النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
لالُعُ (٢٤) - الزُّفَشَرّ: ٣٩ /٣٢-٣٧
وعلة هذا الجزاء:
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَبَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُ بِأَحْسَنِ الَّذِى
كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣٥) وعدهم الله بما سبق ليكفر عنهم سيئ ما عملوا،
ويجزيهم أجرهم كاملاً بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوئ. وإذا غفر
لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم، غفر لهم ما دونه بطريق أولى. والحسن الذي
يعملونه هو الأحسن عند الله تعالى.
وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل
الوجوه.
ثم ذكر تعالى أنه يكفي المؤمنين في الدنيا ما أهمهم ويمنع عنهم ما يخوفونهم
به ، فقال :
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي إن الله سبحانه يكفي من عَبَده وتوكّل
عليه، فيدفع عنه الويلات والمصائب، ويعطيه جميع المرغوبات، كقوله:
{ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧/٢].
وعبر بلفظ الاستفهام لإنكار النفي، مبالغة في الإثبات، والمراد تقرير ذلك
في النفوس، والإشارة إلى كفايته تعالى على أبلغ وجه وأظهره بحيث لا ينكره
أحد؛ لأنه ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، قادر على كل الممكنات، غني
عن كل الحاجات، فهو تعالى عالم بحاجات العباد، وقادر على توفيرها، وهو
ليس بخيلاً ولا محتاجاً حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء عبده ما يريد.
والمراد بعبده: النبي ◌َّيه وجميع عباد الله، بدليل قراءة ((عبادَه)). روى
الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه
أنه سمع رسول الله وَّر يقول: ((أفلح من هُدي إلى الإسلام، وكان عيشه كَفافاً
وقنع به)) .
٣٢٢
الزُ (٢٤) - الرِّزّ: ٣٩ /٣٢-٣٧
وبعد أن ذكر الله تعالى المقدمة وهي كفاية العباد، رتب عليها النتيجة
المطلوبة فقال :
﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِّ﴾ أي ويخوفك أيها الرسول المشركون
ويتوعدونك بأصنامهم وآهتهم التي يدعونها من دون الله جهلاً منهم وضلالاً ،
فلا تخف مما يخوفونك به من آلهتهم وجنودهم، فإن الله يحميك مما يضرك،
وليس عند آلهتهم نفع ولا ضرر. وقد عرفنا في سبب النزول أن المشركين
خوفوا النبي ◌َّ مضرَّة الأوثان، فقالوا: أتسبّ آلهتنا؟ لئن لم تكُفَّ عن ذكرها
لتخبلنَّك أو تصيبنك بسوء. ولما بعث النبي خالداً إلى كسر العُزّى قال له
سادنها: إني أخاف عليك منها، فلها قوة لا يقدم لها شيء، فأخذ خالد
الفأس، فهشم به وجهها ثم انصرف.
والآية دليل على أن الله يحمي نبيه وَلقر من السوء، ويكفيه وأتباعه الدين
والدنيا؛ إذ لما كان تعالى كافياً عبده، كان التخويف بغيره عبثاً باطلاً.
ثم أبان الله تعالى مدى قدرته وسلطانه ليبطل توعد المشركين ويبين جهلهم،
فقال :
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن قُضِلٍّ)
أي من حق عليه القضاء بضلاله، لسوئه وفسقه وعصيانه، فما له من هاد
يهديه إلى الرشد ويخرجه من الضلالة، ومن يوفقه الله إلى السعادة والإيمان
لاستعداده لهما. فلا مضل له أبداً.
والمراد أن خلق المهتدين والضالين بيد الله، فهو الفاعل، وليس لمن عداه
أي تأثير في ذلك، فلا رادَّ لفضله، ولا مانع لمراده، لذا هدد كفار قريش
قائلاً:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى أَنْتِقَامٍ﴾؟ أي أليس الله بغالب لكل شيء قاهر له،
٣٢٣
الُرُ (٢٤) - الرَّثِّزْ: ٣٩ /٣٢-٣٧
ينتقم من عصاته بعذاب شديد؟ فهو منيع الجناب، لا يضام من استند إلى
جنابه، ولجأ إلى بابه، فإنه القوي الذي لا أقوى منه، ولا أشد انتقاماً منه،
ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله وَله.
والخلاصة: إن الآية وعد للمؤمنين، وعيد لكفار قريش وأمثالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي :
اً - لا أحد عند الله أظلم ممن كذب عليه، فزعم أن له ولداً وشريكاً،
وكذَّب بالقرآن الذي نزل على النبي المصطفى وَّة.
أَ - يكفي هؤلاء الجاحدين مقراً ومقاماً جهنم، وساءت مصيراً.
٣ - إن النبي ◌َ﴾ الذي جاء بالصدق والحق، وأتباعه الذين صدقوا به كأبي
بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، هم المتقون الله حق التقوى، الذي
وحّدوه فلم يشركوا به شيئاً، وتجنبوا عذابه وعقابه ومعاصيه.
٠
٤ - قد أثبت الله تعالى للذي جاء بالصدق وصدق به أربعة أحكام:
الأول - أنهم هم المتقون، كما تقدم.
الثاني - أن لهم ما يشاؤون عند ربهم من الكرامة والنعيم في الجنة، ذلك
جزاء المحسنين وهو الثناء في الدنيا، والثواب في الآخرة. وهذا الوعد يدخل
فيه كل ما يرغب الإنسان فيه، ويدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه.
الثالث - أن الله يكرمهم ولا يؤاخذهم بسيئاتهم، ويثيبهم على الطاعات في
الدنيا بأحسن أعمالهم وهي الجنة. وهذا يدل على سقوط العقاب عنهم على
أكمل الوجوه.
٣٢٤
الُعُ (٢٤) - الرُِّزّ: ٣٩ / ٣٨-٤٠
الرابع - بدد الله كل تخويفات المبطلين التي يرددونها ويشيعونها كثيراً،
بإثبات كفايته عباده وحمايته لهم من كل سوء أو شر، سواء أكان مصدر الجن
أو الإنس الأشرار، أو الأصنام في زعم عبدتها مع أنها لا تضر ولا تنفع. قال
إبراهيم عليه السلام فيما حكى القرآن عنه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ
وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام:
٨١/٦] .
ه - قوله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ دليل على خلق
الأعمال وإرادة الكائنات من الله الذي ينتقم ممن عاداه أو عادى رسله.
ودليل أيضاً على أن من يضله الله بتركه في غيه وضلالته، فما له من هاد يهديه
إلى الخير أبداً، ومن يهده الله إلى الحق والصواب، فما له من مضل أبداً.
تزييف طريقة عبدة الأصنام وتهديدهم
﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم ◌َنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرََّ يْتُمِ مَّا
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوِّةٍ أَوْ أَرَادَنِى
بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَّلُ الْمُتَوَّكِّلُونَ
قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِ عَكَمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٨
من
٣٩
يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ
القراءات:
﴿أَرَادَتِيَ اللَّهُ﴾ :
وقرأ حمزة (أرادنيْ الله).
كَشِفَتُ ضُرٍِّ﴾، ﴿مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهَّ﴾
:
٣٢٥
لِلُعُ (٢٤) - الرّحِزّ: ٣٩ / ٣٨-٤٠
وقرأ أبو عمرو (كاشفاتٌ ضَرَّه، ممسكاتٌ رحمتَه).
الإعراب:
﴿أَفَرَءَ يْتُمِ مَّا تَدْعُونَ﴾ ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ هو المفعول الأول، وجاء المفعول
الثاني جملة استفهامية، وفيها العائد على ﴿مَّا﴾ وهو لفظ (هن).
(ِكَشِفَتُ﴾ ﴿مُمْسِكَتُ﴾ كل منهما خبر المبتدأ، ويقرأ كل منهما
بالتنوين وترك التنوين، فمن نوّن نصب (ضُرّه) و (رحمته) باسم الفاعل، ومن
ترك التنوين جرهما بالإضافة، وهي لا تفيد هنا تعريفاً؛ لأنها في نية
الانفصال؛ لأن اسم الفاعل ليس بمعنى الماضي، والأصل هو التنوين، وإنما
يحذف للتخفيف.
البلاغة:
﴿ضُرٍِّ﴾ و﴿رَحْمَتِهِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَيْنِ﴾ اللام لام القسم. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح البرهان على تفرده
بالخالقية.﴿قُلْ أَفَرَءَيْتُم ◌َّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ
كَشِفَتُ ضُرٍِِّ﴾ أي أرأيتم بعدما تحققتم أن خالق العالم هو الله وليست
آلهتكم، إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه، أو أرادني بنفع هل بمسكنه
عني؟ لا، و﴿تَدْعُونَ﴾ تعبدون، و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام. والضر: الشدة
والبلاء، والرحمة: النعمة والرخاء. وقال: ﴿كَشِفَتُ﴾ و﴿ مُمْسِكَتُ﴾: لما
يصفونها به من الأنوثة، تنبيهاً على ضعفها.
﴿حَسْىَ اللَّهُ﴾ كافياً في إصابة الخير ودفع الضر، وتقرر بهذا أن الله هو
القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر ﴿عَلَيْهِ يَنَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ يثق
٣٢٦
لُ (٢٤) - الزَُّثِّرّ: ٣٩ / ٣٨-٤٠
الواثقون لعلمهم بأن الكل منه تعالى ﴿عَلَى مَكَانَئِكُمْ﴾ على حالكم، وهو
اسم للمكان استعير للحال . ﴿إِنِ عَمِلُ﴾ على مكانتي أي على حالتي،
فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد .﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ
يُخْزِيهِ﴾ فإن خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر ﴿ وَيَحِلُ عَلَيْهِ
عَذَابٌ مُّقِيمُ﴾ عذاب دائم، وهو عذاب النار.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٨):
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ﴾: روي عن مقاتل أن النبي ◌َّ سألهم، فسكتوا، فنزل
ذلك. وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئاً قدّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين، عاد إلى إقامة
الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام، معتمداً على أصلين:
الأول - أن هؤلاء المشركين مقرُّون بوجود الإله الخالق القادر العالم.
والثاني - أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر.
التفسير والبيان:
أقام الله تعالى الدليل على وحدانيته بإقرار المشركين أنفسهم بذلك، فقال:
﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمِ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ﴾ أي إذا سألت
المشركين عن خالق السماوات والأرض، اعترفوا بأنه هو الله سبحانه، مع
عبادتهم للأوثان. وإذا اعترفوا، فكيف قبلت عقولهم عبادة غير الخالق،
وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ مع أن هذه المعبودات لا تملك لأنفسها
نفعاً ولا ضراً، كما قال موبخاً لهم:
٣٢٧
الُعُ (٢٤) - الزَُّثِّرّ: ٣٩ / ٣٨-٤٠
﴿قُلْ أَفََّيْتُمِ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرِّ هَلْ هُنَّ كَثِفَتُ
ضُرِِّةٍ أَوْ أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ،﴾؟ أي إذا أقررتم بأن الله
تعالى خلق الأشياء كلها، فأخبروني عن آلهتكم هذه، هل تقدر على كشف ما
أراده الله بي من الشدة والضرر، أو هل تستطيع أن تمنع عني ما أراده الله لي من
الخير والنعمة والرخاء؟ وإذا كانت في الواقع لا تملك شيئاً ولا قدرة لها على
شيء، فكيف تجوز عبادتها؟! وأنث قوله: ﴿هُنَّ كَشِفَتُ﴾ و﴿هُنَ
مُمْسِكَتُ﴾ وهي الأصنام للتنبيه على كمال ضعفها وتحقيرها وتعجيزها، فإن
الأنوثة مظنة الضعف، ولأنهم كانوا يصفونها بالتأنيث ويسمونها: اللات
والعزى ومناة.
﴿قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ قل أيها النبي: الله كافيني أو
كافيّ في جميع أموري من جلب النفع ودفع الضر، فلا أخاف تلك الأصنام
التي تخوفونني بها، وإنما أخاف الله الذي عليه لا على غيره يتوكل المؤمنون،
ويعتمد المعتمدون.
وذلك كما قال هود عليه السلام: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ
قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوْاْ أَنِى بَرِىءٌ مِّمَا تُشْرِكُونَ
مِن دُونِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا
٥٤
ثُمَّ لَا نُظِرُونِ ﴿ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ
بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (13)
﴾ [هود: ٥٤/١١-٥٦] .
أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس
قال: كنت خَلْف النبيِ وَاللّ فقال: ((يا غلام، إني أُعلّمك كلمات: احفظ الله
يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت
فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا
بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضروك إلا
بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجَفَّت الصحف.
٣٢٨
الزُ (٢٤) - الرَّثِزّ: ٣٩ / ٣٨-٤٠
واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً،
وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضاً، رفع الحديث إلى رسول الله
قال: ((من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحبّ أن
یکون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في یدیه، ومن
أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل)) .
ثم هدّد الله المشركين وأوعدهم بقوله:
جَ مَن
﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَمِلُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ ﴾﴾ أي قل أيها النبي: يا
قومي، اعملوا ما شئتم، اعملوا على حالتكم وطريقتكم التي أنتم عليها من
عداوة رسالتي، واعتداد بالقوة والشدة، واجتهدوا في أنواع المكر، فإني على
حالتي ومنهجي وطريقتي التي أنا عليها في الدعوة إلى توحيد الله ونشر دينه بين
الناس، فسوف تعلمون وبال ذلك، ومن سيأتيه عذاب يهينه ويذله في الدنيا
بعد افتخاره واستكباره، فيظهر عندئذ أنه المبطل وخصمه المحقّ، ويحل عليه
عذاب دائم مستمر لا محيد له عنه يوم القيامة، وهو عذاب النار.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تدرجت في الإثبات من وجوب الاعتقاد بوحدانية الله إلى
ضرورة عبادته وحده، إلى معرفة علمه وقدرته وتمكنه من إنفاذ تهديده ووعيده
في الوقت المناسب.
ولكن ما أغبى المشركين وأجهلهم وأحمقهم وأسخفهم !! إنهم مع عبادتهم
الأوثان مقرّون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق القادر العالم
الحكيم الرحيم، فكيف يعبدون سواه؟ وكيف يخوفون رسول الله وَلّ بآلهتهم
٣٢٩
الُ (٢٤) - الرُّفِرّ: ٣٩ /٣٨-٤٠
الخرقاء العاجزة التي هي مخلوقة لله تعالى، وهو رسول من عند الله الذي
خلقها وخلق السماوات والأرض؟!
٠
وبعد اعترافهم بهذا، ألا يدركون أن هذه الأصنام جمادات صمّ، لا تسمع
ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر؟ فإن أراد الله عبده بشدة وبلاء، فلا تستطيع هذه
الأصنام دفعه ورفعه وإزالته، وإذا أراد الله إمداد عبده بنعمة ورخاء، فلا
تتمكن من حجب رحمته وإمساكها ومنعها، وترك الجواب لدلالة الكلام
عليه، يعني فسيقولون: لا تكشف ولا تمسك.
وأما المؤمن أو العاقل، فإنه لا يلتفت إلى تخويف المشركين بالأصنام الصمّ
كما في الآية السابقة: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، ويعلن أنه معتمد
على الله، متوكل عليه، ويجب أن يعتمد عليه المعتمدون.
كذلك يصر المؤمن بالبقاء على منهجه وطريقته في عبادة الله وحده ويهزأ
بكل من ضلَّ عن هذا المنهج، وسوف تنجلي الحقائق، وتتبين ما تتمخض عنه
الأحداث والأيام، ويدرك الكفار أنهم مهزومون، واقعون في عذاب مهين
مذل في الدنيا، وعذاب شديد دائم في الآخرة.
والخلاصة: كما يقول المثل: (من فَمِك أُدينُكَ يا إسرائيل) : إنه تعالى
انتزع منهم الإقرار بأن خالق العالم هو الله، ثم سألهم أو استخبرهم عن
أصنامهم: هل تدفع شراً وتجلب خيراً؟ لبيان عدم صلاحيتها للألوهية
والربوبية، وللتنبيه على الجواب عن قوله تعالى المتقدم: ﴿ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ
مِن دُونِدِّ﴾ فهي معدومة الهيبة والإخافة.
٣٣٠
لُحُ (٢٤) - الزَُّثِزّ: ٣٩ /٤١-٤٨
مظاهر القدرة التامة والعلم الكامل لله عز وجل
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ أُهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن
ضَلَ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴿ اللَّهُ يَتَوَنَ اُلْأَنْفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا وَالَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
أَمِ اَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَةً قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا
يَعْقِلُونَ ﴿﴿ قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
٤٤
تُرْجَعُونَ
بِالْآَخِرَةٌ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَّحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمَثْلَهُ, مَعَهُ.
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (ج)
لَاَفْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوْءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ
٤٨
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
٤٧
القراءات:
﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (قُضِيَ عليها الموتُّ).
الإعراب:
﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً﴾: ﴿وَأَلَّتِى﴾
معطوف بالنصب على ﴿اَلْأَنْفُسَ﴾ أي ويتوفى التي لم تمت في منامها. ﴿وَيُرْسِلُ
الْأُخْرَى﴾ أي الأنفس الأخرى: وهي التي لم يقض عليها الموت، فحذف
الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، و﴿إِلَى أَجَلِ مُسَمِّىَّ﴾ منصوب بـ ﴿وَيُرْسِلُ﴾.
٣٣١
الجُرُ (٢٤) - الزُّفِزّ: ٣٩ /٤١-٤٨
﴿الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾ (جَمِيعًا﴾ حال من ﴿الشَّفَعَةُ﴾. وإنما قال (جَمِيعًا﴾
و﴿ الشَّفَعَةُ﴾ واحد في لفظه؛ لأنه مصدر، والمصدر يدل على الجمع، كما
يدل على الواحد، فحمل جميعاً على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ ﴿وَحْدَهُ﴾ إما منصوب على المصدر، بحذف
الزيادة؛ لأن أصله (أوحد إيجاداً) أو على الحال أو على الظرف، والوجه
الأول أوجه الوجوه. و﴿وَإِذَا﴾ الأولى شرطية، والثانية فجائية كالفاء التي
تربط الجواب بالشرط.
البلاغة:
﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ استفهام إنكار.
﴿اَلْغَيْبِ﴾ و﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾ بينهما طباق، وكذا ﴿أُهْتَدَى﴾ و﴿ضَلَّ﴾.
﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أُشْمَأَزَّتْ﴾ فيها مقابلة بين الله تعالى والأصنام،
وبين الاستبشار والاشمئزاز. والمقابلة: أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما
يقابل ذلك على الترتيب، وهو من المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِثَبَ لِلنَّاسِ﴾ نزلنا عليك القرآن لأجل الناس؛
ليحقق مصالحهم الدنيوية والأخروية. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿أَنزَلْنَا﴾ أي ملتبساً
بالحق ملازماً له.
﴿فَمَنِ أُهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فاهتداؤه نفع به نفسه.﴿فَإِنَّمَا يَضِلُ
عَلَيَّهَا﴾ على نفسه، أي فإن وباله لا يتخطاها . ﴿وَمَّآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾
أي بموكّل عليهم لتجبرهم على الهدى، بل عليك البلاغ فحسب.
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ يقبضها عند انتهاء آجالها. ﴿وَأَِّى لَمْ تَمُتْ فِى
٣٣٢
الُعُ (٢٤) - الزُِّزّ: ٣٩ /٤١-٤٨
مَنَامِهَاً﴾ أي ويتوفى غير الميتة وقت النوم، وهي التي لم يحضر أجلها،
يتوفاها في منامها. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا اُلْمَوْتَ﴾ ولا يردها إلى البدن
الذي خرجت منه. ﴿ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىِّ﴾ أي النائمة. ﴿إِلَى أَجَلِ تُسَمَّىَّ﴾ أي إلى
وقت موتها . ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ المذكور من التوفي والإمساك والإرسال.
﴿لَيَتٍ﴾ دلالات على كمال قدرة الله وحكمته. ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في
الحياة والموت، فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، وقريش لم
يتفكروا في ذلك.
﴿أَمِ أَتَّخَذُواْ﴾ بل اتخذت قريش. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ أي اتخذوا
الأصنام آلهة عند الله بزعمهم، تشفع لهم عند الله. ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا
يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ قل لهم: أيشفعون، ولو لم يملكوا الشفاعة وغيرها؟ لا ﴿وَلَا
يَعْقِلُونَ﴾ أنكم تعبدونهم، ولا يعقلون غير ذلك.
﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾ أي هو مختص بها ومالك الشفاعة كلها، فلا
يشفع أحد إلا بإذنه، ولا يستقل بها أحد . ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾
مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه .﴿ثُمَّ إِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ﴾ فيكون الملك له أيضاً حينئذ . ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي دون
آلهتهم. ﴿أَشْمَأَزَتْ﴾ نفرت وانقبضت، والاشمئزاز: أن يمتلئ غماً، فيحدث
انقباض في القلب، وضيق في النفس، يظهر أثره في الوجه ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ
مِن دُونِهِ﴾ أي الأصنام. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ الاستبشار: امتلاء القلب سروراً،
حتى تنبسط له بشرة الوجه. ويستبشرون هنا لفرط افتتانهم بالأصنام ونسيانهم
حق الله تعالى.
﴿اَللَّهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ مبدعها. ﴿عَلِمَ اُلْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ﴾ ما غاب وما شوهد . ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ أي فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم، في أمر الدين، اهدني
الزُ (٢٤) - الزُِّزّ: ٣٩ /٤١-٤٨
٣٣٣
لما اختلفوا فيه من الحق. ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ سيئات أعمالهم أو
كسبهم حين تعرض صحائفهم .﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ وأحاط
بهم جزاؤه.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٥):
﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾: أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنها نزلت في قراءة
النبي ◌َّ النجم عند الكعبة وفرحهم عند ذِكْره الآلهة. أي قوله تعالى:
الآيات من سورة
٢٠
) وَمَنَوَّةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ
﴿أَفَرَّهَ يُّ أَلَّلْتَ وَالْعُزَّى
النجم [١٩/٥٣-٢٣].
المناسبة:
بعد بيان أدلة وحدانية الله وقدرته، وتوضيح فساد مذاهب المشركين
بالأدلة والبراهين، وإتباعه بالوعد والوعيد، سرّى الله عن قلب نبيه وَلا ضيقه
وانزعاجه لإصرارهم على الكفر، وأزال عنه الخوف، فأعلمه بإنزال القرآن
العظيم عليه بالحق لنفع الناس واهتدائهم به، وهذا أول مظاهر قدرته. ثم
أتبعه بمظهرين آخرين للقدرة هما قبضه الأرواح بانتهاء آجالها، وكونه مالك
الشفاعة، ثم ذكر بعدهما بعض قبائح المشركين وعيوبهم واشمئزازهم من ذكر
الله.
٠
ثم أردف كل ذلك بأمور ثلاثة:
الأول - ذكر الدعاء العظيم المتضمن وصف الله بالقدرة التامة في قوله:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ ثم وصفه بالعلم الكامل في قوله:
عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾.
:
٣٣٤
لِجُ (٢٤) - الرَّحِزّ: ٣٩ /٤١-٤٨
الثاني - ظهور أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم في قوله: ﴿وَبَدَا لَهُم
مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾.
الثالث - ظهور آثار تلك السيئات التي اكتسبوها في قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ
سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾.
التفسير والبيان:
يخاطب الله رسوله محمداً وَليل بقوله:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي إنا نحن رب العزة وإله
الكون نزَّلنا عليك يا محمد القرآن العظيم، لأجل الناس، أي والجن، ولبيان
ما كُلِّفوا به، وإنذارهم به، أنزله ربك مقروناً مصحوباً بالحق ملتبساً به، وهو
دين الإسلام. قال الزمخشري: ﴿لِلنَّاسِ﴾ لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه،
لِيُبَشَّروا ويُنْذَروا، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية، ولا حاجة
لي إلى ذلك فأنا الغني، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه، ومن اختار الضلالة
فقد ضرّها(١)، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اُهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم
بِوَكِيلٍ﴾ أي فمن عرف طريق الحق وسلكها، فاهتداؤه لنفسه، ويعود نفع
ذلك إلى نفسه، ومن حاد عن طريق الحق، فضلاله على نفسه، ويرجع وبال
ذلك على نفسه، وما أنت أيها الرسول بموكل أن يهتدوا، ولا بمكلف في
حملهم على الهداية، بل عليك البلاغ، وقد فعلت، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ
نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢/١١] وقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
اَلْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠/١٣] وقوله عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ
[الغاشية: ٢١/٨٨-٢٢].
مُذَكِرٌ ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
(١) الكشاف: ٣٣/٣
٣٣٥
الُعُ (٢٤) - الزَّكِزّ: ٣٩ / ٤١-٤٨
ثم ذكر الله تعالى نوعاً آخر من أنواع قدرته وتصرفه في الوجود، بعد إنزال
القرآن، فقال:
﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَتِ لَمْ تَمُتَّ فِى مَنَامِهَاً﴾ أي إن الله
هو الذي يقبض الأنفس أو الأرواح حين انقضاء آجالها بالموت، الوفاة
الكبرى، بما يرسل من الملائكة الذين يقبضونها من الأبدان، ويقطع تعلقها
بالأجساد.
وكذلك يتوفى الأنفس التي لم يأت أجلها الوفاة الصغرى عند المنام، تشبيهاً
للنائمين بالموتى، حيث يمنعهم من التمييز والتصرف كالموتى بالفعل، مع بقاء
الأرواح في أبدانهم.
﴿فَيُمْسِكُ الَِّى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلِ تُسَمِّىَّ إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي يمسك الأنفس والأرواح التي قضى
عليها الموت الحقيقي، أي لا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه، ويرسل النفس
النائمة إلى الأجساد حين اليقظة، بأن يعيد إليها إحساسها، إلى أجل مسمى،
هو وقت الموت.
إن في ذلك المذكور من التوفي التام والإمساك لنفوس، والإرسال لنفوس
أخرى لعلامات عجيبة دالة على كمال قدرة الله الباهرة، وحكمته البديعة.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم
بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىّ أَجَلٌ مُسَنَّىٌ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِئُكُم بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهٌِّ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَآءَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٦٠/٦- ٦١] فذكر
الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية هنا ذكر الكبرى ثم الصغرى،
وقال النبي ◌َّر: ((لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تصحون)).
٣٣٦
الزُءُ (٢٤) - الزَُّزّ: ٣٩ / ٤١-٤٨
واختلف العلماء في النفس والروح
هل هما شيء واحد أو شيئان؟ قال ابن عباس: إن في ابن آدم نَفْساً
وروحاً، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس: التي بها العقل والتمييز،
والروح: هي التي بها النفَس والتحريك، فيتوفيان عند الموت، وتتوفى النفس
وحدها حين النوم. والأظهر أنهما شيء واحد، كما تدل الآثار الصحاح
الآتية في استنباط الأحكام.
وقال الرازي: النفس الإنسانية: عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق
بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء، وهو الحياة. ففي وقت الموت: ينقطع
تعلقه عن ظاهر البدن وباطنه، وذلك هو الموت. وأما في وقت النوم فإنه
ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن دون باطنه، فثبت أن الموت والنوم من جنس
واحد، إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض
الوجوه (١).
ونظراً لشبه النوم بالموت في بعض الأوجه، إذ النوم موت أصغر، والموت
نوم أكبر، يسنّ عند النوم الدعاء التالي، ورد في صحيحي البخاري ومسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أوى أحدكم إلى
فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك
ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها
فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) . وخرج البخاري عن حذيفة قال:
كان رسول الله وَ﴿ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده؛ ثم يقول:
((اللهم باسمك أموت وأحيا)) وإذا استيقظ قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما
أماتنا وإليه النشور)).
(١) تفسير الرازي: ٢٨٦/٢٦
٠
٣٣٧
لُُُ (٢٤) - الرَُّثِّرّ: ٣٩ /٤١-٤٨
ثم ذم الله تعالى اتخاذ المشركين شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد
التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئاً من
الأمر، إذ هي جمادات لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، فقال:
(أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءٌ﴾ أي بل هل اتخذوا من دون الله آلهة
شفعاء تشفع لهم عند الله؟ أي لا ينبغي لهم ذلك، وردّ الله عليهم بقوله :
﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي قل لهم أيها
النبي وأخبرهم: كيف تتخذون تلك الأصنام شفعاء لكم، وهم لا يملكون
شفاعة ولا غيرها، ولا يعقلون شيئاً من شفاعة أو غيرها، ولا يدركون أنكم
تعبدونهم؟
ثم أعلمهم الله تعالى بصفة جازمة عن ملكه بنفسه جميع أنواع الشفاعات
قائلاً: ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
﴾ أي إن الله تعالى هو مالك جميع أنواع الشفاعة، وليس لأحد منها
٤٤
شيء، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ارتضاه وأذن له، كما قال: ﴿مَن ذَا
الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِّ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢] وقال: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ
أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨/٢١].
والسبب أن الله تعالى هو مالك السماوات والأرض، وهو المتصرف في
جميع شؤونها، وإليه مصيركم بعد البعث. وعليه، تجب العبادة لمالك النفع
والضر في الدنيا، ومالك الجزاء والحساب في الآخرة على جميع الأعمال. وفي
هذا تهديد ووعيد بالاعتماد على من دون الله في أي شيء.
ثم ذكر الله تعالى بعض قبائح المشركين وغرائبهم، فقال:
﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةٌّ وَإِذَا
ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾﴾ أي إن من سيئات المشركين
٣٣٨
الزُ (٢٤) - الرُّهَّرّ: ٣٩ /٤١-٤٨
الكبرى أنه إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، انقبضوا ونفروا واغتاظوا؛ لأنهم لا
يؤمنون بالله ولا بالبعث بعد الموت، وإذا ذكر الذين من دونه، أي الأصنام
والأنداد، أو الآلهة المزعومة، كاللات والعُزَّى ومناة، كما ورد في سورة
النجم، إذا هم يفرحون ويسرّون. ومدار المعنى على قوله: ﴿وَحْدَهُ﴾ أي إذا
أفرد الله بالذكر، ولم يذكر معه آلهتهم، اشمأزوا، أي نفروا وانقبضوا، وإذا
ذكرت آلهتهم مع الله سروا وفرحوا.
وذلك يدل على الجهل والحماقة؛ لأن ذكر الله أساس السعادة وعنوان
الخير، وأما ذكر الأصنام وهي الجمادات، فهو رأس الجهالة والحماقة.
قال الزمخشري: ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز؛ إذ كل واحد منهما
غاية في بابه؛ لأن الاستبشار: أن يمتلئ قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه
ويتهلل. والاشمئزاز: أن يمتلئ غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه.
وبعد بيان مذمة المشركين وفساد عقولهم في حبهم للشرك ونفرتهم من
التوحيد، أمر الله نبيه بالالتجاء إليه والدعاء المنجي من لوثاتهم، فقال:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ
عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ أي ادع الله قائلاً: يا الله خالق
السماوات والأرض، ويا عالم السر والعلانية، أنت تفصل بين عبادك، يوم
المعاد، فتجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءته، حتى يظهر المحق
من المبطل، وترتفع خلافاتهم التي كانت بينهم في الدنيا. وفطر السماوات
والأرض: جعلها على غير مثال سابق.
وقوله: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ دليل على صفة الله بالقدرة التامة،
وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ دليل على وصف الله بالعلم الكامل، وإنما
قدم ذكر القدرة على ذكر العلم؛ لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على العلم
بكونه عالماً.
دـ
٣٣٩
◌ُلُهُ (٢٤) - الزُّفَرّ: ٣٩ / ٤١-٤٨
أخرج مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان
رسول الله ﴾ إذا قام من الليل، افتتح صلاته: اللهم ربِّ جبريل ومیکائيل
وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين
عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك
تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) .
وأخرج الإمام أحمد الحديث المتقدم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال: إن رسول الله وَ﴿ه قال: ((من قال: اللهم فاطر السماوات والأرض،
عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا
أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى
نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل
لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله عز وجل
لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهداً، فأوفوه إياه، فيدخله الله
الجنة)).
وأخرج أحمد أيضاً والترمذي عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصديق:
((أمرني رسول الله وَال أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت
مضجعي من الليل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة،
لا إله إلا أنت، ربُّ كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان
وشركه، أو أقترف على نفسي سوءاً أو أجرّه على نفسي)).
ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أشياء في وعيد هؤلاء المشركين، فقال:
أَ - ﴿وَلَوَ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمَثْلَهُ, مَعَهٍُ لَأَفْتَدَوْاْ بِهِ،
مِن سُوّءٍ اُلْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي ولو أن هؤلاء الكفار المشركين ملكوا كل ما
في الأرض من الأموال والذخائر، وملكوا مثله معه أي منضماً إليه، لجعلوا
الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد يوم القيامة، جزاء ظلمهم. وهذا
وعيد شديد وإقناط نهائي من الخلاص.
٣٤٠
الجُرُ (٢٤) - الرُِّرّ: ٣٩ /٤١-٤٨
أَ - ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اُللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ أي وظهر لهم من أنواع
العقاب والسخط والعذاب المعد لهم، ما لم يكن في حسابهم ولا خطر في بالهم
وهذا يقابل صفة الثواب في الجنة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر)). وهو مأخوذ من الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ
لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧/٣٢].
◌َ - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
﴾ أي وظهر لهم جزاء وآثار تلك السيئات والمآثم التي اكتسبوها في الدنيا،
٤٨
وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا، من
إنذار الرسول # الذي كان ينذرهم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - آنس الله نبيه عما كان يعظم عليه ويُحزنه من عدم إيمان قومه، وأخبره
أنه أنزل عليه النعمة العظمى، وهو القرآن المجيد مصحوباً بالحق، وهو دين
الإسلام، لينتفع به الناس، ويحققوا حاجاتهم.
فمن اهتدى، فثواب هدايته إنما هو له، ومن ضلَّ عن الحق، فعقاب
ضلاله إنما هو عليه.
وليس النبي ◌َّلل بموكل عليهم ولا ذا سلطان قاهر، حتى يجبرهم على
الإيمان.
أَ - من مظاهر قدرة الله تعالى العظيمة أنه يقبض الأنفس والأرواح عند
انتهاء آجالها، ويقبض الأنفس عن التصرف في الأجسام، ويمسك أرواح
الموتى في الملأ الأعلى، ويرد الأنفس إلى الأجساد بعد النوم، فيطلقها بالتصرف
إلى أجل موتها. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء