النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الُعُ (٢٤) - الزَُّثِّرْ: ٣٩ /٧١-٧٥
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآيات ما يأتي:
اً - توفى كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار، والمؤمن إلى الجنة.
أَ - يساق أهل النار إليها بسرعة وعنف، إهانة لهم واحتقاراً، وهم
حينذاك جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، وتفتح أبواب جهنم عند وصولهم
إليها، وتقول لهم سدنتها تقريعاً وتوبيخاً: ألم تأتكم الرسل من جنسكم
لتبليغكم الكتب المنزلة عليكم، وإنذاركم وتخويفكم لقاء وقتكم هذا؟
◌َّ - يجيب أهل النار: نقر ونعترف بقيام الحجة علينا بمجيء الرسل،
ولكن وجب العذاب على الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩/١١] .
٤ - دلّت هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ على أنه لا تكليف ولا
إيجاب لشيء من الشرائع والأحكام قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بيَّنوا أنه ما
بقي للكفار علّة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام، ولو لم يكن مجيء
الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب، لما بقي في هذا الكلام فائدة.
٥ - تقول الملائكة بعد سماع جواب الكافرين: ﴿آدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ
خَلِينَ فِيهَاً فَبِئْسَ مَثْوَىَ الْمُنَكَِّرِينَ﴾.
أَ - يقاد الأتقياء بلطف وإعزاز وإكرام، من الشهداء والزهاد والعلماء
والقُرّاء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته، ويؤتى بهم إلى الجنة،
فيجدون أبوابها مفتحة لهم: ﴿حَّتِ عَدْنٍ تُفَنَّحَةً لَهُ الْأَبْوَبُ (®َ﴾ [ص: ٣٨/
٥٠] ويذكر خزنة الجنة لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث:
الأولى - قولهم: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ يبشِّرونهم بالسلامة من كل الآفات.

٣٨٢
الُ (٢٤) - الزَُّزّ: ٣٩ /٧١-٧٥
الثانية - قولهم: ﴿طِبْتُمْ﴾ من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا.
الثالثة - قولهم: ﴿فَادْخُلُوهَا خَلِدِينَ﴾ والتعليل بالفاء يدلّ على كون ذلك
الدخول معللاً بالطيب والطهارة.
لاً - سبب التفرقة بين أهل النار وأهل الجنة في فتح الأبواب، حيث فتحت
أبواب النار بغير الواو، وفتحت أبواب الجنة بالواو: هو احتقار الفريق
الأول وتخصيصهم بالنار، وإعزاز الفريق الثاني وإكرامهم بالاستقبال
والاستعداد، فلا تفتح أبواب النار إلا عند دخول أهلها فيها، وتفتح أبواب
الجنة قبل وصول أهلها إليها، ولذلك جيء بالواو، كأنه قيل: حتى إذا
جاؤوها وقد فتحت أبوابها.
٨ - إذا خاطبت الملائكة المتقين بالكلمات الثلاث السابقة، قال المتقون
عند ذلك وبعد دخول الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده بنعيم الجنة،
وأورثنا أرض الجنة، فنعم ثواب المحسنين هذا الذي أعطيتنا.
ـة - يكون الملائكة في جوانب العرش وأطرافه، قائلين: سبحان الله
وبحمده، متلذذين بذلك لا متعبدين به، أي يصلون حول العرش شكراً
لربهم، بعد أن قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل، ويقول المؤمنون والملائكة
ونحوهم: الحمد لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه، ونصرنا على من ظلمنا.
ويرى الرازي أن قوله: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِ﴾ أي بين الملائكة، وهو دليل
على أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوتة، فلكل واحد منهم في درجات
المعرفة والطاعة حدّ محدود لا يتجاوزه ولا يتعداه(١).
(١) تفسير الرازي: ٢٤/٢٧
-

الجُ (٢٤) السورة (٤٠) غداٍ
٣٨٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةٌ غَفْلٍ
مڪية، وهي خمس وثمانون آية
تسميتها:
تسمى هذه السورة سورة (غافر)؛ لافتتاحها بتنزيل القرآن من الله غافر
الذنب وقابل التوب، والغافر من صفات الله وأسمائه الحسنى. وتسمى أيضاً
سورة (المؤمن)؛ لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من ناحيتين:
الأولى - التشابه في الموضوع: فقد ذكر في كل من السورتين أحوال يوم
القيامة وأحوال الكفار في يوم المحشر.
الثانية - الترابط بين خاتمة السورة السابقة ومطلع هذه السورة، فقد ذكر في
نهاية سورة الزمر أحوال الكفار الأشقياء والمتقين السعداء، وافتتحت سورة
غافر بأن الله غافر الذنب لحث الكافر على الإيمان وترك الكفر.
ومناسبة الحواميم السبع لسورة الزمر: تشابه الافتتاح بـ ﴿تَنْزِيلُ الْكِنَبِ﴾
وبذکر
ورتبت الحواميم إثر بعضها، لاشتراكها بفاتحة (حمّ (4)
٠

٣٨٤
الُ (٢٤) السورة (٤٠) تَغَفٍ
﴿ اَلْكِنَبِ﴾ بعد ﴿حَمَ ﴾) وأنها مكية، بل ورد في حديث أنها نزلت جملة
واحدة، وفيها شبه من ترتيب ذوات (الراء) الست. ذكر السيوطي عن ابن
عباس وجابر بن زيد في ترتيب السور: أن الحواميم نزلت عقب الزمر، وأنها
نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف: المؤمن، ثم السجدة، ثم الشورى، ثم
الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ولم يتخللها نزول غيرها،
وذلك مناسبة واضحة لوضعها هكذا.
ويقال لها أيضاً: آل حم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: آل حم
ديباج القرآن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن لكل شيء لباباً، ولباب
القرآن آل حم، أو قال: الحواميم. وقال النبي ◌َّر: ((لكل شيء ثمرة، وإن ثمرة
القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان مُخْصبات متجاورات، فمن أحبّ أن
يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم)) .
وقال رسول الله ◌َاليه لأصحابه في بعض الغزوات - فيما رواه أبو عبيد -:
((إن بُيِّتم الليلة، فقولوا: حم لا ينصرون - أو لا تنصرون)).
وروى الحافظ أبو بكر البزار والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَل: ((من قرأ آية الكرسي، وأول حم المؤمن، عصم ذلك
اليوم من كل سوء)) .
مشتملاتها:
سورة غافر والحواميم السبع مكية، فهي تُعنى بأصول العقيدة كسائر السور
المكية، لذا جاءت آياتها عنيفة شديدة التأثير لإثبات وحدانية الله وتنزيل القرآن
والبعث، ووصف ملائكة العرش، وإنهاء الصراع بين أهل الحق وبين أهل
الباطل أو فريق الهدى وفريق الضلال.
وقد ابتدأت بإعلان تنزيل الكتاب الكريم من الله المتصف بالصفات

٣٨٥
لُ (٢٤) السورة (٤٠) غَفٍ
الحسنى، وهاجمت الكفار الذين يجادلون بالباطل، ثم وصفت مهام ملائكة
العرش.
وأخبرت عن طلب أهل النار الخروج منها لشدة العذاب، ورفض هذا
الطلب، وأقامت الأدلة على وجود الله القادر، وخوّفت من أهوال القيامة،
وأنذرت الكفار من شدائد ذلك اليوم.
ثم لفتت الأنظار لموضع العبرة من إهلاك الأمم الغابرة وهو كفرهم
بالآيات البيّنات التي جيئوا بها، وخصّت بالذكر قصة موسى عليه السلام مع
فرعون وهامان وقارون، وما دار من حوار بين فرعون وقومه وبين رجل من
آل فرعون يكتم إيمانه، وما فعله فرعون الطاغية من قتل أبناء بني إسرائيل
واستحياء نسائهم، خشية انتشار الإيمان في قومه، وانتهاء القصة بهلاك
فرعون بالغرق في البحر مع جنوده، ونجاة موسى وقومه جند الإيمان في ذلك
العصر. وتلك هي قصة الإيمان والطغيان.
وقد أردف ذلك بإعلان خذلان الكافرين، ونصر الرسل والمؤمنين نصراً
مؤزراً في الدنيا والآخرة.
وختمت القصة بأمر النبي وَلّه بالصبر على أذى قومه كما صبر موسى وغيره
من أولي العزم.
ثم أوردت السورة الأدلة الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته، وضربت
المثل للمؤمن بالبصير، وللكافر بالأعمى؛ فالمؤمن نيِّر القلب والبصيرة بنور
الله، والكافر مظلم النفس يعيش في ظلمة الكفر.
وأتبعت ذلك ببيان نعم الله على عباده من الأنعام والفلك وغيرها.
وختمت السورة بما يؤكد الغرض المهم منها: وهو الاعتبار بمصرع
الظالمين المكذبين، وما يلقونه من أصناف العذاب، ومبادرتهم إلى الإيمان حين

٣٨٦
الُهُ (٢٤) - غَافٍ: ٤٠ / ١-٦
رؤية العذاب، ولكن لا ينفعهم ذلك، فإن سنّة الله الثابتة ألا يقبل إيمان
اليأس أو حال رؤية البأس.
مصدر تنزيل القرآن وحال المجادلين في آياته
غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلٍ
تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
(حمّ ل
مَا يُحَدِلُ فِىّ
التَّوْبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِىِ اَلْبِلَدِ (
قَوْمُ نُوُجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَحَدَلُواْ
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ
بِأَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ
٦
كَلِمَثُ رَيِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
القراءات:
{كَلِمَتُ رَيِّكَ}
وقرأ نافع، وابن عامر (كلمات ربك).
الإعراب:
﴿حَمَ ﴾ تَنْزِيلُ الْكِنَبِ﴾ قال الرازي: الأقرب ها هنا أن يقال (حمَ
(٢) اسم للسورة، فقوله ﴿حَمّ ) مبتدأ، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ
اللَّهِ﴾ خبر، والتقدير: إن هذه السورة المسماة بجم تنزيل الكتاب، فقول:
تَنْزِيلُ﴾ مصدر، لكن المراد منه: المنزل.
ويرى القرطبي وغيره أن ﴿تَنْزِيلُ اَلْكِتَبِ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
اَلْعَلِيمِ﴾ ويجوز أن يكون ﴿تَنزِيلُ﴾ خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي هذا ﴿تَنزِيلُ
اُلْكِتَبِ﴾ ويجوز أن يكون ﴿حَمَ ج) مبتدأ، و﴿ تَنزِيلُ﴾ خبره، كما قال

٣٨٧
الجُزُ (٢٤) - تَغَفَارٍ: ٤٠ / ١-٦
الرازي، والمعنى: إن القرآن أنزله الله وليس منقولاً، ولا مما يجوز أن يكذّب
به. و﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَائِلِ التَّوَّبِ﴾ إما نعتان أو بدلان، ويجوز النصب على
الحال. وأما ﴿ شَدِيدٍ الْعِقَابِ﴾ فهو نكرة ويكون خفضه على البدل.
و﴿حَمَ ﴾﴾: قرئ بالسكون، وهو المشهور على الأصل في الحروف
المقطعة، وقرئ (حاميمَ) بفتح الميم، والفتح إما لالتقاء الساكنين؛ لأنه أخف
الحركات، أو أن يكون فتح الميم علامة النصب بتقدير فعل، أي اتل حم.
﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ بدل من ﴿كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ بدل الكل من اللفظ أو
الاشتمال من المعنى.
البلاغة:
﴿الذَّنَبِ﴾ و﴿التَّوْبِ﴾ بينهما طباق.
﴿مَا يُجَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وارد بصيغة الحصر.
المفردات اللغوية:
حَمَ (٤) تقرأ هكذا: حاميم بالسكون، أو بالفتح حاميمَ، وهذه
الحروف المقطعة المبدوء بها بعض السور للتنبيه على إعجاز القرآن وتحدي
العرب أن يأتوا بمثله، وللدلالة على أن هذا القرآن المعجز منظوم من أمثال
هذه الحروف الهجائية التي تتركب منها الكلمات والجمل العربية.
﴿اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ القوي في ملكه، العليم بخلقه، قال البيضاوي: لعلّ
تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإعجاز والْحِكَم، الدال على القدرة
الكاملة والحكمة البالغة . ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ﴾ للمؤمنين التائبين . ﴿ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾
يقبل منهم التوبة فضلاً منه ورحمة. (شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين. ﴿ذِى اُلَطَّوْلِ﴾
صاحب الفضل والإنعام على عباده، وذو الغنى والسعة أيضاً، وإيراد هذه

٣٨٨
الزُعُ (٢٤) - تَغَفاٍ: ٤٠ / ١-٦
الصفات للترغيب والترهيب والحثّ على الإيمان. ﴿اَلْمَصِيرُ﴾ المرجع،
فيجازي المطيع والعاصي.
﴿مَا يُحَدِلُ فِيّ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ القرآن. ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من مشركي مكة
وأمثالهم، فيه تسجيل صفة الكفر على المجادلين في القرآن بالباطل والطعن فيه
لإدحاض الحق . ﴿فَلَا يَغْرُرَْ تَقَلَُّهُمْ فِى الْبِلَدِ﴾ لا تغترّ بإمهالهم وإقبالهم في
دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات الرابحة بقصد المعاش، فإن
عاقبتهم النار والهلاك. والتقلب في البلاد: التصرف والتنقل.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ كذبت قوم نوح
بالرسل وعادوهم، وكذلك كذبت الأحزاب (الجماعات) من بعدهم كعاد
وثمود وغيرهما . ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةِ﴾ من هؤلاء ﴿وَهَمَّتْ﴾ عزمت.
﴿لِيَأْخُذُوهٌ﴾ ليتمكنوا منه بما أرادوا من تعذيب وقتل، فيحبسوه ويأسروه
ويعذبوه ويقتلوه. ﴿بِالْبَطِلِ﴾ بما لا حقيقة له. ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ يزيلوا به الحق.
﴿فَأَخَذْتُهُمَّ﴾ بالإهلاك والعقاب. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ أي عقابي لهم، بأن
وقع موقعه.
﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ وجبت كلمته أي حكمه بالهلاك وقضاؤه
بالعذاب . ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لكفرهم. ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي وتلك
الكلمة هي أنهم مستحقون للنار.
سبب النزول:
نزول الآية (٤):
﴿مَا يُجَدِلُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى: ﴿مَا
يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال: نزلت في الحارث بن قيس
السهمي.

٣٨٩
الجُرُ (٢٤) - تَغَارٍ: ٤٠ / ١-٦
التفسير والبيان:
موضوع هذه الآيات بيان مصدر نزول القرآن: وهو أنه من عند الله، الذي
وصف نفسه بصفات ست، ثم مناقشة الكفار الذين جادلوا في آيات الله
بالباطل أي بقصد الطعن فيها وإدحاض الحق، فاستحقوا التهديد بعذاب الله
وهو أنهم في النار.
﴿حَمّ ® تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِمِ ﴾﴾ ﴿حَمَّ (ج): من
الحروف المقطعة في فواتح السور، للتنبيه على مضمون السورة وعلى إعجاز
القرآن المكون نظمه من حروف اللغة العربية التي ينطق بها العرب وينظمون بها
الأشعار ويدتجون بها الخطب الرنانة، ومع ذلك لا يستطيعون معارضته؛ لأنه
كلام الله تعالى.
والقرآن المتلو بين الناس على الملأ منزَّل من عند الله، ليس بكذب عليه،
والله الذي أنزله هو العزيز أي الغالب القوي القادر القاهر، والعليم أي
البالغ العلم التام بخلقه وما يقولونه ويفعلونه، الذي يعلم السر وأخفى.
ثم وصف الله نفسه بستة أنواع من الصفات الجامعة بين الوعد والوعيد
والترغيب والترهيب، فقال:
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ
الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي إن الله منزل القرآن هو غافر الذنب الذي سلف لأوليائه،
سواء أكان صغيرة أم كبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة بمشيئته، وقابل توبتهم
المخلصة، وشديد العقاب لأعدائه، وذو التفضل والإنعام والسعة والغنى،
ينعم بمحض إحسانه تعالى، وهو الإله الواحد الذي لا شريك له ولا ندّ ولا
صاحبة ولا ولد، وإليه المرجع والمآب في اليوم الآخر، لا إلى غيره.
ثم ذكر تعالى أحوال المجادلين في القرآن بقصد إبطاله وإطفاء نوره، فقال:

٣٩٠
لُعُ (٢٤) - تغافلٍ: ٤٠ / ١-٦
﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرْكَ تَقَلُبُهُمْ فِىِ اَلْبِلَدِ
أي ما يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها إلا الذين كفروا، فهم يجادلون
بالباطل بقصد دحض الحق، كوصفهم القرآن بأنه شعر أو سحر أو أساطير
الأولين، فلا تغترّ أيها النبي وكل مؤمن بشيء من رفاهية الدنيا التي تراهم
فيها، كالتجارة في البلاد، وتحقيق الأرباح، وجمع الأموال، فإنهم معاقبون
عما قليل، وعاقبتهم في النهاية الدمار والهلاك، وهذا إيناس للنبي وَّ، كما
قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ الْبِلَدِ ﴿ مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ
مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الِهَادُ
[آل عمران: ١٩٦/٣-١٩٧]، وقال سبحانه:
١٩٧)
﴿ نُمِنِعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ
٢٤) ﴾ [لقمان: ٢٤/٣١].
ويلاحظ أن الجدال نوعان: جدال في تقرير الحق، وجدال في تقرير
الباطل، أما الجدال بالحق لبيان غوامض الأمور والوصول إلى فهم الحقائق:
فهو جائز مشروع، اتخذه الأنبياء أسلوباً في دعوتهم إلى الدين الحق، قال تعالى
حكاية عن قوم نوح عليه السلام أنهم قالوا له: ﴿يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ
◌ِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢/١١]، وقال تعالى لنبيه محمد وَله: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ
أحسَنْ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦].
وأما الجدال بالباطل كالمذكور هنا فهو مذموم، كما قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ
لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨/٤٣]، وهو المشار إليه في قوله
وَلَه: ((لا تُماروا في القرآنِ، فإن المِراء فيه كفر))، ((إن جدالاً في القرآن كفر)).
قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن، قوله: ﴿مَا
يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِىِ الْكِتَبِ
لَفِى شِقَّاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦/٢].
ثم أخبر الله تعالى عن تشابه أقوام الأنبياء في تكذيب رسلهم، فقال:
﴿كَذَّبَتْ قبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي كذبت قبل قوم

٣٩١
◌ِلُ (٢٤) - تَغَهاٍ: ٤٠ / ١-٦
قريش قوم نوح (وهو أول رسول بعثه الله للنهي عن عبادة الأوثان)
والجماعات الذين تحزبوا على الرسل من بعد قوم نوح، كعاد وثمود وأصحاب
لوط وقوم فرعون، بتكذيب رسلهم، فعوقبوا أشد العقاب.
﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوَةٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ
اَلْحَقَّ﴾ أي وعزمت وحرصت كل أمة من تلك الأمم المكذبة برسولهم المرسل
إليهم على أخذه، لحبسه وتعذيبه وإصابة ما يريدون منه أو قتله، فمنهم من قتل
رسوله، وخاصموا رسولهم بالشبهة وبالباطل من القول، ليردوا الحق
الواضح الجلي، وليبطلوا الإيمان. روى أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس
رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: ((من أعان باطلاً ليدحض به حقاً، فقد برئت
منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله وَله)). وقال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء
بالشرك ليبطلوا به الإيمان.
﴿فَأَخَذُّهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ أي فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل
بالعذاب، وأهلكتهم، فقد جاء الأخذ بمعنى الإهلاك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَخَذْتُهُمِّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ [الحج: ٤٤/٢٢] . فانظر كيف عقابي الذي
عاقبتهم به؟ فإنه كان مهلكاً مستأصلاً، وليعتبر قومك يا محمد بهذا، فإني
أعاقبهم بعقاب مماثل، وإنهم يمرون على بلادهم ومساكنهم، فيعاينون أثر
ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب، وأكَّد هذا المعنى بقوله:
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
أي ومثل ذلك عذاب كل كافر، والمعنى: وكما وجب العذاب على الأمم
المكذبة لرسلهم، وجب على الذين كفروا بك يا محمد، وجادلوك بالباطل،
وتحزبوا عليك، فالسبب واحد والعلة واحدة، وذلك العذاب هو استحقاقهم
النار. والمراد بكلمة العذاب هي أنهم مستحقون النار.

٣٩٢
لُعُ (٢٤) - تَغَقاٍ: ٤٠ / ١-٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - إن تنزيل القرآن من الله ذي العزة والعلم، فهو ليس منقولاً ولا مما
يصحّ أن یکذّب به.
أَ - وصف الله تعالى نفسه بستّ صفات تجمع بين الترغيب والترهيب،
وتفتح باب الأمل للعصاة والكفار للمبادرة إلى ساحة الإيمان والتزام جادة
الاستقامة على أمر الله ومنهجه. وتشير القصتان التاليتان إلى مدى فعالية هذا
الأسلوب القرآني في إصلاح البشرية.
روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل إلى
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قَتَلْتُ، فهل لي
من توبة؟ فقرأ عمر رضي الله عنه: ﴿حَمَ ﴾ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
اٌلْعَلِيمِ ﴿َ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ الآية، وقال: اعمل ولا
تیأس.
وروى ابن أبي حاتم أيضاً والحافظ أبو نعيم عن يزيد بن الأصم قال: كان
رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، تتابع في
هذا الشراب. فدعا عمر كاتبه، فقال:
اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد
إليك الله الذي لا إله إلا هو ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى
اُلْطَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣). ثم قال لأصحابه: ادعوا الله
لأخيكم أن يُقبل بقلبه ويتوب الله علیه.
فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرؤه ويردده، ويقول:

٣٩٣
الُعُ (٢٤) - تَغَفَاءٍ: ٤٠ / ١- ٦
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابٍ﴾ قد حذّرني عقوبته، ووعدني أن يغفر
لي. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع.
فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلّ زلّة،
فسدّدوه ووثَّقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان
علیه.
س٣ - قد يعفو الله تعالى عن الذنوب الصغائر بتوبة أو بغير توبة، وقد يعفو
أيضاً عن الكبائر كالقتل والسرقة والزنى بعد التوبة، وإطلاق الآية ﴿غَافِرٍ
الذَّتْبِ﴾ يدل على كونه غافراً للذنوب الكبائر قبل التوبة، إذا شاء وأراد.
ولكن قبول التوبة من الذنب يقع على سبيل التفضل والإحسان من الله،
وليس بواجب على الله؛ لأنه تعالى ذكر كونه قابلاً للتوب على سبيل المدح
والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل.
وقالت المعتزلة: إنه واجب على الله بإيجاب منه على نفسه، لا بإيجاب غيره
علیه.
٤ - في الآية إبماء بترجيح جانب الرحمة والفضل على جانب الغضب
والعدل؛ لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه ﴿شَدِيدِ اٌلْعِقَابِ﴾ ذكر قبله
أمرين، كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، وهو كونه ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ
التَّوْبِ﴾ وذكر بعده ما يدلّ على حصول الرحمة العظيمة، وهو قوله: ﴿ذِى
الطَّوْلِ﴾
ه - إن الجدال لتقرير الباطل لدحض الحق وإبطال الإيمان، بالاعتماد على
الشبهات، بعد البيان القرآني وظهور البرهان الإلهي: كفر وضلال وجحود
لآيات الله وحججه وبراهينه.
والجدال في آيات الله أن يقال مثلاً عن القرآن: إنه سحر أو شعر أو من
قول الكهنة، أو أساطير الأولين، أو إنما يعلّمه بشر، ونحو ذلك.

٣٩٤
لُعُ (٢٤) - غَف ◌ٍ: ٤٠ / ٧-٩
أما الجدال لتوضيح الحق ورفع اللَّيْس والرّد إلى الحق، فهو من أعظم ما
يتقرّب به المتقرِّبون، قال تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِ هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦/٢٩].
٢ - لا يغترن أحد بإمهال الكفرة والعصاة وتركهم سالمين في أبدانهم
وأموالهم يترددون في البلاد للتجارة وطلب المعاش، فإن الله يمهل ولا يهمل،
وإنه وإن أمهلهم فإنه سينتقم منهم كما فعل بأمثالهم من الأمم الماضية.
لاً - المثال المتكرر في القرآن الكريم: هو أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة
برسلها، الذين جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان، وقد لمس الناس
آثار ذلك الهلاك في ديارهم ومساكنهم، لذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾
أي كيف كان عقابي إياهم، أليس وجدوه حقاً؟!
٨ - إن مثل الذي وجب (حق) على الأمم السالفة من العقاب، يجب (يحق)
على الذين كفروا في كل زمان ومكان، سواء من قريش وغيرهم، فهم على
وشك نزول العقاب بهم.
محبة الملائكة حملة العرش للمؤمنين ونصرتهم
﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ
وَأَنَّبَعُوْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْحَيِ ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ اُلَتِى وَعَدَنَّهُمْ
وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآْبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ اٌلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ
اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ

٣٩٥
,٠
الجُ (٢٤) - تَغَافِلٍ: ٤٠ / ٧-٩
القراءات:
﴿ وَقِهِمْ﴾: قرئ:
١ - (وقهِم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (وقهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (وقهِمُ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ
﴿وَمَن صَلَحَ﴾ معطوف على هم ضمير ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾.
﴿ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿وَمَن﴾ اسم موصول، مبتدأ، وخبره جملة ﴿فَقَدْ
ج
رَحِمْتَهُ﴾
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ﴾ هم الملائكة الكروبيون الذين هم أعلى طبقات
الملائكة وأولهم وجوداً، وحملهم العرش عند بعضهم: مجاز عن حفظهم
وتدبيرهم له، و﴿ اَلْعَرْشَ﴾ مركز تدبير العالم، وهو حقيقة، الله أعلم
به ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾ يقرنون التسبيح (تنزيه الله عن كل النقائص) بالحمد
والشكر، فيقولون: سبحان الله وبحمده. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالله تعالى، أي
يصدقون ببصائرهم بوحدانية الله. ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يطلبون المغفرة
لهم، فهم يشفعون لهم ويلهمون المؤمنين ما يوجب المغفرة، ويحملونهم على
التوبة، وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة. ﴿رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي يقولون ربَّنا، وهو بيان لقوله:
﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾. والمعنى: يا ربنا؛ لقد وسعت رحمتك كل شيء، ووسع علمك

٣٩٦
الُعُ (٢٤) - تَغَ فَاءٍ: ٤٠ / ٧-٩
كل شيء. ﴿فَاغْفِرُ﴾ المغفرة: الستر. ﴿تَابُواْ﴾ من الشرك. ﴿وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾
دين الإسلام. ﴿وَقِهِمْ﴾ احفظهم واصرف عنهم. ﴿عَذَابَ الْحَيِمِ﴾ عذاب النار.
﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ إقامة دائمة. ﴿اٌلْعَزِيرُ﴾ القوي الغالب القاهر. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾
في صنعه. ﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ احفظهم من عذابها أي جزاء السيئات. ﴿ وَمَن
تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَبِذٍ﴾ يوم القيامة.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة للمؤمنين، بيَّن
هنا أن أشرف المخلوقات وهم حملة العرش والذين هم حول العرش يبالغون في
إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فلا تبال بالكفرة أيها الرسول، ولا تلتفت
إليهم ولا تُقِمْ لهم وزناً، فإن حملة العرش ومن حوله ينصرونك.
التفسير والبيان:
﴿الَّذِينَ يَحْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إن الملائكة حملة العرش ومن حوله من الملائكة
الكروبيين الذين هم أفضل الملائكة يقرنون بين التسبيح (التنزيه) الدال على
نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات الثناء والتمجيد، ويصدقون
بوجود الله ووحدانيته ولا يستكبرون عن عبادته، فهم خاشعون له، أذلاء بين
يديه، ويطلبون المغفرة للذين آمنوا من أهل الأرض ممن آمن بالغيب.
ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم السلام، فهم يؤمِّنون على دعاء
المؤمن لأخيه المؤمن بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: ((إذا دعا المسلم
لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك بمثله)).
ونحن نؤمن بحمل الملائكة العرش، ونترك الكيف والعدد لله عز وجل،
ورأى بعض المفسرين أن المراد بالحمل: التدبير والحفظ، والعرش أعظم
المخلوقات، ونؤمن به كما ورد.

الُ
(٢٤) - غزفاءٍ: ٤٠ / ٧-٩
٣٩٧
وذكر ابن كثير أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كانوا يوم القيامة كانوا
ثمانية، كما قال تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَنِيَّةٌ﴾(١) [الحاقة: ٦٩/
١٧].
وفائدة وصف الملائكة بالإيمان، مع أن التسبيح والتحميد يكون مسبوقاً
بالإيمان: هو إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء
في غير موضع من كتاب الله بالصلاح لذلك، وكما عقّب أعمال الخير بقوله
تعالى: ﴿ثَُ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧/٩٠] فأبان بذلك فضل الإيمان.
وفائدة أخرى هي التنبيه على أن إيمانهم كغيرهم سواء بطريق النظر
والاستدلال لا غير، لا بالمشاهدة والمعاينة(٢).
وصيغة استغفارهم للمؤمنين هي:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةً وَعِلْمَا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ
سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحَيِ﴾ أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فاستر
واصفح عن الذين تابوا عن الذنوب، واتبعوا سبيل الله وهو دين الإسلام،
واحفظهم من عذاب الجحيم - عذاب النار.
قال خلَف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما
بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بكى، ثم قال: يا خلَف! ما أكرم المؤمن
على الله، نائماً على فراشه، والملائكة يستغفرون له.
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَِّى وَعَدَنَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَابِهِمْ
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ ربنا وأدخلهم جنات
الإقامة الدائمة التي وعدتهم بها على ألسنة رسلك، وأدخل معهم من صلح من
(١)
تفسير ابن كثير: ٧١/٤
الكشاف: ٤٥/٣، تفسير الرازي: ٣٢/٢٧
(٢)

٣٩٨
الُ (٢٤) - تَغَ خالٍ: ٤٠ / ٧-٩
آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، بأن كان مؤمناً موحداً قد عمل الصالحات، اجمع
بينهم وبينهم، تكميلاً لنعمتك عليهم، وتماماً لسرورهم، فإن الاجتماع
بالأهل أكمل للبهجة والأنس، إنك أنت القوي الغالب الذي لا يغالب،
الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك.
ونظير الآية: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنْهُم بِإِيمَانٍ ◌َلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَآ
أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَءِ كُلُّ أَمْرٍِ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ
[الطور: ٢١/٥٢].
قال مُطَرِّف بن عبد الله الشِّخِّير: أنصح عباد الله للمؤمنين: الملائكة، ثم
تلا هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَثَّهُمْ﴾ الآية، وأغشُّ
عباده للمؤمنين: الشياطين.
وقال سعيد بن جُبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة، سأل عن أبيه وابنه
وأخيه، أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما
عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم قرأ سعيد بن جبير هذه الآية:
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ اُلَتِى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ
٨
وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ودعاؤهم إيجابي وسلبي، يشمل دخول الجنان ومنع العقاب، فقال تعالى:
﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُمْ وَذَلِكَ هُوَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ (ج) أي واحفظهم من العقوبات أو العذاب وجزاء السيئات
التي عملوها، بأن تغفرها لهم، ولا تؤاخذهم بشيء منها، وأبعد عنهم ما
يسوؤهم من العذاب، ومن تَقِهِ السيئات يوم القيامة، فقد رحمته من عذابك،
وأدخلته جنتك، وهذا هو الفوز الساحق الأكبر الذي لا فوز أفضل منه.
وفائدة استغفار الملائكة للمؤمنين التائبن الصالحين الموعودين المغفرة وعداً
لا خلف فيه: زيادة الكرامة والثواب.

٦٠
(٢٤) - فاخالٍ: ٤٠ / ٧-٩
٣٩٩
فقه الحياة أو الأحكام:
پفهم من الآيات ما يأتي:
اَ - أخبر الله تعالى عن الملائكة حملة العرش بثلاثة أشياء: التسبيح المقرون
بالتحميد، والإيمان الكامل بالله تعالى وحده لا شريك له، والاستغفار
للمؤمنين شفقة عليهم. ويلاحظ أنه قدم التسبيح والتحميد على الاستغفار،
لأن التعظيم لأمر الله مقدم على الشفقة على خلق الله.
والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق، والتحميد: الاعتراف بأنه هو
المنعم على الإطلاق، والأول إشارة إلى الجلال، والثاني إشارة إلى الإكرام،
﴾ [الرحمن: ٧٨/٥٥].
(٧٨)
كما قال تعالى: ﴿نَبَرَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ
والعرش أعظم المخلوقات، نؤمن به، وندع أمر وصفه لله عز وجل. لكن
يجب تنزيه الله عن التحديد والتجسيم والتكييف والحصر في مكان معين.
٣ - احتج كثير من العلماء بهذه الآية: ﴿اُلَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ﴾ في إثبات أن
الملَك أفضل من البشر؛ لأن الملائكة لما فرغوا من الثناء على الله والتقديس،
اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم، وهم المؤمنون. وهذا يدل على أنهم مستغنون عن
الاستغفار لأنفسهم وإلا لبدؤوا بأنفسهم قبل غيرهم، بدليل قولِه وَله: فيما
رواه النسائي عن جابر ((ابدأ بنفسك)) وقوله تعالى لنبيه: ﴿فَأَعْلَمَّ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩/٤٧] فأمر محمداً وَّ أن
يستغفر لنفسه، ثم لغيره.
١٣ - تدل هذه الآية أيضاً على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين؛ لأن
الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب
النفع الزائد وهو زيادة الثواب للمؤمنين، فإنه لا يسمى استغفاراً.
٤ - قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر
تجري مجرى اعتذار عن زلة سبقت.

٤٠٠
الُهُ (٢٤) - تَغَدَقلٍ: ٤٠ / ٧-٩
هَ - إن الدعاء في أكثر الأحوال يبدأ بلفظ (ربنا) كما فعل الملائكة في
دعائهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ﴾ ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ ومن أرضى الدعاء: أن ينادي
العبد ربه بقوله: (يا رب) .
٩ - السنة في الدعاء: أن يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء
عقيبه، بدليل هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار
للمؤمنين، بدؤوا بالثناء، فقالوا﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾
وكذلك بدأ إبراهيم الخليل بالثناء أولاً على الله الهادي، الرزاق، الشافي،
المحيي، الغفار، ثم قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِلْضَلِحِينَ
[الشعراء: ٨٣/٢٦]. والعقل والأدب يدلان أيضاً على هذا الترتيب.
لاً - وصف الملائكة الله تعالى في ثنائهم بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ
رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ بثلاث صفات: الربوبية والرحمة والعلم، والربوبية إشارة إلى
الإيجاد والإبداع، والرحمة إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح
على جانب الضر، وأنه تعالى خلق الخلق للرحمة والخير، لا للإضرار والشر.
٨ - قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ دليل على
كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات.
٩ - اشتمل دعاء الملائكة على الخير كله وعلى أشياء كثيرة للمؤمنين وهي:
أ - طلب الغفران للتائبين من الشرك والمعاصي، الذين اتبعوا دين
الإسلام.
ب - الوقاية من عذاب جهنم حتى لا يصل إليهم.
جـ - إدخالهم جنات عدن، قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: ما
جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون
والصدّيقون والشهداء وأئمة العدل.