النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ الجُزءُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٦٦-٦٨ علقة (قطعة دم متجمدة) ثم ولدتم وأخرجتم أطفالاً، ثم وصلتم إلى بلوغ الأشد أي مرحلة اكتمال القوة والعقل، ثم تصيرون شيوخاً (والشيخ: من جاوز الأربعين). ومن الناس من يتوفى من قبل الشيخوخة أو الشباب أو الولادة، وقد فعل ذلك لتبلغوا الأجل المحدود وهو وقت الموت أو يوم القيامة، واللام لام العاقبة أو الصيرورة، ولكي تعقلوا ما في هذا التدرج والتطور في المراحل المختلفة من دليل دال على قدرة الله البالغة على البعث وغيره، وعلى توحيد ربكم، في خلقكم على هذه الأطوار: طور الاجتنان، وطور الطفولة، وطور بلوغ الأشد، وطور الشيخوخة، ففي هذا التغير والانتقال دلالة على وجود الله، ثم أتبع ذلك بدليل آخر من التغير والانتقال فقال: ٦٨ ﴿هُوَ اُلَّذِى يُحِىءَ وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَّ أَمْرًا فَإِذَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنُ فَيَكُونُ أي وإن الله هو القادر على الإحياء والإماتة، والمتفرد بذلك لا يقدر عليه أحد سواه، فإذا قضى وقدر أمراً من الأمور التي يريدها، فإنما يقول له: ﴿كنّ فَيَكُونُ﴾ أي يحدث فور الإرادة من غير توقف على شيء، ولا معاناة ولا كُلْفة. وهذا أقصى ما يمكن به تقريب الخلق إلى الأذهان، فإن المخلوق يوجد بسرعة فائقة جداً بمجرد تعلق الإرادة به. فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت الآيات أموراً ثلاثة هي: اً - النهي الجازم عن عبادة غير الله بعد قيام الأدلة على وجود الله وتوحيده، مما صرح به القرآن في آياته، ومما أرشد إليه العقل الصحيح في تفكيره، والعبادة تقتضي الانقياد التام والخضوع وإخلاص الدين لله رب العالمين، فلا أمل في عبادة الأصنام والأوثان وغيرها من أنواع الشرك. ٤٨٢ لُعُ (٢٤) - غَفانٍ: ٤٠ / ٦٩-٧٦ والخلاصة: نهى الله تعالى عن عبادة الأوثان، ثم أمر بالاستسلام إليه، ثم أقام الدليل على وحدانيته وألوهيته، فيما ذكره من خلق الناس ومراحل تكوينهم، مع العلم بأن أصنام الوثنيين عارية عن أي شيء من مظاهر القدرة الإلهية على الخلق والإبداع. أَ - بيان مراحل تطور الإنسان وتدرجه في التكوين والخلقة، فأصله من تراب، ثم يصبح نطفة فعلقة فمضغة، ثم يولد طفلاً، ثم يشب ويقوى بدنه وعقله، ثم يهرم ويشيخ، وقد يموت من قبل هذه الأحوال، ثم يحدث موت الكل. والإخبار عن تلك المراحل الانتقالية ليعقل الإنسان أنها ترشده وتعلمه أن لا إله إلا الله. آمنت بالله وحده. ◌َّ - التنبيه على قدرة الله في الإحياء والإماتة، وعلى سرعة إنجاز الخلق والتكوين بمجرد إرادة الله الفعل. جزاء المجادلين بالباطل في آيات الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرِفُونَ إِذِ الْأَغْظَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ثُمَّ قِبِلَ لَهُمْ أَبْنَ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿ فِىِ الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ ٦٩ مَا كُتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا بَل لَّمْ تَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ ذَلِكُمُ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِ اْلْأَرْضِ ٧٤ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمُ تَمْرَحُونَ ﴿ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ ٧٦ مَثْوَى الْمُتَكَِّرِينَ القراءات: [رُسُلَنَا﴾ : ٤٨٣ الُ (٢٤) - غزقالٍ: ٤٠ / ٦٩-٧٦ وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا). ﴿قِلَ﴾: بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. ﴿فَبِئْسَ﴾ : وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (فبيس). الإعراب: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على الذم. ) ﴿ وَالسَّلَسِلُ﴾: ج ﴿إِذِ اُلْأَغْلَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ مرفوع معطوف على ﴿اَلْأَغْلَلُ﴾ وتقديره: إذ الأغلالِ والسلاسل في أعناقهم. ومنهم من وقف على ﴿أَعْنَقِهِمْ﴾ وابتدأ ﴿ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ، فِىِ الْحَمِيمِ﴾ وتقديره: والسلاسل يسحبون بها في الحميم، فحذف الجار والمجرور. وقرئ (والسلاسلَ يَسْحَبون) بنصب اللام وفتح ياء الفعل، على أنه مفعول (يِسْحَبُون) أي يسحبون السلاسل. وقرئ (والسلاسلِ) بالجر، بالعطف على أعناقهم، وهي قراءة ضعيفة؛ لأنه يصير المعنى: الأغلال في الأعناق والسلاسل، ولا معنى للأغلال في السلاسل. البلاغة: ﴿بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمُ تَمْرَحُونَ﴾ التفات عن الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ. ويوجد جناس ناقص بين ﴿تَفْرَحُونَ﴾ و﴿ تَمْرَحُونَ﴾ . ٤٨٤ للزُهُ (٢٤) - غزدفاعٍ: ٤٠ / ٦٩-٧٦ المفردات اللغوية: يُجَدِلُونَ﴾ كرر ذم المجادلة لتعدد المجادل أو المجادل فيه، أو للتأكيد ﴿ءَايَتِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿أَنَ﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ يبعدون عن الإيمان بالله. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ﴾ بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا﴾ من سائر الكتب والوحي والتوحيد والبعث والشرائع ﴿فَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم. ﴿إِذِ اَلْأَعْلَلُ﴾ ﴿إِذِ﴾: ظرف للفعل المتقدم ﴿يَعْلَّمُونَ﴾ بمعنى إذا للاستقبال، أي ليعلمون إذ الأغلال، وعبر ب﴿إِذ﴾ التي هي ظرف للماضي عن المستقبل، لتيقن وقوع الأمر المخبر به وكونه مقطوعاً به و﴿ اَلْأَغْذَلُ﴾ : جمع غل: وهو القيد الذي يوضع في العنق ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرّون بعنف بالسلاسل ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ جهنم، وهي الماء الحار ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يحرقون ويوقدون، يقال: ﴾﴾ المملوء ﴿ثُمَّ قِيلَ سجَّر التنور: ملأه بالوقود، ومنه ﴿ وَالْبَحْرِ الَْسْجُورِ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ، يقال لهم توبيخاً وتقريعاً: أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا (ضَلُّواْ عَنَّا﴾ غابوا واضمحلوا، فلا نراهم ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ تَدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنكروا عبادتهم إياها، ثم أحضرت ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ﴾ أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضل الله الكافرين، حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة. ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب ﴿تَفْرَحُونَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ تبطرون وتتكبرون ﴿بِغَيْرِ اَلْحَقِّ﴾ وهو الشرك والطغيان وإنكار البعث ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تختالون أشراً وبطراً وتتوسعون في الفرح ﴿أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ الأبواب السبعة المقسومة لكم ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ مقدّراً لكم الخلود فيها ﴿مَثْوَى﴾ مأوى. المناسبة: عاد الحق تعالى في هذه الآيات إلى ذم المجادلين في آيات الله، مبيناً عظيم ٤٨٥ الُرُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ٦٩-٧٦ جرمهم في تكذيب القرآن وجزاءهم على ذلك، فليس فيه تكرار، إذ السابق لبيان منشأ الجدل وسببه، وهذا تعجيب من حال المجادلين وآرائهم الفاسدة، مع بيان عاقبتهم، والظاهر - كما ذكر أبو حيان - أنها في الكفار المجادلين في رسالة الرسول 18 والكتاب الذي أنزل عليه. التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (9)﴾ أي ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين المشركين المجادلين بالباطل في آيات الله الواضحة الموجبة للإيمان بها، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ مع قيام الأدلة الدالة على صحتها، وأنها في نفسها موجبة للتوحيد. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي إنهم هم الذين كذبوا بالقرآن وبالذي أرسلنا به الرسل من التوحيد وإخلاص العبادة لله والشرائع الصالحة لحياة الإنسان في الدنيا، والتبرؤ من الشرك والوثنية، والإيمان بالبعث، ثم هددهم وأوعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم ووبال كفرهم. ثم ذكر مضمون التهديد الشديد والوعيد الأكيد بقوله : ﴿إِذِ الْأَغَْلُ فِىّ أَعْنَفِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٨) فِ الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ ، أي فسوف يعلم هؤلاء المكذبون حين تجعل القيود في ◌ُسْجَرُونَ أعناقهم، ويسحبون بالسلاسل في الحميم: وهو الماء المتناهي في الحرارة، فتتقطع جلودهم وتنسلخ لحومهم، ثم يحرقون في النار التي توقد بهم وتحيط يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ٤٣ بهم، كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَِّى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ حَمِيمٍ ◌َانٍ (@)) [الرحمن: ٤٣/٥٥-٤٤] وقال سبحانه بعد ذكر أكلهم الزقوم ﴾ [الصافات: ٦٨/٣٧] وقال ٦٨ وشربهم الحميم: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ (٤٧ عز وجل: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ٤٨٦ الزُعُ (٢٤) - غَزفاٍ: ٤٠ / ٦٩-٧٦ عَذَابٍ اُلْحَمِيمِ ٤٨ بِهِ، تَمْتَّرُونَ (جٍّ﴾ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُتُم · [الدخان: ٤٤ / ٤٧ -٥٠] . ثم يسألون سؤال تقريع وتبكيت وتوبيخ عن أصنامهم المعبودة، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِبِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٣) مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَ لَّمْ تَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَفِرِينَ (49)﴾ أي يقال لهم من قبل الملائكة تقريعاً لهم وتوبيخاً: أين الأصنام والشركاء التي كنتم تعبدونها من دون الله، ما لهم لا ينقذونكم مما أنتم فيه، وينصرونكم اليوم وقت المحنة؟ .. قالوا مجيبين: غابوا عنا وذهبوا فلم ينفعونا، وفقدناهم فلا نراهم، والحق أننا لم نكن نعبد شيئاً، أي تبينا أننا لم نكن نعبد شيئاً ينفع؛ لأنه لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وذاك الذي صدر عنهم اعتراف صريح بأن عبادتهم إياها كانت باطلة. ومثل ذلك الضلال يضل الله الكافرين حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار، أي هكذا يتبين بطلان جميع أعمال الكافرين، وتنقطع العلائق والصلات بين العابدين والمعبودين. ثم أبان الله تعالى سبب تعذيبهم فقال: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمُ تَمْرَحُونَ (٧٥) ﴾ أي ذلكم العذاب والإضلال بسبب ما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله، والسرور بمخالفة رسله وكتبه، وبسبب ما كنتم تبطرون وتأشرون وهو جزاء المرح بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان. ثم أوضح لهم نوع الجزاء تبكيتاً وتوبيخاً وتيئيساً لهم من تفادي العذاب، فقال : ٤٨٧ الزرعُ (٢٤) - غدفاٍ: ٤٠ / ٦٩-٧٦ (@) أي ﴿أُدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَتِيِنَ ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم، كما قال تعالى: ﴿لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَاتٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ ( ﴾ [الحجر: ٤٤/١٥] وإنكم مخلدون فيها أبداً ٤٤ على الدوام، فبئس المنزل والمأوى الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: اً - من العجب العجاب أن المشركين الذين يجادلون في آيات الله بغير حق ويكذبون بها يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وعن الحق إلى الباطل. ◌َ - سيعلمون عما قريب بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار، وغُلَّت أيديهم إلى أعناقهم، وسحبوا بالسلاسل في الحميم، أي الماء المسخن بنار جهنم، وأحاطت بهم النار إحاطة تامة. ◌َّ - تقول لهم الملائكة بعد دخولهم النار تقريعاً وتوبيخاً: أين أصنامكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، ما لكم لا تنصرون بها اليوم؟ فأجابوا: لقد هلكوا وذهبوا عنا، وتركونا في العذاب، فلا نراهم ولا نستشفع بهم. ثم اعترفوا بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة، فإنها ليست بشيء؛ لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وهكذا تبين لهم أنهم لم يكونوا شيئاً، كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء، فإذا هو ليس بشيء، إذا جربته، فلم تجد عنده خيراً(١). وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣/٦]. (١) تفسير الرازي: ٢٧ /٨٧ ٤٨٨ الُعُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٧٧-٧٨ ٤ - قال الله تعالى عقب هذا الاعتراف: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ الْكَفِرِينَ﴾ أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال، يفعل بكل كافر، وهو إضلال لا توفيق فيه عن طريق الجنة بعد اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه، لا عن الحجة؛ إذ قد هداهم في الدنيا إليها. ٥ - ذلكم العذاب وسببه هو ما كانوا يفرحون به من المعاصي، ويظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة، وهو أيضاً بسبب بطرهم وتكبرهم عن اتباع الحق وقبوله، واختيارهم الشرك وعبادة الأصنام. أَ - ويقال لهم يوم القيامة: ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم، فبئس المأوى مأوى المتكبرين عن آيات الله واتباع دلائله على توحيده وقبول شرائعه. الصبر والنصر ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم ◌َن قَصَصْنَا عَلَيْكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ وَمِنْهُم ◌َن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيَكْ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ٧٨ الإعراب: ﴿فَإِمَّا﴾ إن الشرطية مدغمة، وما: زائدة تؤكد معنى الشرط أول الفعل، والنون تؤكد آخره، وقد لحقت الفعل بناء على وجود (ما) ولا تلحقه النون مع (إن) وحدها. وجواب الشرط محذوف مثل: فذاك. البلاغة: ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ جناس الاشتقاق. ٤٨٩ الُ (٢٤) - زهاٍ: ٤٠ / ٧٧-٧٨ ﴿مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ طباق السلب. ج المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالعذاب وهلاك الكافرين ﴿حَقّ﴾ كائن لا محالة ﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ﴾ أي بعض ما نعدهم به من العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ﴿أَوْ نَتَوَفَيَّنَّكَ﴾ قبل أن تراه أي قبل رؤية تعذيبهم ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ للعذاب الشديد يوم القيامة، فنجازيهم بأعمالهم، وهو جواب ﴿نَتَوَفَيَّنَّكَ﴾. وهو يدل على شدة العذاب للاقتصار على ذكر الرجوع. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ قيل: إن عدد الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وروي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. والمذكور قصتهم: أشخاص معدودون. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّ ◌ِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لأنهم عبيد مربوبون لله، والمعجزات عطايا من الله بحسب حكمته ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بنزول العذاب على الكفار في الدنيا والآخرة ﴿قُضِىَ بِالْحَقِّ﴾ بين الرسل ومكذبيهم، بإنجاء المحق وتعذيب المبطل ﴿بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي ظهرت خسارة المعاندين باقتراح الآيات، بعد وجود ما يغنيهم عنها. المناسبة: كان الكلام من أول السورة إلى هنا في تزييف طريقة المجادلين في آيات الله، ثم أمر الله تعالى هنا رسوله بالصبر على أذاهم وتكذيبهم، ووعده بالنصر عليهم، وإنزال العذاب على أعدائه. التفسير والبيان: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي فاصبر أيها الرسول على تكذيب بعض ٤٩٠ الُرُ (٢٤) - تغزفاٍ: ٤٠ / ٧٧-٧٨ قومك، فإن وعد الله بالنصر عليهم والانتقام منهم كائن لا محالة، إما في الدنيا، وإما في الآخرة. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اُلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أي إن نُرك في حياتك أيها الرسول بعض ما نعدهم به من العذاب، كالقتل والأسر يوم بدر، ثم فتح مكة وسائر جزيرة العرب، فذاك ما يستحقونه، وقد تحقق ذلك في حياته . أو نتوفينك قبل إنزال العذاب بهم، فإلينا مصيرهم يوم القيامة، فنذيقهم العذاب الشديد حينئذ، ونجازيهم على أعمالهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَا مِنْهُم ◌ُنْتَقِمُونَ أَوْ ٤٣ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّفْتَدِرُونَ [الزخرف: ٤٣ /٤٢] . ثم قال الله تعالى مؤانساً رسوله اله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَن لَّمْ ج نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ أي ولقد أرسلنا رسلاً وأنبياء كثيرين من قبلك إلى أقوامهم، منهم من أنبأناك بأخبارهم وما لقوه من قومهم وهم خمسة وعشرون، ومنهم من لم نقصص عليك خبره، وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف، كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَّا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ٤ /١٦٤]. وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، كم عدد الأنبياء؟ قال: ((مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر، جَمّاً غفيراً)). والذين ذكرهم الله في القرآن من الرسل قريب من خمسة وعشرين رسولاً. ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِشَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بمعجزة خارقة للعادة إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيستدل ٤٩١ لُهُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٧٧-٧٨ حينئذ على صدقه فيما جاءهم به. والمراد بالآية: المعجزة الدالة على نبوته. وكان أقوام الأنبياء يقترحون على الأنبياء إظهار المعجزات عناداً وتعنتاً. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي إذا حان الوقت المعين لعذابهم في الدنيا أو في الآخرة، قضي بالعدل فيما بينهم، فينجي الله بقضائه الحق عباده المرسلين المحقين والذين آمنوا معهم، ويُهلك الكافرين الذين يتبعون الباطل ويعملون به. فما عليك يا محمد وَالّ إلا الصبر، تأسياً بالأنبياء قبلك، وإذا جاء أمر الله بالفصل بينك وبين قومك، قضي بينكم بالحق، فنُصرت، وخسر المبطلون من ملأ قريش الذين يصدُّون عن دعوتك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمور أربعة: اً - الأمر بالصبر للنبي وَ لل تسلية له، وإعلامه بأن الله سينتقم له من قومه المكذبين لرسالته، إما في حياته، أو في الآخرة. وأمة النبي وَلّ مأمورة مثله بالصبر. أَ - أرسل الله تعالى للأمم المتقدمة رسلاً وأنبياء كثيرين، منهم من أخبر الله نبيه بأخبارهم وما لقوا من قومهم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، ومنهم من لم يخبره الله بهم. ◌ًّ - ليس لنبي من قبل نفسه أن يأتي بآية بيِّنة أو معجزة لإثبات نبوته وصدقه، إلا بإذن من الله وتيسير له بذلك، فإن المعجزة وهي الأمر الخارق للعادة لا يستطيعها إلا من اتصف بالقدرة الإلهية، وهو الله وحده الذي يظهر المعجز على يد نبي أو رسول لما يرى من الحكمة والصلاح. ٤٩٢ الجُعُ (٢٤) - تَغَ فَاءٍ: ٤٠ / ٧٩-٨١ ٤ - إذا جاء الوقت المسمى لعذاب المكذبين برسالة النبي في الدنيا أو في الآخرة، أهلكهم الله في الدنيا، وخسر في الآخرة المبطلون الذين يتبعون الباطل والشرك، وهذا وعيد شديد لهم. وإنما يؤخر الله عنهم العذاب أحياناً ليترك الفرصة والمجال لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. دلائل أخرى كثيرة على وجود الله ووحدانيته 13 وَلَكُمْ ٧٩ ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٨١ وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَنَّ ءَايَتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ٨٠ الإعراب: ﴿فَأَنَ ءَايَتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ ﴿فَأَنَّ﴾: استفهام، وهي منصوب بـ﴿ تُنكِرُونَ﴾ والاستفهام إنما ينصب بما بعده؛ لأن له صدر الكلام. وهو استفهام توبيخ. وتذكير (أي) أشهر من تأنيثه، وهنا جاءت على اللغة المستفيضة، وقولك (فأية آيات الله) قليل؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة: غريب، وهي في (أي) أغرب؛ لإ بهامه. المفردات اللغوية: ﴿ اَلْأَنْعَمَ﴾ هي الإبل والبقر والغنم والمعز ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ منها ما يؤكل كالغنم، ومنها ما يؤكل ويركب كالإبل ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ﴾ كالألبان والجلود والأصواف والأوبار ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ بالمسافرة عليها وحمل الأثقال إلى البلاد، والحاجة: الأمر المهم ٤٩٣ لِلُعُ (٢٤) - تَزَقَالٍ: ٤٠ / ٧٩-٨١ ﴿ وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السفن في البحر، وإنما قال: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ ولم يقل: في الفلك، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا أُحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠/١١] للمزاوجة والمطابقة بينها وبين ما قبلها وهو: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ ولأن راكب السفينة يستعليها، فيصح كونه فيها؛ لأنها وعاء له، ويصح كونه عليها لا ستعلائها. ﴿ وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ،﴾ دلائله الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته ووحدانيته ﴿فَىَّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ الدالة على ما ذكر من تلك الآيات ﴿تُنْكِّرُونَ﴾ فإنها لوضوحها وظهورها لا تقبل الإنكار. المناسبة: بعد الإطناب في وعيد المكذبين المجادلين في آيات الله، بما فيه العبرة والكفاية، عاد الحق تعالى إلى إيراد دلائل أخرى تدل على وجود الله ووحدانيته، ويصلح تعدادها نعماً على العباد، ثم أجمل في الإحالة على أدلة كثيرة تحيط بالناس. التفسير والبيان: : يمتن الله تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام ذات المنافع الكثيرة والدالة على قدرة الله فقال: ﴾ أي ٧٩ ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ إن الله تعالى هو الذي خلق لأجلكم الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم الشامل للمعز، لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها، فالإبل: تركب وتؤكل وتحلب ويحمل عليها الأثقال في الأسفار، والبقر: تؤكل ويشرب لبنها، ويحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تتناسل وتجز أصوافها وأشعارها وأوبارها، فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة، لذا قال تعالى: ٤٩٤ الْجُرُ (٢٤) - غَفَاءٍ: ٤٠ / ٧٩-٨١ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى اُلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ أي ولكم فيها منافع أخر غير الركوب والأكل، كأخذ الوبر والصوف والشعر والزبد والسمن والجبن وغير ذلك مما يستعمل للثياب والأمتعة والمأكولات، ولتحمل أثقالكم إلى البلاد النائية بيسر وسهولة، وعلى الإبل في البر، وعلى السفن في البحر تحملون وتنقلون من بلد إلى آخر، ومن موضع إلى آخر، وقد قيل: (الجمل سفينة الصحراء) . ويلاحظ أنه تعالى قرن بين الامتنان بنعمة الركوب في البر، ونعمة الامتنان بركوب البحر. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجَ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ قلم أَثْنَيْنِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنٍ وَمِنَ الْبَفَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام ١٤٣/٦ - ١٤٤] وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا رِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿ وَتَحْمِلُ تَأْكُلُونَ ٥ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسَِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ [النحل: ٥/١٦-٧] . ٧٠ ولما ذكر الله هذه الدلائل الكثيرة الدالة على قدرة الله التي لا تنكر قال: (وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَىَّ ءَايَتِ اٌللَّهِ تُنْكِّرُونَ ﴾﴾ أي إن الله تعالى يُري عباده عياناً هذه الآيات والبراهين التي عددها في الآفاق والأنفس، والتي هي كلها ظاهرة باهرة دالة على كمال قدرته ووحدانيته، فما الذي تنكرونه منها؟ وهي كلها ظاهرة واضحة، بحيث لا ينكرها ذو بصيرة نيِّرة إن كان منصفاً، أي إنكم في الواقع لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا، كما قيل : وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحد والسبب في إدخال اللام على ﴿لِتَرْكَبُواْ﴾ و﴿وَلِتَبْلُغُواْ﴾ وعدم دخولها على البواقي: هو الاهتمام بجل المنافع وهو الركوب والحمل عليها، وأما الأكل والانتفاع بالأوبار والأشعار فهو غرض أقل وأبسط. ٤٩٥ الُرُ (٢٤) - تغخالٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥ فقه الحياة أو الأحكام: هذه أدلة أخرى على كمال قدرة الله ووحدانيته، وتشير إلى عظم نعم الله على عباده، وهي تتمثل في خلق الأنعام للأكل والركوب، والانتفاع بها في منافع كثيرة للثياب والأمتعة والمأكولات، وحمل الأثقال، والتنقل عليها في الأسفار وقطع المسافات، سواء في البر والبحر. وتتمثل أيضاً في إظهار الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته، فكيف يسوغ لإنسان عاقل إنكار هذه الآيات الباهرة؟ وإذا كنتم أيها المشركون لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله، فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر؟! ﴿،َأَنْتُمُّ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَءُ بَهَا ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا ٢٨ [النازعات: ٢٧/٧٩-٢٨]؟! وإن تلك الآيات كثيرة لا يمكن إنكار شيء منها عقلاً. تهديد المكذبين المجادلين في آيات الله وتركهم الشرك حين رؤية العذاب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اُلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُّ كَانُوَّأْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ اُلْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا ٨٣ مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنَفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى ١٤ ١٨٥ قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ القراءات: ﴿ رُسُلُهُم﴾ : ٤٩٦ الجُزْءُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥ وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم). ﴿ بَأْسَنَاً﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باسنا). ﴿سُنَتَ﴾ : رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي. ووقف الباقون بالتاء. الإعراب: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ و﴿عَقِبَةُ﴾ : اسمها المؤخر، و﴿ مِن قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول. ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ما الأولى: نافية أو استفهامية منصوبة بـ ﴿أَغْنَى﴾، والثانية: موصولة أو مصدرية مرفوعة به. ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ اٌلْعِلْمِ﴾ ﴿مِّنَ﴾: للتبيين، أي تبيين (ما) أي فرحوا بالشيء الذي عندهم من العلم. أو تبيين (البينات) وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات من العلم، فرحوا بما عندهم. والأوجه هو الأول. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدر، بفعل مقدر من لفظه، أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد، وهي من المصادر المؤكدة بمنزلة (وعد الله) وما أشبهه من المصادر المؤكدة. البلاغة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ اُلْأَرْضِ﴾؟ استفهام للإنكار، إنكار عدم السير المترتب عليه النظر السليم. ٤٩٧ لُرُ (٢٤) - تغفلٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥ المفردات اللغوية: ﴿كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ استئناف مبين لحالهم ﴿ وَءَثَارًا فِ اُلْأَرْضِ﴾ ما أبقوه من القصور والمصانع والحصون ونحوها ﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ بالمعجزات والآيات الواضحات ﴿فَرِحُواْ﴾ أي الكفار فرح استهزاء وضحك، متنكرين له ﴿بِمَا عِندَهُم﴾ عند الرسل ﴿مِّنَ اٌلْعِلْمِ﴾ أي واستحقروا علم الرسل، والمراد بالعلم: عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة، وسماها علماً على زعمهم تهكماً بهم، والآية كقوله تعالى: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةِ﴾ [النمل: ٢٧/ ٦٦] أي تكامل واستحكم علمهم بأحوالها في الآخرة، وهو تهكم بهم لفرط جهلهم بها، وعلمهم: هو قولهم: لا نبعث ولا نعذب، وما أظن الساعة قائمة، ونحوها. ﴿وَحَافَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي نزل بهم ما هزئوا به من العذاب، وهذا يؤيد أن المراد بفرحهم: استهزاؤهم بالرسول وضحكهم منه [بَأَسَنَا﴾. شدة عذابنا ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ﴾ يعنون الأصنام ﴿فَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ﴾ أي لم يصح ولم يستقم، لامتناع قبوله ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ﴾ أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد أو الأمم ألا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ تبين خسرانهم لكل أحد، وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك. و﴿هُنَالِكَ﴾ أي وقت رؤيتهم البأس، وهو اسم مكان استعير للزمان. وسبب ترادف الفاءات هو كما أبان الزمخشري: أما قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم﴾ فهو نتيجة لقوله: ﴿كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾. وأما قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ فهو كالتفسير والبيان لقوله تعالى ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ كقولك: رزق زيد المال، فمنع المعروف، فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا؛ لأن رؤية البأس مسببة عن مجيء الرسل. وكذلك ﴿فَلَمْ يَكُ ٤٩٨ اِلُعُ (٢٤) - غَزَفاٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله، وامتناع نفع الإيمان مسبب عن رؤية البأس(١). المناسبة: اشتملت السورة على فصلين: فصل في دلائل الألوهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة، وفصل في التهديد والوعيد، وهذه الآيات التي ختمت بها السورة متعلقة بالفصل الثاني في تهديد الكفار الذين يجادلون في آيات الله، المتكبرين على رسله المكذبين لهم، اغتراراً منهم بدنياهم وأموالهم وأولادهم، وطلباً للرياسة والجاه، وهو تهديد يبين نهاية من هم أشد منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، فلم ينفعهم شيء من ذلك حين حلول بأس الله، بل إن إيمانهم بالله وتركهم الشرك حين رؤية البأس لم ينفعهم أيضاً. التفسير والبيان: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَأْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَثَارًا فِىِ الْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أي أفلم يسر في البلاد هؤلاء المجادلون في آيات الله من المشركين، فينظروا في أسفارهم كيف كان مصير الأمم السابقة التي عصت الله، وكذبت رسلها، ويشاهدوا آثارهم الموجودة في ديارهم التي تدل على ما نزل بهم من عقوبة وعذاب شديد، مع أنهم كانوا أكثر من مشركي قريش عدداً، وأقوى منهم أجساداً، وأوسع منهم أموالاً، وأبقى في الأرض آثاراً بالعمائر والمصانع والحصون والمزارع والسدود، ونحو ذلك من مظاهر الحضارة والعمران والفن والعلوم. فلما حلَّ بهم العذاب لم يغن عنهم كل ما عملوه في دنياهم من مكاسب (١) الكشاف: ٦٢/٣ ٤٩٩ الخُ (٢٤) - غرقاٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥ وجاه، ولم ينفعهم مالهم ولا أولادهم، ولا ردَّ عنهم أمر الله، أو نزول العذاب الشديد بهم، ولا أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم. مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم أي فلما جاءت الرسل بالحجج الواضحات (٨٣ والمعجزات الظاهرات إلى تلك الأمم المكذبة، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم، أي الشبهات الداحضة والدعاوى الزائغة التي ظنوها علماً نافعاً لهم، مثل قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُاْ إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤/٤٥] وقولهم: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَبَآ ؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨/٦] وقولهم: ﴿مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨/٣٦] وفرحوا بهذه الترهات والأباطيل؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧/٣٠] . ولكن نزل وأحاط بهم ما كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه وهو العذاب، استهزاء وسخرية، أي نزل بالكفار عقاب استهزائهم برسالات الرسل. وقد سمى الله تعالى ما عندهم من العقائد الزائفة والشبه الداحضة (علماً) تهكماً بهم واستهزاء منهم، كما تقدم. ثم صوّر تعالى ما يكون من شأن الإنسان حين تطبيق العقاب عليه، فقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أي فلما عاينوا وقوع العذاب بهم، صدقوا بالله ووحدوه، وكفروا بمعبوداتهم الباطلة التي اتخذوها شركاء لله، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها، ولكن لم ينفعهم ذلك الإيمان، ولم تنفعهم المعذرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّ﴾ أي لم يصح ولم يستقم أن إيمانهم ٥٠٠ الجُزءُ (٢٤) - زدهارٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥ ينفعهم عند معاينة عذابنا؛ لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فهو إيمان اضطراري عن إكراه، وإنما ينفع الإيمان الاختياري، لا الإيمان الاضطراري؛ لأنه عند معاينة الأمر الحتمي لا يبقى للتكليف مجال، فالكل يؤمن حينئذ، وهكذا لا ينفع الإيمان عند رؤية العذاب أو الموت أو الغرق أو في الآخرة، ولم يكن الشخص آمن في الدنيا. وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَا مِنَ اُلْمُسْلِمِينَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿وَالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ ﴾ [يونس ٩٠/١٠-٩١] فلم يقبل الله منه إيمانه. قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ثم ذكر الله تعالى حكماً عاماً، فقال: ﴿ُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ أي إن هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، وإن الله سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وخسر الكفار وقت رؤيتهم بأس الله ومعاينتهم لعذابه، والكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب. جاء في الحديث الثابت: ((إن الله تعالى يَقْبلُ توبةَ العبد ما لم يُغَرْغِرْ))(١) أي فإذا غرغر، وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملَك، فلا توبة حينئذ، ولهذا قال تعالى هنا: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ وقال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٤٠٪ ٧٨] . فليحذر الكافر والمقصر، وليتدارك الأمر قبل فوات الأوان، ولات ساعة مَنْدمِ. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: (١) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر.