النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
لُ (٢٥) - الشُِّورَ: ٤٢ / ٢٠-٢٦
( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ
عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي والذين صدقوا بالله ورسوله،
وأطاعوا ربهم فيما أمر به ونهى عنه، هم في رياض الجنة وأطيبها وأنزهها،
ولهم ما يشتهون عند ربهم من أصناف النعم وأنواع الملذات، ذلك الجزاء
الممنوح لهم الذي لا يوصف ولا تعرف حقيقته هو الفضل الذي يفوق كل
فضل في الدنيا، وهو النعمة التامة الشاملة. وقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ العندية
ج
عندية المكانة والتشريف، لا عندية المكان.
ثم أخبر تعالى عن حتمية وقوع هذا الجزاء، فقال:
﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي إن هذا الجزاء
في روضات الجنات والنعيم الشامل حاصل لهم، كائن لا محالة ببشارة الله
تعالى لهم به، وتلك البشارة لهؤلاء الجامعين بين الإيمان والعمل بما أمر الله
به، وترك مانهى عنه. فقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما أعد لهم من الكرامة.
ثم أمر الله تعالى رسوله مَ له بأن يظهر ترفعه وسموه عن أعراض الدنيا
ومنافعها، فقال:
﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِىُّ﴾ أي قل أيها الرسول لقومك:
لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جُعْلاً ولا مكافأة ولا نفعاً مادياً، ولكن
أطلب تقدير صلة الرحم والقرابة التي بيني وبينكم، وإكرام آل بيتي وقرابتي،
فتكفُّوا شركم عني، وتذروني أبلّغ رسالات ربي. فقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ استثناء
منقطع؛ لأن المودة ليست أجراً.
أخرج أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لهم
رسول الله ويلي: ((لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم،
وتحفظوا القرابة بيني وبينكم)).

٦٢
لُزُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس أيضاً أن النبي ◌َّر قال: ((لا أسألكم
على ما آتيتكم من البينات والهدى أجراً إلا أن توادوا الله تعالى، وأن تَقَرَّبوا
إليه بطاعته)). وهذا قول للحسن البصري، وهو تفسير ثانٍ للمودة في القربى،
أي إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى. والظاهر لدي هو
التفسير الأول، وأن مودة قرابته داخلة في الآية، والتقدير: إلا المودة ثابتة في
القربى ومتمكنة فيها، قال أبو حيان: وهو حسن، وفيه تكثير.
قال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها، فلما بُعث النبي ◌َّ قطعته،
فقال: ((صلوني كما كنتم تفعلون)).
وثبت في الصحيح أن رسول الله وَلوقال في خطبته بغدير خُمْ: ((إني تارك
فيكم الثقلين: كتابَ الله وعِتْرتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض))
وفسرت العترة في رواية الترمذي عن جابر فقال ◌َّير: ((عترتي أهل بيتي)).
ثم رغَّبهم الله تعالى في الإحسان والإيمان، فقال:
﴿ وَمَن يَفْتِفْ حَسَنَةُ نَزِدْ لَهُ فِيَهَا حُسْنَاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ﴾ أي ومن يعمل
حسنة، نزد له فيها حسناً، أي أجراً وثواباً، إن الله يغفر الكثير من السيئات،
ويكثّر القليل من الحسنات، ويضاعف ويشكر المحسن. ونحو الآية قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفُهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا
مَا جَ) [النساء: ٤٠/٤].
عَظِيمًا
ثم وبخهم على افترائهم على الرسول، فقال:
﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي بل أيقولون: افترى محمد على الله كذباً
بدعوى النبوة ونزول القرآن عليه، وهذا أقبح من الشرك الذي جعلوه شرعاً
لهم، أي إنه تعالى أضرب عن الكلام المتقدم من غير إبطال، ثم استفهم
استفهام إنكار وتوبيخ على هذه المقالة، فمثله لاينسب إليه الكذب على الله،
مع اعترافكم له قبل ذلك بالصدق والأمانة.

٦٣
الجزء (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
ثم أكد ذلك فرد الله عليهم مستبعداً الافتراء من مثل محمد الرسول، فقال:
﴿فَإِن يَشَاءِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَى قَلْكُ وَبَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِى الْحَقَّ بِكَلِمَتِهَّةٍ إِنَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُدُورِ﴾ أي لو افتريت على الله كذباً، لطبع على قلبك إن شاء،
وسلبك ما آتاك من القرآن، فلا يجرؤ على مثل هذا إلا من كان مثلهم قد ختم
الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة
فلا يجرؤ على ذلك، وهذا هو الرسول وَ﴾، فإنه لم يفتر على الله كذباً، فأيده
الله.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَفَاوِيلِ
ثم
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
٤٤
لَقَطَعْنَا مِنْهُ أُلْوَقِينَ ﴿ فَمَا مِنكُ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ
﴾ [الحاقة: ٤٤/٦٩-٤٧].
٤٧
وقال أبو السعود: والآية استشهاد على بطلان ماقالوا ببيان أنه وَالد لو
افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعاً، بالختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله
معنى من معانيه، ولم ينطق بحرف من حروفه(١).
ثم أكد الله تعالى ذلك بإبطال الباطل وإحقاق الحق، فالله سبحانه وتعالى
لا يدع الباطل يستمر، فلو كان ماأتى به النبي ◌ّر باطلاً لمحاه، كما جرت به
عادته في المفترين، وإنما يثبِّت الحق، أي الإسلام، فيبينه بما أنزل من القرآن،
وبما أيَّد به نبيه من المعجزات والحجج والبراهين، إنه تعالى واسع العلم بما
في قلوب العباد.
ثم فتح تعالى أمامهم باب الأمل والتوبة، فقال:
﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ
﴾ أي إن الله عز وجل يقبل في المستقبل من عباده المذنبين توبتهم عما
١٢٥
(١) تفسير أبي السعود: ٣٤/٥

٦٤
لُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
عملوا من المعاصي، ويعفو عن السيئات في الماضي، ويعلم الذي تفعلونه من
خير أو شر، فيجازي كلاً بما يستحق من الثواب والعقاب.
ونحو الآية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
(15)﴾ [النساء: ١١٠/٤] وثبت في صحيح مسلم عن أنس بن
غَفُورًا رَّحِيمًا
مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: (لله تعالى أشدُّ فرحاً بتوبة عبده
حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها
طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من
راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من
شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح)).
وأكد قبول التوبة بقبول الدعاء، فقال تعالى:
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلٍِ﴾ أي ويستجيب
الله للذين آمنوا، وأطاعوا ربهم، ويعطيهم ماطلبوه منه، ويزيدهم على
ماطلبوه منه، أو على مايستحقونه من الثواب، تفضلاً منه ونعمة.
أو يجيب الله الذين آمنوا إذا دعوه، أو يجيب الذين آمنوا لربهم، مثل
﴿أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤/٨]، فيكون المراد بقوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾
أي يجيب، قال الزجاج: استجاب وأجاب بمعنى واحد (١).
وبعد أن وعد المؤمنين بالثواب أَوْعَدَ الكافرين بالعذاب، فقال:
﴿ وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي وللكافرين الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله
يوم القيامة عذاب مؤلم موجع.
.
(١) تبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ إما فاعل مرفوع تقديره: ويجيب المؤمنون
الله فيما دعاهم إليه، وإما مفعول محله النصب، والفاعل مضمر وهو الله، وتقديره:
ويستجيب الله للمؤمنين، إلا أنه حذف اللام، كما حذف في قوله: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين:
٣/٨٣] والثاني أولى كما ذكر الرازي.

٦٥
الجُزءُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات الكريمات مايأتي :
اَ - إن مبدأ الإسلام هو العمل للدنيا والآخرة معاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا
تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧/٢٨]. وقال عبد الله بن عمر:
((واحرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)).
والحرث: العمل والكسب.
◌َ- فضّل الله تعالى من أراد الآخرة على من أراد الدنيا في الآية من وجوه
ستة هي :
الأول: أنه قدم تعالى مريد حرث الآخرة في الذّكر على مرید حرث الدنيا.
. الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة: ﴿نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ﴾ وقال في مريد
حرث الدنيا: ﴿نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ وكلمة ((من)) للتبعيض، أي نعطيه بعض مايطلبه،
ولا نؤتيه كله.
الثالث: أنه تعالى سكت عن طالب حرث الآخرة، ولم يذكر أنه تعالى
يعطيه الدنيا أم لا، أما طالب حرث الدنيا، فإنه تعالى بيَّن أنه لا يعطيه شيئاً
من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يعني أن الآخرة أصل والدنيا تبع،
وواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة.
الرابع: أنه تعالى بيَّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وأما طالب الدنيا
فيعطى بعض مطلوبه من الدنيا، ويحرم من نصيب الآخرة.
الخامس: إن الآخرة نسيئة، والدنيا نقد، والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى
النقد؛ لأن الناس يقولون: النقد خير من النسيئة، فبين تعالى أن هذه القضية
انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالأولى متجهة للزيادة والنمو
والثانية آيلة إلى النقصان.

٦٦
الجزء (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
السادس: الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا تحتاج إلى حرث وعمل
وتعب، وصرف المتاعب إلى مايؤدي إلى التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى
ما يؤدي إلى النقصان والانقضاء والفناء(١).
◌َّ- استنبط ابن العربي من هذه الآية: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾
أن الوضوء تبرداً الذي هو من حرث الدنيا، لا يجزئ عن فريضة الوضوء الذي
هو من حرث الآخرة، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى(٢).
٤ - إن شرع الله الدائم هو ما أنزله على أولي العزم من الرسل، والله لم يشرع
الشرك، فمن أين يدين المشركون به؟
5- من رحمة الله بالمشركين تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، ليعطوا
فرصة كاملة في أيام العمر كله للإقلاع عن الشرك والكفر، والدخول في ساحة
الإيمان والرضا الإلهي. فإن ماتوا مشركين فلهم في الآخرة عذاب مؤلم موجع.
أَ- يبصر الناس الكافرين الظالمين خائفين في يوم القيامة من جراء
ماكسبوا، والجزاء حتماً نازل بهم. والمراد بالظالمين ههنا الكافرون، بدليل
التقسيم بين المؤمن والكافر.
أما المؤمنون الطائعون لربهم فهم في روضات الجنان، ولهم ما يشتهون من
النعيم والثواب الجزيل، وذلك هو الفضل الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول
إلى حقيقته؛ لأن الله إذا وصف الفضل بأنه ﴿اَلْكِيرُ﴾ فمن ذا الذي يقدر
قدره. قال الرازي: وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في
الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي
البقاع الشريفة من الجنة.
(١) تفسير الرازي: ١٦٢/٢٧.
(٢) أحكام القرآن: ١٦٥٥/٤

٦٧
الُعُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
لاً- يبشر الله عباده المؤمنين بالثواب العظيم حثاً لهم على الطاعة،
وليتعجلوا السرور، ويزدادوا منه. ولكن هذا الجزاء والبشارة، إنما هو على
الإيمان والأعمال الصالحات.
٨- عظّم الله تعالى ثواب المؤمنين من وجوه أربعة هي:
الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات
الجنات، وترتيب هذا الجزاء من الله صاحب السلطان الأعظم دليل على أن
ذلك الجزاء قد بلغ النهاية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى.
الثاني: أنه تعالى قال: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدخل في باب
غير المتناهي.
الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ وإذا كان هذا من الله
الأكبر كان في غاية الكبر.
الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم، فقال: ﴿الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ
عِبَادَهُ﴾ وذلك يدل على غاية العظمة.
٩- إن النبي ولو لم يطلب من قومه أي منفعة مادية على تبليغ الرسالة،
وهذا دليل على صدقه وإخلاصه، والحد الأدنى الذي طالب به هو مراعاة
قرابته من قريش. قال ابن عباس: كان رسول الله وَ أوسط الناس في
قريش، فليس بطن من بطونهم إلا وقد وَلَدَهُ، فقال الله له: ﴿قُل لَّ أَسْتَلُكُمْ
عَلَيَّهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُّ﴾ أي لكن أذكركم قرابتي منكم.

٦٨
لُحُ (٢٥) - الشورَئ: ٤٢ / ٢٠-٢٦
وقد صرح أكثر الأنبياء بنفي طلب الأجر على تبليغ الرسالة، فقال نوح
عليه السلام: ﴿ وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
[الشعراء: ١٠٩/٢٦]، وكذا قال هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام (١).
• اً - إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُ﴾ يشمل قرابة النبي ◌َّ من
قريش، وآل بيته الأقارب، وهم كما جاء في بعض الأحاديث: علي وفاطمة
والحسن والحسين، فمراعاة قرابته وحبهم واحترامهم واجب بالنص القرآني
المذكور، لذا شرع الدعاء لهم في خاتمة التشهد في الصلاة، وهو منصب
عظيم، وهو قوله وَلير: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً
وآل محمد)) وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، مما يدل على أن حب آل
محمد واجب.
ذكر الزمخشري حديثاً طويلاً في حب آل البيت جاء فيه: ((من مات على
حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد، مات مؤمناً
مستكمل الإيمان .. ألا ومن مات على بغض آل محمد، جاء يوم القيامة مكتوباً
بين عينيه: آيس من رحمة الله))(٢).
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
ياراكباً قف بالمحَصَّبِ من مِنى واهتف بساكن خَيْفها والناهض
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطَم الفرات الفائض
إن كان رُفْضاً حبُّ آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
١١ - من يكتسب حسنة أو خصلة من خصال الخير، ومنها مودة القربى
تأكيداً للآية السابقة، ضاعف الله له الحسنة بعشر فصاعداً، ومن فضله ورحمته
(١) الشعراء: ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠
(٢) الكشاف: ٨٢/٣

٦٩
الُعُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٠-٢٦
تعالى أنه غفور للذنوب، شكور للحسنات. والشكور في حق الله مجاز،
والمعنى: أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي زيادة
الأفضال علیھم.
١٢ - أنكر القرآن الكريم على المشركين قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله
تعالى، وكان قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ متعلقاً بالمذكور
أول السورة: ﴿كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ﴾. وكان إنكاره في هذه الآية متكرراً،
فوبخهم أولاً بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ وثانياً بقوله: ﴿فَإِن يَشَاءِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكٌ﴾
قال قتادة: يطبع على قلبك فينسيك القرآن؛ فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه
لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية. وثالثاً بقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِقُّ
الْحَقَّ بِكَلِمَتٍِّ﴾ أي بما أنزله من القرآن، ورابعاً بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيِمْ بِذَاتِ
الصُّدُورِ﴾ وهو نص عام، أي بما في قلوب العباد.
١٣ - فتح الله تعالى باب الأمل والرجاء والتوبة لعباده جميعاً ليتداركوا
أمرهم، فيؤمنوا ويطيعوا ربهم، فذكر أنه يقبل التوبة في المستقبل عن عباده،
ويعفو عن سيئات الماضي، ويعلم مايفعل الناس من الخير والشر، فيثيب على
الحسنات، ويعاقب على السيئات.
روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله وَ لقر، وقال: اللهم إني
أستغفرك وأتوب إليك. وکبّ، فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله عنه :
يا هذا، إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذَّابين، فتوبتك تحتاج إلى توبة،
فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ فقال:
اسم يقع على ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندم، ولتضييع
الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربَّيتها في

٧٠
الجزء (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل
کل ضحك ضحكته.
١٤ - أكد الله تعالى قبول التوبة بأنه يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع
ببدنه، ويزيدهم من فضله على ماطلبوه أو استحقوه.
١٥- جرت عادته تعالى على إقران الوعد بالوعيد، لذا ذكر بعد وعد
المؤمنين بالثواب، وعيد الكافرين بالعذاب الشديد.
من مظاهر حكمة الله في خلقه وآياته على قدرته
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ
إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ
وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَ
رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ
فِيهِمَا مِن دَابَةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
ـ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن
(٢٩)
قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ
وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِى
وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ
٣٦
اُلْأَرْضِّ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِّيَحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوٍَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ
اُلْبَحْرِ كَالْأَعْلَِ
لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارِ شَكُورِ ﴿٣ أَوْ يُوِفْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴿ وَيَعْلَمَ
الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَِنَا مَا لَهُم مِّن ◌َحِيصِ ﴿ فَمَآ أُوْقِلِتُم مِّن شَىْءٍ فَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ
القراءات:
﴿ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يُنْزِل).

٧١
الزُعُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
﴿ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: قرئ:
١- (يُنَزِّل الغيث) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم.
٢- (يُنْزِل الغيث) وهي قراءة الباقين.
﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (بما كسبت).
﴿ اَلِيحَ﴾:
وقرأ نافع (الرياح).
﴿وَيَعْلَمَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (ويعلمُ).
الإعراب:
﴿ وَمَا بَثَ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ ﴿فِيهِمَا﴾: أي في أحدهما، فحذف المضاف،
[الرحمن: ٢٢/٥٥] أي من
كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ
أحدهما، فحذف المضاف.
﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿فَبِمَا﴾: الفاء في جواب
الشرط، وقرئ بغير فاء، وحذفت إما لأن (مَا) بمعنى الذي، فحذفت كما
تحذف مع الذي، أو أن (مَا) الشرطية لاتعمل في الفعل شيئاً؛ لأنه فعل
ماضٍ، فحذفت الفاء، وهذا أولى من الأول؛ لأنها أعم في كل مصيبة، فكان
المعنى أقوى.
وَيَعْلَمَ﴾ ﴿يُوِقْهُنَّ﴾: مجزوم
﴿أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرِ ®
بالعطف على قوله تعالى: ﴿فَظْلَلْنَ﴾ المعطوف على جواب الشرط.

٧٢
لُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
و﴿ وَيَعْلَمَ﴾: بتقدير ((أن)) بعد الفاء، ونصب الفعل بها؛ لأنه غير معطوف على
ما قبله، ويقرأ بالرفع: ((ويعلمُ)) على الاستئناف. وجملة ﴿مَا لَهُم مِّن ◌َحِيصٍ﴾
سدت مسد مفعولي ﴿وَيَعْلَمَ﴾ لأن النفي يعلق الفعل عن العمل.
﴿فَّ أُوِيْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَنَعُ﴾ ﴿فَمَآ﴾: موصولة تضمنت معنى الشرط؛ لأن
إيتاء ماأوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا، فجازت الفاء في جوابها.
﴿ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنُ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: عطف عام على خاص،
ج
البلاغة:
فالغيث خاص، والرحمة عام.
﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَمِ (®): تشبيه مرسل مجمل؛ حذف
منه وجه الشبه، أي كالجبال في الضخامة والعظم.
﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ من صيغ المبالغة.
﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ﴾ جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿بَسَطَ﴾ وسع ﴿لِعِبَادِهِ﴾ لجميعهم ﴿لَبَغَوَاْ﴾ جميعهم أي طغوا وتجاوزوا
الحد، والبغي: الظلم ومجاوزة الحد ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ بتقدير معين ﴿مَّا يَشَاءُ﴾
ما اقتضته مشيئته ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي إنه يعلم خفايا أمرهم وجلايا
حالهم.
﴿اَلْغَيْثَ﴾ المطر الذي يغيث من الجدب ﴿فَنَطُواْ﴾ يئسوا من نزوله
﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يعم رحمته كل شيء من السهل والجبل والنبات والإنسان
والحيوان ﴿اَلْوَلِىُّ﴾ المتولي عباده بالإحسان ﴿اٌلْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد على
نعمه.

٧٣
لُزُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ فهي بذاتها وصفاتها تدل على وجود
صانع قادر حكيم ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ نشر وفرَّق، وهو معطوف على السماوات
أو على كلمة (خَلْقُ﴾ أي وخلق مابث ﴿دَآبَّةٍ﴾ كل مايدب على الأرض من
الناس وغيرهم ﴿جَمْعِهِمْ﴾ للحشر والحساب، وفي الضمير: تغليب العاقل
على غيره ﴿إِذَا يَشَآءُ﴾ في أي وقت يشاء ﴿قَدِيرٌ﴾ متمكن منه. وإذا : تدخل
على الماضي وعلى المضارع.
﴿مُصِيبَةٍ﴾ بلية وشدة ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ فبسبب معاصيكم، وعبر
بالأيدي؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ من الذنوب، فلا
يعاقب عليه، وهو تعالى أكرم من أن يثنّي الجزاء في الآخرة. أما ما يصيب غير
المذنبين فلرفع درجاتهم وتعريضهم للأجر العظيم في الآخرة.
﴿وَمَآ أَنْتُمْ﴾ أيها البشر ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ فائتين الله هرباً في الأرض، أي
بجاعلين الله تعالى عاجزاً بالهرب منه ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره ﴿وَلِيٍّ﴾ يحرسكم
﴿نَصِيرٍ﴾ يدفع عذاب الله عنكم ﴿اَلْجَوَارِ﴾ السفن الجارية، جمع جارية: وهي
السفينة التي تجري على الماء: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَا اَلْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِىِ الْجَارِيَةِ
س١١ ﴾ [الحاقة:
١١/٦٩] ﴿كَالْأَعْلَمِ﴾ كالجبال في العِظَم، جمع عَلَم: وهو الجبل.
﴿ يُسْكِنِ الْرِيحَ﴾ يجعلها ساكنة لا تتحرك، وقرئ ((الرياح)). ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثوابت
سواكن ﴿صَبَّارٍ﴾ كثير الصبر ﴿شَكُورٍ﴾ كثير الشكر، وهما صفتان للمؤمن
الكامل؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، والمؤمن يصبر في
الشدة، ويشكر في الرخاء ﴿يُوِقْهُنَّ﴾ يهلكهن أو يغرقهن بإرسال الريح
العاصفة المغرقة والمراد: إهلاك أهلها، لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ اقترفوا من
الذنوب ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي يتجاوز عن الكثيرين وينجيهم من الهلاك
بالعفو عنهم.
﴿ وَيَعْلَمَ﴾ عطف على علة مقدرة، مثل ليغرقهم وينتقم منهم ويعلم

٧٤
الزُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
"َحِيصٍ﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي ﴿مَا لَهُم مِّن ◌َحِيصٍ﴾ سدت مسد
مفعولي ﴿وَيَعْلَمَ﴾ والنفي يعلِّق الفعل عن العمل، كما تقدم.
﴿فَمَآ أُوِيْتُ﴾ أيها الناس المؤمنون وغيرهم، وآتاه الشيء: أعطاه إياه ﴿مِّنْ
شَىْءٍ﴾ من أمتعة الدنيا ﴿فَمَنَعُ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي فهو مجرد متاع مؤقت تتمتعون
به فيها، ثم يزول. والمتاع: ماينتفع به ويتمتع من أثاث وغيره ﴿وَمَا عِندَ
اللَّهِ﴾ من الثواب الأخروي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لخلوص نفعه ودوامه ﴿يَتَوَّكَُّونَ﴾.
يفوضون إليه أمورهم بعد اتخاذ الأسباب.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿ وَلَوْ بَسَطَ﴾: أخرج الحاكم وصححه عن علي قال: نزلت هذه الآية في
أصحاب الصُّفَّة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ وذلك أنهم
قالوا: لو أن لنا، فتمنوا الدنيا والغنى. وقال خبّاب بن الأرتّ: فينا نزلت
هذه الآية - أي في أهل الصفّة- وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير
وبني قينقاع، فتمنیناها.
نزول الآية (٣٦):
﴿فَآ أُوْتِثُم مِّنْ شَىْءٍ﴾: عن علي رضي الله عنه: تصدَّق أبو بكر رضي الله عنه
بماله كله، فلامه جمع، فنزلت. جاء في الحديث: أنه أنفق ثمانين ألفاً.
المناسبة:
بعد أن قال الله تعالى في الآية السابقة: إنه يجيب دعاء المؤمنين، ذكر هنا
أنه لا يعطيهم من الأرزاق إلا بقدر وحكمة، حسبما يعلم من مصلحتهم،
وإلا فإنهم يبغون ويقدمون على المعاصي. ولو احتاجوا أمدهم بالرزق؛ لأنه
المتولي أمورهم بإحسانه، المستحق الحمد على نعمه.

٧٥
الجزء (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
ثم أقام الله تعالى الأدلة على ألوهيته بخلق السماوات والأرض وما فيهما،
ثم جمعهم للحساب في الآخرة. ثم أوضح أن المصائب والأحوال المكروهة
كالآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق والفقر ونحوها تكون عقوبات
على الذنوب لمن يرتكبها، أو من باب الامتحان في التكليف، لا من باب
العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء.
ثم ذكر تعالى دليلاً آخر على ألوهيته وهو إجراء السفن العظيمة على وجه
البحر، وتأثير الرياح فيها إما بالتسيير وإما بالإغراق.
والخلاصة: بعد أن ذكر الله تعالى أنواعاً من دلائل وحدانيته، ذكر بعدها
العالَمَ الأكبر وهو السماوات والأرض، ثم العالم الأصغر، وهو الحيوان، ثم
أتبعه بذكر المعاد وذكر السفن الجارية في البحر؛ لما فيها من عظيم دلائل .
القدرة.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ
﴾ أي لو وسع الله على عباده رزقهم، وأعطاهم
٢٧
إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ (
فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وعصوا في
الأرض، وبطروا النعمة، وتكبروا، وطلبوا ماليس لهم طلبه مثل قارون
وفرعون، ولكنه تعالى ينزل من الرزق لعباده بتقدير معين، على حسب مشيئته،
وما تقتضيه حكمته البالغة، ويختار لهم مما فيه صلاحهم، فيغني من يستحق
الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، إنه بعباده خبير بأحوالهم، بصير بما يصلحهم
من توسيع الرزق وتضييقه، كما جاء في الحديث القدسي عن أنس: ((إن من
عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من
عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه)).
قال قتادة: كان يقال: خير العيش مالا يُلْهيك ولا يُطْغيك.
٠٫٠

٧٦
المُعُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
ثم ذكر الله تعالى أنه لو احتاج الناس إلى الخير أمدهم به، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ
ج
اُلْحَمِيدُ ﴾﴾ أي وهو سبحانه الذي ينزل المطر من بعد إياس الناس في وقت
حاجتهم وفقرهم إليه، والمطر أنفع أنواع الرزق، وأكثرها فائدة ونفعاً، ويعم
الوجود كله برحمته، ويفيض على أهل ذلك القطر أو الناحية فيضه، وهو
المتولي لأمور عباده بالإحسان إليهم، وجلب النفع لهم، ودفع الشر عنهم،
وهو المستحق للحمد منهم على إنعامه.
ونظير الآية في إنزال المطر بعد اليأس قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ
يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ (﴾﴾ [الروم: ٤٩/٣٠].
قال قتادة: ذُكر لنا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير
المؤمنين، فخَط المطر، وقَنَط الناس، فقال عمر: مُطِرْتُمُ، ثم قرأ الآية: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا فَنَطُوْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ اُلْوَلِىُّ الْحَمِيدُ
ثم ذكر تعالى الأدلة على ألوهيته، فقال:
﴿ وَمِنْ ءَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ﴾ أي ومن
دلائل عظمته وقدرته وسلطانه: خَلْق السماوات والأرض على هذا النحو
البديع، وخلق ما نشر وفرق فيهما، أي في السماوات والأرض مما يدب
ويتحرك، وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف
أشكالهم وألوانهم وطباعهم. وربما يكون في الكواكب الأخرى أحياء، فتدل
الآية عليهم.
وقيل: أراد ما بث في الأرض دون السماء؛ لأن المراد من ﴿فِيهِمَا﴾ في
أحدهما، كما جاء في آية أخرى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ
اُلْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَ فَِهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ﴾ [لقمان: ١٠/٣١].

٧٧
الزُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ وهو على جمع سائر الخلائق من
السماوات والأرض في صعيد واحد، وحشرهم يوم القيامه، إذا أراد، قادر
كل القدرة، ثم يحكم بينهم بحكمه العدل الحق.
والمقصود بالآية أنه تعالى خلق الكائنات الحية متفرقة، لا لعجز، ولكن
لمصلحة، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾(١) يعني الجمع
للحشر والمحاسبة، وإنما قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ ولم يقل: على جمعها؛ لأن
المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا
يشاء قدير.
ثم ذكر تعالى أسباب الذنوب والآثام، فقال:
﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ
أي ما أصابكم أيها الناس من المصائب (وهي الأحوال المكروهة) كالآلام
والأسقام والقحط والغرق والصواعق والزلازل ونحوها، فإنما هي بسبب
سيئات اقترفتموها، ومعاصٍ اقتحمتموها، فهي عقوبات الذنوب وكفاراتها،
ويعفو الله عن كثير من معاصي العباد، فلا يعاقب عليها، وقد يكون المصاب
لغير ذنب وإنما لزيادة الأجر ورفع الدرجة.
ونظير مقدمة الآية قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيْبَتٍ
أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠/٤] وقوله تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: ١٢٣/٤]. ونظير آخر الآية: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا
تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥]. وورد في الحديث الصحيح
عن الشيخين والموطأ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: ((والذي نفسي بيده،
(١) إذا كما بينا تدخل على المضارع، كما تدخل على الماضي، قال تعالى: ﴿وَلَِّلِ إِذَا يَغْتَى
[الليل: ١/٩٢] ومنه ﴿إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾.

٧٨
الْجُرُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
ما يصيب المؤمن من نَصَب ولا وَصَب ولا هّم ولا حَزَن إلا كفَّر الله عنه بها
من خطاياه، حتى الشوكة يُشاكَها)) وأخرج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله
عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((إذا كَثَرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما
يكفرها، ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفّرها)).
ولما نزلت هذه الآية، قال رسول الله رَله: ((والذي نفس محمد بيده ما من
خَدْش عود، ولا اختلاج عِرْق، ولا عَثْرة قَدَم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه
أكثر)). وفي حديث آخر: ((ما ينزل العقاب إلا بذنب، ولا يرتفع إلا بتوبة)).
وروى الواحدي في البسيط: ((ما عفا الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه
في الآخرة، وما عاقب عليه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في
الآخرة)) .
﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِىِ الْأَرْضِّ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
أي ما أنتم أيها المذنبون الكافرون بمعجزين الله حيثما كنتم، ولا بفائتين عليه
هرباً في الأرض، بل ما قضاه عليهم من المصائب، واقع عليهم، نازل بهم،
وليس لكم من غير الله ولي يتولى أموركم، فيمنع عنكم ما قضاه الله، ولا
نصير ينصركم من عذاب الله.
ثم ذكر الله تعالى آيات أخرى دالة على قدرته وعظمته فقال:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَمِ (®﴾ أي ومن آياته الدالة على قدرته
الباهرة وسلطانه إجراء السفن السائرة في البحر كالجبال.
﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَى ظَهْرِوَّةٍ﴾ أي إن يرد الله إيقاف
السفن التي تجري، يجعل الرياح ساكنة، فتصبح السفن ثوابت سواكن على
ظهر البحر، واقفة على وجه الماء لا تتحرك.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في أمر السفن المذكور وجريها

٧٩
الجزء (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
في البحر لدلالة عظيمة على قدرته تعالى، لكثير الصبر على الشدائد والبلايا
وعلى طاعة الله، كثير الشكر على النعماء، وهذه جملة معترضة.
﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرِ (®َ﴾ أي وإن يشأ يهلكهنّ بالغرق
بما کسبوا من الذنوب، ویعف عن کثیر من ذنوبهم، أو عن کثیر منهم،
فينجيهم من الغرف، ولو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك كل من ركب البحر.
﴿وَيَعْلَمَ أَلَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيّ ءَايَِنَا مَا لَهُم مِّن غَحِيْصِ (٣٥)﴾ أي لينتقم منهم
ويعلم حينئذ الذين ينازعون في آيات الله مكذبين بها أنه لا مفر ولا مهرب ولا
ملجأ من عذاب الله، فإنهم مقهورون بقدرة الله وسلطانه.
وبعد بيان أدلة التوحيد حذر الله تعالى من الاغترار بالدنيا، فقال:
﴿فَمَآ أُوِيْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَعُ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ أي إن كل ما أعطيتم من الغنى
والسعة في الرزق والجاه والسلطان، فإنما هو متاع قليل في الدنيا يتمتع به في
زمن قصير، ثم سرعان ما ينقضي ويذهب؛ لأن الدنيا فانية زائلة لا محالة،
ويلاحظ أن الذي يمنع من قبول دلائل التوحيد إنما هو الرغبة في الدنيا
ومطامعها بسبب الرياسة وطلب الجاه، لذا حذر تعالى من الاغترار بالدنيا،
ورغّب في الآخرة، فقال:
﴿وَهَا ◌ِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ أي وما عند الله
من ثواب الطاعات وجزاء الجنات خير من متاع الدنيا، وأبقى وأدوم؛ لأنه
لا ينقطع، ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، فلا تقدموا الفاني على الباقي. وهو خير
وأبقى للذين صدّقوا بالله ورسوله، وعلى ربهم يعتمدون في كل شؤونهم،
ويفوضون إليه أمورهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:

٨٠
الزرعُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ٢٧-٣٦
اً - إن الإمداد بالرزق يخضع لحكمة الله ومشيئته، فيعطي بقدر الحاجة،
وعلى وفق المصلحة، فلو بسط الله الرزق لعباده، لوقعوا في المعاصي، وبغى
بعضهم على بعض؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بقارون وفرعون عبرة،
﴾ [العلق: ٩٦/
V
أَنْ رَءَاهُ أُسْتَغْنَى
ولذا قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْفَىٌ
٦-٧] وقال ◌َله: ((أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها)).
لاَّ - قال المالكية: أفعال الرب سبحانه لا تخلو من مصالح، وإن لم يجب
على الله الاستصلاح، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه، قاده ذلك إلى
الفساد، فَيَزْوِي عنه الدنيا، مصلحة له. فليس ضيق الرزق هواناً، ولا سَعة
الرزق فضيلة، وقد أعطى أقواماً مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو
فعل بهم خلاف ما فعل، لكانوا أقرب إلى الصلاح، والأمر على الجملة
مفوَّض إلى مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال
الله تعالى.
مَّ - يتولى الله أمور عباده بالإحسان والإنعام، فلو احتاجوا أغناهم بقدر
الحاجة، وأنزل عليهم المطر الذي يكون سبباً لوفرة الخيرات والغلال والثمار
وعمهم بالرحمة، وهو سبحانه الولي المتولي شؤون عباده وناصر أوليائه
المؤمنين، والمحمود على كل لسان.
٤ - من دلائل وجود الله ووحدانيته وقدرته: خلق السماوات والأرض
وما فيهما من المخلوقات التي لا يعلم حصرها إلا الله تعالى، وأنه قادر على
جمعهم للحشر والحساب يوم القيامة.
ويرى بعض العلماء استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَةٍ﴾ أنه لا
يستبعد وجود مخلوقات في الكواكب والعوالم العلوية غير الملائكة، كما تدل
الدلائل الفلكية - وربما اكتشاف سفن الفضاء الحديثة - على وجود حياة في كوكب
المرّيخ. وليس في هذا دلالة قطعية؛ لأن في تفسير الآية وجهاً آخر كما تقدم.