثة عالماً بالقرآن، فهو أُميّ لا يقرأ ولا يكتب،
(١) السامر: الموضع الذي يجتمعون فيه للسّمر.
(٢) حلف المطيبين: حدث حينما اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتَّيْم في دار ابن جدعان في
الجاهلية، وجعلوا طيباً في جفنة وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التّناصر والأخذ من
المظلوم للظالم، فسّموا المطيبين.
(٣) تفسير القرطبي: ٥٩/١٦.

١١٦
ے
٠
لُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٥١-٥٣
ولا بالإيمان، أي شرائع الإيمان ومعالمه، لا أصل الإيمان فإنه و لوكان مؤمناً
بالله عزّ وجلّ من حين نشأ إلى حين بلوغه، كما تقدّم.
٨ - إن القرآن العظيم الذي أوحى الله به إلى النَّبي ◌َّر هو نور وهداية،
يدعو ويرشد إلى دين قويم لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام. والمقصود
بالهداية: الدعوة إلى الدِّين الحقّ وإيضاح الأدلّة.
والله الذي أنزله له جميع ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وعبداً
وخلقاً وإليه مصير الخلائق جميعهم. وهذا وعيد بالبعث والجزاء، ووعد
بالثواب للمؤمنين الصالحين، وتنبيه إلى أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك
السماوات والأرض، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله، والإفادة
بأنه تعالى يجازي كلّ إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
ه - دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على أنه كما أن
القرآن يهدي، فكذلك الرسول يهدي، أي یرشد.

١١٧
الُرُ (٢٥) السورة (٤٣) الرّحْزُقّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤَدَّةُ الرّحْزُقُّ
مڪية، وهي تسع وثمانون آية
تسميتها:
سميت (سورة الزخرف) لاشتمالها على وصف بعض مظاهر الحياة الدنيا
ومتاعها الفاني وهو الزخرف، أي الذهب أو الزينة المزوقة ومقارنته بنعيم
الآخرة الخالد في قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُونِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَكُونَ
٣٤٦
وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُ ذَلِكَ لَمَّ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
[٣٤ - ٣٥].
٣٥)
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حم من وجهين:
الأول - تشابه مطلع هذه السورة مع مطلع وخاتمة السورة المتقدمة في
وصف القرآن الكريم، وبيان مصدره: وهو الوحي الإلهي.
الثاني - التشابه في إيراد الأدلة القاطعة على وجود الله عز وجل
ووحدانيته، ووصف أحوال الآخرة ومخاوفها وأهوال النار التي يتعرض لها
الكفار، ومقارنته بنعيم الجنة وإعداده للمؤمنين المتقين.

هـ
١١٨
الُُ (٢٥) السورة (٤٣) الرّحْرُقّ
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية يتعلق بغرس أصول العقيدة
الإسلامية في النفوس، وهي: الإيمان بالله عز وجل وحده لا شريك له،
والرسالة والنبوة والوحي، والبعث والجزاء.
بدأت السورة ببيان مصدر القرآن العظيم وهو الوحي الإلهي وتأكيد عربيته
ومصداقيته، وجعله معجزة الإسلام والنبي رَّر الخالدة إلى يوم القيامة، وكونه
أداة إنذار قريش وقبائل العرب الذين أسرفوا في متع الدنيا، وكذبوا رسولهم
كتكذيب من سبقهم من الأمم.
ثم أبانت بنحو قاطع أدلة وجود الله عز وجل وقدرته ووحدانيته من خلق
السماوات، والأرض وتذليلها وتمهيدها وإيجاد طرقها، وإنزال الغيث النافع
عليها، وخلق أصناف (أزواج) الأشياء والفلك (السفن) والأنعام لأهلها،
واعتراف المشركين صراحة بأن الخالق هو الله عز وجل.
ولكنهم لوثوا ذلك الاعتراف بالوثنية والخرافة، فعبدوا الأصنام
والأوثان، وزعموا أن الملائكة بنات الله، ولم يجدوا مسوغاً لتدينهم
الفاسد إلا تقليد الآباء والأجداد، فصححت لهم آي القرآن انحرافهم، ونَعَتْ
جهلهم وسفههم بتلك العبادة الباطلة، والزعم الذي لا دليل عليه، وحذرتهم
من إنزال مثل العقاب الذي أهلك به الله أمثالهم من الأمم الغابرة.
وأوردت قصص بعض الأنبياء من أولي العزم كإبراهيم الخليل وموسى
وعيسى عليهم السلام ليعتبروا بها ويتعظوا بأحداثها ونتائجها. وأردفت قصة
إبراهيم بتفنيد شبهة المشركين حول رسالة النبي وَّ، حيث اقترحوا إنزالها على
أحد رجلين عظيمين من أهل الجاه والثراء في مكة والطائف، لا على يتيم
فقير، فرد الله عليهم بأن ميزان الاصطفاء للنبوة هو مقومات أدبية خلقية
إنسانية، لا مادية رخيصة، فالدنيا لا تساوي شيئاً عند الله تعالى، وأنه خشية

١١٩
الُرُ (٢٥) - الزّخْرُقُّ: ٤٣ / ١-٨
أن يكون الناس أمة واحدة على ملة الكفر، لمنحها بجميع زخارفها وأمتعتها
الكفار، ومنعها المؤمنين.
وحذرتهم عقب ذلك من الإعراض عن ذكر الله، ورغَّبتهم في النعيم
الأبدي في الآخرة، وامتنَّت عليهم بأن القرآن شرف لنبي الله بَّرَ ولهم على
السواء: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشْكَلُونَ
﴾[٤٤].
ثم ختمت السورة ببيان وصف نعيم الجنة الذي لا مثيل له، والمخصَّص
للمؤمنين بآيات الله المسلمين المنقادين لربهم، وإيضاح أهوال القيامة وشدائد
الأشقياء أهل النار حيث يتقلَّبون في عذاب جهنم، وإفلاسهم من شفاعة
الأصنام والآلهة المزعومة، وإعلان اليأس من إيمان هؤلاء المشركين
والإعراض عنهم، فسوف يعلمون ما يلقونه من العذاب.
القرآن كلام الله بلغة العرب
وعقاب المستهزئين بالأنبياء
(حمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿﴿ إِذَا جَعَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
وَإِنَُّ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴿ أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ
٣
صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِنَ جَ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِّ فِى الْأَوَّلِينَ
فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا
وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيِّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
القراءات :
﴿قُرْءَانَا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قراناً).

١٢٠
الُزُرُ (٢٥) - الرَّحْزُقُّ: ٤٣ /١-٨
﴿أَنْ كُنتُمْ﴾:
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف (إن كنتم).
﴿نَّبِيِّ﴾:
وقرأ نافع (نبيء).
الإعراب:
(جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا﴾ بمعنى صيرناه معدى إلى مفعولين، أو بمعنى خلقناه معدى
إلى واحد، و﴿قُرْءَانًا﴾ حال.
﴿وَإِنَّهُ فِىَّ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴾﴾ ﴿لَعَلِيٍّ
حَكِيمُ﴾: خبران لـ ﴿وَإِنَّهُ﴾ و﴿فِيَّ أُمِّ الْكِتَبِ﴾ متعلق بـ ﴿لَعَلِىُّ﴾ أو
حال منه، و﴿لَدَيْنَا﴾ بدل من ﴿أَمِّ الْكِتَبِ﴾ أو حال من ﴿اُلْكِتَبِ﴾
﴿أَفَتَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ﴾ ﴿صَفْحًا﴾: منصوب
على المصدر؛ لأن معنى ﴿أَفَضْرِبُ﴾ أفنصفح. و﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ بالفتح بتقدير
لأن كنتم، وقرئ بالكسر ((إنْ)) على أنها شرطية. وفاء ﴿أَفَتَضْرِبُ﴾ للعطف على
محذوف، أي أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحاً.
﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ ﴿أَشَذَّ﴾: مفعول به، أو حال،
و﴿بَطْشًا﴾: تمييز.
البلاغة:
﴿ أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ استفهام على سبيل الإنكار
والتوبيخ، يعني أنا لا نترك هذا التذكير والإنذار بسبب كونكم مسرفين.
المفردات اللغوية:
® هذه الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى خطورة
حمّ