النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الجُزُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ٣٦-٣٧
المناسبة:
بعد وصف فرعون بأنه متكبر جبار، أخبر الله تعالى عن عتوه وتمرده
وافترائه في تكذيب موسى عليه السلام، حتى بلغ به الأمر أن أمر وزيره ببناء
قصر عال منيف شاهق من الآجر، ليصعد به إلى السماء» للاطلاع على إله
موسى، قاصداً بذلك التحدي والتمويه، والاستهزاء بموسى وإنكار رسالته.
التفسير والبيان:
أَسْبَبَ
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَنْهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِىَّ أَبْلُغُ اُلْأَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ, كَذِبًا﴾ أي قال فرعون الملك
لوزيره هامان بعد سماع دفاع الرجل المؤمن عن موسى: يا هامان، ابنٍ لي
قصراً مشيداً منيفاً عالياً، لعلي أصل إلى أبواب السماء وطرقها، فإذا وصلت
إليها بحثت عن إله موسى. وهو لا يريد بذلك إلا الاستهزاء منه، وإنكار
رسالته. ثم أكَّد ذلك بقوله: وإني لأظن موسى كاذباً في ادِّعائه بأن له إلهاً
غيري، وأنه أرسله إلينا. وقد قصد بذلك التمويه والتلبيس على قومه، من
أجل إبقائهم في الكفر، واعتقادهم بأنه هو الإله، والاستخفاف بعقولهم،
وإيهامهم بما يريد.
وهذا تصريح من فرعون بتكذيب موسى عليه السلام في أن الله أرسله إليه،
كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَّهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ
فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾ أي ومثل ذلك التزيين المفرط في الحماقة والبلادة
والغباوة، زيّن لفرعون الجبار سوء عمله وقبح صنعه، من الشرك والتكذيب،
فتمادى في الغي، واستمر على الطغيان، أي زيّن له الشيطان عمله السيئ،
فصده عن سبيل الهدى والرشاد، وحجبه عن طريق الحق والعدل والسداد،
وما كان كيده واحتياله وعمله الذي يوهم به الناس إلا في خسران وضياع
مال، لذهاب نفقته سدىً دون التوصل إلى شيء مما أراد.

٤٤٢
للزُعُ (٢٤) - غرفاٍ: ٤٠ / ٣٦-٣٧
والخلاصة: إن فعل فرعون وأمثاله صنيع المكذبين الضالين، وإن عاقبة
كفرهم وضلالهم وتكذيبهم الهلاك والخسران، وأن تدبير فرعون الذي دبّره
ليصرف الناس عن الإيمان بموسى عليه السلام مبدَّد ضائع لا فائدة فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدلّ هذه الآيات على نوع من التمويه والمكر والخداع الذي لجأ إليه
فرعون، لإنكار ألوهية الله ووجوده، وتكذيب رسالة موسى عليه السلام، لما
خاف أن يتمكن كلام الرجل المؤمن في قلوب القوم، وقد أدرك قوة حجته،
وأصالة فكره، وسلامة منطقه.
أوهم الناس أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن نجح تحقق
غرضه، وإن خاب ثبَّتهم على دينهم، فأمر هامان ببناء الصَّرح. ونحن نثق
بوجود هذا الوزير في عهد فرعون، وإن لم يعرف هذا الاسم في تاريخ
الفراعنة، لأن كلام الله تعالى حجة قطعية.
وأغلب المفسرين الظاهريين على أن فرعون قصد فعلاً بناء الصرح ليصعد
إلى السماء، فيرى إله موسى إن كان موجوداً، وإلا أخبر قومه بعدم وجوده،
وأنه هو الإله والرّب الأعلى. واستبعد الرازي على فرعون الذكي الحاكم
القوي لجوءه إلى مثل ذلك؛ لأن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة
البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي. والراجح أن فرعون كان من
الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة تشغل الناس في نفي الإله الخالق
الصانع. وكأنه يقول: لو كان إله موسى موجوداً لكان له محل، ومحله إما
الأرض وإما السماء، وإذا لم نره في الأرض، فهو في السماء، والسماء لا
يتوصل إليها إلا بسُلَّم، فيجب بناء صرح للوصول إليه.
وأبطل الرازي هذه الشبهة؛ لأن طرق العلم بالأشياء ثلاثة: الحس،
والخبر، والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد هو الحس، انتفاء المطلوب،

٤٤٣
اِلُرُ (٢٤) - تغافلٍ: ٤٠ / ٣٦-٣٧
وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيَّن لفرعون أن الطريق إلى معرفته تعالى
إنما هو الحجة والدليل، كما قال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٦/
٢٦]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨/٢٦] إلا أن فرعون لخبثه ومكره
تغافل عن ذلك الدليل(١).
ولقد توهم فرعون أن الله في السماء، فهذا دين المشبِّهة، ولعله كان على
دينهم، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه، لا لأجل أنه قد سمعه من
موسى عليه السلام. وربما فهم خطأ من قول موسى عليه السلام: ﴿رَّبُّ
اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنه ربّ السماوات بمعنی کونه فيها، كما يقال: ربّ الدار
بمعنى كونه ساكناً فيها. وأما عقيدتنا فهي كما أخبر الله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِى
[الزخرف: ٤٣ /٨٤] .
٨٤
السَّمَآءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
ويتلخص أمر فرعون في أن الشيطان زيّن له عمله وهو الشرك والتكذيب،
فصدّه عن سبيل الحق والرشاد، وأصبح كيده واحتياله في دمار وخسران
وضلال.
(١) تفسير الرازي: ٦٥/٢٧ - ٦٦

٤٤٤
الُعُ (٢٤) - تغفاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
- ٤ -
متابعة الرجل المؤمن نصحه لقومه
﴿وَقَالَ الَّذِى ءَمَنَ يَقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ يَقَوْمِ
مَنْ عَمِلَ
٣٩
إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ
سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
وَيَقَوْمِ مَا
مُؤْمِنُ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ،
لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِىَ إِلَى النَّارِ جَ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ
وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ ﴿﴿ لَا جَرَّمَ
أَنَّمَا تَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِىِ الدُّنْيَا وَلَا فِىِ الَْخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ
فَسَتَذَكُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأَفَوَّضُ
٤٣
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ
أَمْرِىّ إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (
فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ
٤٤
وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ
﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ
٤٦
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ
القراءات:
(يَدْخُلُونَ﴾
:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يُدْخَلُون).
﴿مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ماليَ أدعوكم).
﴿ أَمْرِىّ إِلَى﴾ :
وقرأ نافع، وأبو عمرو (أمريَ إلى).

٦
الجُرَءُ (٢٤) - تَغَزْقاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
٤٤٥
﴿السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (الساعةُ ادْخُلُوا)، وإذا ابتدؤوا
ضموا الهمزة.
الإعراب:
﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ الجملة بدل أو عطف بيان. والدعاء كالهداية
في التعدية بـ (إلى) واللام.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ فيه محذوف، أي ليس له إجابة دعوة، فحذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ﴿النَّارُ﴾: إما بدل مرفوع من قوله تعالى: ﴿سُوَّءُ
اَلْعَذَابِ﴾ وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو النار، وإما مبتدأ، وخبره:
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به
لفعل ﴿أَدْخِلُواْ﴾ وقرئ بوصل همزة (ادخلوا) وضمها وضم الخاء، فيكون
﴿ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ منادى مضاف، أي ادخلوا يا آل فرعون.
البلاغة:
﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم بحال متاع
يعرض للبيع، وجعل النار كالطالب الراغب في الكفار.
﴿غُدُوًّا﴾ و﴿وَعَشِيًّا﴾ بينهما طباق.
[يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ
بينهما ما يسمى بالمقابلة في علم البديع.
٣٩٠°

٤٤٦
الزُ (٢٤) - غافلٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
وَبَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِىَ إِلَى النَّارِ ﴿ تَدْعُونَنِى
لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَِّ
٤٣
فيها توافق أواخر الآيات مع السجع البديع، والبيان الرائع الذي يهز
أعماق النفس الإنسانية.
المفردات اللغوية:
﴿أَتَّبِعُونِ﴾ بإثبات الياء: اتبعوني. ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أدلكم
على طريق الصواب والسداد، و﴿الرَّشَادِ﴾: وهو ضدّ الغي والضلال، وهو
السبيل الذي يصل سالكه إلى المقصود الأسمى والنجاة. وفيه تعريض بأن ما
عليه فرعون وقومه سبيل الغي . ﴿مَتَعُ﴾ تمتع يسير، لسرعة زوالها، يستمتع به
زمناً قليلاً ثم يزول . ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ دار البقاء والدوام والخلود.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ عدلاً من الله، وفيه دليل على أن
الجنايات في الأبدان والأموال تغرم بمثلها . ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير تقدير ولا
تقنين ولا موازنة بالعمل، فهو رزق واسع لا حدود له، فضلاً من الله ورحمة.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ قيد أو شرط في اعتبار العمل، وأن ثوابه أعلى من
ذلك. والتعبير في جانب الثواب على العمل الصالح مع الإيمان بالجملة الاسمية.
﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ للدلالة على الثبوت والاستمرار، وتغليب
الرحمة، وجعل العمل عمدة.
﴿وَيَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ﴾ أي إلى الإيمان بالله الذي يؤدي إلى
النجاة، وقد كرر نداءهم إيقاظاً لهم من الغفلة، واهتماماً بهم، ومبالغة في
توبيخهم على ما يقابلون به نصحه من إدبار وإعراض . ﴿ وَتَدْعُونَتِىّ إِلَى النَّارِ﴾
إلى الكفر وعبادة الأوثان الموجبة لدخول النار . ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِی بِهِ.
عِلْمٌ﴾ أشرك بما لا وجود له، ولم يقم على ربوبيته دليل ولا برهان. وفيه إيماء
بأن الألوهية لا بدّ لها منَ برهان واعتقاد بيقين.

٤٤٧
الخُ (٢٤) - تَغَفَاعٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
﴿لَا جَرَوَ﴾ أي حق، وفاعله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ﴾ لأعبده ﴿لَيْسَ لَهُ
دَعْوَةٌ﴾ ليس له إجابة دعوة لمن يدعو إليه، والمعنى: حقّ عدم استحقاق آلهتكم
العبادة؛ لأنها جمادات، ولأنها ليس لها دعوة مستجابة . ﴿مَرَدَّفَا إِلَى اللَّهِ﴾
مرجعنا بالموت إلى لقاء الله. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحدّ، الذين
يغلب شرهم على خيرهم، الواقعين في الضلالة والطغيان، كالإشراك والكفر
وسفك الدماء. ﴿هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ ملازموها.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ تتذكرون عند معاينة العذاب. ﴿مَا أَقُولُ لَكُمَّ﴾ من
النصيحة. ﴿ وَأَفَوِّضُ أَمْرِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ ليعصمني من كل سوء. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ
◌ِالْعِبَادِ﴾ فيحرسهم. وكان هذا جواب توعدهم المفهوم من قوله تعالى:
﴿فَوَقَدْهُ اُللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ حماه الله وحفظه من شدائد مكرهم الذي
مكروا به من القتل. ﴿وَحَاقَ﴾ نزل. ﴿ِثَالِ فِرْعَوْنَ﴾ بفرعون وقومه. ﴿سُوءُ
اٌلْعَذَابِ﴾ بالغرق في الدنيا والموت، والنار في الآخرة.
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ مثل يَصْلَوْنها، أي يحرقون بها، فإن عرضهم على
النار: إحراقهم بها، مأخوذ من قولهم: عرض الحاكم الأسارى على السيف:
إذا قتلهم به . ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحاً ومساء، وذكر هذين الوقتين يفيد
التأبيد والدوام ما دامت الدنيا، فإذا قامت القيامة قيل لهم: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ عذاب جهنم، فإنه أشدّ مما كانوا فيه، أو أشدّ
عذاب جهنم. والمعنى: أن أرواح الكفار وهم في القبور تعرض على النار
صباح مساء، أي تحرق بها، مما يدلّ على بقاء النفس، وثبوت عذاب القبر،
كما روى ابن مسعود رضي الله عنه: ((أن أرواحهم في أجواف طير سود،
تعرض على النار، بكرةً وعشياً إلى يوم القيامة)) وقد يراد بهذين الوقتين
التخصيص، فيعذبون بالنار فيهما، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم: فإما أن
يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينَفَّس عنهم.

٤٤٨
اِلُرُ (٢٤) - غزدفاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
المناسبة:
هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى حينما
رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات، في المرة الأولى
دعاهم في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى، على سبيل
الإجمال، وفي المرتين الأخريين على سبيل التفصيل.
فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار
بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته لهم إلى الإيمان
بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم له إلى عبادة الأصنام طريق النار. ثم
أخبر سبحانه عن وقايته وعصمته من السوء الذي دَبَّروه له، وإغراق آل
فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة.
التفسير والبيان:
﴿وَقَالَ الَّذِى ءَمَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (®) قال
مؤمن آل فرعون يعظ قومه: يا قوم، اتبعوني فيما أقول لكم وأدعوكم إليه،
أدلكم على طريق الرشاد والخير والسداد، وهو اتباع دين الله الذي جاء به
موسی.
وفيه تعريض بأن سبيل فرعون وآله سبيل الغي والضلال والفساد.
ثم حذّرهم من الافتتان بنعيم الدنيا والاغترار بزخارفها، فقال:
﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ
٣٩٦
﴾ أي يا قوم، ما هذه الحياة الدنيوية إلا مجرد متاع يستمتع به قليلاً ثم
يزول وينتهي بالموت، وإن الآخرة هي دار الاستقرار والبقاء والخلود، فهي
دائمة باقية لا زوال عنها، ولا انتقال منها، والناس إما في النعيم وإما في
الجحيم، ولا ثالث غيرهما، فالسعيد من سعى إلى النعيم، والشقي من سعى
إلى الجحيم؛ لأن النعيم فيها دائم، والعذاب فيها دائم.

٤٤٩
لِلُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
وهذا نعي للدنيا الزائلة الفانية عما قريب، وبشارة بالآخرة الدائمة الباقية.
ثم أبان تعالى طريق تقسيم العباد وكيفية المجازاة في الآخرة، مشيراً إلى أن
جانب الرحمة غالب على جانب العقاب، فقال:
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُؤْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
﴾، أي من ارتكب معصية من المعاصي، فلا يجزى في الآخرة إلا مثلها،
عدلاً من الله، ومن عمل العمل الصالح وهو اتباع أمر الله واجتناب نهي الله،
وكان مصدقاً بالله وبرسله، فهؤلاء هم لا غيرهم أهل الجنة التي يتمتعون
بنعيمها ورزقها أضعافاً مضاعفة، بغير تقدير ولا تساوٍ مع العمل، فضلاً من
الله ونعمة ورحمة.
وهذا دليل على أن جزاء السيئة مقصور على المثل، وجزاء الحسنة خارج
عن الحساب، غير مقصور على المثل. والآية أيضاً أصل كبير في أحكام
الشريعة فيما يتعلق بأحكام الجنايات، فإن مقتضى الآية أن يكون المثل
مشروعاً، وأن الزائد عن المثل غير مشروع، أي إن الواجب في الجنايات على
الأنفس والأموال هو إما المثل في المثليات كالحبوب، وإما القيمة في القيميات
كالأمتعة والأثاث واللآلئ والجواهر.
ثم أكّد وكرر الرجل المؤمن دعوته إلى الله، وصرّح بإيمانه بالله وحده لا
شريك له، فقال:
﴿ وَيَقَوْمِ مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِىَ إِلَى النَّارِ ﴾﴾ أي ما
لكم يا قوم؟ أخبروني عنكم، ما بالي أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول
الجنة، بالإيمان بالله تعالى، وعبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسوله
المبعوث إليكم من عند ربكم، وتدعونني إلى عمل أهل النار، بما تريدون مني
من الشرك وعبادة الأصنام؟

٤٥٠
الجُعُ (٢٤) - غَزفاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
ثم فَر الدعوتين قائلاً:
(تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى
اَلْعَزِيزِ الْغَفَّرِ ﴾﴾ أي تدعونني لأمر خطير جداً هو الكفر بالله، والإشراك
به في عبادته جهلَ من لم يقم أي دليل على ألوهيته، ولا علم لي من وجه
صحيح بكونه شريكاً لله، وأنا أدعوكم إلى الإيمان بمن اتصف بصفات
الألوهية الحقة، من العزة والقدرة والغلبة والعلم والإرادة والتمكن من
المغفرة والتعذيب، فآمنوا به يغفر لكم ويعزّكم، فهو القوي الغالب في انتقامه
ممن كفر، الغفار في عزته وكبريائه لذنب من آمن به وتاب إليه.
ثم أگَّد تفنید دعوتهم وفساد منهجهم، فقال:
﴿لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ اُلْأَخِرَةِ﴾ أي
قد حقّ وثبت وصحّ عقلاً وواقعاً أن الذي تدعونني إليه من عبادة الأصنام
والأنداد ليس له أي دعوة مستجابة، فلا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في
الآخرة؛ لأنه جماد لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضرّ، كما في آية
أخرى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَهُمْ عَن دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ (٢٣) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
(4)) [الأحقاف: ٥/٤٦-٦]، وقال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَ كُمْ
وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤/٣٥].
﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أي والواقع
الحتمي أن مرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت ثم بالبعث في الدار الآخرة،
فيجازي كل إنسان بعمله، وأن المسرفين في المعاصي، المستكثرين منها،
المتعدِّين حدود الله، المنغمسين في الشرك والوثنية والكفر، هم أهل النار
الذين يصيرون إليها، الخالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله عزّ وجلّ.
ثم ختم كلامه بخاتمة لطيفة مؤثّرة فيها تذكير بالمستقبل وبُعْد نظر، فقال:

٤٥١
الزُعُ (٢٤) - تَغَافِلٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
فَسَتَذَّكُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىَ إِلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ]
بِالْعِبَادِ
أي سوف تعلمون صدق قولي لكم من أمر ونهي ونصح
33
وإيضاح وتذكير في وقت لا ينفع فيه الندم، حين ينزل بكم العذاب الشديد في
الآخرة، وأتوكل على الله وأستعين به ليعصمني من كلِّ سوء في مقاطعتي لكم
ومباعدتكم، فإن الله بصير بعباده، خبير بهم، فيهدي من يستحق الهداية،
ويضلّ من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدرة
النافذة. قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل، فلم يقدروا عليه.
ثم أخبر الله تعالى عن مصير هذا الرجل المؤمن الجريء الناصح الفصيح،
فقال :
﴿فَوَقَتُهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوْ وَحَاقَ بِقَالٍ فِرْعَوْنَ سُوءُ اُلْعَذَابِ
٤٥
أي حفظه الله وحماه في الدنيا من سوء وشرّ ما أرادوا به من قتل، ونجَّاه من
بأس فرعون، كما نَجَّى موسى عليه السلام، كما تجّاه في الآخرة من النار،
وأنعم عليه بالجنة، ونزل بفرعون وقومه سوء العذاب في الدنيا بالغرق جميعاً
في البحر، وسيعذبون في الآخرة بالنار.
ثم أوضح الله تعالى ذلك العذاب السيئ، فقال:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾﴾ أي إن أرواح فرعون وقومه بعد موتهم في عالم البرزخ،
وقبل مجيء القيامة تعرض على النار وتحرق فيها صباحاً ومساءً إلى قيام
الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ويقال
للملائكة: أدخلوا آل فرعون في جهنم، حيث يكون العذاب فيها أشد ألماً
وأعظم نكالاً.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله:
((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل

٤٥٢
الْخُرُ (٢٤) - تَغَدَفاءٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا
مقعدك، حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)).
وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله وَ له قال: ((إن أرواح آل
فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار، بالغداة والعشي، فيقال:
هذه داركم)) . وفي حديث آخر عنه تقدّم: ((إن أرواحهم في أجواف طير سود
تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها)).
وهذه الآية والأحاديث أصل أساسي في إثبات عذاب البرزخ في القبر،
وأن عذاب القبر حقّ واقع لا شكّ فيه. روى البخاري عن عائشة رضي الله
عنها أنها سألت رسول الله وَله عن عذاب القبر، فقال: ((نعم عذاب القبر
حقّ)) ولكن ليس في الآية دلالة على أن الأجساد في القبور تتألم مع الروح،
وتتعذب معها، وإنما دلّت السُّنة على ذلك، كالحديث المتقدّم: ((نعم عذاب
القبر حقّ)) وكذلك اقتصرت دلالة الآية على عذاب الكفار في البرزخ، ولا
يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب، ولكن يفهم ذلك من الأحاديث
النّبوية المتقدّمة، لكن العذاب متفاوت بدليل ما رواه ابن أبي حاتم والبزار في
مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبي ◌َّ قال:
((ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى، قلنا: يا رسول
الله، ما إثابة الله الكافر؟ فقال: إن كان قد وصل رحماً أو تصدّق بصدقة أو
عمل حسنة، أثابه الله تبارك وتعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك، قلنا :
فما إثابته في الآخرة؟ قال وَله: عذاباً دون العذاب)) وقرأ: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:

٤٥٣
الجُزءُ (٢٤) - تزفاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
اً - كان مؤمن آل فرعون في نصحه لقومه من أشدّ الناس إخلاصاً لهم
وحبّاً وحرصاً على إنقاذهم من ورطة الكفر، والدخول في ساحة الإيمان بالله
عزّ وجلّ وحده لا شريك له.
٢ - لقد كرّر النّصح وأكّده، ونوَّع الخطاب والترغيب والترهيب، مبتدئاً
بالدعوة إلى الإيمان بالله، وسلوك طريق الهدى وهو الجنة، ونادى قومه بلطف
هنا للمرة الثانية.
٣ - ثم حذّر من الاغترار بزخارف الدنيا ولذائذها وشهواتها، وزهّدهم
فيها بعد أن آثروها على الآخرة، ولا يسع العاقل البصير إلا عدم التعلق
الشديد بالدنيا الفانية، وإيثار الآخرة دار الاستقرار والخلود.
٤ - وأبان لقومه كيفية المجازاة في الآخرة، فمن اقترف معصية - وأكبرها
الشرك - فلا يجزى إلا مثلها من العذاب عدلاً من الله، ومن عمل بما أمر الله
به واجتنب ما نهى عنه، وهو مصدق بقلبه بالله وبالأنبياء، فهو من أهل
الجنة، فضلاً ورحمة من الله، ورزق الجنة دائم واسع لا تقدير فيه.
٥ - ثم نادى قومه للمرة الثالثة مؤكّداً دعوتهم إلى الإيمان الذي يوجب
النجاة، وترك الكفر الذي يوجب النار، علماً بأنه لا دليل ولا برهان يقبل
على صحة الدعوة إلى الشرك، وإنما الدليل القاطع والبرهان الساطع متوافر في
صحة الدعوة إلى الإيمان بالله المتصف بصفات الألوهية الحقّة من الْخَلْق
والقدرة والإرادة والعلم والعزّة والمغفرة والتعذيب.
٦ - حقاً إن ما يعبد من دون الله من البشر أو الأصنام ليس له استجابة
دعوة تنفع، وليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولاً يدعو
الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تُعْبَد ما كانت
شابة، فإذا هَرِمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان
قال: أنا ربّكم الأعلى.

٤٥٤
الجُزُ (٢٤) - تَزَفاٍ: ٤٠ / ٣٨-٤٦
لاً - إن المسرفين وهم المشركون، والسفهاء، وسفاكو الدماء بغير حقها،
والجبارون والمتكبرون، والذين تعدّوا حدود الله، هم أصحاب النار.
٨ - ثم لجأ مؤمن آل فرعون إلى نوع من التهديد والوعيد، مبيناً أن قومه
سيتذكرون يوم القيامة وحين حلول العذاب بهم، ما قاله لهم، وأما هو فقد
توكّل على الله وأسلم أمره إليه؛ لأنهم أرادوا قتله، ولكن من يتوكل على الله
فهو حسبه.
- لقد حفظ الله هذا المؤمن من إلحاق أنواع العذاب به، فطلبوه فما
وجدوه؛ لأنه فوّض أمره إلى الله تعالى.
٠ ١َ - وأما آل فرعون فإنه نزل بهم العذاب الشامل في الدنيا وهو الغرق،
وسيعذبون في الآخرة، ويعرضون أيضاً في البرزخ في القبور على النار صباح
مساء.
وهذا كما تقدّم يدلّ على إثبات عذاب القبر، لقوله تعالى: ﴿النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ما دامت الدنيا. قال جمهور المفسرين: هذه
الآية تدلّ على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة:
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ عَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
ورأى الرازي أن الآية لا تدلّ على عذاب القبر، وإنما ذكر الغدوة والعشية
كناية عن الدوام في عذاب النار، كقوله تعالى بالنسبة لأهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ
رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢/١٩].(١)
(١) تفسير الرازي: ٧٣/٢٧

٤٥٥
لُعُ (٢٤) - تَغَفاٍ: ٤٠ / ٤٧-٥٠
المناظرة بين الرؤساء والأتباع في النار
﴿وَإِذْ يَتَحَلَّجُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ﴾ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ
وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ
إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ اٌلْعِبَادِ
قَالُواْ أَوَلَمْ
٤٩
لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اُلْعَذَابِ
تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدَوُاْ الْكَفِينَ
٥٠
إِلَّا فِ ضَلَلٍ
القراءات:
﴿رُسُلُكُمْ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (رُسْلكم).
الإعراب:
﴿تَبَعًا﴾ أورده بلفظ الواحد، وإن كان خبراً عن جماعة؛ لأنه مصدر،
والمصدر يصلح للجميع.
﴿ُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا﴾ مفعول به لـ ﴿مُغْنُونَ)
) : مبتدأ، وهو في تقدير الإضافة، و﴿فِيهَا﴾:
﴿إِنَّا كُلُّ فِيهَا﴾
خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع خبر (إن). ولا يجوز أن ينصب
كَلَ﴾ على البدل من ضمير ﴿إِنَّا﴾؛ لأن ضمير المتكلم لا يبدل منه؛ لأنه لا
لبس فيه، حتى يوضح بغيره. وقرئ (كلّاً) على التأكيد؛ لأنه بمعنى كلنا،
وتنوينه عوض عن المضاف إليه.

٤٥٦
لُءُ (٢٤) - تغافل: ٤٠ / ٤٧-٥٠
﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ﴾ جواب مجزوم، والأكثر في كلام العرب أن يكون
جواب الأمر وشبهه بغير فاء، وهو الأفصح.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِىِ النَّارِ﴾ واذكر يا محمد وقت تخاصم الكفار في النار،
والمحاجّة: المجادلة والتخاصم بين اثنين فأكثر. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أتباعاً جمع
تابع، كخدم جمع خادم .﴿مُغْنُونَ﴾ دافعون أو حاملون. ﴿نَصِيبًا﴾ جزءاً
وقسطاً، أي فهل أنتم حاملون عنّا جزءاً من العذاب أو دافعون جزءاً؟
﴿إِنَّا كُلُّ فِيهَا﴾ نحن وأنتم، فكيف نغني عنكم؟ ولو قدرنا لأغنينا عن
أنفسنا. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ فأدخل المؤمنين الجنة،
والكافرين النار. و﴿حَكَمَ﴾ قضى، ولا معقِّب لحكمه. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ هم
القوّام بتعذيب أهل النار، جمع خازن . ﴿يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ قدر يوم ﴿مِّنَ
اُلْعَذَابِ﴾ شيئاً من العذاب. ﴿قَالُواْ﴾ أي الخزنة تهكَّماً. ﴿بِالْبَيِّنَتِّ)
بالمعجزات الظاهرات .﴿قَالُواْ بَلَّى﴾ أقروا بإرسال الرسل، لكنهم كفروا
بهم . ﴿قَالُواْ فَأَدْعُواْ﴾ قال الخزنة لأهل النار: فادعوا أنتم، فإنه لم يؤذن لنا في
الدعاء لأمثالكم، وإننا لا نشفع للكافرين، وفيه إقناط من الإجابة، فقال
تعالى حاكياً ما أخبروهم به: ﴿وَمَا دُعَلَوُاْ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ خسران
وضياع وانعدام.
المناسبة:
هذا ابتداء قصة لا تختص بآل فرعون، فبعد أن أوضح الله تعالى أحوال
النار في عظة مؤمن آل فرعون، ذكر تعالى عقيبها قصة المناظرة والجدل التي
تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِىِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتَوْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ

٤٥٧
الُعُ (٢٤) - غَزفاٍ: ٤٠ / ٤٧-٥٠
تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ﴾﴾ أي واذكر أيها
الرسول لقومك للعظة والعبرة وقت تخاصم الكفار أهل النار وهم فيها،
ومنهم فرعون وقومه، فيقول الضعفاء الأتباع للرؤساء والسادة والقادة الذين
استكبروا عن اتِّباع الأنبياء، ومكروا لصدّ الناس عن الإيمان: إنا كنّا تابعين
لكم، وقد أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، ودخلنا
النار بسبب اتِّباعكم، فهل تدفعون عنّا قسطاً أو جزءاً من العذاب، أو
تتحملونه عنّا؟ فأجابهم الرؤساء بما حكاه تعالى:
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
(ج) أي قال المستكبرون للمستضعفين: إنا نحن وأنتم جميعاً في جهنم،
فكيف نغني عنكم؟ فلو قدرنا على دفع شيء من العذاب لدفعناه عن أنفسنا،
إن الله قضى قضاءه العادل المبرم بين العباد، بأن فريقاً في الجنة، وفريقاً في
السعير، وقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كلّ منّا، كما قال تعالى: ﴿قَالَ
لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨/٧].
ولما يئسوا من السادة اتّجهوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء، فقال
تعالی:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ
اُلْعَذَابِ ﴾﴾ أي وقال أهل النار من الأمم الكافرة لسدنة جهنم وقوّامها
(وهم الملائكة القائمون عليها لتعذيب أهل النار): ادعوا الله ربّكم لعله أن
يخفف عنا مقدار يوم من العذاب، بأن يشفعوا لنا عند الله تعالى لتخفيف
يسير، وذلك لما علموا أن الله عزّ وجلّ لا يستجيب منهم، ولا يستمع
لدعائهم.
فردّت الخزنة عليهم موتجين ملزمين لهم الحجة، كما قال تعالى:
﴿قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَتِّ﴾؟ قالت الخزنة لأهل

٤٥٨
الزُ (٢٤) - غَدَقَارٍ: ٤٠ / ٤٧-٥٠
النار: أو ما جاءتكم الرسل في الدنيا بالحجج والأدلة الواضحة على توحيد
الله، والتحذير من سوء العاقبة؟! (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ
رَبِّكُمْ وَيُنْدِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١/٣٩].
﴿قَالُواْ بَلَى﴾ قال أهل النار: بلى قد جاءتنا الرسل، فكذبناهم، ولم
نؤمن بهم ولا بما جاؤوا به من الحجج.
فلما اعترفوا قالت لهم الخزنة تهكماً:
﴿ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُوُاْ أَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ أي قالت الخزنة لأهل
النار: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فادعوا أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لمن
كفر بالله وكذّب رسله بعد مجيئهم بالحجج الواضحة، ونحن برآء منكم، ثم
أخبروهم بأن دعاءهم لا يفيد شيئاً، فما دعاء الكافرين بالله ورسله إلا في
ضياع وبطلان وذهاب لا يقبل ولا يستجاب.
أخرج الترمذي وغيره عن أبي الدرداء قال: ((يُلْقى على أهل النار الجوع،
حتى يَعْدِل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع لا يسمن
ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئاً، فيستغيثون فيغاثون بطعام
ذي غُصَّة، فَيَغَضُّونَ به، فيذكُرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغَصَص بالماء،
فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم
شَواها، فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون
بالملائكة يقولون: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ فيجيبوهم:
﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبَيِنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَؤُّأْ
اَلْكَفِينَ إِلَّا فِي ضَلَلٍ﴾ - أي خسران وتبار)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:

٤٥٩
لُزُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ٤٧-٥٠
اً - يشتدّ الجدال والخصام يوم القيامة في نار جهنم بين الأتباع الضعفاء
والمتبوعين الرؤساء الذين استكبروا عن الانقياد للأنبياء، فيقول الأولون: إنّا
كنّا أتباعاً لكم في الدنيا فيما دعوتمونا إليه من الشرك، فهل أنتم الآن
متحملون عنّا جزءاً من العذاب؟
اً - أجاب الكبراء: إنا نحن وأنتم جميعاً في نار جهنم، وإن الله قضى بين
العباد، وأخذ كل واحد منا ما يستحقه، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره، فكل
منا كافر.
٣ - لما يئس الكفار بعضهم من بعض طلبوا من خزنه جهنم وهم ملائكة
العذاب أن يدعوا لهم ربهم بأن يخفف عنهم شيئاً من عذاب جهنم، ولو يوماً
واحداً.
فردت عليهم الخزنة: ألم تأتكم الرسل بالبيِّنات الدالة على طريق النجاة،
والحيلولة بينكم وبين سوء العاقبة؟!
وهذا دليل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع، فلا تكليف
قبل إرسال الرسل وإنزال الشرائع، ولا عقاب أيضاً، كما قال تعالى ﴿وَمَا
كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥/١٧].
٤ - ثم قال الملائكة خزنة جهنم للكفار: ادعوا أنتم، فإنا لا نجترئ على
ذلك، ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما - كون المشفوع له مؤمناً.
والثاني - حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد واحد من هذين الشرطين.
لكن ادعوا أنتم، للدلالة على الخيبة، لا لرجاء النفع، ثم يصرِّحون لهم بأنه
لا أثر لدعائهم ﴿وَمَا دُعَدَوُاْ اَلْكَافِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ أي خسران وبطلان
وزوال.

٤٦٠
لُرُ (٢٤) - تَغَزفاٍ: ٤٠ / ٥١-٥٦
نصر الرسل على أعدائهم في الدنيا والآخرة
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
٥١
وَلَقَدْ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الَِّمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ الدَّارِ
﴿﴿ هُدَى وَذِكْرَى لِأُوْلِ
ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَتْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ اُلْكِتَبَ
اُلْأَلْبَبِ ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ
إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرٍ
٥٥
رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ
سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِغِيةٍ فَأُسْتَعِدْ بِاللَّهِ
٥٦
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
القراءات:
﴿رُسُلَنَا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
﴿لَا يَنَفَعُ﴾ : قرئ:
١- (لا ينفعُ) وهي قراءة نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي.
٢- (لا تنفعُ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ : معطوف على موضع الجار والمجرور،
وهو ﴿فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ مثل: جئتك في أمس واليوم. و﴿يَوَمَ لَا يَنَفَعُ﴾ بدل
من الأول.
﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِيّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ، هُدَى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
٥٤