النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
الُعُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٣٠-٤٠
N
الذي ابتليتني لأجله، وهذا من سمو الإحساس بالخطيئة، فقد تكون شيئاً لا
يخلو عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة؛ لأن حسنات
الأبرار سيئات المقربين، ولأن الأنبياء أبداً في مقام هضم النفس، وإظهار
الذلة والخضوع، كما قال ◌َ له فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: ((والله إني
لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)).
﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وامنحني ملكاً
عظيماً لا يتأتى لأحد غيري مثله، إنك يا ربّ أنت الكثير الهبات والعطايا،
فأجب دعائي.
قال الزمخشري: كان سليمان عليه السلام ناشئاً في بيت الملك والنبوة،
ووارثاً لهما، فأراد أن يطلب من ربِّه معجزة، فطلب بحسب إلفه ملكاً زائداً
على الممالك، زيادة خارقة للعادة، بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلاً على
نبوته، قاهراً للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات، فذلك
معنى قوله: ﴿لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾.
وقيل: كان مَلِكاً عظيماً، فخاف أن يعطى مثلَه أحدٌ، فلا يحافظ على
حدود الله فيه(١).
فأجاب الله تعالى دعاءه وأعطاه نعماً خمساً، فقال:
أي فذلَّلنا له
أَ - ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَعَ تَجْرِى ◌ِأَمْرِهِ، رُغَةً حَيْثُ أَصَابَ
الرِّيح، وجعلناها منقادة لأمره، تجري ليِّنة طائعة في قوّة وسرعة، دون
عواصف مضطربة ولا أعاصير، تحمله إلى أي جهة قصد وأراد. ووصف
الرِّيح هِنا بكونها رخاء لا يتعارض مع آية أخرى: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيَحَ عَاصِفَةً
تَجْرِى بِأَمْرِوٍ﴾ [الأنبياء: ٨١/٢١] لأن المراد بالعاصفة هنا القوية الشديدة، لا
(١) الكشاف: ١٥/٣

٢٢٢
الجُزءُ (٢٣) - ضِّ: ٣٨ / ٣٠-٤٠
الهائجة المضطربة، فهي في قوة الرياح العاصفة، لكنها كانت طيِّة غير خطرة،
أو أنها كانت بحسب الحاجة، ليِّنة مرة، وعاصفة أخرى.
أي وذلَّلنا له أيضاً الشياطين تعمل
أَ - ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
بأمره، إما في بناء المباني الشاهقة، وإما في الغوص في البحار لاستخراج الدرر
واللآلئ والمرجان، وإما في أعمال أخرى.
◌َ - ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ الْأَصْفَادِ (®﴾ أي وسخرنا له شياطين آخرين هم
مردة الشياطين، سُخِّروا له حتى قرنهم في القيود والسلاسل، قمعاً لشرِّهم،
وعقاباً لهم.
هذه نعمة رابعة هي
٤ - ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
حرية التصرف فيما أعطاه الله إياه من الملك العظيم، والثراء والغنى،
والسيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم، فقد أذن له ربّه بأن يمنح من
يشاء، ويمنع من يشاء، ولا حساب عليه في ذلك الإعطاء أو الإمساك، فلا
يقال له: كم أعطيت، ولمَ منعت؟
٥ - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴿٤﴾ أي وإن له في الآخرة لقربة
وكرامة عند الله، وحسن مرجع، وهو الجنة، وفيض ثواب، فهو ذو حظ
عظيم عند الله يوم القيامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - من مزيد فضل الله على عبده داود عليه السلام أن وهبه ولداً ورث عنه
الملك والنبوة.
أَ - ومن نعم الله على عبده سليمان عليه السلام أنه أنعم عليه بالخيل
الصَّافنات الجياد، التي تعدّ عدّة الحرب، وآلة القتال المهمة في مواجهة
الأعداء، وكان عددها ألف فرس يجاهد عليها في سبيل الله تعالى.

٢٢٣
الُرُ (٢٣) - ظِّ: ٣٨ / ٣٠-٤٠
٣ - لقد أحبها سليمان عليه السلام؛ لأنها حققت له تنفيذ أوامر ربِّه في
ربطها للجهاد، فكان يعرضها أمامه في عرض عسكري مهيب، يرهب
العدو، وكانت تمتاز بسرعة الجري أو العدو، حتى إنها غابت عنه بسبب شدة
الغبار وبُعْد المسافة.
٤ - لم يقتصر سليمان عليه السلام على عرضها أمامه للمرة الأولى، وإنما
طلب إعادتها إليه، فشرع في مسح سيقانها ونواصيها بيده، تكريماً لها،
وتفخّصاً لأحوالها حتى يعالج ما قد يكون بها من عيوب.
٥ - امتحن الله تعالى سليمان عليه السلام بالمرض، كما يمتحن عباده
المؤمنين، قيل: كان ذلك بعد عشرين سنة من ملكه، ثم ملك بعد الاختبار
عشرين سنة أخرى، كما ذكر الزمخشري.
واشتدّ به المرض حتى أصبح لشدّة ضعفه - كما تقول العرب: لحماً على
وَضَم، وجسماً بلا روح، ثم عاد إلى صحته وحالته الأولى.
وطلب المغفرة من ربِّه على ما قد يكون من ذنب في تقديره كان سبباً لمرضه،
وهذا من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فقد يكون ترك الأفضل
والأولى عند أصحاب السمو والدرجة العالية، وعلى رأسهم الأنبياء، بمثابة
ذنب عندهم، وهو عند غيرهم ليس بذنب.
أَ - أجاب الله دعاء سليمان عليه السلام، فأمده بنعم عظمى، هي:
تسخير الرِّيح له، تحمله إلى أي مكان أراد، وتسخير الشياطين للخدمة في
مجالات الحياة المختلفة من بناء وغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان،
والتسلُّط على مردة الشياطين، حتى يقيِّدهم بالأغلال والسلاسل، كفّاً لشرِّهم
ومنع أذاهم.
ومنحه حرية التّصُّف في الملك والمال، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء،.
دون حساب ولا رقيب، دون مراجعة أو نقص.

٢٢٤
الزُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٤١-٤٤
وكذلك جعله مقرّباً عند الله، مكرّماً عند ربِّه في الجنة، مغموراً بالثواب
الجزیل، فائزاً برضا ربِّه.
والخلاصة: لقد منح الله سليمان خيري الدنيا والآخرة، وجمع له بين الملك
والنبوة كأبيه داود عليهما السلام، وسخّر الله له ملكاً عظيماً وسلطة شاملة
على الإنس والجن والشياطين. وهذا لم يتأت لأحد قبله ولا بعده.
قصة أيوب عليه السلام
أَرْكِضُ
٤١
﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ, أَنِّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
بِحْلِكَ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَرِدُ وَشَرَبُ ﴿﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: أَهْلَهُ وَمَثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى
لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَأَ نِعْمَ
٤٤
اُلْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابٌ
القراءات:
﴿مَسَّتِىَ الشَّيْطَانُ﴾:
وقرأ حمزة (مسنيْ الشيطان).
﴿ وَعَذَابٍ أَرْكُضْ﴾:
بكسر التنوين وصلاً قرأ: أبو عمرو، وابن ذكوان، وعاصم، وحمزة،
وقرأ الباقون بضمه.
الإعراب:
﴿ أَيُبَ إِذْ نَادَى﴾ ﴿أَيُبَ﴾: عطف بيان، و﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال منه.
﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ منصوب إما لأنه مصدر، أو لأنه مفعول لأجله.

٢٢٥
لُ (٢٣) - ظِرٌ: ٣٨ / ٤١-٤٤
البلاغة:
﴿أَنِى مَسَّنِىَ الشَّيْطَنُ﴾ في هذا الإسناد مراعاة الأدب مع الله تعالى، فإنه
أسند المرض والضرر الذي أصابه إلى الشيطان أدباً، وإن كان الخير والشر بيد
الله تعالى لحكمة يعلمها.
المفردات اللغوية:
﴿ أَيُبَ﴾ هو أيوب بن أموص بن أروم بن عيص بن إسحاق عليه السلام،
وامرأته ليا بنت يعقوب، الراجح أنه قبل إبراهيم بأكثر من مئة سنة، وكان
موطنه أرض عوص: جزء من جبل سعير، أو بلاد أدوم . ﴿أَنِ﴾ بأني.
﴿ بِنُصْبٍ﴾ بضرّ، والنُّصب (بالضّم) والنَّصَب (بفتحتين) كالرُّشد والرَّشَد:
المشقة والتعب. ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم مضرّ، وكما في آية ﴿أَنِى مَسَّنِىَ الشُّرُّ﴾
[الأنبياء: ٨٣/٢١]. ونسب ذلك إلى الشيطان - وإن كانت الأشياء كلها من الله -
تأذُّباً مع الله تعالى.
﴿أَزْكُضْ بِجْلِكَ﴾ اضرب بها الأرض، فضرب فنبعت عين ماء . ﴿مُعْنَسلٌ﴾
ماء تغتسل به وتشرب منه . ﴿بَارِدُ وَشَرَابٌ﴾ تغتسل وتشرب منه، فاغتسل
وشرب، فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، أَهْلَهُ﴾ بأن جمعناهم عليه بعد تفرُّقهم، أو أحييناهم بعد موتهم.
﴿وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ أي ورزقه مثلهم. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي لرحمتنا عليه. ﴿ وَذِكْرَى﴾
عظةً وتذكيراً لهم لينتظروا الفرج بالصبر واللجوء إلى الله فيما يحيق بهم.
﴿لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ لأصحاب العقول.
﴿ضِغْنًا﴾ حزمة صغيرة من الحشيش والريحان ونحوهما، أو قضبان.
﴿فَأَضْرِبِ بِّهِ﴾ زوجتك. ﴿ وَلَا تَحْنَثْ﴾ بترك ضربها، والحنث في اليمين: إذا لم
يفعل ما حلف عليه. روي أن زوجته ليا بنت يعقوب عليه السلام ذهبت

٢٢٦
الجُزُ (٢٣) - جِزٌ: ٣٨ / ٤١-٤٤
لحاجة، وأبطأت، فحلف إن برئ ليضربنّها مئة ضربة، فحلَّل الله يمينه بذلك،
وهي رخصة باقية في الحدود للضرورة كمرض ونحوه . ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب.
﴿إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة والإنابة.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة من قصص الأنبياء في هذه السورة، والمقصود بها
كغيرها الاعتبار، فقد كان داود وسليمان عليهما السلام ممن أفاض الله
عليهما أصناف النعم، فكانت قصتهما لتعليم الشكر على النعمة، وأيوب كان
ممن خصّه الله تعالى بأنواع البلاء، فكانت قصته لتعليم الناس الصبر على
الشدائد، كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان في
الدنيا أكثر نعمةً ومالاً وجاهاً من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان
أكثر بلاء ومحنة من أيوب عليه السلام، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن
أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره.
التفسير والبيان:
﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ, أَنّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾﴾ أي
واذكر أيها الرسول لقومك صبر أيوب على مرضه مدة طويلة هي نحو من ثماني
عشرة سنة، حين نادى ربّه بأني قد مسني الضّر ومسّني الشيطان بمشقة وألم
مضر، وإنما نسب ذلك الضر إلى الشيطان أدباً مع الله تعالى كما تقدم. والذي
يجب اعتقاده أن هذا المرض لم يكن منقِّراً الناس منه، وإنما هو مجرد مرض
جلدي يشفى بالمياه المعدنية أو الكبريتية؛ لأن شرط الأنبياء: السلامة عن
الأمراض المنفّرة طبعاً.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم جميعاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
إن رسول الله صل قال: ((إن نبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثماني

٢٢٧
(٢٣) - ظر: ٣٨ / ٤١-٤٤
عشرة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين(١)، كانا من أخصّ إخوانه، كانا
يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب
ذنباً، ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني
عشرة سنة، لم يرحمه الله تعالى، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل
حتی ذکر ذلك له.
فقال أيوب عليه السلام: لا أدري ما تقول، غير أن الله عزّ وجلّ يعلم أني
كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي، فأكفِّر
عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق.
قال: وکان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها، أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ،
فلما كان ذات يوم، أبطأ عليها، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه
فاستبطأته، فالتفتت
٤١
السلام أن ﴿ أَرْكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدُ وَشَرَابٌ
تنظر، فأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان،
فلما رأته، قالت: أي، بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، فوالله
القدير على ذلك، ما رأيت رجلاً أشبه به منك، إذ كان صحيحاً، قال: فإني
أنا هو، وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله تعالى
سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى
فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض)).
﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُعْنَسَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ ﴾﴾ أي قلنا له: اضرب برجلك
الأرض، فركض (ضرب) فنبعت عين جارية، فاغتسل فيها، وشرب منها،
فخرج صحيحاً معافى، بريئاً من المرض.
وهذا دليل على أن مرضه كان من الأمراض الجلدية غير المعدية ولا
(١) يمكن تأويل هذا الرفض بالبعد المعتاد عن كل مريض، شفقة ورحمة، لا نفوراً من المرض.

٢٢٨
لُغُرُ (٢٣) - ظِرٌ: ٣٨ / ٤١-٤٤
المنفِّرة، وإنما كانت مؤذية متعبة تحت الجلد، كالإكزيما والحِكة ونحوهما، مما
يمكن شفاؤه بالمياه المعدنية أو الكبريتية المفيدة في تلك الأمراض.
وكما تمّ الشفاء من المرض أعاد الله له أهله وولده وماله، فقد كان ذا مال
جزيل وأولاد كثيرين وسعة من الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم
مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ (®﴾ أي منحناه أهله وضاعفناهم، إما
أن الله تعالى أحياهم بعد أن أماتهم، والله قادر على كل شيء، وإما أنه تعالى
جمعهم له بعد تفرقهم، وأكثر نسلهم، وزادهم، فكانوا مثلي ما كانوا قبل
ابتلائه، رحمة من الله به، وتذكرة لأصحاب العقول السليمة، والإيمان أن
عاقبة الصبر الفرج، وأن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مع العسر يسراً.
ثم ذكر الله تعالى له رخصة في التّحلل من يمينه، فقال:
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي وخذ بيدك حزمة كبيرة من
القضبان، فاضرب بها زوجتك التي حلفت أن تجلدها مئة جلدة إن برئت من
مرضك، ولا تحنث في يمينك، أي لا تترك العمل بمقتضى اليمين، بسبب
إيطائها في الرجوع، وهي ليا بنت يعقوب، أو رحمة بنت أفرائيم بن يوسف.
ثم أثنى الله سبحانه على أيوب عليه السلام قائلاً:
﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَأْ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ أي لقد وجدناه صابراً على البلاء
الذي ابتليناه به في جسده، وذهاب ماله وأهله وولده، نعم العبد أيوب، إنه
رجَّاع إلى الله بالتوبة والاستغفار، زيادة في حسناته ورفع درجته، لا بسبب
ذنب جناه، فجازيناه بتفريج كربته، مع أنه ليس في الشكوى إلى الله إخلال
بالصبر، ولكن إيمان الأنبياء المطلق التام الذي يعرِّفهم أن الله علیم بهم، قد لا
يطلبون من الله شيئاً لإذهاب همهم وغمهم.
روي عن أيوب عليه السلام أنه كان يقول كلما أصابته مصيبة: ((اللهم

٢٢٩
الزُُّ (٢٣) - ظِ}: ٣٨ / ٤١-٤٤
أنت أخذت، وأنت أعطيت))، وكان يقول في مناجاته: ((إلهي قد علمت أنه لم
يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يلهني ما ملكت يميني، ولم آكل
إلا ومعي يتيم، ولم أبتْ شبعان ولا كاسياً، ومعي جائع أو عُريان)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
اً - لا مانع من دعاء الله تعالى والشكوى إليه عند المصاب، وإن كان
أيوب عليه السلام صبر مدة طويلة على المرض، ثم دعا ربَّه لتفريج نوعين من
المكروه: الألم الشديد في الجسم، والغمّ الشديد بسبب زوال الخيرات
وحصول المكروهات، لذا ذكر الله تعالى لفظين وهما النّصب والعذاب.
أَ - على المؤمن أن يتدرّع بالصَّبر عند الشدائد، فقد أمر الله النّي وَلَد
بالاقتداء بأيوب عليه السلام في الصبر على المكاره، وكذلك بغيره من الأنبياء
مثل داود وسليمان عليهما السلام.
◌َّ - لم يكن مرض أيوب عليه السلام منقِّراً؛ لأن شرط النّبوة: السلامة
عن الأمراض المنفّرة طبعاً، وإنما كان مرضه تحت الجلد، كأمراض الحِكة،
مما ليس بمعدٍ، وإن كان مؤلماً ومزعجاً. وهو مرض حسي، تناول البدن
بدليل قوله: ﴿مَسَّتِىَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣/٢١]، و﴿مَسَّتِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْبٍ
وَعَذَابٍ﴾، و﴿فَكَتَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤/٢١]، و﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكَ.
و﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
٤ - في هذه الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديباً، بدليل
حلف أيوب على ضرب امرأته. والذي أباحه القرآن هو ضرب النساء حال
النشوز؛ لقوله تعالى: ﴿ وَِّىِ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَضْرِ بُوهُنَّ﴾
[النساء: ٣٤/٤]. كذلك دلّ قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
[النساء: ٣٤/٤]، على أن للزوج ضرب امرأته تأديباً لغير نشوز.

٢٣٠
الجُرُ (٢٣) - ضِزٌ}: ٣٨ / ٤١-٤٤
٥ - إن الضرب بالضغث رخصة من الله تعالى لأيوب عليه السلام تحلّة
اليمين، جزاء على تلك الخدمة الطويلة التي قدمتها له زوجته أثناء مرضه.
واختلف العلماء بعدئذٍ، هل هذا الحكم عام أو خاص بأيوب وحده؟
للعلماء في ذلك رأيان :
الرأي الأول:
قالت الحنفية - الذين يقولون: شرع من قبلنا شرع لنا -: إن الحكم عام،
فمن حلف ليضرب مئة ضربة، فأخذ حزمة من حطب عدد عيدانها مئة،
فضرب بها، برّ في يمينه، ولا كفّارة عليه؛ لأن الله قد رشخّص لأيوب عليه
السلام هذا، وجعله غير حانث به، وما دام غير حانث فهو بارّ. وهذا في
المريض العليل غير الصحيح السليم(١).
وكذلك قالت الشافعية والحنابلة: يجوز إقامة الحدّ في المرض الذي لا
يرجى برؤه، بأن يضرب بمئة شمراخ دفعة واحدة، لما روى أحمد وأبو داود
وابن ماجه عن سهل بن حُنَيْف: ((أنّ النّبي ◌َّ أمر في رجل أضنى أن يأخذوا
له مئة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة)). قال الشافعي: إذا حلف ليضربنّ
فلاناً مئة جلدة، أو ضرباً، ولم يقل: ضرباً شديداً، ولم ينوِ ذلك بقلبه: يكفيه
مثل هذا الضرب المذكور في الآية، ولا يحنث.
والشافعي الذي لا يقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا اعتمد في ذلك على ما
ثبت في السّنّة النّبوية. وأما الإمام أحمد فيقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا.
الرأي الثاني:
قالت المالكية الذين يرون أن شرع من قبلنا شرع لنا: إن هذه رخصة
(١) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ٣٨٢/٤ وما بعدها.

٢٣١
الجُ (٢٣) - ◌ِ: ٣٨ / ٤١-٤٤
خاصة بأيوب عليه السلام، بدليل توجيه الخطاب وبما ذكر للترخيص من
العلة. قال ابن العربي: وإنما انفرد مالك في هذه المسألة عن القاعدة لتأويل
بديع: هو أن جريان الأيمان عند مالك في سبيل النِّيّة والقصد أولى؛ لقول
رسول الله ﴾ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه: ((إنما
الأعمال بالنيّات)) والنّة أصل الشريعة وعماد الأعمال ومعيار التكليف.
وقصة أيوب هذه لم يصح كيفية يمين أيوب فيها، حتى نلتزم شريعته فيها(١).
وهذا قول الليث أيضاً.
ونهج ابن القيم في (أعلام الموقعين) الذي حارب فيه الحيل منهج المالكية،
وقرر أن هذه الفتيا خاصة الحكم، فإنها لو كانت عامة الحكم في حقّ كل
أحد، لم يَخْفَ على نبي كريم موجب يمينه، ولم يكن في قصها علينا كبير عبرة،
فإنما يقصّ علينا ما خرج عن نظائره لنعتبر به، ونستدل به على حكمة الله فيما
قصّه علينا. ويدلّ عليه اختصاص قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ﴾. وهذه
الجملة خرجت مخرج التعليل، كما في نظائرها، فعلم أن الله سبحانه إنما أفتاه
بذلك جزاء له على صبره، وتخفيفاً عن امرأته، ورحمة بها. وأيضاً فإنه تعالى إنما
أفتاه بهذا لئلا يحنث كما قال: ﴿ وَلَا تَحْنَثْ﴾.
أَ - فضيلة الصبر عظيمة، لذا وصف الله نبيه أيوب بأنه صبر على ما أصابه
من أذى في بدنه وأهله وماله، وبأنه أوّاب، أي كثير التأويب والرجوع إلى الله
في كل أموره.
(١) أحكام القرآن: ١٦٤٠/٤

٢٣٢
للزُ (٢٣) - ظر: ٣٨ / ٤٥-٥٤
قصة إبراهيم وذريته عليهم السلام
-إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل-
إِنَّا أَخْلَصْنَهُم
٤٥
﴿ وَذَكُرْ عِبَدَنَآ إِبْرَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ
وَأَذْكُرْ
بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اُلْأَخْيَارِ
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ
٤٨
إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِّنَ الْأَخْيَارِ
مَثَابٍ
مُتَكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَةٍ
٥٠
جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَنَّحَةً لَُّمُ الْأَوَبُ
٤٩
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَّوْمِ
وَعِندَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ أَنْرَابٌ
كَثِيرَةِ وَشَرَابٍ
٥٤
إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
اُلْحِسَابِ
القراءات:
﴿عِبَدَنَا﴾ :
وقرأ ابن كثير (عبدنا).
بِخَالِصَةٍ﴾ :
وقرأ نافع (بخالصةِ).
﴿وَالْيَسَعَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (وَالَّيْسَعِ).
تُوعَدُونَ
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يوعدون).
الإعراب:
﴿إِبْرَهِيَمَ﴾ بدل من ﴿عِبَدَنَآَ﴾ أو (عبدنا) أو عطف بيان.

للجزء (٢٣) - ضِ}: ٣٨ / ٤٥-٥٤
٢٣٣
(بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ على قراءة التنوين هذه تكون ﴿ذِكْرَى﴾ بدلاً
من (خالصة) وتقديره: إنا أخلصناهم بذكرى الدار، ويجوز نصبه بـ (خالصة)
لأنه مصدر كالعافية والعاقبة. وقرئ بترك التنوين بجعل ﴿ذِكْرَى﴾ مجروراً
بالإضافة وهي إضافة بيان.
(®) (َتِ﴾: بدل منصوب من ﴿لَحُسْنَ
﴿جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةً لَهُ الْأَوَبُ
مَثَابٍ﴾. و﴿قُّفَنَّحَةً﴾ صفة لجنات، وفيه ضمير عائد إلى ﴿جَنَّتِ﴾ وتقديره:
جنات عدن مفتحة هي، أو حال وعامله ما في المتقين من معنى الفعل.
و﴿الْأَبُ﴾ إما مرفوع بـ ﴿مُفَنَّحَةً﴾ وإما مرفوع بدلاً من ضمير ﴿مُفَنَّحَةً﴾.
تقول: فتحت الجنان: إذا فتحت أبوابها، قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ
(١)﴾ [النبأ: ١٩/٧٨] .
أَبْوَابًا
﴿ مُتَّكِينَ﴾ حال من الهاء والميم في
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴿﴾ ﴿مَا لَهُ﴾: حال من: (رزقنا)، أو خبر
ثانٍ لـ ﴿إنّ ﴾.
البلاغة:
﴿أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾ استعارة تصريحية، استعار ﴿الْأَيْدِى﴾ للقوة في
العبادة، و﴿ وَالْأَبْصَرِ﴾ للتبصر في الدين.
﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُنَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ
جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَنَّحَةً لَُّ الْأَوَبُ
٤٩
بينها وبين ما يأتي في المقطع الآتي مقابلة وهي: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَِّغِينَ لَشَرَّ
٥٠
مَثَابٍ ﴿َّ جَهَّمَ يَصْلَوْنَهَا فِئْسَ الِهَادُ
٥٦
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للعناية بهم.
المفردات اللغوية:
عِبَدَنَآَ﴾ وقرئ: عبدنا.
د

٢٣٤
لُعُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٤٥-٥٤
﴿ أُوْلِ الْأَيْدِى﴾ أصحاب القوة في العبادة. ﴿ وَالْأَبْصَرِ﴾ أصحاب البصائر
في الدين والفقه فيه ومعرفة أسراره. ﴿أَخْلَصْنَهُ﴾ جعلناهم خالصين لنا.
﴿يِخَالِصَةٍ﴾ بخصلة خالصة لا شوب فيها هي ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ أي تذكر الدار
الآخرة والعمل لها.
﴿اَلْمُصْطَفَيْنَ﴾ المختارين من أبناء جنسهم، جمع مصطفى. ﴿اَلْأَخْيَارِ﴾
المفضلين عليهم في الخير، جمع خيِر: وهو المطبوع على فعل الخير . ﴿ إِسْمَعِيلَ﴾
هو ابن إبراهيم الخليل .﴿ وَاَلْيَسَعَ﴾ اللام زائدة، وهو نبي، ابن أخطوب
استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثم صار نبياً . ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ ابن عم يسع،
أو بشر بن أيوب، واختلف في نبوته ولقبه، والأصح أنه نبي، قيل: فرَّ إليه
مئة نبي من القتل فآواهم وكفلهم، وقيل: تكفّل بعمل رجل صالح كان يصلي
كل يوم مئة صلاة. ﴿ وَكُلُ﴾ كلهم. ﴿مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾ جمع خيّرً، كما تقدّم.
﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ هذا ذكر وشرف وتنويه لهم بالثناء الجميل، أو هذا المذكور
من الآيات نوع من الذكر وهو القرآن. ﴿لَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ مرجع في الآخرة.
﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ جنات استقرار وثبات، يقال: عدَن بالمكان: أقام به ﴿مُتَّكِينَ
فِيَهَا﴾ أي على الأرائك، كما في آية أخرى. ﴿قَصِرَتُ الطَّرْفِ﴾ لا ينظرن إلى غير
أزواجهن.﴿أَنْرَبُ﴾ جمع ترب، أي لدات متساويات في السّنّ، بنات ثلاث
وثلاثين سنة، حتى لا تحصل الغَيْرة بينهنّ، ولأن التّحاب بين الأقران أثبت.
﴿هَذَا﴾ المذكور. ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ به. ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ لأجل الحساب، فإن
الحساب علة الوصول إلى الجزاء . ﴿نَّفَادٍ﴾ انقطاع، أي دائم له صفة الدوام.
المناسبة:
هذه مجموعة قصص من الأنبياء في هذه السورة، ذكر الله فيها قصص
إبراهيم وذريته الأنبياء، يراد بها العظة والعبرة، والتعليم لنا، والتّخلق
بأخلاقهم، والعمل بأعمالهم التي من أجلها استحقوا ما أعدّ الله لهم

٢٣٥
الجزء (٢٣) - ظِ}: ٣٨ / ٤٥-٥٤
ولأمثالهم في هذه الآيات من الثواب الجزيل والنعيم المقيم. وهي معطوفة على
بداية القصص في هذه السورة، كأنه تعالى قال: ((فاصبر على ما يقولون،
واذكر عبدنا داود)) [الآية ١٧] إلى أن قال: ﴿وَذَكُرْ عِبَدَنَآ إِثَرَهِيَمَ﴾ أي واذكر
يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق في دعوة بني إسرائيل
إلى الرشاد، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره، وصبر إسماعيل
للذبح، وصبر اليسع وذي الكفل على أذى بني إسرائيل.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين، فيقول:
﴾ أي واذكر
٤٥
﴿ وَأَذَكُرْ عِبَدَنَآ إِبْرَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ
العمل الصالح وصبر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي القوة في العبادة
والبصيرة النافذة، فإنهم دأبوا على الطاعة، وقويناهم على العمل المرضي،
وأحسنوا وقدموا خيراً، وآتيناهم البصيرة في العلم والفقه في الدين، والعمل
النافع فيه.
وعلة ذلك:
﴿إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾﴾ أي خصصناهم بخصلة خالصة
هي العمل للآخرة، والتزام أوامرنا ونواهينا، لتذكرهم الدار الآخرة والإيمان
بها، وذلك شأن الأنبياء.
﴿وَلَِهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾﴾ أي وإنهم لمن المختارين من أبناء
جنسهم، المطبوعين على فعل الخير، فلا يميلون للأذى، ولا تنطوي قلوبهم
على الضغينة والحقد والحسد والبغض لأحد، ولا يرتكبون شرّاً ومعصية، فهم
أخيار مختارون.
﴿ وَأَذْكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ
﴾ أى واذكر أيضاً
(٤٨)

٢٣٦
الجُزُ (٢٣) - ضِزٌ}: ٣٨ / ٤٥-٥٤
صبر إسماعيل واليسع وذي الكفل وأعمالهم الصالحة، فكل منهم من الأخيار
المختارين للنبوة.
وبعد أن أمر الله تعالى رسوله بالصبر على سفاهة قومه وذكر جملة من
الأنبياء، ذكر ما يؤول إليه حال المؤمنين وحال الكافرين من الجزاء، ومقرّ كل
واحد من الفريقين، فقال تعالى:
هذه الآيات القرآنية التي تعدد
٤٩
﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُنَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ
محاسنهم تذكُّر لهم وتنويه، وذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبداً، وإن
لهم وللمتقين أمثالهم لحسن مرجع يرجعون فيه في الآخرة إلى مغفرة الله
ورضوانه ونعيم جنّته. وهذا شروع فيما أعدّ لهم ولأمثالهم من النعيم والسعادة
في الدار الآخرة.
ثم فشَر الله تعالى المقصود بالمرجع والمآب الحسن قائلاً:
﴿جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَنَّحَةً لَُّ الْأَبْوَبُ ﴾﴾ أي إن ذلك المآب هو في جنات إقامة
دائمة، مفتحة لهم أبوابها، فإذا جاؤوها فتحت لهم أبوابها إكراماً لهم، تفتحها
لهم الملائكة ليدخلوها مكرمين. وفي هذا إيماء بتخصيصها لهم وبسعتها
وروعتها وبهائها الذي تسرّ به النفوس.
أي تراهم متكئين
﴿ مُتَّكِينَ فِيَهَا يَدْعُونَ فِيَهَا بِفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
في الجنات على الأرائك والأسرّة، يطلبون ما لذّ وطاب مما شاؤوا من أنواع
الفاكهة الكثيرة المتنوعة، وأنواع الشراب الكثير العذب الطيب، وغيرهما،
فمهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا ﴿بِأَكْوَبٍ وَأَبَارِيِقَ وَكَأَسِ مِّنْ مَّعِينٍ
[الواقعة: ١٨/٥٦] .
١٨
والسبب في تخصيص الفاكهة والشراب بالذكر: ترغيب العرب فيها؛ لأن
ديارهم حارة قليلة الفواكه والأشربة، وفيه إيماء بأن طعامهم لمجرد التَّفكُه

٢٣٧
الجُزءُ (٢٣) - ◌ِزٌ}: ٣٨ / ٤٥-٥٤
والتَّلذُّذ لا للتّغذي؛ لعدم حاجتهم إليه بسبب خلق أجسامهم للدوام، فلا
تحتاج لبدائل المتلفات والتّحللات.
وبعد وصف المسكن والمأكول والمشروب، ذكر تعالى الأزواج، فقال:
﴿﴿ وَعِنْدَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ أَنْرَبُ ﴿٥﴾ أي ولهم زوجات قاصرات
طرفهنّ على أزواجهنّ، لا ينظرن إلى غيرهم، وهم لدات متساويات في
السّن، متساويات في الحسن والجمال، يجب بعضهنّ بعضاً، فلا تباغض ولا
غيرة عندهنّ.
ثم ذكر الله تعالى ما وعد به المتقين من الثواب قائلاً:
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾﴾ أي هذا المذكور من صفات الجنة هو
الذي وعد به تعالى عباده المتقين، وهو الجزاء الأوفى الذي وعدوا به، وأجّل
ليوم الحساب في الآخرة بعد البعث والنشور من القبور.
وصفة هذا النعيم الدوام، فقال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾﴾ أي إن هذا الذي أنعمنا به عليكم
الرزق دائم لا انقطاع له، ولا فناء أبداً، كقوله عزّ وجلّ: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ وَمَا
عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦/١٦]، وقوله جلَّ وعلا: ﴿عَطَةٌ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾
[هود: ١٠٨/١١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجُْ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥/٨٤]،
أي غير منقطع، وقوله سبحانه: ﴿أُكُلُهَا دَآبِرٌ وَظِلُهَاْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ
أَتَّقَواْ وَعُقْبَىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥/١٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
جعل الله تعالى هؤلاء الصَّفوة المختارة من الأنبياء مع من تقدّمهم قدوة طيبة
وأسوة حسنة للنبي وَله وللمؤمنين من بعده، في الصَّبر والعمل الصالح،
والعلم النافع، والقوة في العبادة، والفقه في الدين.

٢٣٨
الجُرُ (٢٣) - ظِر: ٣٨ / ٤٥-٥٤
وسبب اصطفائهم إيمانهم بالدار الآخرة وتذكرهم لها، وعملهم المحقق
لرضوان الله ومغفرته ودخول جنانه فيها، فهم يذكرون الآخرة، ويرغبون
فيها، ویزهدون في الدنيا.
وذكرهم في القرآن المتلو إلى يوم القيامة إشادة بهم، وذكر جميل في الدنيا،
وشرف يذكرون به فيها أبداً.
ولهم ولكلّ المتقين مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة،
إذ لهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، مفتحة الأبواب، تفتحها الملائكة
تكريماً لهم.
يتمتعون بنعيم الجنان في مسكن مريح يتكئون فيه على الأرائك، ولهم ما
يطلبون من أنواع الفاكهة الكثيرة والشراب الكثير.
ولهم أيضاً أزواج قاصرات الطّرف لا ينظرن إلى غيرهم، وهنّ لدات
أتراب على سنّ واحدة، متساويات في الحسن والجمال والشباب، بنات ثلاث
وثلاثين سنة.
ثم ذكر الله تعالى أن هذا الموصوف بهذه الصفات هو الجزاء والثواب الذي
وعد به المتقين، ثم أخبر تعالى عن دوام هذا الثواب. وهذا دليل على أن نعيم
الجنة لا ينقطع.

٢٣٩
اِلُعُ (٢٣) - ضِزٌ}: ٣٨ / ٥٥-٦٤
عقاب الطاغين الأشقياء
﴿هَذَا وَإِيَ لِلَِّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ
هَذَا
٥٦
جَهَنَّمَ يَصْلَوَّنَهَا فَأْسَ آلِهَادُ
صلى
فَلْيَذُ وقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ
﴿﴿ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ- أَزْوَجُ لَّّ
قَالُواْ بَلْ أَنْتُمُ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ
٥٩
لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ (
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِىِ النَّارِ
فَبِئْسَ الْقَرَارُ
٠٩/٩/٤
٩١
أَتَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ
٦٣
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَ رِجَالًا كُنَا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ
٦٤
إِنَّ ذَلِكَ لَقَّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
اُلْأَنْصَرُ
القراءات:
﴿فَلْسَ﴾ :
٠
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (فبيس).
﴿وَعَسَّاقٌ﴾: قرئ:
١- (وغَسَّاق) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (وغَسَاق) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَءَاخَرٌ﴾:
وقرأ أبو عمرو (وأُخَر).
﴿ سِخْرِبًا﴾:
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف (سُخْرِيّاً).
الإعراب:
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّغِينَ﴾ ﴿هَذَا﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر هذا.

٢٤٠
لُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٥٥-٦٤
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوُهُ﴾ ﴿هَذَا﴾ يجوز فيه النصب والرفع، أما النصب فبتقدير
فعل يفسره ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ أي فليذوقوه هذا فليذوقوه، والفاء زائدة في مذهب
أبي الحسن الأخفش، مثل: هذا زيد فاضرب. وأما الرفع: فهو على أنه
مبتدأ، وخبره: ﴿حَمِيمٌ﴾، و﴿فَلْيَذُوقُوُهُ﴾ اعتراض، والفاء للتنبيه، أو هو
المخصوص بالذم، أي بئس المهاد هذا المذكور، أو مبتدأ وخبره ﴿فَلْيَذُ وقُوهُ﴾
ويرفع ﴿حَمِيمٌ﴾ على تقدير (هو حميم)، أو خبر مبتدأ، تقديره: الأمر هذا،
ويرفع ﴿حَميمٌ﴾ على تقدير: هو حميم.
: ﴿وَءَآخَرُ﴾ مبتدأ، و﴿ مِن شَكْلِهِ﴾
٥٨
﴿وَءَآخَرُ مِن شَكْلِهِةٍ أَزْوَجُ
صفة له، ولهذا حسن أن يكون مبتدأ، مع كونه نكرة، و﴿أَزْوَجُ﴾ خبر المبتدأ.
ويجوز جعل ﴿أَزْوَجُ﴾ مبتدأ ثانياً، و﴿ مِن شَكْلِهِحَ﴾ خبر لـ ﴿أَزْوَجُ﴾ والجملة
منهما خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿وَءَآخَرٌ﴾.
﴿مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ اْأَشْرَارِ﴾: ﴿مَا﴾ في موضع رفع
بالابتداء، و﴿لَنَا﴾ خبره، و﴿لَا نَرَى﴾ حال من ضمير ﴿لَنَا﴾. و﴿ كُنَا نَعُدَّهُمْ﴾
صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾. و﴿مِّنَ الْأَشْرَارِ﴾ في موضع نصب؛ لتعلقه بـ ﴿نَعُدَّهُمْ﴾. وتجوز
لوجود الراء المكسورة.
الأشرار@
إمالة ﴿مِّن
﴿تَخَصُُ﴾ إما بدل من ﴿ لَحَقٌّ﴾ أو
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ ◌َخَصُمُ أَهْلِ النَّارِ
خبر مبتدأ محذوف تقديره (هو تخاصم) أو خبر بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ أو بدل من
﴿ذَلِكَ﴾ على الموضع.
البلاغة:
﴿اْأَشْرَارِ﴾ ﴿الْأَبْصَرُ﴾ ﴿أَهْلِ النَّارِ﴾ فيها مراعاة الفواصل من المحسنات
البديعية.
﴿فَتْسَ المِهَادُ﴾ شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم.