النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
الُ (٢٣) السورة (٣٩) الزِّّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الرِّير
مكية، وهي خمس وسبعون آية
تسميتها:
سميت سورة (الزُّمَر) لأن الله تعالى ذكر في آخرها زمرة الكفار الأشقياء مع
الإذلال والاحتقار [٧١-٧٢] وزمر المؤمنين السعداء مع الإجلال والإكرام
[٧٣-٧٥].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة (صّ﴾ من وجهين:
الأول - أنه تعالى ختم سورة (صَّّ﴾ واصفاً القرآن بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا
﴾ وابتدأ هذه السورة بقوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ إ
اَلْحَكِيمِ (4) فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل، فهما كالآية الواحدة، بينهما
اتصال وتلاحم شدید.
الثاني - ذكر تعالى في آخر ﴿صَّّ﴾ قصة خلق آدم عليه السلام، وذكر في
القسم الأول من هذه السورة أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، متصلاً بخلق
آدم المذكور في السورة المتقدمة.

٢٦٢
لِلُءُ (٢٣) السورة (٣٩) الثّقْرّ
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة الحديث عن التوحيد وأدلة وجود الله ووحدانيته،
وعن الوحي والقرآن العظيم.
ابتدأت هذه السورة ببيان تنزيل القرآن الكريم من الله تعالى على رسوله
وَ له، وأمر الرسول وَل بإخلاص الدين لله، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات،
وتوضيح شبهة المشركين في اتّخاذ الأصنام آلهة شفعاء، وعبادتها وسيلة إلى الله
تعالى، والنّعي عليهم في عبادة الأوثان.
وأردفت ذلك بإقامة الأدلة على وحدانية الله، من خلق السماوات
والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وخلق الإنسان
في أطوار مختلفة متعاقبة، ثم نددت بطبيعة المشرك وتناقضه حين يدعو الله حال
الضر، وينساه حال الرخاء. ثم عادت لإيراد بعض هذه الأدلة كإنزال المطر
وإنبات النبات.
ثم ذكرت مقارنة بين المؤمنين وبين الكافرين، حيث يسعد الأوائل في الدنيا
والآخرة، ويشقى الآخرون فيهما، ويتمنون الفداء حين يرون العذاب.
وأشادت بعظمة القرآن الكريم حيث تقشعر من آياته جلود المؤمنين
الخائفين، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله، على عكس المشركين الذين
تنقبض قلوبهم عند سماع توحيد الله، كما أن القرآن يتضمن أمثالاً للناس
لعلهم يتذكرون.
ومن هذه الأمثال يتضح الفرق بين من يعبد إلهاً واحداً، وبين من يعبد آلهة
متعددة لا تسمع ولا تجيب، كالعبد المملوك لسيد واحد، والمملوك لعدة
شركاء متخاصمين فيه، ثم ردَّ تعالى على المشركين الذين يتخذون الأصنام
شفعاء من دون الله، ولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون.
:

٢٦٣
لُ (٢٣) السورة (٣٩) الزَُّّ
وأخبر الله تعالى عن موت النَّبي وَ له وموت أصحابه، وأن الله هو المهيمن
على الأرواح، فيتوفّى بعضها في أجلها، ويترك بعضها إلى أجل آخر.
ثم فتح باب الأمل أمام المسرفين، ووعدهم بمغفرة ذنوبهم إذا تابوا،
وأوضح ما يرى على وجوه الذين كذبوا على الله أهل النار يوم القيامة من كآبة
وحزن.
وأعقب ذلك ببيان أحوال القيامة، وحدوث نفختين: الأولى للإماتة،
والثانية للإحياء من القبور، ثم يأتي الحساب والقضاء بالحق، وإيفاء كل نفس
ما عملت.
وختمت السورة بتقسيم الناس يوم القيامة فريقين: فريق الكافرين الذين
يساقون زمراً وجماعات إلى جهنم، ويشاهدون من أهوال المحشر، وفريق
المؤمنين الذين يساقون إلى الجنان وتحييهم الملائكة، ويشاهدون في الجنة النعيم
المقيم الذي يستدعي الحمد التام لله رب العالمين، ويرون الملائكة حافين حول
العرش يسبحون بحمد ربهم.
فضلها:
أخرج النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صَ لّ يصوم
حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان
وَلم يقرأ في كل ليلة: بني إسرائيل - أي الإسراء - والزُّمَر.

٢٦٤
الُ (٢٣) - الرَُّثِرّ: ٣٩ /١-٤
مصدر القرآن والأمر بالعبادة الخالصة لله تعالى
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
﴿تَزِيلُ اُلْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
أَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُنَّ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ
مِن دُونِهِ: أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَبُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارٌ ﴿ لَّوْ
أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ
اُلْقَهَارُ
الإعراب:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿تَنزِيلُ﴾: مبتدأ، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبره،
ويجوز كونه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل. وقرئ (تنزيلَ) بالنصب،
على إضمار فعل نحو اقرأ أو الزم.
﴿ وَاُلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وخبره
محذوف، تقديره: يقولون: ما نعبدهم، ويجوز جعل الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ
بَيْنَهُمْ﴾. ويكون ((يقولون)) المحذوف حال في ضمير ﴿أُتَّخَذُواْ﴾ تقديره:
والذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين: ما نعبدهم. وجملة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ في
موضع نصب بـ ((يقولون)) المقدر؛ لأن الجمل تقع بعد القول محكية في موضع
نصب.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْكِتَبِ﴾ القرآن ﴿اٌلْعَزِيزِ﴾ القوي في ملكه ﴿اٌلْحَكِيمِ﴾ في صنعه،
يضع الأشياء في موضعها المناسب ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿اَلْكِتَبَ
بِالْحَقِّ﴾ بالحق متعلق بـ ﴿أَنزَلْنَا﴾ أي متلبساً بالحق، قائماً عليه، أو بسبب

٢٦٥
الْجُرُ (٢٣) - الزَُّرّ: ٣٩ /١-٤
إثبات الحق وإظهاره وتفصيله ﴿فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ ممحضاً له
الدين، خالياً من الشرك والرياء، أي موحداً الله.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي لله وحده الدين صافياً نقياً، لا يستحقه
غيره؛ لأنه المنفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر.
﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي المتخذون من دون الله نصراء
وهم كفار مكة الذين اتخذوا الأصنام آلهة. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ يقولون: ما نعبدهم.
﴿زَلْفَى﴾ قربى، مصدر بمعنى التقريب. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُّمُ بَيْنَهُمْ﴾ وبين
المسلمين. ﴿فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونٌَ﴾ من أمر الدين، فيُدخل المؤمنين الجنة،
والكافرين النار.
﴿لَا يَهْدِى﴾ لا يوفق للاهتداء إلى الحق. ﴿مَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ في نسبة الولد
إليه. ﴿كَفَّارٌ﴾ شديد الكفر بعبادته غير الله.
﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما قال المشركون: ﴿أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾.
﴿لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ لاختار من خلقه ما يشاء غير ما قالوا: إن
الملائكة بنات الله، وعزير ابن الله، والمسيح ابن الله. ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيهاً له
عن اتخاذ الولد . ﴿اَلْقَهَارُ﴾ القاهر كل شيء من خلقه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣):
﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ﴾: أخرج جويبر عن ابن عباس في هذه الآية قال:
أنزلت في ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثان،
ويقولون: الملائكة بناته، فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
التفسير والبيان:
﴾ أي هذا الكتاب العظيم
تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

٢٦٦
الُ (٢٣) - الزُِّزّ: ٣٩ /١-٤
وهو القرآن تنزيل من الله تعالى، العزيز الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء،
الحكيم في صنعه، يضع الأشياء في مواضعها المناسبة، فهو الحق الذي لا مرية
نَزَّلَ بِهِ اُلُوعُ
١٩٢
فيه ولا شك، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَُّ لَنَفْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
اُلْأَمینُ
١٩٣
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
٩٤
◌ِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ
١٩٥
[الشعراء: ١٩٢/٢٦-١٩٥] وقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ، لَّا يَأْنِيهِ
[فصلت: ٤١/
الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
٤١ - ٤٢] .
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ﴾ أي إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن
مقترناً بالحق، أي إن كل ما فيه حق، من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد
وأنواع التكاليف الشرعية، ولم ننزله باطلاً لغير شيء.
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ﴾ فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق
إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده، وأنه ليس له شريك
ولا عديل ولا نديد. والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه،
ولا يقصد شيئاً آخر. والدين: العبادة والطاعة، ورأسها توحيد الله، واعتقاد
أنه لا شريك له. ولهذا قال تعالى مؤكداً هذا المعنى:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي ألا لله العبادة والطاعة الخالصة من شوائب
الشرك والرياء وغيره. وأما ما سواه من الدين فليس بدين الله الخالص الذي
أمر به، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل الله وحده لا
شريك له. وقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ يفيد الحصر، أي أن يثبت الحكم في المذكور،
وينتفي عن غيره.
وإذا كان رأس العبادة الإخلاص لله، فطريق المشركين مذموم، كما قال
تعالى :
﴿ وَأَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اَللَّهِ

٢٦٧
الجُعُ (٢٣) - الزُّظَرّ: ١/٣٩-٤
زُلْفَىَ﴾ أي وأما المشركون الذين والوا غير الله تعالى، وهي الأصنام التي
عبدوها من دونه، فيقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله تقريباً، ويشفعوا
لنا عنده في حوائجنا.
وهؤلاء عاقبتهم وخيمة كما قال تعال مهدداً لهم:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونٌَ﴾ أي إن الله يحكم بين
أهل الأديان يوم القيامة، ويفصل في خلافاتهم، ويجزي كل عامل بعمله،
فُيُدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويُدخل المشركين النار.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارٌ﴾ أي إن الله لا یرشد لدينه،
ولا يوفق للاهتداء إلى الحق، من هو كاذب مُفْتَرٍ على الله، في زعمه أن لله
ولداً، وأن الآلهة تشفع له وتقربه إلى الله، مُغالٍ في كفره باتخاذ الأصنام آلهة،
وجعلها شركاء لله، من غير دليل عقلي ولا نقلي مقبول.
ثم ردَّ الله تعالى على زعمهم اتخاذ الله ولداً، فقال:
﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي لو شاء
الله اتخاذ ولد، وهو لا يحتاج لذلك، لاختار من جملة خلقه ما يشاء أن
يختاره، ولكان الأمر على خلاف ما يزعمون، فيختار أكمل الأولاد وهم
الأبناء، لا البنات كما زعموا؛ إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له، ولا
يصح أن يكون المخلوق ولداً للخالق، فلم يبق إلا أن يختار ما يريد هو، لا ما
يزعمون.
ثم نزَّه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد، فقال:
﴿ سُبْحَنَةٌ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ اٌلْقَهَارُ﴾ أي تنزه الله وتقدس عن أن يكون
له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يفتقر إليه كل شيء، وهو
الغني عما سواه، قهر الأشياء فدانت له وخضعت وذلت، تعالى الله عما يقول
الظالمون علواً كبيراً.

٢٦٨
الُ (٢٣) - الرَُّثِرّ: ٣٩ /١-٤
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
اً - إن القرآن العظيم تنزيل من رب العالمين، وكل ما فيه من إثبات
التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف حق لا مرية فيه، وصدق يجب العمل
به. والدليل على نزوله من عند الله: أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم
يكن معجزاً؛ لأنه كلام الله الموحى به إلى رسوله ◌َطلقة، لما عجزوا عن
معارضته ..
أَ - العبادة والطاعة لا تكون إلا لله وحده، فلله الدين الخالص الذي لا
يشوبه شيء. روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني
أتصدق بالشيء، وأصنع الشيء، أريد به وجه الله، وثناء الناس، فقال رسول
الله ◌َّ: ((والذي نفسُ محمد بيده لا يقبل الله شيئاً شورك فيه)) ثم تلا رسول الله
وَ﴿ ﴿أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصَُ﴾. وروى ابن جرير عن أبي هريرة حديثاً قدسياً
بلفظ: ((من عمل عملاً أشرك فيه غيري، فهو له كله، وأنا أغنى الشركاء عن
الشرك)).
◌َّ - قال ابن العربي عن آية: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اللَّهَ
مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصَُ﴾: هي دليل على وجوب النية في
كل عمل، وأعظمُه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافاً لأبي حنيفة والوليد
ابن مسلم عن مالك اللذين يقولان: إن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان
ليكون من الإيمان شطره، ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر، بغير
نية(١).
٤ - اعتمد المشركون في عبادتهم الأصنام واتخاذها شفعاء عند الله على وهم
(١) أحكام القرآن: ١٦٤٤/٤

٢٦٩
اِلُ (٢٣) - الزُِّزّ: ٣٩ /١-٤
لا يعتمد أصلاً على أساس مقبول من العقل والنقل؛ إذ كيف يعقل أن تكون
الأصنام والجمادات وسيلة تقرب إلى الله؟ وكذلك لا يعقل أن تكون هذه
الأصنام تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء
والصالحين الذين مضوا، ويكون المقصود من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى
من جعلت تماثيل لها؛ لأن هذه المخلوقات عاجزة عن جلب الخير لنفسها أو
دفع الضر عنها، فكيف تحقق ذلك لغيرها؟ !!.
ويلاحظ أن ظاهرة الشرك قديمة، وجاءت الرسل لتفنيدها وإبطالها والنهي
عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّغُونَ﴾
[النحل: ٣٦/١٦] والطاغوت: كل ما عبد من دون الله من الأوثان وغيرها،
وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
﴾ [الأنبياء: ٢٥/٢١].
٢٥
إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ
٥ - أجاب الله تعالى عن شبهة المشركين مقتصراً في الجواب على مجرد
التهديد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونٌ﴾ أي إن الله
يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة، فيجازي كلاً بما يستحق.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارٌ﴾ أي إن
الله لا يوفق للدين الذي ارتضاه، وهو دين الإسلام، ولا يرشد إلى الهداية من
كذب على الله وافترى عليه، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه.
٩ - أبان الله تعالى بعدئذ أنه لا ولد له كما يزعم جهلة المشركين في
الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فلو أراد تعالى
أن يسمي أحداً من خلقه بأنه ولد، ما جعله عز وجل إليهم، سبحانه، أي
تنزه وتقدس ربنا عن الولد، فهو الله الواحد الأحد، القهار لكل شيء.

٢٧٠
لِلُعُ (٢٣) - الزَُّرّ: ٣٩ /٥-٧
من أدلة التوحيد وكمال القدرة وڪمال الاستغناء
(خَلَقَ السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ
عَلَى الَّيْلِّ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَتَّىٌ أَلَا هُوَ
اُلْعَزِيزُ الْغَقَّرُ جَ خَلَقَكُ مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنَزَلَ لَكَكُم مِّنَ
اُلْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقِ فِ تُظُلُمَتٍ
ثَلَثَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَّى تُصْرَفُونَ ﴿ إِن تَكْفُرُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَا يَرَضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَّضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ
القراءات:
﴿ بُطُونِ أَمَّهَتِكُمْ﴾: قرئ:
١- (بطونِ إِمِّهاتِكم) وهي قراءة حمزة.
٢- (بطونِ إِمَّهاتِكم) وهي قراءة الكسائي.
٣- (بطونِ أُمَّهاتِكم) وهي قراءة الباقين.
وأجمعوا على ضم الهمزة، وفتح الميم عند البدء بـ (أمهاتكم).
﴿يَّضَهُ﴾ : قرئ:
١- (يرضَهُ) قرأ نافع وعاصم، وحمزة، بضم الهاء من غير صلة، وقرأ ابن
كثير، وابن ذكوان، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان بالضم مع الصلة.
٢- (يرضَة) وهي قراءة السوسي.

٢٧١
الُ (٢٣) - الرَّثِزّ: ٣٩ /٥-٧
الإعراب:
﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾.
﴿ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾: مبتدأ،
و﴿رَبُّكُمْ﴾: خبره، و﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: خبر آخر، و﴿اَلْمُلْكُ﴾: مرفوع بالجار
والمجرور، وتقديره: ذلكم ربكم كائن له الملك. و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ فيه
وجهان: الرفع على أنه خبر آخر للمبتدأ، والنصب على أنه منصوب على
الحال، وتقديره: منفرداً بالوحدانية.
البلاغة:
﴿تَكْفُرُواْ﴾ ﴿تَشْكُرُواْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ يلقي هذا على هذا، والتكوير: اللف على
الجسم المستدير، وهذا يدل على كروية الأرض، ومنه كوَّر المتاع والعمامة:
ألقى بعضه على بعض ﴿وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ﴾ ذلل وطوع، وجعلهما
منقادين له ﴿يَجْرِى﴾ في فلكه ﴿لِأَجَلِ تُسَتَّىَّ﴾ لوقت معين محدود هو يوم
القيامة ﴿اُلْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب على كل شيء ﴿اُلْغَفَّرُ﴾ لذنوب عباده إذا
شاء وإذا تابوا. والآية دليل على وجود الله ووحدانيته وقدرته.
(خَلَقَكُ مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ أي آدم (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فيه ثلاث
دلالات على وجود الله وتوحيده وقدرته: خلق آدم عليه السلام أولاً من غير
أب وأم، ثم خلق حواء منه أو من جنسه، ثم شعّب الخلق منهما. و﴿ثُمَّ﴾
معطوف على محذوف تقديره: مثل خلقها، للدلالة على مباينتها لها في الفضل
والمزية، فهو - كما قال الزمخشري - من التراخي في الحال والمنزلة، لا من

٢٧٢
اِلُعُ (٢٣) - الزَُّثِّ: ٣٩ /٥-٧
التراخي في الوجود(١) ﴿ وَأَنَزَلَ لَكُمْ﴾ وقضى لكم وقسم؛ لأن قضاياه وقسمه
موصوفة بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح: كل كائن يكون. أو
أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار ﴿الْأَنْعَمِ﴾ الإبل
والبقر والغنم - الضأن والمعز ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ أي جعل من كل صنف من
الإبل والبقر والضأن والمعز ذكراً وأنثى. وهي جمع أزواج، والزوج: اسم لكل
واحد معه غيره، فإن انفرد فهو فرد ﴿خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقِ﴾ أي بالتدرج من
نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام مكسوة لحماً ﴿فِي كُلُمَتِ ثَلَثَّ﴾ هي ظلمة
البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة أو الصلب ﴿ذَلِكُمُ﴾ الذي هذه أفعاله
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ هو المستحق للعبادة والمالك ﴿لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ
لا يشاركه في الخلق غيره ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة
غيره.
﴿غَنِىُّ عَنكُمْ﴾ عن إيمانكم ﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ رحمة عليهم ﴿وَإِن
صلے
تَشْكُرُواْ يَرَضَّهُ لَكُمْ﴾ لأنه سبب فلاحكم، أي وإن تشكروا الله فتؤمنوا يرض
الشكر لكم ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ﴾ لا تتحمل نفس آثمة ذنب نفس
أخرى ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالمحاسبة والمجازاة
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بحديث النفس، فلا تخفى عليه خافية من
أعمالكم.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى في الآية المتقدمة كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً
واحداً قهاراً غالباً، أي كامل القدرة، أعقبه ببيان الأدلة الدالة على الوحدانية
وكمال القدرة وكمال الاستغناء عن أحد من خلقه، فذكر ثلاثة أدلة: خلق
(١) يعني أن (ثُمَّ﴾ كما تكون للترتيب في الزمن مع التراخي، تكون أيضاً لمطلق الترتيب.
والمعطوف عليه هنا مقدر هو (خلقها).

٢٧٣
الُُ (٢٣) - الرَُّزّ: ٥/٣٩-٧
السماوات والأرض وما فيهما من العوالم، وتذليل الشمس والقمر لقدرته،
وتسييرهما في نظام ومسار دقيقين؛ وخلق الإنسان الأول وتشعيب الخلق منه،
وخلق ثمانية أزواج من أنواع الأنعام ذكراً وأنثى، وفي كل دليل من هذه الأدلة
أدلة ثلاثة أبينها بمشيئة الله هنا.
التفسير والبيان:
الدليل الأول وأقسامه من العالم العلوي:
أ - ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أبدع وأوجد العالم العلوي من
السماوات والأرض إبداعاً قائماً على الحق والصواب، لأغراض ضرورية
وحكم ومصالح، فلم يخلقهما باطلاً وعبثاً، وجعلهما في أبدع نظام، وهذا
يدل على وجود الإله القادر، وعلى استحالة أن يكون له شريك أو صاحبة أو
ولد، فهو واحد، كامل القدرة، كامل الاستغناء عن غيره.
ب - ﴿يُكَوّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِّ﴾ أي يُغشي كلاً
منهما الآخر، حتى يُذهب ضوءه أو ظلمته، أو يجعلهما متتابعين متعاقبين،
يطلب كل منهما الآخر طلباً حثيثاً، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ
حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٧/ ٥٤] وقوله سبحانه: ﴿يُولِجُ اٌلْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ
آَِّلِ﴾ [الحديد: ٦/٥٧].
وهذا دليل على كروية الأرض أولاً؛ لأن التكوير: اللف على الجسم
المستدير، وعلى دورانها حول نفسها ثانياً؛ لأن تعاقب الليل والنهار والنور
والظلمة لا يتم دون دوران.
جـ - ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ تُسَنَّىْ﴾ أي
وجعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب لمنافع العباد ومصالحهم، وكل
منهما يسير في فلكه إلى منتهى دورته، وإلى وقت معين محدود في علم الله، وهو

٢٧٤
الجُ (٢٣) - الزُِّزّ: ٣٩ /٥-٧
انتهاء الدنيا، ومجيء القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيّ
السّجِلّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤/٢١].
وذيَّل الآية بالدلالة على المراد وهو إثبات كمال القدرة الإلهية مع الترغيب
في طلب المغفرة، فقال:
﴿أَلَا هُوَ اُلْعَزِيزُ الْغَقَّرُ﴾ ﴿أَلَا﴾: تنبيه، أي تنبهوا، أي إن خلق هذا
العالم العلوي وأجرامه العظيمة من غالب قادر على الانتقام ممن عاداه، ساتر
لذنوب عباده بالمغفرة، ولا أحد مثله في ذلك، والجمع بين هاتين الصفتين
للدلالة على أنه مع عزته وعظمته وكبريائه وكمال قدرته، هو غفار عظيم
الرحمة والفضل والإحسان، يغفر لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه، فإن الإخبار
عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة، فأتبعه بوصف ﴿اُلْغَفَّرُ﴾ الذي
يوجب كثرة الرحمة، وكثرة الرحمة لا تعني الطمع من دون فعل، وإنما توجب
الرجاء والرغبة في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص له.
والخلاصة: إن هذا التذييل للترغيب في العمل الموجب للمغفرة، بعد
الترهيب الموجب للحذر.
ثم أتبعه بدليل آخر:
الدليل الثاني وأقسامه من العالم السفلي:
أ - ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي خلقكم أيها الناس
على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، هي آدم عليه
السلام، ثم جعل من جنسها(١) زوجها، وهي حواء، ثم شعَّب الخلق منهما،
كما قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
(١) وهذا رأي الرازي.

٢٧٥
الجُزءُ (٢٣) - الزِّزّ: ٣٩ /٥-٧
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: ١/٤] وهذا الجزء من الدليل في عالم
ج
الأرض مشتمل كما هو واضح على أدلة ثلاثة. والمشهور في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ أنه
خلق حواء من ضلع آدم، ولم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها.
ب - ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ اْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ أي وقضى لكم وقسم وخلق
وأعطاكم من ظهور الأنعام (وهي الإبل والبقر والضأن والمعز) ثمانية أزواج
من كل صنف ذكراً وأنثى، كما قال تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِّ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ
وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣/٦]، ﴿وَمِنَ الْإِبِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ
أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤/٦] أي ذكر وأنثى لكل منها.
جـ - ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقِ فِ ظُلُمَتٍ ثَلَثٍ﴾
أي يبتدئ خلقكم ويقدره في بطون أمهاتكم في مراحل متدرجة من الخلق،
حيث يكون أحدكم أولاً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم تتكون
العظام، ثم تكسى العظام باللحم والعروق والأعصاب، ثم تنفخ فيه الروح،
فيصير إنساناً خلقاً آخر في أحسن تقويم.
وتكون مراحل الخلق في ظلمات أغشية ثلاثة، هي ظلمة البطن، وظلمة
الرحم، وظلمة المشيمة، والأغشية - كما يقول الأطباء -: هي الغشاء
المنباري، والخربون، والغشاء اللفائفي.
ثم ذيَّل هذه الآية كالآية السابقة بما يشير إلى الهدف وهو الإيمان بالموجد
الخالق المنشئ، فقال تعالى:
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكِّ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي هذا
الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان هو الرب المربي
لكم، الذي له الملك الحقيقي المطلق في الدنيا والآخرة، الواحد الأحد الذي
لا إله إلا هو، ولا يشاركه أحد فيه، فلا تنبغي العبادة إلا له، فكيف تصرفون
عن عبادته، مع ما يوجب استحقاقه لها، إلى عبادة غيره؟ أو كيف تعبدون معه
غيره، وكيف تتقبل عقولكم ذلك؟

٢٧٦
الجُزُ (٢٣) - الزَُّزّ: ٣٩ /٥-٧
ثم أبان الله تعالى أن ثمرة هذه العبادة لكم، والله غني على الإطلاق، فقال:
﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنَكُمْ﴾ أي إن تكفروا بالله بعد توافر أدلة
وجوده وتوحيده وقدرته، فإن الله هو الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال
تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨/١٤].
وفي صحيح مسلم: ((لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على
أفجر قلبٍ رجلٍ منكم، ما نَقَصَ ذلك من ملكي شيئاً)).
وهذا هو الدليل الثالث على قدرة الله تعالى
ثم ذكر الله تعالى ما يأمر به ويرضاه وما ينهى عنه ولا يرضاه، فقال:
﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرَضَهُ لَكُمْ﴾ أي لا يحب الله تعالى
الكفر ولا يأمر به؛ لأنه مرتع الضلال والانحراف والذل لمعبودات لا ضرر
منها ولا نفع فيها، وهو سبب الشقاوة في الدارين.
وإن تشكروا الله على نعمه، يرض لكم الشكر ويحبه ویزدکم من فضله؛
لأن الله عز وجل هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم أعلن الله تعالى مبدأ المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة الذي هو من
مفاخر الإسلام فقال:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا تحمل نفس عن نفس شيئاً من الآثام
والذنوب والجرائم، بل كل إنسان مطالب بأمر نفسه وعمله من خير أو شر.
وقد وردت هذه الآية في القرآن الكريم خمس مرات. وهي كقوله تعالى: ﴿كُلُّ
أَقْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١/٥٢] وقوله: ﴿كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةُ
[المدثر: ٣٨/٧٤] .
(٣٨)

٢٧٧
الُ (٢٣) - الرَُّزّ: ٣٩ / ٥-٧
والجزاء على قدر العمل، فقال تعالى:
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَتْشُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ﴾ أي ثم مآلكم ومصيركم إلى ربكم يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم
من خير وشر، إنه خبير بما تضمره القلوب وتستره أي مكنونات النفوس،
فلا تخفى عليه خافية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على الآتي:
اً - الأدلة على وجود الله وتوحيده وكمال قدرته واستغنائه عن الصاحبة
والولد: هي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وتعاقب الليل والنهار،
وتسخير الشمس والقمر لمصالح العباد والمخلوقات، وخلق الإنسان في أصله أو
باتخاذ الأسباب الظاهرية، وخلق ثمانية أزواج أو أصناف من الأنعام، من
الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن المعز اثنين، كل واحد زوج، والأزواج ثمانية
تشمل الذكر والأنثى.
٢ - دلَّ تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل على كروية
الأرض ودورانها حول نفسها.
◌َ - ودلَّ تسخير الشمس والقمر بالطلوع والغروب لمنافع العباد،
وجريانهما في فلكهما إلى يوم القيامة، على كمال قدرة الله ودقة نظامه
ومراعاته مصالح العباد.
٤ - ينبه الله تعالى على أنه عزيز غالب، غفار ستَّار لذنوب خلقه برحمته،
وفي هذا جمع بين الرهبة والرغبة، رهبة من الله عز وجل، ورغبة في إخلاص
العبادة والطاعة لله تعالى.

٢٧٨
لُ (٢٣) - الزُِّزّ: ٣٩ /٥-٧
٥ - مراحل خلق الإنسان تحدث متعاقبة متدرجة من نطفة إلى علقة إلى
مضغة، إلى عظم ثم لحم. ويبدأ تكون الإنسان في داخل ظلمات ثلاث: ظلمة
البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمَة.
أَ - إن الله الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم مربيكم، وهو المالك الواحد
الأحد، كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾.
فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟
لاً - إذا كفر جميع الناس فلا يضرّون الله، والله هو الغني عنهم، لكن لا
يرضى الله الكفر لعباده ولا يحب ذلك منهم، وإن شكروه رضي بالشكر وأمر
به، ومصير جميع الخلائق إلى ربهم، فيخبرهم بما قدموا من خير أو شر.
والآية دليل على أن الإرادة غير الرضا، وهو مذهب أهل السنة، فقد يريد
الله شيئاً، لكن لا يرضى به، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز
وجل خلق إبليس، وهو لا يرضاه، والرضا: ترك اللوم والاعتراض، وليس
هو الإرادة.
٨ - من مفاخر الإسلام ومبادئه الكبرى تقرير مبدأ المسؤولية الشخصية:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٌ﴾ وذلك يدفع إلى العمل، ويمنع الخمول
والكسل، ويخلِّص الناس من فكرة النصارى بإرث الخطيئة، ويفتح باب
الأمل لبناء الإنسان نفسه ومجده والاعتماد على نفسه، دون تأثر بأفعال
الآخرين، وذلك غاية التكريم الإلهي للإنسان.
ـة - دلَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ﴾ على إثبات البعث والقيامة،
ودلَّ قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ على شمول علم الله بالكليات
والجزئيات، وبالكبائر والصغائر، وبالفعل الحاصل والقول المقول، وبما
يسبقه من نية وحديث نفس وعزم وهمّ وغير ذلك من مراحل تكوين الفعل
والقول.

٢٧٩
الُ (٢٣) - الرُّمَثِّرّ: ٣٩ /٨-٩
تناقض الكفار واستقامة المؤمنين
وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُّ دَعَا رَبَّهُ, مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ
مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ للَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِثُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ
اُلْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
القراءات:
﴿لَيُضِلَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (لِيَضِل).
﴿أَمَّنْ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة (أَمَنْ).
الإعراب:
﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ﴾ ﴿أَمَّنْ﴾ بالتشديد: بإدخال ((أم)) بمعنى بل والهمزة على
((من)) بمعنى الذي، وليس بمعنى الاستفهام؛ لأن ((أم)) للاستفهام، فلا يدخل
على ما هو استفهام. وفي الكلام محذوف تقديره: العاصون ربهم خير أم من هو
قانت، ودخل على هذا المحذوف أيضاً: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونٌ﴾. وقرئ بالتخفيف على أن تكون الهمزة للاستفهام بمعنى التنبيه،
ويكون في الكلام محذوف تقديره: أمَنْ هو قانت يفعل كذا كمن هو على
خلاف ذلك. ودخل على هذا المحذوف: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى﴾ أو أن تكون الهمزة
للنداء، وتقديره: يا من هو قانت أبشر فإنك من أهل الجنة؛ لأن ما قبله يدل

٢٨٠
الزُزُ (٢٣) - الرَّحِزّ: ٣٩ /٨-٩
عليه، وهو قوله تعالى ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَدِ النَّارِ﴾. و﴿وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهُ﴾ في
موضع الحال، أو الاستئناف للتعليل.
البلاغة:
﴿وَيَرْجُواْ﴾ ﴿يَحْذَرُ﴾ بينهما طباق.
﴿قُلّ تَمَتَّعْ بِكُفْرَِ﴾ أمر أريد به التهديد، مثل ﴿أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ}
[الأنعام: ١٣٥/٦] [ومواضع أخرى].
﴿أَمَنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ﴾ إيجاز بالحذف، أي كمن هو كافر.
المفردات اللغوية:
﴿ضٌُ﴾ شدة ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ تضرع ﴿مُنِيبًا
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ﴾ أي الكافر
إِلَيْهِ﴾ راجعاً إليه ﴿خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ أعطاه إنعاماً وملكه ﴿نَسِىَ﴾ ترك الضر
﴿مَا كَانَ يَدْعُواْ﴾ الذي يتضرع إلى كشفه ﴿إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ وهو الله، من قبل
النعمة ﴿أَنْدَادًا﴾ شركاء، جمع ندّ ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ عن سبيل دين
الإسلام، وقرئ ﴿لِيَضِلَّ﴾ كل من الضلال والإضلال نتيجة، وليسا غرضين.
﴿قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ بقية أجلك، وهو أمر تهديد، فيه إشعار بأن
الكفر نوع تشهٍ لا سند له، وإقناط للكافر من التمتع في الآخرة، ولذلك علّله
بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ هذا استئناف على سبيل المبالغة.
﴿قَنِتُ﴾ طائع خاشع ﴿عَانَآءَ الَّيْلِ﴾ ساعاته ﴿وَقَائِمًا﴾ للصلاة ﴿يَحْذَرُ
اُلْآَخِرَةَ﴾ يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي جنته، وفي الكلام محذوف
تقديره: كمن هو عاص بالكفر أو غيره ﴿قُلُ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونٌ﴾ نفي لاستواء الفريقين، أي لا يستويان، وكما لا يستوي العالمون