النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الُعُ (٢٤) - تزافاٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
﴿هُدَّى﴾ حال من ﴿اَلْكِتَبَ﴾، ﴿وَذِكْرَى﴾: معطوف عليه، وعامل
الحال: ﴿وَأَوْرَنْنَا﴾.
﴿بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ بكسر الهمزة: مصدر (أبكر إبكاراً) وقرئ بفتحها
على أنه جمع بَكَر، مثل سحر وأسحار.
﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ إن بمعنى (ما) مثل ﴿إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِى
غُرُورٍ﴾ و﴿كِبْرٌ﴾ مرفوع بالظرف، وهو ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ لأن الظرف قد
فرّغ له، مثل: ما في الدار إلا زيد.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ويصح كونه
مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة خبر (إن).
البلاغة:
(بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ بينهما طباق.
﴿ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ صيغتا مبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ بالحجة والظفر على الكفرةُ. ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ﴾
هو يوم القيامة، و﴿اُلْأَشْهَدُ﴾ جمع شاهد، مثل أصحاب وصاحب، وهم
الذين يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب، وهم الملائكة والأنبياء
والمؤمنون، فيكون نصر الرسل في الدارين.
مَعْذِرَتُهُمَّ﴾ عذرهم، وعدم نفع العذر؛ لأنه باطل، أو لأنه لا يؤذن
للظالمين فيعتذرون. ﴿اللَّعْنَةُ﴾ الطرد والبعد من الرحمة. ﴿وَلَهُمْ سُوَّءُ الدَّارِ﴾
أي الدار الآخرة، وهو شدة عذابها في جهنم.

٤٦٢
الْجُزُ (٢٤) - غَفَاءِ: ٤٠ / ٥١-٥٦
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ ما يهتدى به في الدين من التوراة المشتملة
على الشرائع والمعجزات المثبتة للصدق . ﴿وَأَوْرَتْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ﴾
أي تركنا التوراة من بعد موسى لهم. ﴿هُدَى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَابِ
٥٤
هداية وتذكرة لأصحاب العقول، أو هادياً ومذكراً.
[ فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى المشركين. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ بالنصر،
لا يخلفه أبداً. ﴿ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾ أمر له بالاستغفار للاستنان والتأسي به،
أو المعنى أقبل على أمر دينك، وتدارك زلاتك، كترك الأولى، فإنه تعالى
كافيك في النصر وإظهار الأمر. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ نزه الله مع حمده
وشكره، أي دم على التسبيح والتحميد لربك. ﴿بِالْعَشِيّ﴾ في المساء
﴿وَالْإِبْكَرِ﴾ في الصباح، وقيل: إن هذا الأمر بالصلاة في هذين الوقتين؛
لأن الواجب كان بمكة ركعتين بكرة، وركعتين عشياً. وفسره آخرون بأن ذلك
يشمل الصلوات الخمس؛ لأن الإبكار: صلاة الفجر، والعشي وهو ما بعد
الزوال ويشمل الصلوات الأربع الباقية.
﴿فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ القرآن. ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ بغير حجة وبرهان.
﴿كِبْرٌ﴾ تكبر عن الحق، وطمع في الاستعلاء عليك، وتعظم عن التفكر
والتعلم . ﴿مَّا هُم بِبَلِغِيهِ﴾ ببالغي دفع الآيات أو ببالغي مرادهم.
{فَاسْتَعِدْ بِاللَّهِ﴾ فالتجئ إليه من شرهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم.
الْبَصِيرُ﴾ بأحوالهم وأفعالهم. قال السيوطي: ونزل ذلك في منكري البعث.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٦):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: جاءت
اليهود إلى رسول الله وَير، فذكروا الدجال، فقالوا: يكون منا في آخر

٤٦٣
الجُزُ (٢٤) - تزفانٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
الزمان، فعظّموا أمره، وقالوا: يصنع كذا ويملكون به الأرض، فأنزل الله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ
إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بَِلِغِيَةٍ فَأَسْتَعِدْ بِاللَّهِ﴾ فأمر نبيه أن يتعوذ من فتنة
الدجال.
ومع أن الآية نزلت في مشركي مكة منكري البعث أو في اليهود كما تبين،
فهي عامة في كل مجادل مبطل. لكن قال ابن كثير عما ذكره أبو العالية: وهذا
قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم. والأصح أن
الآية نزلت في المشركين والكفار عامة.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
أي إننا لنؤيد رسلنا والمؤمنين، بأن نجعلهم الغالبين لأعدائهم،
القاهرين لهم، في الدنيا، وفي الآخرة حين يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء
والمؤمنين، بأن يشهدوا للرسل بإبلاغ رسالاتهم، وعلى الأمم بتكذيبهم.
والنصر في الدنيا إما معنوي وإما حسي، فالمعنوي: كالنصر بالحجة
والبرهان، أو بالمدح والتعظيم، أو بإعلاء الجاه وعزة السلطان، وانتشار
الدين، كنصر داود وسليمان على من كذبوهم، ونصر محمد ◌ّ على من كذبه
من قومه، وجعل الدولة والسلطة له في الجزيرة العربية. والنصر الحسي يكون
بالقهر والانتقام من المكذبين كإغراق قوم نوح وآل فرعون، وقتل زعماء
قريش في بدر وأسر بعضهم، وسلب أموالهم، وقد يكون الانتقام بعد الموت،
كنصر أشعياء بعد هلاكه بتسليط الظلمة على أعدائه، ونصر يحيى بن زكريا لما
قتل، قتل به سبعون ألفاً.
والنصر في الآخرة: بإعلاء الدرجات في مراتب الثواب، والتكريم
بالكرامات في الجنة، وصحبة الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ

٤٦٤
الزرعُ (٢٤) - تغافلٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ
رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩/٤] ومجازاة أهل الإيمان بأعمالهم، ومجازاة الكفار
بأعمالهم، باللعن ودخول النار، كما في الآية التالية:
﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوْءُ الدَّارِ
٥٢
أي حين يقوم الأشهاد يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا يقبل من المشركين
اعتذارهم ولا تقديم فدية منهم؛ لأن معذرتهم باطلة، وشبهتهم زائفة، ولهم
الطرد والبعد من الرحمة، ولهم سوء الدار وشر ما في الآخرة وهو النار،
والعذاب الأليم فيها.
وبعد بيان نصر الأنبياء في الدنيا والآخرة، ذكر تعالى بعض مظاهر النصر
في الدنيا، فقال :
هُدَّی
﴿ وَلَقَدْ ءَنَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَتْنَا بَنِيّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ
وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ أي تالله لقد أعطينا موسى التوراة والنبوة،
فاشتملت التوراة على الأحكام والشرائع الهادية لقومه، وتأيدت نبوته
بالمعجزات الظاهرة كاليد والعصا، ثم أبقينا التوراة بعد موسى عليه السلام مع
بني إسرائيل، يتوارثها الخلف عن السلف، هداية لهم وتذكرة لذوي العقول
الصحيحة السليمة، أو هادياً ومذكراً لأهل العقول، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا
أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤/٥].
وإذا كان النصر مقرراً الرسل والأنبياء، فما عليهم إلا الصبر، لذا أمر الله
به نبیه قائلاً :
﴿ فَأَصْبِرْ إِّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ ﴾﴾ أي إذا كان الأمر كذلك وهو تقرير النصر للرسل
وأتباعهم، فاصبر أيها الرسول على أذى المشركين، كما صبر من قبلك من
الرسل، فإن عاقبة الصبر خير، فالله ناصرك وعاصمك من الناس، ووعد الله

٤٦٥
الُعُ (٢٤) - غافاٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
بالنصر وغيره حق ثابت لا يخلفه أبداً، وداوم على الاستغفار لذنبك كترك
الأولى، أو لزيادة الثواب، أو لإرشاد المؤمنين والتأسي بك، فإن الله قد غفر
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ودم على تنزيه الله مقروناً بحمده في أواخر
النهار وأوائل الليل، وقيل: المراد: صلِّ في الوقتين: صلاة العصر وصلاة
الفجر، أو صلِّ الصلوات الخمس، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَِ
اَلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤/١١].
وهذا دليل على ضرورة الصبر والاستغفار من الأمة، وإنما خوطب به النبي
وَّه للإرشاد والتعليم، وهو دليل أيضاً على ملازمة التسبيح والتحميد أو أداء
الصلوات المفروضة. ويلاحظ أنه تعالى قدم التوبة والمغفرة على العمل، فإنه لا
يقبل العمل إلا بعد التوبة الخالصة، والتوبة قد تكون من خلاف الأولى الذي
هو ذنب إذا قيس مع درجة النبي ◌ََّ، ولا يعد شيئاً في حق غيره.
ثم عاد البيان إلى توضيح سبب مجادلة المشركين في آيات الله، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِيِّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمْ إِن فِىِ
صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِلِغِيةٍ﴾ أي إن الذين يناقشون ويجادلون في
آي القرآن، ويدفعون الحق بالباطل، بغير برهان ولا حجة أتتهم من الله، ما
في قلوبهم إلا تكبر وتعاظم عن قبول الحق والتفكر فيه، وطمع أن يغلبوا
محمداً وَّه وتكون لهم الرياسة والنبوة بعده، ولكن ما هم ببالغي ذلك، ولا
بحاصل لهم، ولا محققي المراد، بل إن راية الحق ستظل مرفوعة، وقول
المبطلين وفعلهم موضوع ذليل. والمعنى بإيجاز: إن سبب تكذيب المشركين هو
ما تنطوي عليه نفوسهم من الكبر والحسد، وما هم بمحققي الآمال ولا
بالغي المراد.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّثُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي إن طريق العصمة من
باطل هؤلاء المجادلين المستكبرين هو الاستعاذة بالله من شرهم، واللجوء إليه

٤٦٦
لُعُ (٢٤) - تَغَفَاءٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
والاستعانة به لدفع كيدهم، فهو السميع لأقوالهم، البصير بأفعالهم، لا تخفى
عليه خافية، وهو لهم بالمرصاد، وسيقهرون عما قريب.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
اً - إن الله تكفل بنصر عباده المرسلين وأوليائه المؤمنين في الدنيا والآخرة،
قال السُّدِّي: ما قَتَل قوم قط نبياً أو قوماً من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث
الله عز وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها، وإن قُتِلوا.
أَ - قال مجاهد والسدي: تشهد الملائكة للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم
بالتكذيب، وقال قتادة: الملائكة والأنبياء.
٣ - إن الإكرام العظيم والتشريف الكامل عند حضور الجمع العظيم من
أهل المشرق والمغرب يكون أتم وأبهج وأمتع.
٤ - قد يكون النصر والتكريم بسبب الدفاع عن المسلم، جاء في الحديث
الثابت الذي رواه البيهقي عن أبي الدرداء، يقول النبي وقال: ((من ردّ عن
عرض أخيه المسلم، كان حقاً على الله عز وجل أن يردّ عنه نار جهنم، ثم تلا:
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾)) وعنه وَّر أنه قال فيما رواه أحمد وأبو
داود عن معاذ بن أنس: ((من حَى مؤمناً من منافق يغتابه، بعث الله عز وجل
يوم القيامة مَلَكاً يحميه من النار، ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه به، وقفه الله عز
وجل على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال)).
ة - من أنواع نصر الرسل في الدنيا والآخرة: إيتاء موسى عليه السلام
التوراة والنبوة، وسميت التوراة ﴿هُدِّى﴾ بما فيها من الهدى والنور. ثم جعل
الله التوراة ميراثاً لبني إسرائيل، وموعظة لأصحاب العقول.

٤٦٧
الُعُ (٢٤) - تَغَزَفَاءٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
أَ - أمر الله نبيه بأمور ثلاثة: الصبر على أذى المشركين، والاستغفار
للذنب الصغير أو ما هو خلاف الأولى، أو ما صدر منه قبل النبوة أو محض
التعبد، والتسبيح المقرون بالتحميد بالشكر له والثناء عليه، أو المواظبة على
صلاة الفجر وصلاة العصر، قيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض
الصلوات الخمس: ركعتان غُدْوة وركعتان عشية. وبعد نسخ ذلك لا بدّ من
المواظبة على الصلوات الخمس. والأصح حمل الاستغفار على التوبة عن ترك
الأولى والأفضل، أو على ما كان قد صدر عنه قبل النبوة.
لاً - إن مجادلة المشركين في آيات الله هي بغير حجة عقلية أو نقلية، ودافعهم
إليها الكبر عن اتباع الحق، وقصدهم إبطال آيات الله، وإثارة الشبهات
حولها، ولكن لن يحقق الله آمالهم. وما على النبي ◌َّ- وأتباعه إلا الاستعاذة
بالله من شر الكفار، والاعتصام به، والاستعانة بعزته وقدرته.

٤٦٨
الجُرُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
من دلائل وجود الله وقدرته وحكمته
﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاُلْصِيْرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَتِ وَلَا اُلْمُسِءٍ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا
وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ
٥٩
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
اُللَّهُ الَّذِى
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَّذُو فَضْلٍ عَلَى
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ
٦٣
كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَنَّى تُؤْفَكُونَ
بَِايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ
بِنَآءَ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمٌّ
هُوَ أَلْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (3)
٦٥
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
القراءات:
تَتَذَكَّرُونَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (يتذكرون).
﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ﴾ :
وقرأ ابن كثير (ادعوني أستجب).
{سَيَدْخُلُونَ﴾ :
وقرأ ابن كثير (سيُدْخَلون).

٤٦٩
الُرُ (٢٤) - تزقالٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
الإعراب:
﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ مبتدأ أو خبر.
﴿قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾: صفة مصدر محذوف، تقديره: تذكراً
قليلاً تتذكرون، و﴿مَّا﴾: زائدة، والمعنى: لا تذكُّر لهم؛ لأنه قد يطلق لفظ
القلة، ويراد بها النفي، كقولك: قلما تأتيني، وتريد: ما تأتيني.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَةٌ﴾ اسم إن وخبرها، واللام لام المزحلقة.
البلاغة:
﴿اَلْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿اَلَيْلَ﴾ و﴿ وَالنَّهَارَ﴾.
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْصِيرُ﴾ استعارة، استعار الأعمى للكافر،
والبصير للمؤمن.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَِّيَةٌ﴾ تأكيد بإن واللام.
﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مجاز عقلي، من إسناد الشيء إلى زمانه، وهو إسناد
الإبصار إلى وقته . ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ جناس ناقص.
{يَعْلَمُونَ﴾ ﴿نَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾
يَجْحَدُونَ﴾ سجع وتوافق الفواصل في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ أي إن خلقها مع
عظمها أولاً في ابتداء خلق الكون من غير أصل: أكبر وأعظم من خلق الناس
مرة ثانية في حال الإعادة للبعث، فالقادر على الأكبر قادر على الأصغر.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط

٤٧٠
الُ (٢٤) - تغزفاٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
غفلتهم واتباعهم أهواءهم . ﴿وَمَا يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الغافل
والمستبصر. ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَلَا اُلْمُسِىِّءُ﴾ أي ولا يستوي
المحسن والمسيء، و(لا) زائدة في قوله: ﴿وَلَا اُلْمُسِىءُ﴾ وزيادتها؛ لأن المقصود
نفي مساواة المسيء للمحسن فيما له من الفضل والكرامة . ﴿قَلِيلًا مَّا
نَتَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون أيها الناس، والمراد أن تذكرهم قليل جداً في حكم
المعدوم، فكأنه لا تذكر لهم. وقراءة ﴿نَتَذَكَّرُونَ﴾ بالتاء لتغليب المخاطب أو
الالتفات، وقرئ بالياء: (يتذكرون) .
﴿لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شك في مجيئها، لوضوح الدلالة على حدوثها
وإمكانها . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدِّقون بها لقصور
نظرهم على ظاهر المحسوسات التي يحسون بها . ﴿أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ادعوني
أثبكم، بقرينة ما بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾ صاغرين أذلاء، ويصح أن يراد بقوله: ﴿أُدْعُونِيّ﴾ الدعاء
والسؤال، ويكون المراد بقوله ﴿عِبَادَتِ﴾ الدعاء.
لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾، لتستريحوا فيه، بأن خلق الليل بارداً مظلماً ليؤدي إلى
ضعف الحركات، وهدوء الحواس. ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يُبْصَر فيه أو به،
وإسناد الإبصار إليه مجاز. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ لا يوازيه
فضل. ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، الله، فلا يؤمنون، لجهلهم
بالمنعم، وتكرار الناس لتخصيص الكفر بهم.
﴿ذَلِكُمُ﴾ المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية. ﴿اللَّهُ
رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أخبار مترادفة يخصص اللاحق
منها السابق ويقرره . ﴿فَأَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن عبادة الله والإيمان به
إلى عبادة غيره. ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (®)﴾ أي
مثل إفك هؤلاء وانصرافهم إلى عبادة الأصنام يؤفك ويصرف كل من جحد
بآيات الله ومعجزاته ولم يتأملها.

٤٧١
الُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
﴿قَرَارًا﴾ مستقراً. ﴿وَالسَّمََّ بِنَآءَ﴾ أي سقفاً قائماً ثابتاً مثل القبة في
أبنية العرب. ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ خلقكم في تناسب واستعداد لمزاولة أعمال الحياة.
﴿الطَّيِّبَتِ﴾ اللذائذ. ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تقدس وتنزه. ﴿هُوَ اُلْحَىُّ﴾ المنفرد
بالحياة الذاتية غير المستمدة من آخر. ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي هو الواحد؛ إذ
لا موجود يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته. ﴿فَأَدْعُوُهُ﴾ فاعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينُ﴾ مخلصين له الطاعة، الخالية من الشرك والرياء.
المناسبة:
بعد الرد على المجادلين في آيات الله بتعريفهم أن جدلهم بغير سلطان ولا
حجة، وكان من جدلهم إنكار البعث، ذكر الله تعالى في هذه الآيات وما يليها
عشرة أدلة على وجود الله وقدرته وحكمته، للدلالة على إمكان يوم القيامة
ووجوده بالفعل، منها هنا خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل
والنهار، وجعل الأرض قراراً والسماء بناء، وخلق الإنسان في أحسن
صورة، ورزقه من الطيبات، واتصافه تعالى بالحياة الذاتية والوحدانية، وكان
يردف بعض هذه الأدلة بالأمر بعبادة الله وطاعته، والإخلاص فيها.
التفسير والبيان:
اَ - ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
أي إن خلق السماوات والأرض وما فيهما من
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
عوالم وأفلاك وكواكب وذخائر أكبر وأعظم من خلق نفوس الناس بدءاً
وإعادة، فمن قدر على ذلك، فهو قادر على ما دونه، بطريق الأولى والأحرى،
عملاً بمقاييس الناس وتقديراتهم، وإلا فالبدء والإعادة سواء على الله تعالى،
فكيف ينكرون البعث؟ كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١/٣٦] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلِّقِهِنَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِنِّىَ
(٢٣) [الأحقاف: ٣٣/٤٦].
اٌلْمَوْقَى بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيٌِّ

٤٧٢
الجُرُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
ولكن أكثر الناس لا يعلمون بعظيم قدرة الله، ولا يتفكرون ولا يتأملون
بهذه الحجة الدامغة، وهذا أول دليل على قدرة الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى مثلاً للغافل والمجادل بالباطل، وشبهه بالأعمى، ومثلاً
للمتأمل المفكر المجادل بالحجة والبرهان، وشبهه بالبصير، لاستبصاره،
فقال :
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي لا يتساوى الذي يجادل بالباطل،
والذي يجادل بالحق، ولا يتساوى الكافر الذي لا يتأمل حجج الله وبيناته
فيتدبرها، والمؤمن الذي يتفكر فيها ويتعظ بها، فالأول شبيه بالأعمى الذي
تعطلت عنده حاسة البصر، والثاني شبيه بالبصير الذي تفتحت عيناه، فتأمل
في الكون واتعظ، وهذا تشبيه بالمحسوسات، وبينهما فرق عظيم.
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَلَا الْمُسِىءُ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ﴾ أي
وكذلك لا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح، والمسيء بالكفر وارتكاب
المعاصي، فما أقل ما يتذكر كثير من الناس ويتعظ بهذه الأمثال، ويدرك الفرق
الواضح بين المؤمنين الأبرار المطيعين لربهم، وبين الكفرة الفجار المخالفين أمر
ربهم.
وبعد تقرير الدليل الدال على إمكان وجود القيامة، أردفه بالإخبار عن
وقوعها حتماً، فقال تعالى:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
﴾ أي إن يوم القيامة آت لا ريب في مجيئه ووقوعه وحصوله، فآمنوا بذلك
إيماناً قاطعاً لا شك فيه، ولكن أكثر الناس وهم الكفار لا يصدقون بالبعث،
بل يكذبون بوجوده، لقصور أفهامهم، وضعف عقولهم عن إدراك الحجة.
ولما أثبت الله تعالى أن القيامة حق وصدق، أوضح طريق النجاة فيها وهو
طاعة الله تعالى، فقال :

٤٧٣
الجُزُ (٢٤) - زفالٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ
ج
(®) أي وأخبر الله أنه إن دعاه العبد وعبده بحق،
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين
استجاب له، فإن ((الدعاء مخ العبادة)) كما في الحديث الآتي تخريجه، فالدعاء
في نفسه عبادة، والدعاء: هو السؤال بجلب النفع ودفع الضر. ودعاء غير الله
لا يفيد شيئاً؛ فإن القادر على إجابة الدعاء هو الله، والله سبحانه هو الذي أمر
عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق. وإن الذين يتكبرون
ويتعظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون جهنم صاغرين أذلاء.
والآية اشتملت على أمر العبادة بالدعاء والتكفل لهم بالإجابة فضلاً من الله
وكرماً، وهذا وعد، كذلك اشتملت أيضاً على وعيد شديد لمن استكبر عن
دعاء الله، فالله هو الكريم الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على
من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاج إليه من أمور الدنيا
والآخرة.
أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب والحاكم وأصحاب السنن
(الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه) وغيرهم عن النعمان بن بشير رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: ﴿أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
وَلجر: ((الدعاء مخ العبادة)) لكنه ضعيف وفي حديث آخر صحيح أخرجه
الحاكم عن ابن عباس قال: ((أفضل العبادة الدعاء)).
وأخرج أحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَله: ((من لم يدع الله عز وجل غضب عليه)) وفي رواية أخرى لأحمد والبزار:
((من لم يسأل الله يغضب عليه).
ثم تابع الله تعالى إيراد أدلة أخرى على قدرته، والتذكير بنعمته على عباده،
فقال :

٤٧٤
الجُزُعُ (٢٤) - تغدفاٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
أَ - ◌َّ: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاً﴾
أي إن الله تعالى أوجد تعاقب الليل والنهار، فجعل الليل بارداً مظلماً
للسكون والنوم والراحة وتجديد النشاط والحيوية من عناء النهار، وجعل
النهار مضيئاً بالشمس لإبصار الحوائج، وطلب المعايش، ومزاولة الصناعة
والتجارة والزراعة، والتنقل بالأسفار وزيارة الأقطار، وغير ذلك من مصالح
العباد.
ويلاحظ أن ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: خلق؛ لأنها متعدية إلى مفعول واحد،
فإذا لم تكن بمعنى: خلق عديت إلى مفعولين مثل ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَنَّا عَرَبِيًّا﴾
[الزخرف: ٣/٤٣].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
أي إن الله تعالى بهذه النعمة وغيرها مما لا يحصى هو المتفضل على الناس،
ولكن أكثر الناس لا يشكرون النعم ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها مثل
الكفار، وإما لإهمالهم النظر وما يجب من شكر المنعم، مثل الجهال، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦/٢٢]. ﴿إِنَ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ
كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤/١٤]. ﴿إِنَّ الْإِنْسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ
[العادیات:
٦/١٠٠]. ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣/٣٤].
ثم ذكر الله تعالى أنه الخالق وحده، فتجب عبادته وحده، فقال:
٤ - ٥: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَى
تُؤْفَكُونَ (®﴾ أي ذلكم الذي فعل كل هذا المذكور وأنعم بهذه النعم هو الله
المربي المدبر، فلا رب سواه، وهو خالق الأشياء كلها، لم يعاونه في الخلق
أحد، وهو الإله الواحد الذي لا إله سواه، فكيف تنقلبون عن عبادته،
وتنصرفون عن توحيده، وتعبدون غيره من الأصنام وغيرها مما لا يملك
لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يخلق شيئاً، بل هو مخلوق؟!

٤٧٥
الُعُ (٢٤) - تَغَافَاعٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
وهذا الضلال مرض قديم، فقال تعالى:
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِعَايَتِ اُللَّهِ يَجْحَدُونَ (49)﴾ أي مثل هذا
الإفك والضلال بعبادة غير الله، ضلَّ وأفِك الجاحدون لآيات الله، المنكرون
لتوحيده، وصرفوا عن اتباع الصراط القويم، من غير حجة ولا برهان، بل
بمجرد الجهل والهوى.
ثم أضاف الله تعالى دليلاً آخر على قدرته وحكمته، فقال:
٩ - لاَ: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءَ﴾ أي إن
الله هو الذي جعل الأرض موضع استقرار وثبات، تستقر عليها المباني
والأمتعة، ويحيا فيها الأشخاص ويموتون، ويمشون ويتصرفون في أنحائها،
وجعل أيضاً السماء سقفاً للعالم محفوظاً قائماً ثابتاً أيضاً، لا ينهدم ولا
يتصدع، وزيَّه بالكواكب والنجوم.
وبعد بيان بعض دلائل الآفاق والأكوان (وهي كل ما هو غير الإنسان من
هذا العالم) وهي اثنان (أحوال الليل والنهار، وأحوال الأرض والسماء) ذكر
الله تعالى دلائل الأنفس على وجوده وقدرته وهي ثلاثة (إحداث صورة
الإنسان، وتحسينها، والرزق من الطيبات) فقال:
٨ - ٩: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِّ﴾ أي
وخلقكم في أحسن صورة، وأجمل شكل، وأبدع تقويم في انتصاب القامة،
وتناسب الأعضاء، والتهيؤ لمزاولة مختلف أنواع المكاسب والمعاشات،
ورزقكم من طيبات الرزق ولذائذه من الطعام والشراب.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمٌ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي ذلكم
المتصف بهذه الصفات الجليلة، المنعم بهذه النعم العظيمة، هو الرب الذي لا
تصلح الربوبية لغيره، فتقدس وتنزه الله رب العالمين من الإنس والجن عن
صفات النقص وعما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة.

٤٧٦
اِلُعُ (٢٤) - تزافاٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
وبعد إثبات توحيد الربوبية أثبت توحيد الألوهية، فقال تعالى:
. ١ - ﴿هُوَ اُلْحَىُّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُ﴾ أي إن
هذا الرب المدبر المتصرف في الكون هو الحي حياة ذاتية، الباقي الذي لا يفنى،
الأول والآخر والظاهر والباطن، المنفرد بالألوهية، فلا تصلح الألوهية
لسواه، فاعبدوه مخلصين له الطاعة والعبادة، موحدين له، مقرين بأنه لا إله
إلا هو.
وهو سبحانه المستحق الحمد والثناء والشكر على نعمه، فقال آمراً ومعلماً
عباده :
﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي إنه صاحب الحمد، المستحق الشكر
والثناء، رب العالمين من الملائكة والإنس والجن. والجملة خبر فيها إضمار
أمر، أي ادعوه واحمدوه.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال: ((من قال: لا إله إلا الله، فليقل على
أثرها: الحمد لله رب العالمين)) ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَادْعُوُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: كان
رسول الله ◌َلا يقول في دُبُر كل صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله
إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا
الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:

٤٧٧
اِلُ (٢٤) - زرقاءٍ: ٤٠ / ٥٧-٦٥
اً - إثبات البعث والاحتجاج على منكريه، فإن خلق السماوات والأرض
أكبر وأعظم من إعادة خلق الناس، والقادر على الأكبر قادر على الأصغر،
ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
أَ - لا تساوي إطلاقاً بين المؤمن والكافر والضال والمهتدي، والذي يعمل
الصالحات والذي يعمل السيئات، كما لا تساوي بين البصير والأعمى،
ولكن لا تذكر ولا اتعاظ ولا اعتبار.
٣ - إن الساعة آتية لا ريب فيها، فكما أن القيامة ممكنة الوجود، فهي
واقعة فعلاً وحادثة حتماً، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بذلك، وعندها يبين
الفرق ما بين الطائع والعاصي.
٤ - لا ينتفع أحد في يوم القيامة الذي هو حق وصدق إلا بطاعة الله تعالى،
وأشرف أنواع الطاعات: الدعاء والتضرع، جاء في الحديث المتقدم: ((الدعاء
هو العبادة)) فما على الناس إلا توحيد الله وعبادته، والله - تفضلاً وكرماً -
يتقبل العبادة ويغفر للعابدين. جاء في الحديث عن أنس بن مالك فيما رواه
الترمذي وابن حبان: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شِسْعَ نعله
إذا انقطع)). والشسع: زَمام النعل.
٥ - من إحسان الله العظيم أنه ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، في
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
أَ - الله خلق الليل للسكن والراحة، وخلق النهار مضيئاً لإبصار الحوائج
فيه والتصرف في طلب المعايش، والله ذو الفضل العظيم على عباده، ولكن
أکثر الناس لا یشکرون فضله وإنعامه.
V - الأدلة على وحدانية الله وقدرته بيِّنة واضحة، فهو الله المربي والمدبر،
وخالق كل شيء، والواحد الأحد، فمن العجب كيف ينصرف الناس عن

٤٧٨
الُرُ (٢٤) - غزفاءٍ: ٤٠ / ٦٦-٦٨
الإيمان بعد توافر أدلته؟ وكما يصرف هؤلاء عن الحق مع قيام الدليل عليه
يصرف عن الحق الجاحدون بآيات الله تعالى.
٨ - الله تعالى خلق الأرض لعباده مستقراً لهم في حياتهم وبعد الموت،
وخلق السماء سقفاً محفوظاً ثابتاً، وخلق الناس في أحسن صورة وتقويم.
ـه - والله هو رازق الطيبات اللذائذ، وهو الحي الباقي الذي لا يموت، فما
على الناس إلا عبادته بإخلاص، وحمده وشكره والثناء عليه.
م
٠ ١ - يلاحظ أن الآيات انتهت بنهايات قوية مؤثرة تناسب المقام: وهي
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾
[قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
النهي عن عبادة غير الله وسبب النهي
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ الْبِيِّنَتُ
مِن رَّبِيِ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ هُوَ الَّذِى خَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ
مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلَا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ
شُيُوخَا وَمِنكُمْ مَن يُنَوَّى مِن قَبْلُ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلَاً مُّسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
هُوَ أَلَّذِى يُحِىءٍ وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
٦٨
القراءات:
﴿ شُيُوخًا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (شِيُوخاً).
﴿فَيَكُونُ﴾ :
د

٤٧٩
الُعُ (٢٤) - غزفاءٍ: ٤٠ / ٦٦-٦٨
وقرأ ابن عامر (فيكونَ).
المفردات اللغوية:
﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تعبدون. ﴿اَلْبَيِّنَتُ﴾ الحجج ودلائل التوحيد أو
الآيات القرآنية، فإنها مقوّية لأدلة العقل، منبهة عليها. ﴿أُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾ أنقاد له ﴿نُطْفَةٍ﴾ مني. ﴿عَلَقَةٍ﴾ دم غليظ. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾
أطفالاً، والإفراد لإرادة الجنس. (ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ أي لتصلوا إلى
تكامل قوتكم من الثلاثين إلى الأربعين سنة، واللام متعلقة بمحذوف تقديره:
ثم يبقيكم.﴿ وَمِنكُم مَّن يُنَوَى مِن قَبْلُ﴾ من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد.
﴿ وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلَا مُسَنَّى﴾ أي ويفعل ذلك لتبلغوا وقتاً محدداً، هو وقت الموت.
﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما في ذلك من الحجج والعبر ودلائل التوحيد،
فتؤمنوا﴿قَضَىّ أَمْرًا﴾ أراد إيجاد شيء. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بتقدير أن،
أي يوجد عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور. والفاء الأولى للدلالة
على أن ذلك نتيجة ما سبق، من حيث إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على
عُدَّة أو مادّة.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٦):
﴿قُلّ إِنِّ نُهِيتُ﴾: أخرج جويبر عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة
وشيبة بن ربيعة قالا: يا محمد، ارجع عما تقول بدين آبائك، فأنزل الله:
﴿قُلْ إِنِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد إيراد دلائل القدرة والتوحيد وصفات الجلال والعظمة، نهى الله عن
عبادة غيره، بقول لين لطيف، لصرف المشركين عن عبادة الأوثان، ثم أبان

٤٨٠
لِخُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٦٦-٦٨
سبب النهي وهو البينات التي جاءت النبي من ربه، من دلائل الآفاق
والأنفس، أما الأولى فهي أربعة: الليل والنهار والأرض والسماء، وأما
الثانية فذكر منها سابقاً ثلاثة وهي: تكوين الصورة، وحسن الصورة، ورزق
الطيبات. وذكر منها هنا كيفية تكون الإنسان ومراحل تدرجه وأطوار حياته
من الاجتنان إلى الولادة والطفولة، إلى الشباب والكهولة، ثم الشيخوخة، ثم
الموت.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ إِنِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ الْبَيْنَتُ مِن
رَِّ﴾ قل أيها الرسول لمشركي قومك في مكة وغيرها: إن الله ينهى أن يعبد
أحد من غير الله من الأصنام والأنداد والأوثان، حين جاءتني الأدلة النقلية
والعقلية من عند ربي، وهي آي القرآن، وما أودع في العقول السليمة من
البراهين الدالة على التوحيد، وأمرت أن أستسلم وأنقاد وأخضع لله رب
العالمين، وأخلص له ديني. ومن الآيات التي تنهى عن عبادة الأوثان قوله
[الصافات: ٣٧/
تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
٩٥-٩٦] .
ثم ذكر الله تعالى من دلائل الأنفس ما يدل على توحيد الله وهو كيفية تكون
الإنسان ومراحل نشأته، فقال:
﴿ هُوَ الَّذِى خَلَفَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا
ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ ◌ِتَكُونُواْ شُيُوخَأْ وَمِنكُمْ مَّن يُنَوَى مِن قَبْلُ وَلِنَبْلُغُواْ
أَجَلَاً مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ أي إن الله هو الذي خلق أباكم الأول
آدم من التراب، وجعل ذريته أيضاً من تراب، إذ كل مخلوق من المني ناشئ
من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من النبات، والنبات من الماء والتراب،
فثبت أن كل إنسان متكون من التراب، ثم صيَّر الله ذلك التراب نطفة (منياً) ثم