النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
الجُمُ (٢٤) - فُصَلَتْ: ٤١ / ٣٧-٣٩
تعالى الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته، كمادة للدعوة إلى الله،
وتنبيهاً على أن الدعوة إليه تعالى هي تقرير الدلائل الدالة على ذات الله
وصفاته. وقد ذكر هنا الدلائل الكونية الفلكية الأربعة وهي الليل والنهار
والشمس والقمر، ثم أتبعها بآية أرضية في مرأى العين، وهي إنبات النباتات
بالمطر في الأرض.
التفسير والبيان:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي ومن العلامات
الدالة على قدرة الله وعظمته وحكمته وجود الليل والنهار وتعاقبهما، وخلق
الشمس المضيئة والقمر المنير، وتقدير منازلهما في فلکیهما، واختلاف سيرهما
في مداريهما في السماء، ليعرف بذلك مقادير الليل والنهار والأسابيع
والشهور والأعوام، وتعرف أوقات العبادة وآجال الحقوق والديون
والمعاملات.
ولما كانت الشمس والقمر أنفع وأحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي
والسفلي، نَّه الله تعالى إلى أنهما مخلوقان خاضعان لسلطان الله وتسخيره، فلا
يعظمان وإنما يعظم خالقهما، فقال تعالى:
﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَفَهُنَّ إِن
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي إياكم من السجود للشمس والقمر؛ لأنهما
مخلوقان من مخلوقات الله، فلا يصح أن تكونا شريكين له في ربوبيته، ولا
تصح عبادتهما فهي لا تنفع مع عبادة الله، وتكون عبادتهما شركاً.
وإنما الواجب السجود لمن خلق هذه الآيات الأربع وغيرها، إن كنتم
تريدون العبادة الصحيحة الخالصة الله تعالى.
وآخر الآية ردّ على الصابئة الذين عبدوا الكواكب، وعبدة الشمس في

٥٦٢
لُحُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٣٧-٣٩
عصرنا، الذين زعموا أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنُهوا عن
ذلك وأُمروا ألا يسجدوا إلا الله الذي خلق هذه الأشياء.
وموضع سجود التلاوة في مذهب الشافعي رضي الله عنه كما تقدم هو
قوله: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ متصل به. وعند أبي حنيفة
رضي الله عنه هو قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾ الآتي؛ لأن الكلام إنما يتم عنده.
وبعد أن أمر الله تعالى بالسجود له، قال بعده:
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا
أي فإن تكبر هؤلاء المشركون عبدة الكواكب عن الامتثال
يَسْعَمُونَ ﴾
وإفراد العبادة لله، وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، فلا يهم أمرهم، فالملائكة
عند ربك الذين هم خير منهم - عندية مكان لا قرب مكان - لا يستكبرون عن
عبادته تعالى، بل يواظبون على تسبيح الله سبحانه بالليل والنهار، وهم لا
يملون ولا يَقْتُرُون، كقوله عز وجل ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَّكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ
◌ِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩/٦]. وهذه الآية: ﴿فَإِنِ أَسْتَكْبَرُواْ﴾ تدل على أن
الملائكة أفضل من البشر.
وبعد ذكر الدلائل الفلكية، ذكر تعالى الدلائل الأرضية، فقال:
﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ- أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
﴾ أي ومن دلائل قدرته
٣٩
الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْنَىَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
تعالى على البعث وإعادة الموتى أحياء أنك ترى الأرض هامدة لا نبات فيها،
بل هي ميتة، فإذا أنزل الله عليها المطر تحركت بالنبات، وانتفخت وعلت،
وأخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار.
إن الذي أحيا هذه الأرض الجدبة بالنبات والزرع، قادر على أن يحيي
الأموات، فإنه الرب القدير الذي لا يُعْجِزُه شيء كائناً ما كان.

٥٦٣
إِلُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٣٧-٣٩
وقوله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَرَى﴾ الخطاب لكل عاقل.
وهذا دليل حسي متكرر في القرآن يقرب للأذهان صورة الإحياء بعد
الإماتة، والمعول عليه هو قدرة الله الخالق ابتداء وانتهاء وكل وقت.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - من الآيات الواضحة والعلامات الظاهرة على وحدانية الله وقدرته
خلق الليل والنهار والشمس والقمر.
٣ - هذه المخلوقات ذات المنافع الكثيرة لا تستحق العبادة مع الله، وإنما
المستحق للعبادة هو موجدها؛ لأنه تعالى هو الخالق، ولوشاء لأعدم الشمس
والقمر، أو طمس نورهما، فهما مخلوقان يدلان على وجود الإله، والسجدة
التي هي نهاية التعظيم لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات.
ءَ - إن الله غني عن عباده، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وإذا
أحجم الناس عن عبادته، وأعرض الكفار عن السجود لله، فهناك خلق آخر
وهم الملائكة مواظبون على التسبيح، لا ينفكون عنه لحظة واحدة، ولا يملّون
عبادته، ولا يشتغلون بأمر آخر سوى العبادة.
٤ - لا خلاف في أن آية ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾
آية سجدة، وإنما الخلاف كما تقدم في موضع السجود، فقال الجمهور:
موضعه: ﴿إِن كُنتُمْ إِتَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لأنه متصل بالأمر: ﴿وَأَسْجُدُواْ﴾
وقال أبو حنيفة: موضعه: ﴿وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾ لأنه تمام الكلام وغاية العبادة
والامتثال.
٥ - تضمنت هذه الآية صلاة كسوف القمر والشمس؛ لأن العرب كانت

٥٦٤
لُ (٢٤) - فُصِّلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبي ◌َّ- صلاة
الكسوف، وهي ثابتة في صحاح البخاري ومسلم وغيرهما.
٩ - ومن الآيات الدالة على قدرة الله وإحياء الموتى والبعث: إحياء الأرض
اليابسة التي لا زرع فيها ولا نبات بنزول الغيث عليها، فإن القادر على إحياء
الأرض بعد موتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد بعد موتها.
وقد تكرر هذا الدليل مراراً في القرآن، والدليل الأصلي هو قوله: ﴿إِنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ وتقديره كما ذكر الرازي: أي عودة التأليف والتركيب إلى
تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك
الأجزاء بعد اجتماعها أيضاً أمر ممكن لذاته، والله تعالى قادر على الممكنات،
فوجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل
والفهم إلى تلك الأجزاء، مما يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد
ممكن لا امتناع فيه(١).
تهديد الملحدين في آيات الله تعالى
وتنزيه القرآن العظيم عن الطعن فيه
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ ءَايَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرٍّ أَمَ مَّن
يَأَتِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِالَّذِكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ ﴿ لَّا يَأْيِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا فَدْ قِيلَ لِلُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ
خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ®
٤٣
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ
(١) تفسير الرازي: ١٣٠/٢٧

٥٦٥
لِلُعُ (٢٤) - فُصِلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
القراءات:
﴿ يُلْحِدُونَ﴾ :
وقرأ حمزة (يَلْحدون).
﴿شِئْتُمْ﴾.
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شيتم).
قِيلَ﴾:
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ فيه وجهان: إما أنه محذوف،
وتقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يعذبون أو نجازيهم. وإما قوله
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤/٤١] قال الرازي:
والأول أصوب. وجملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ﴾.
﴿َّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلِرُّسُلِ﴾ ﴿مَا قَدْ قِيْلَ﴾: في تأويل مصدر،
نائب فاعل لـ ﴿يُقَالُ﴾.
البلاغة:
﴿أَفَمَنَ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٍّ أَم مَّن يَأْتِىّ ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ بينهما مقابلة،
والمراد بالهمزة هنا التي هي للاستفهام: الإقرار بأن الملحدين يلقون في النار،
وأن المؤمنين يأتون آمنين.
﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ أمر يراد به التهديد والوعيد ..

٥٦٦
الُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
﴿مَغْفِرَةِ﴾ و﴿عِقَابٍ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون عن الحق والاستقامة، أي يؤولون الآيات تأويلاً
باطلاً، ويطعنون فيها ويحرّفونها عن مواضعها ﴿فِيّ ءَايَتِنَا﴾ آيات القرآن
والدلائل الدالة على قدرة الله وحكمته ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ أي فنجازيهم على
إلحادهم ﴿أَفَمَنَ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرَ أَمْ مَن يَأْتِّ ءَامِنًا﴾؟ قابل الإلقاء في النار
بالإتيان آمناً، مبالغة في الإشادة بحال المؤمنين ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ تهديد شديد
﴿إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ وعيد بالمجازاة.
﴿بِالذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ﴾ منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه ﴿لَّا
يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ لا يتطرق إليه الباطل من جميع جهاته
سواء الأخبار الماضية أو الأحكام التشريعية ﴿حَكِيمٍ﴾ في جميع أفعاله، يضع
الأمور في نصابها الصحيح ﴿حَمِيدٍ﴾ يحمده جميع خلقه بما أنعم من النعم
الكثيرة عليهم.
﴿َّا يُقَالُ لَكَ﴾ أي ما يقول لك كفار قومك من تكذيب ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ
لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ أي إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾
للمؤمنين ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم للكافرين أعداء الله والمؤمنين.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٠):
﴿أَفَمَنَ يُلْقَى﴾: أخرج ابن المنذر عن بشير بن فتح قال: نزلت هذه الآية في
أبي جهل وعمار بن ياسر: ﴿أَفَمَنَ يُلْقَى فِىِ النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأَتِيّ ءَاِنَّا يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ﴾؟

٥٦٧
الجُزءُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
المناسبة:
بعد الأمر بالدعوة إلى دين الله تعالى، وبيان أسلوب الدعوة بذکر دلائل
التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة، هدد الله تعالى من ينازع في تلك
الآيات والدلائل، ويحاول إلقاء الشبهات فيها، ثم نوّه بوصف القرآن، وآنس
نبيه و 10 على آلامه من تكذيب قومه، وأمره بأن يصبر على أذاهم، وألا يضيق
قلبه بإعراضهم عن رسالته، فتلك عادة الأمم مع الأنبياء والرسل.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءَايَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ أي إن الذين يميلون عن
الحق، فيضعون الكلام في غير موضعه، ويحرّفون كلام الله تعالى وآياته الدالة
على قدرته وحكمته، لا يخفون علينا، بل نحن نعلمهم، فنجازيهم بما يعملون
بالعقوبة والنكال.
وفي هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، يقتضي الحذر والخوف.
ونوع الجزاء هو :
﴿أَفَنَ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرُّ أَمْ مَن يَأْتِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾؟ أي هل يستوي من
يلقى في النار قسراً وقهراً لإلحاده بالآيات وتكذيبه للرسول وَّر، ومن يكون
آمناً يوم القيامة من العذاب؟ وهذا استفهام بمعنى التقرير، والمراد أن
الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون آمنين يوم القيامة،
فاحكموا أيها العقلاء أيُّ الحالين أفضل؟!
ثم أكد التهديد للكفرة بقوله تعالى:
﴿ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ اعملوا أي شيء تريدون فعله من
خير أو شر، فإن الله عالم بكم، وبصير بأعمالكم، ومجازيكم بحسب ما
تعملون، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذا وعيد وتهديد، صرف فیه الأمر
إلى التهديد، قال الزجاج: لفظ ﴿أَعْمَلُواْ﴾ لفظ الأمر، ومعناه الوعيد.

٥٦٨
إِلُ (٢٤) - فُصِّلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
ثم أبان صفة أولئك الملحدين وجزاءهم فقال وهو أيضاً تهديد:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمٌّ﴾ أي إن الذين كفروا بالقرآن لما
جاءهم، وكذبوا به، معذبون هالكون يجازون بكفرهم.
ثم أشاد بأوصاف ثلاثة للقرآن تنبيهاً للأنظار والعقول، فقال:
﴿ وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ ، لَا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِزِيلٌ مِّنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ أي وإن القرآن الذي يلحدون فيه عزيز عن المعارضة أو
الطعن، منيع عن كل عيب، لا يتأتى لأحد أن يأتي بمثله؛ وليس لأحد أن
يبطله من جميع جوانبه، ولا يكذبه كتاب سابق قبله، ولا لاحق بعده، محفوظ
من النقص والزيادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
﴾ [الحجر: ٩/١٥]؛ وإنه تنزيل من حكيم في أقواله وأفعاله، محمود في
جميع ما يأمر به وينهى عنه، مشكور من جميع خلقه على كثرة نعمه وأفضاله،
وأجلها بحق: تنزيل هذا الكتاب، فهو النعمة العظمى والرحمة الكبرى، الذي
بَيَّن للناس طريق الهداية، وعرفهم محذراً سبيل الغواية والضلالة.
ثم آنس الله تعالى رسوله و هو على ما يناله من أذى المشركين وطعنهم في كتابه
وتكذيبهم لرسالته، وأمره بالصبر والثبات على دعوته، فقال:
﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلِرُّسُلِ مِن قَبْلِكَّ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو
عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ أي ما يقال لك من هؤلاء الكفار المشركين من وصفك
بالسحر والكذب والجنون إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك، فإن قومهم كانوا
يقولون لهم مثلما يقول لك هؤلاء، فكما كُذبتَ كذِّبوا، وكما صبروا على
أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك، وإن ربك لغفار لمن تاب
إليه، ومعاقب بعقاب مؤلم لمن استمر على كفره، وأصر على طغيانه وعناده،
ومات كافراً ولم يتب.

٥٦٩
لِلُعُ (٢٤) - فُصِّلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
ونظير الآية كثير مثل: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِر
(٥)) [الذاريات: ٥٢/٥١].
أَوْ مَجْنُونُ
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيِّب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ قال رسول الله وَّه: ((لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً
العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اَ - أورد تعالى تهديدات أربعة متعاقبة في هذه الآيات، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِىّ ءَايَئِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاً﴾ ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِى النَّارِ﴾ ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ ﴾
٣ - هدّد الله تعالى أولاً الملحد في آيات القرآن، وهو المنحرف عن الحق إلى
الباطل فقال: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر، وحاول الصد
عن سماعه بالتصفيق والتصفير واللغو والغناء، وبدَّل الكلام ووضعه في غير
موضعه.
◌َّ - الغرض من قوله: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ﴾ التنبيه على أن الذين يلحدون
في آيات الله، يلقون في النار، والذين يؤمنون بآيات الله يأتون آمنين يوم
القيامة. وهذا هو التهديد الثاني.
٤ - والتهديد الثالث: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ أي بعدما علمتم أن الملحد
الكافر والمؤمن لا يستويان، فلا بدّ لكم من الجزاء، فمن اختار لنفسه طريق
الكفر عوقب بالنار، ومن اختار منهج الإيمان جوزي بالجنة.
٥ - والتهديد الرابع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمٍّ﴾ أي إن الذين

٥٧٠
الْجُزُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٤٠-٤٣
جحدوا بالقرآن وكونه منزلاً من عند الله تعالى يجازون بكفرهم؛ لأن القرآن
اشتمل على جميع ما يحتاج إليه الناس من العقائد الصحيحة، والشرائع
المحكمة، والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان.
٩ - ذكر الله تعالى هنا للقرآن الكريم أوصافاً ثلاثة هي:
أولاً - أنه كتاب عزيز منيع الجانب، لا نظير له، ولا يطعن فيه، ولا
يعارضه أحد، كريم على الله تعالى، محفوظ من الله سبحانه.
ثانياً - لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل من الكتب المتقدمة كالتوراة
والإنجيل والزبور، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه، ولا يستطيع أحد
أن يزيد فيه أو ينقص منه، ولا باطل فيما أخبر عنه في الماضي
والمستقبل، وما حكم بكونه حقاً لا يصير باطلاً، وما حكم بكونه
باطلاً لا يصير حقاً.
ثالثاً - تنزيل من حكيم في جميع أحواله وأفعاله، حميد أي محمود على ما
أسدی لجميع خلقه بسبب كثرة نعمه.
لاً - ما يتعرض له الرسول وَله من الأذى والتكذيب، تعرض له الأنبياء
والرسل السابقون عليه، فلا بدّ من الصبر على الأذى، وألا يضيق القلب
بسبب الإعراض عن رسالته.
٨ - إن الله تعالى تام العدل، فهو ذو مغفرة للمؤمنين التائبين، وذو عقاب
مؤلم وجيع لأعدائه الكفار الذين كذبوا رسله.

٥٧١
لِلُعُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
التأكيد على عروبة القرآن الكريم
﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَانُهُ( ءَأعْجَمِىٌ وَعَرَبِىُّ قُلْ هُوَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّىْ وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
فَأَخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ
مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ
مِنْهُ مُرِيبٍ
لِلْعَبِيدِ
الإعراب:
﴿ وَاُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول
مبتدأ، وصلته ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وخبره جملة: ﴿فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ و﴿وَقْرٌ﴾:
مبتدأ، و﴿فِىّ ءَاذَانِهِمْ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول.
البلاغة:
ءَأعْجَمِىٌ وَعَرَبِىٌ﴾ بينهما طباق. والاستفهام: استفهام إنكار.
﴿أُوْلَمْكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ استعارة، شبّه حالهم في إعراضهم
عن سماع القرآن وقبوله بحال من يُنادى من مكان بعيد، بجامع عدم السماع
وعدم الفهم في کل منهما.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ﴾ أي القرآن - الذِّكْر. ﴿أَعْجَمِيًّا﴾ أي كلاماً لا يفهم، سواء
بلغة العرب أو العجم. ﴿لَوْلَا﴾ هلا. ﴿فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ(٣)﴾ بينت آياته بلغتنا، حتى
نفهمها. ﴿ءَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌ﴾ أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟ والمقصود: الدلالة

٥٧٢
الُعُ (٢٤) - فُصِّلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
على أنهم لا ينفكون عن التعنت في الآيات كيف جاءت . ﴿هُدِّى﴾ من
الضلالة إلى الحق. ﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الجهل والشك والشبهة. ﴿وَفَرٌ﴾ ثقل، فلا
يسمعون. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَى﴾ معمَّى فلا يفهمونه، لتعاميهم عما يريهم من
الآيات. ﴿أُوْلَمْكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هذا تمثيل لحالهم في عدم قبولهم
واستماعهم له بحال من يصيح بهم من مسافة بعيدة، أي فهم كالمنادى من
مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما يُنادى به.
﴿ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ التوراة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب كما
اختلف في القرآن. ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ بتأخير الحساب
والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة . ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه.
﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي وإن المكذبين به وهم اليهود أو الذين لا يؤمنون . ﴿لَفِى شَآئٍ
مِّنْهُ﴾ من التوراة والقرآن. ﴿مُرِيٍ﴾ موجب للاضطراب موقع في الريبة.
﴿مِّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ،﴾ أي يعود نفع عمله لنفسه. ﴿وَمَنْ أَسَآءَ
فَعَلَيْهَا﴾ أي يعود ضرر إساءته على نفسه . ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي بذي
ظلم، فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠/٤].
سبب النزول:
نزول الآية (٤٤):
﴿لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَنُهُ:﴾: أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال:
قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً؟ فأنزل الله: ﴿لَّقَالُواْ لَوْلًا
فُصِّلَتْ ءَايَنُه٢ُ﴾ الآية. والمراد أن نزول هذه الآية بسبب تعنت الكفار.
المناسبة:
الواقع أن سبب النزول هذا لا يقبل؛ لأنه - كما ذكر الرازي - يقتضي

٥٧٣
الجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
ورود آيات لا تعلق لبعض فيها ببعض، مما قد يؤدي إلى الطعن في عدم
انتظام القرآن، فضلاً عن ادعاء كونه معجزاً. والحق أن هذه السورة من أولها
إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا
فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا، إِلَيْهِ وَفِّ ءَاذَانِنَا وَفَرٌ﴾ وهذا الكلام متعلق به، وجواب
له.
والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم، لكان لهم أن يقولوا: كيف
أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب؟ ويصح لهم أن يقولوا: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ
أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُوْنَا إِلَيَّهِ﴾ أي من هذا الكلام. ﴿وَفِيّ ءَاذَانِنَا وَقَرَ﴾ منه؛ لأنا
لا نفهم ولا نحيط بمعناه.
والمراد تأكيد عروبة القرآن، إذ لو فرض نزوله بلغة أعجمية لحق للعرب أن
يقولوا: لا نفهم، أما وإنه نزل بلغتهم وبألفاظهم، فلم يبق لهم عذر في
﴿قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ﴾ من هذه اللغة. ﴿ وَفِّ ءَاذَاِنَا
وَقَرٌ﴾ من تلك اللغة(١).
الإعراض عنه، وقوهم:
التفسير والبيان:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيَّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَانُهُ, ءَأعْجَمِىٌّ وَعَرَّبِىٌ﴾ أي لو
ے
فرض أن جعلنا هذا القرآن بغير لغة العرب أي بلغة العجم، لقال كفار
قريش: هلا بينت آياته بلغتنا حتى نفهمه، فإنا عرب لا نفهم لغة العجم؟
وقالوا أيضاً: أكلام أعجمي ومرسل إليه عربي؟
والمقصود أن القرآن عربي فلم لا يفهمونه ولا يعملون به؟! ولو نزل بلسان
أعجمي لأنكروا ذلك، وقالوا: هلا بينت آياته باللغة التي نفهمها؟ وقالوا
(١) تفسير الرازي: ١٣٣/٢٧

٥٧٤
الجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
أيضاً: أكلام أعجمي والمرسل إليهم عرب؟ أي كيف ينزل كلام أعجمي على
مخاطب عربي لا يفهمه؟!
ولما كان جميع القرآن عربياً في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به المشركون،
دلَّ على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت، كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى
[الشعراء: ٢٦/
فَقَرَأَمُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ
٨٩٨)
بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
١٩٨-١٩٩] .
ثم أبان الله تعالى هدف القرآن الكريم وغايته، فقال:
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين
القائلين: ﴿قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾: إن هذا القرآن هداية لقلب
من آمن به، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والرِّيَب، كما قال تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢/١٧].
ثم أوضح موقف المشركين من القرآن الكريم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَيْهِمْ عَمَّى﴾ أي والذين لا
يصدقون بالله ورسوله ورسالته: في آذانهم صمم عن سماعه وفهم معانيه، فهم
لا يفهمون ما فيه، ولهذا تواصوا باللغو فيه، وهو عليهم معمَّى، لا يهتدون
إلى ما فيه من البيان، ولا يبصرون ما اشتمل عليه من براهين ومواعظ. وهذا
كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ
وَنِدَآءَ صُمْ بَكُمَّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
﴾ [البقرة: ١٧١/٢].
ثم أكد الله تعالى عدم استعدادهم لفهم القرآن، فقال:
﴿ أُوْلَِّكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي إن حالهم كحال من ينادى من
مسافة بعيدة، يسمع صوت من ینادیه منها، ولا يفهم أو لا يفقه ما يقال له؛
لأنهم أعرضوا ولم يريدوا سماع القرآن.

٥٧٥
لُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
ثم أوضح تعالى أن التكذيب بكتاب الله عادة قديمة في الأمم، فقال:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي لا تستغرب يا محمد، فتلك
عادة الأمم مع أنبيائهم، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة عليهم، والمثال على
ذلك: أننا أرسلنا موسى وآتيناه التوراة، فاختلفوا فيها بين مصدّق ومكذب،
وكُذِّب موسى وأُوذي، فلا تأس على فعل قومك، واصبر على الأذى،
واستعن بالله ولا تعجز، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥/٤٦].
ثم بيَّن الله تعالى سبب تأخير العذاب عنهم فقال:
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ولولا ما سبق من
حكم الله بتأخير العذاب والحساب عن المكذبين من أمتك إلى يوم المعاد،
لعجل لهم العذاب، كما فعل بالأمم المكذبة، وكما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ
الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ
(6)) [الكهف: ٥٨/١٨] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ
◌َّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا
يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِنْ
يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىَ أَجَلِ مُسَمَّىٌ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥].
ووردت آيات أخرى في تأخير العذاب مثل: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر:
٤٦/٥٤] ومثل: ﴿وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلِ تُسَمَّى﴾ [النحل: ٦١/١٦].
وموجب الهلاك قائم فيهم، فقال تعالى:
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شَِّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي وإن كفار قومك لفي شك من
القرآن، موقع في الريبة والقلق، فما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما
قالوا: بل كانوا شاكين فيما قالوه، غير متحققين لشيء كانوا فيه.
ثم حدد الله تعالى قانون الجزاء، فقال:

٥٧٦
◌ِلُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
٤٦
﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ
أي من عمل عملاً صالحاً في الدنيا، فائتمر بأمر الله، وانتهى عما نهى الله
عنه، فإنما يعود نفع ذلك على نفسه، ويجازى على وفق عمله، ومن أساء فعصى
الله، فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ويعاقب على جرمه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ
﴾ [النجم: ٣٩/٥٣]. وعليه، فإن آمنوا فنفع إيمانهم
لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
٣٩
يعود عليهم، وإن کفروا فضرر کفرهم يعود إليهم.
والجزاء للفريقين حق وعدل مطلق، فلا ينقص المحسن شيئاً من ثوابه، ولا
يعاقب أحداً من الناس إلا بذنبه، ولا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه،
وإرسال الرسول إليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - إن القرآن عربي، نزل بلغة العرب، وليس أعجمياً، فإذا ترجم إلى لغة
أخرى، لم يكن قرآناً.
◌َ - إن نزول القرآن بلغة العرب كان بقصد التحدي ليتقرر به الإعجاز؛ إذ
العرب هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظماً ونثراً، وإذا عجزوا عن
معارضته، كان من أدل الأدلة على أنه من عند الله تعالى، ولو كان بلسان
العجم لقالوا: لا علم لنا بهذا اللسان، وإذا كان كلامه بلسانهم ولغتهم، لا
بلغة أجنبية، فلا يعذرون بعدم الإيمان به، ولا يصح لهم أن يقولوا: إن قلوبنا
في أكنة منه، بسبب جهلنا بهذه اللغة.
٣ - وهذا أمر منطقي؛ لأن فهم الخطاب التشريعي أساس التكليف، ولا
يعقل كما قال تعالى ﴿َأعْجَمِىٌ وَعَرَبِىٌ﴾ أن يكون القرآن أعجمياً، والأمة
المخاطبة به عربية. والعجمي: الذي ليس من العرب، كان فصيحاً أو غير
فصيح. والأعجمي: الذي لا يفصح، كان من العرب أو من العجم.

٥٧٧
إِلُعُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
◌َ - إن القرآن هدى للناس من الضلالة، وشفاء لكل من آمن به من الشك
والريب والأوجاع، وكونه هدى؛ لأنه دليل على الخيرات، مرشد إلى كل
السعادات، وكونه شفاء، لأنه إذا حصل الاهتداء تحقق الشفاء من مرض
الكفر والجهل.
٥ - لكن غير المؤمنين بالقرآن في آذانهم صمم عن سماع القرآن، ولهذا
تواصوا باللغو فیه، وهو علیهم عمی لا يفهمونه ولا یدرکون مقاصده، فهم
أو كل واحد منهم كالمنادى له من موضع بعيد، فهو لا يسمع النداء ولا
یفهمه، فلا خیر فیه.
٩ - إن تكذيب الأمم للرسل عادة قديمة غير جديدة في عهد النبي تََّ،
فلقد أنزل الله التوراة على موسى عليه السلام، وسمع نخبة من قومه كلام الله
له، فمنهم من آمن به، ومنهم من كذب به، فلا يحزنك يا محمد اختلاف
قومك في كتابك، فقد اختلف مَنْ قبلهم في کتابهم.
وقبل بعضهم هذا الكتاب، وهم أصحابك، وردّه الآخرون، وهم
يقولون: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾.
لاً - لولا قضاء الله القديم المحكم، وحكمه المبرم في إمهال الكفار وتأخير
عذاب الاستئصال عنهم إلى يوم القيامة، لقضي بينهم بتعجيل العذاب، لأنهم
في شك من القرآن شديد الريبة. قال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخر
عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة، لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم.
٨ - إن الجزاء من جنس العمل، فمن أطاع الله فالثواب له، والله عز وجل
مستغن عن طاعة العباد، ومن أساء فالعقاب عليه.
ـو - نفى الله تعالى الظلم عن نفسه، قليله وكثيره، فقال هنا: ﴿وَمَا رَبُّكَ
◌ِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ١٠/

٥٧٨
◌ِلُزُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ٤٤-٤٦
٤٤] وجاء في الحديث القدسي الثابت الذي أخرجه مسلم عن أبي ذر الغفاري:
(يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تَظالموا)).
وأيضاً فالله تعالى هو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض
علیه؛ إذ له التصرف في ملکه بما یرید.
تم بحمد اللَّه الجزء الرابع والعشرون

٥٧٩
فهرس المجلد الثاني عشر
فهرس المجلد الثاني عشر
فهرس الجزء الثالث والعشرين
الموضوع
الصفحة
تتمة قصة أصحاب القرية - تعذيب مكذبي الرسل
٥
أدلة القدرة الإلهية على البعث وغيره
١٠
٢٤
موقف الكفار من تقوى الله وآيات الله والشفقة على خلق الله
٢٨
إنكار الكفار يوم البعث وبيان أنه حق لاشك فيه
جزاء المحسنين
٣٥
جزاء المجرمين
٣٩
٤٨
إثبات وجود الله ووحدانيته وبيان خواص الرسالة
٥٩
إثبات البعث
٦٧
سورة الصافات :
٦٧
تسميتها ومناسبتها لما قبلها
مشتملاتها
٦٩
إعلان وحدانية الله
٦٨
تزيين السماء بالكواكب
٧٢
٧٨
الحشر والنشر والقيامة - إثبات المعاد
مسؤولية المشركين في الآخرة وأسبابها
٨٦
٩٦
جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين المخلصين
جزاء الظالمين وأنواع العذاب في جهنم
١٠٧
قصة نوح عليه السلام
١١٥

٥٨٠
فهرس الجزء الثالث والعشرين
الموضوع
الصفحة
قصة إبراهيم عليه السلام
١١٩
١ - تحطيم الأصنام
٢- قصة الذبيح
١٤٢
قصة موسى وهارون عليهما السلام
١٤٦
قصة إلیاس عليه السلام
١٥٠
قصة لوط عليه السلام
قصة يونس عليه السلام
١٥٢
١٥٩
تفنيد عقائد المشركين
نصر جند الله تعالى
١٧١
١٧٧
سورة ص
تسميتها ومناسبتها لما قبلها
١٧٨
مشتملاتها
١٧٩
مناقشة المشركين في عقائدهم
١٩٠
إنذار الكفار بحال الأمم المكذبة قبلهم
قصة داود عليه السلام
١٩٦
إثبات البعث والثواب والعقاب وبيان فضل القرآن
٢١٠
٢١٤
قصة سليمان عليه السلام
· قصة أيوب عليه السلام
٢٢٤
قصة إبراهيم وذريته عليهم السلام
٢٣٢
إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل - ٢٣٩
عقاب الطاغين الأشقياء
١١٩
١٢٨
٠
١٧٧