النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ لُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ وتسورا عليه المحراب من فوق الجدار طلباً للمحاكمة في غير موعدها، ففزع منهما، وظن أنهما جاءا لاغتياله، وهو منفرد في محرابه لعبادة ربه، والخصمان بشران لا ملكان، والنعاج: المواشي، لا النساء. إلا أنه بادر إلى الحكم والقضاء قبل سماع بينة الخصم الآخر، فعاتبه الله على ذلك، ونبهه إلى وجوب تثبت القاضي وسماع الخصم الآخر، قبل إصدار الحكم. وسأبين أن هذا أيضاً محل نظر، فإنه لا يعقل أن يحكم داود عليه السلام قبل سماع قول الخصم الآخر، فهذا من مبادئ الحكم الأولية التي لا تترك. التفسير والبيان: تضمنت قصة داود عليه السلام في هذه السورة ثلاثة موضوعات: الأول - تعداد الصفات التي أنعم الله بها على داود والتي أهَّلته لسعادة الدنيا والآخرة. الثاني - إصدار الحكم في واقعة بين خصمين. الثالث - استخلاف الله تعالى إياه بعد تلك الواقعة. الموضوع الأول - صفات داود عليه السلام ذكر الله تعالى عشر صفات لداود عليه السلام آتاه الله إياها، وهي تحقق كمال السعادة الدنيوية والأخروية: ١ - ٤َّ: ﴿ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُرَ ذَا الْأَيِّّ إِنَّهُ، أَوََّبُ﴾ هذا معطوف على مطلع الآية المذكور في نهاية المقطع السابق وهو ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ والمعنى: اذكر أيها الرسول لقومك قصة عبدنا داود ذي القوة في العلم والعمل وطاعة الله، قال قتادة: أعطي داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام قوة في العبادة، وفقهاً في الإسلام، وكان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف النهار، ثبت في الصحيحين أن النبي ◌َّ قال: «أحبُّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، ٢٠٢ الجزء (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه أي الأخير، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفرّ إذا لاقى، وإنه كان أوّاباً)) أي رجّاعاً إلى الله عز وجل في جميع أموره وشؤونه. وفي تاريخ البخاري عن أبي داود قال: ((كان النبي ◌َّ إذا ذكر داود وحدث عنه قال: كان أعبد البشر)). والصفات الأربع المذكورة هنا هي: اً - الصبر: فقد أمر الله تعالى محمداً وَل على جلالة قدره بأن يقتدي به في الصبر على طاعة الله. أَ - والعبودية: فقد وصفه ربه بقوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ وعبر عن نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، والوصف بالعبودية لله غاية التشريف، كوصف محمد رَله بها ليلة المعراج ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١/١٧]. فإن وصف الله تعالى الأنبياء بعبوديته مشعر بأنهم قد حققوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة. ٣ - والقوة على أداء الطاعة والاحتراز عن المعاصي، في قوله تعالى: ﴿ذَا الْأَيِّدِّ﴾. ٤ - والرجاع إلى طاعة الله في أموره كلها، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ ٥-أَ: تسبيح الجبال والطير معه: ﴿إِنَّا سحرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاْإِشْرَاقِ ﴿3﴾ أي إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال عز وجل: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠/٣٤] قال ابن كثير: وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجّع بترجيعه، إذا مرَّ به الطير، وهو سابح في الهواء، فسمعه، وهو يترنم بقراءة الزبور، لا يستطيع ٢٠٣ الزرعُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ الذهاب، بل يقف في الهواء، ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجّع معه، وتسبّح تَبَعاً له(١). وهذا ما قاله تعالى: ٧ - ﴿وَالْطَيْرَ مَخْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ، أَوَابٌ ﴾ أى وسخرنا له الطير، حال كونها ١٩ محبوسة في الهواء، تسبح بتسبيحه، وكل من الجبال والطير مطيع، يسبح تبعاً له، فكلما سبح داود جاوبته. وهذا يومئ أن داود عليه السلام كان حسن الترتيل، جميل الصوت. ٨ - قوة الملك: ﴿وَسَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي قوينا ملكه بالجند أو الحرس، وجعلنا له ملكاً كاملاً من جميع ما يحتاج إليه الملوك. ٩ - إيتاء الحكمة: ﴿وَءَيْنَهُ اُلْحِكْمَةَ﴾ أعطيناه الفهم والعقل والفطنة، والعلم، والعدل، وإتقان العمل، والحكم بالصواب. ولما كمّل الله تعالى نفس نبيه داود بالحكمة، أردفه ببيان كمال خلقه في النطق والعبادة، فقال: ﴿وَفَصْلَ اُلْخِطَابِ﴾. · أَ - حسن الفصل في الخصومات: ﴿وَفَصْلَ اَلْخِطَابِ﴾ أي وألهمناه حسن الفصل في القضاء بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإيجاز البيان، بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. الموضوع الثاني - القضاء في خصومة إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ ٢١٠ وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ فَفَرِعَ مِنْهُمَّ قَالُوْ لَا تَخَفْتَّ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا (4) هذا نبأ عجيب يشوق السامع سماعه ◌ُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ ومعرفته، لذا ذكره الله لرسوله، ومعناه: هل علمت ذلك الخبر المهم العجيب؟ وبدأه بهذا الاستفهام، ليكون مدعاة إلى الإصغاء له والاعتبار به. (١) تفسير ابن كثير: ٢٩/٤ ٢٠٤ لُزرع (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ إنه نبأ جماعة من الخصوم تسلقوا سور غرفة داود المخصصة للصلاة، فدخلوا عليه وهو منهمك بالصلاة وعبادة الله وترانيم الزبور، في غير موعد المحاكمة المخصص للناس، فخاف منهم ظناً منه أنهم جاؤوا لاغتياله، وهو منفرد في محرابه للعبادة، في أشرف مكان في داره - وقد كان اغتيال الأنبياء معروفاً في بني إسرائيل، فقد قتلوا أشعيا وزكريا، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ [آل عمران: ٢١/٣] - فقالوا له: لا تخف، نحن متخاصمان جار بعضنا على بعض، فاحكم بيننا حكماً عادلاً لا تجر في الحكم، واهدنا إلى الطريق الحق العدل. وموضوع الخصومة هو: ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَنَسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَهُ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَها وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ () أي إن هذا أخ لي في الدين والإنسانية، يملك تسعاً وتسعين شاة، وأملك شاة واحدة، فقال: ملكنيها وغلبني في المخاصمة والجدال والحجة، فأتى بحجج لم أستطع ردّها. والنعجة: هي الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر الوحش: نعجة. فحكم داود عليه السلام بقوله : ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ أي قال داود الحاكم بعد إقرار المدعى عليه بالدعوى: لقد ظلمك بهذا الطلب، وطمع عليك. ويقال: إن خطيئة داود هي قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت، فربما كان صاحب النعجة الواحدة هو الظالم. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًّاً مِّنَ الْخُلَاِ لَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَا هُمُّ﴾ أي وإن كثيراً من الشركاء في المال أو المعارف والأعوان المتعاملين ليظلم بعضهم بعضاً، إلا من آمن بالله وخاف ربه وعمل صالح ٢٠٥ الزرع (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ الأعمال، فإنه لا يظلم، وهؤلاء الصالحون قلة، كما قال تعالى ﴿وَمَا وَجَدْنَا [الأعراف: ٧ / ١٠٢] . ١٠٢) لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَبَ﴾ أي وعلم داود وأيقن أنما اختبرناه بهذه الواقعة، وهي تعرضه للاغتيال ثم نجاته منه، فاستغفر ربه لذنبه وهو سوء ظنه بالخصمين، وأنهما أتيا لاغتياله، وهو الأصح، أو أنه حكم بين الخصمين في النعاج قبل أن يسمع بيِّنة الخصم الآخر، وكان الحق له، وخرَّ ساجداً - وعبر بالركوع عن السجود - ورجع إلى الله بالتوبة من ذنبه. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ( أي فغفرنا له ٢٥ سوء ظنه أو ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وإن له عند ربه لقرباً وحسن مرجع، وهو الجنة. والظاهر أن الذنب: هو همّ داود الانتقام من هذين الشخصين اللذين كانا يقصدان اغتياله، فاصطنعا هذه الخصومة؛ لأنهما رأيا أن الحرس سيقتلونهما ولن يفلتا من العقاب، ثم رأى داود أن العفو والصفح أقرب لمقام النبوة، فاستغفر ربه مما كان قد عزم عليه من الانتقام. الموضوع الثالث - الاستخلاف في الأرض ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِىِ الْأَرْضِ﴾ يخاطب الله تعالى داود عليه السلام بأنه استخلفه حاكماً بين الناس في الأرض، فله السلطة والحكم، وعليهم السمع والطاعة. ثم بَيَّن الله تعالى له قواعد الحكم تعليماً لغيره من الناس : اً - ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي فاقض بين الناس بالعدل الذي قامت به السماوات والأرض. وهذه أُولى وأهم قواعد الحكم. ٢ - ﴿ وَلَا تَتَبِعِ اٌلْهَوَى﴾ أي لا تمل في الحكم مع أهواء نفسك أو بسبب مطامع الدنيا، فإن اتباع الهوى مزلقة ومدعاة إلى النار، لذا قال: ٢٠٦ الجزء (٢٣) - ظرا: ٣٨ / ١٧-٢٦ ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي إن اتباع الهوى سبب في الوقوع في الضلال والانحراف عن جادة الحق، وما عاقبته إلا الخذلان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي إن الذين يتنكبون طريق الحق والعدل، لهم عقاب شديد يوم القيامة والحساب الأخروي، بسبب نسيانهم أهوال ذلك اليوم، وما فيه من حساب دقيق لكل إنسان، وبسبب تركهم العمل لذلك اليوم، ومنه القضاء بالعدل. والعبرة من هذا الموضوع: الوصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق، ولا يحيدوا عنه، فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد الله تعالى من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والحساب الشدید. روى ابن أبي حاتم أن أبا زُرْعة دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: أخبرني، أيُحاسَبُ الخليفة؟ فإنك قد قرأت القرآن وفقهت! فقال: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قال: يا أمير المؤمنين: أنت أكرم على الله أو داود عليه السلام؟ إن الله تعالى جمع له بين الخلافة والنبوة، ثم توعده في كتابه، فقال: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ اُلْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية(١). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - وصف الله تعالى داود عليه السلام بعشر صفات: هي كما تقدم الصبر، والعبودية لله، والقوة في الدين، وكونه أواباً كثير الرجوع إلى الله (١) تفسير ابن كثير: ٣٢/٤ ٢٠٧ الجُزءُ (٢٣) - ظِ}: ٣٨ / ١٧-٢٦ تعالى، وتسبيح الجبال، والطير مع تسبيحه وترنيمه، وإتيان الطير طائعة له، وتشديد ملكه في الدين والدنيا، وإيتاؤه الحكمة (الفهم والعقل والفطنة والحكم بالصواب) وحسن الفصل في الخصومات. ◌ً - بمناسبة تسبيح الجبال معه بالعشي والإشراق، أي في المساء والصباح، ذكر القرطبي أن صلاة الضحى نافلة مستحبة، جاء في صحيح مسلم عن أبي ذرّ عن النبي ◌َّ أنه قال: ((يصبح على كل سلامى(١) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)). وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من حافظ على شَفْعة الضحى، غفر له ذنوبه، وإن كانت مثل زَبَد البحر)). وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: ((أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم علی وتر)). وأقل الضحى كما في هذه الأحاديث وغيرها ركعتان، وأكثره ثنتا عشرة ركعة. مَّ - ذكر الله تعالى لداود بعد قصة المحاكمة عشر صفات منها سؤال المغفرة من ربه فغفر له، ومنها السجود شكراً لله والإنابة، ومنها: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَادٍ﴾ ومنها ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِِ اَلْأَرْضِ﴾. قال مجاهد عن عبد الله بن عمر: الزلفى: الدنو من الله عز وجل يوم القيامة. ٤ - ليس الحاكم ملزماً كل يوم بالاستعداد لفصل القضاء في الخصومات بين الناس، وإنما له تخصيص أيام في الأسبوع لتلك المهمة الخطيرة. (١) أصل السلامى: عظام الأصابع والأكفّ والأرجل، ثم استعمل هنا في سائر عظام الجسد ومفاصله، وهي كما في حديث آخر ثلاث مئة وستون مفصلاً. ٢٠٨ الجُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ ٥ - الفزع ظاهرة إنسانية في المفاجآت، وقد فزع النبي داود عليه السلام من الرجلين اللذين أتياه ليلاً في غير وقت دخول الخصوم، أو لدخولهم عليه بغير إذنه، أو لأنهم تسوروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب. وقد شاع بين بني إسرائيل قتل الأنبياء وإيذاؤهم. ٩ - إن القصة التي يرويها بعض المفسرين بما يتعارض مع مبدأ ((عصمة الأنبياء)) لا أصل لها، ولا مستند عليها، وإنما هي من الإسرائيليات الدخيلة. لاً - لم يكن خطأ داود عليه السلام في أنه قضى لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، فهذا من أصول الحكم التي لا يمكن تجاوزها، قال ابن العربي: وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر، وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادّعى، والآخر سلم في الدعوى، فوقعت بعد ذلك الفتوى(١). وقد قال النبي وَ لّ لعلي رضي الله عنه فيما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما: ((إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقضٍ لأحدهما حتى تسمع من الآخر)). ٨ - أجمع العلماء على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر، وفي الصغائر اختلاف، الأصح كما قرر ابن العربي وغيره أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر. 1 - استدل العلماء على مشروعية الشركة بأدلة، منها: ما ورد على لسان داود عليه السلام: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْحُلَطَاءِ لَيْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي الشركاء في المال كما تقدم. ٠ ١َ- الصلحاء في كل زمان قليلون، لقوله تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مَا هُمُّ﴾ يعني الصالحين. سمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقول في دعائه: اللهم اجعلني من (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٦٢٥/٤ ٢٠٩ الزُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ عبادك القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال: أردت قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِيلٌ مَّا هُمُّ﴾ فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر. ١١ - اختلف العلماء في سجدة داود، هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أو لا؟ أي هل هي سجدة تلاوة؟ فقال المالكية والحنفية: ليست موضع سجود، لما في البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: ((صّ ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي وَّ يسجد فيها)). وأنكر المالكية أيضاً سجدة الشكر. وقال الشافعية والحنابلة: إنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر؛ استدلالاً بفعل النبي ◌ّر، كما نص الحديث المتقدم، وروى النسائي أن النبي وَّ قال: ((سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً)). ١٢ - ليس في استغفار داود ما يشعر بارتكاب ذنب أو أمر يستغفر منه، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة. ١٣ - الأصل في مشروعية الأقضية أو التقاضي قوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَآَ أَنَزَلَ اُللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩/٥] وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥/٤] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءُ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨/٥]. ١٤ - إن قاعدة الحكم الأساسية الحكم بالعدل والحق: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ﴾ ومن قواعده: أن القاضي لا يحكم في الوقائع إلا بالدعوى ورفع الأمر إليه، فيجب الحكم بالحق، وألا يميل القاضي إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة أو غيرهما. ٢١٠ الجزء (٢٣) - ض: ٣٨ / ٢٧ -٢٩ ١٥ - هذه الآية: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ تمنع الحاكم من القضاء بعلمه الشخصي في الحوادث؛ لأن الحكام لو مكِّنوا أن يحكموا بعلمهم، لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليّه (صديقه) ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. وبذلك يمنع من هذا القضاء للتهمة، قال أبو بكر رضي الله عنه: لو رأيت رجلاً على حدّ من حدود الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي أن امرأة جاءت إلى عمر، فقالت له: احكم لي على فلان بكذا، فإنك تعلم ما لي عنده، فقال لها: إن أردتِ أن أشهد لك فنعم، وأما الحكم فلا . وأخرج أبو داود وغيره عن النبي ◌َّلتر أنه اشترى فرساً فجحده البائع، فلم يحكم بعلمه، وقال: ((من يشهد لي؟)) فقام خزيمة فشهد فحكم. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله ◌َالل قضى بيمين وشاهد. إثبات البعث والثواب والعقاب وبيان فضل القرآن ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ، أَمْرِ نَجْعَلُ الَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اُلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿ كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ وَلَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٣٩ اُلْأَلْبِ الإعراب: (كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب. البلاغة: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية: مقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار، وهذا من المحسنات البديعية. ٢١١ لُرُ (٢٣) - ظر: ٣٨ / ٢٧-٢٩ المفردات اللغوية: ﴿بَطِلًا﴾ عبثاً ولعباً ﴿ذَلِكَ﴾ أي خلق السماء والأرض باطلاً ﴿ظَنُّ الَّذِينَ ج كَفَرُواْ﴾ مظنون كفار مكة ﴿فَوَيْلٌ﴾ هلاك وعذاب شديد، أو هو واد في جهنم ﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار، أي إنكار التسوية بين الفريقين ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ نزل لما قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة مثلما تعطون. والآية تدل على صحة القول بالحشر والمعاد، والفجار: الأشقياء ﴿مُبَرَكٌ﴾ كثير الخير والبركات والمنافع الدنيوية والأخروية ﴿لِيَدََّّرُواْ﴾ ليتدبروا أي ليتفكروا وينظروا في معاني الآيات، فيؤمنوا ﴿وَلَنَذَكَّرَ﴾ يتعظ ﴿أُوْلُواْ اُلْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول، جمع لب: وهو العقل. المناسبة: بعد تهديد الضالين عن سبيل الله بالعذاب الشديد يوم الحساب في القيامة، أخبر تعالى بأن هذا اليوم آت لا ريب فيه؛ لأنه خلق الخلق لهدف معين، ثم يحاسبهم في نهاية الأمر، ثم بيّن عدم المساواة في الحساب بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار، ثم أخبر عن فضل القرآن العظيم، وأنه كثير المنافع الدينية والدنيوية. التفسير والبيان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ أي ما أوجدنا السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثاً لا حكمة فيه، أو لهواً ولعباً، بل خلقناهما للدلالة على قدرتنا العظيمة، وليُعمل فيهما بطاعتنا وعبادتنا وتوحيدنا، كما [الذاريات: ٥٦/٥١] . ٥٦٦ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ أي إن الذين كفروا يظنون أن هذه الأشياء خلقت عبثاً لغير غرض، فلا قيامة ولا حساب، فيا ٢١٢ الجُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٢٧-٢٩ هلاك هؤلاء الكافرين في النار يوم المعاد والنشور، جزاء ما قدموا من الشرك والمعصية، وكفران نعم الله، وإنكار البعث، وظنهم الباطل. ونظير القسم الأول من الآية قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا [المؤمنون: ٢٣ /١١٥] . تُرْجَعُونَ ونظير القسم الثاني قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢/١٤] وقوله عز وجل: ﴿فَوَيَّلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧/١٩]. ثم أبان الله تعالى منهج الحساب أو عدم التسوية بين المؤمنين والكافرين، فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾﴾(١) أي بل أنجعل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، وعملوا بفرائضه، وأصلحوا أعمالهم، فأدّوا ما يجب للخالق والمخلوق، كالمفسدين في الأرض بالمعاصي، أم نجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين والمنهمكين في معاصي الله من المسلمين؟ !! فليس ذلك إن فعلناه عدلاً، ولا يتفق مع الحكمة، ومقتضى أي نظام. أي ليس من عدل الله وحكمته التسوية بين المؤمنين والكافرين، فلا یستوي الفریقان عند الله، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ من دار أخری یئاب فيها المطيع، ويعاقب فيها الفاجر؛ إذ لولا البعث والحساب والجزاء لكان الفريقان سواء. ويؤيد هذا المبدأ العقول السليمة والفطر المستقيمة أنه لا بدّ من معاد وجزاء، فلا يعقل أن يكون جزاء المحسن كجزاء المسيء، ولا تتقبل النفس (١) هذه ﴿أَمْ﴾ المنقطعة التي هي بمعنى ((بل)) للإضراب الانتقالي، ويراد بالهمزة الاستفهامية: الإنكار. ٢١٣ لُزُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٢٧-٢٩ الإنسانية أن يترك الظالم دون عقاب، وألا ينصف المظلوم أو المحزون أو المعدم من الظالم الباغي المترف، وألا يعوض عن كمده وحرمانه في الدنيا. أَفَتَجْعَلُ ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتِ اٌلَعِيمِ (َّ) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحَكُمُونَ ﴾ [القلم: ٣٤/٦٨-٣٦]. (٣٦) المُسْلِمِينَ كَالْجْرِمِينَ وإذا ثبت قرآناً وديناً وعقلاً وفطرة أن هنالك فرقاً واضحاً بين المؤمن وغيره، وأن للمؤمن حياة سعيدة دائمة في الجنان، وأن للكافر عذاباً أليماً في النيران، فما الطريق إلى السعادة؟ الطريق قوله تعالى: ﴿كِنَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ (39َ﴾ أي إن طريق السعادة الأبدية هو اتباع القرآن الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وهو كثير الخير والبركة، فيه الشفاء لمن تمسك به، والنجاة لمن تبعه، وقد أنزله تعالى للناس للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر، وليتعظ أهل العقول الراجحة به وببيانه. قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى للقرآن عليه أثر في خُلُق ولا عمل. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - ليس خلق السماوات والأرض عبثاً وهزلاً ولعباً، وإنما له غاية عظمى وهدف صحيح وهو الدلالة على قدرة الله. والذين يظنون أن الله خلقهما باطلاً عبئاً هم الكفار، فيا ويلهم من عذاب النار. اَ - تدل هذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾ على إثبات الحشر والنشر والمعاد (أو القيامة) لأنه إذا لم يكن خلقهما باطلاً، كان القول بالحشر والنشر لازماً، وكان كل من أنكر القول بالحشر والنشر شاكّاً في حكمة الله في خلق السماء والأرض. ٢١٤ الُزُ (٢٣) - ظِز: ٣٨ / ٣٠-٤٠ ◌َ - إذا لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدنى من حال العاصي، لذا وبَّخ تعالى الشاكين في الحشر والنشر، وأنكر عدم التسوية بين المؤمن والكافر، وبين الصالح والمفسد. ٤ - الآية هذه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ردّ واضح على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد. ٥ - قوله تعالى: ﴿كِنَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُواْ﴾ دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهَذّ (سرعة القراءة)؛ إذ لا يصح التدبر مع الهَذّ. وقال الحسن البصري: تدبر آيات الله اتباعها. أَ - القرآن الكريم ذكرى وعظة لأولي الألباب، أي أصحاب العقول الراجحة، فالعاقل هو المستفيد من آي القرآن، والقرآن هو الذي يذكره بضرورة التوبة والإنابة إلى الله إذا زاغ أو انحرف. قصة سليمان عليه السلام إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابُ الصَّفِنَتُ لِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِنَّ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّ حَتَّى تَوَارَتْ رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْتَخْا بِلشُوقِ وَالأَعْنَاقِ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ ٣٢ بِالِحِجَابٍ ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَّا لَّا يَلْبَغِى وَلْقَيْنَا عَلَى كُرِّْهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ ◌ِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٣٥ فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِجَ تَّجْرِى بِأَمْرِهِ، رُغَةً حَيْثُ أَصَابَ ٣٦ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ الْأَصْفَادِ ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا ٤٠ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَوْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ٣٩ فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ القراءات: ﴿إِنِّ أَحْيَبْتُ) ٢١٥ لُزُ (٢٣) - ظِ): ٣٨ / ٣٠-٤٠ وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إنيَ أحببت). ﴿بِآلسُوقِ﴾: وقرأ قنبل (بالسُّؤْق، بالسُّؤوق). ﴿بَعْدِىٌّ إِنَّكَ﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو (بعديَ إنك). الإعراب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ المقصود بالمدح محذوف، وهو سليمان أو داود، وهو إلى سليمان أقرب. ﴿الصَّفِنَتُ اُلِيَادُ﴾ الأول نائب فاعل ﴿عُرِضَ﴾ والثاني صفته، و﴿اَلِيَادُ﴾: جمع جواد، أو جمع جائد. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ منصوب على أنه مفعول به، والمعنى: أنه آثر حب الخير، لا أنه أحبّ حبّاً، أو منصوب على المصدر، بوضع ﴿حُبَّ﴾ الاسم موضع الإحباب الذي هو المصدر، والوجه الأول أوجه. ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابٍ﴾ أي الشمس، وإنما أضمر لدلالة الحال، مثل [الرحمن: ٢٦/٥٥] أي الأرض، لدلالة الحال، وإن لم ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ يجر لها ذكر. البلاغة: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ المسح هنا حقيقة أي مسحها بيده استحساناً لها وإعجاباً بها، وقيل: المسح كناية عن العقر والذبح. ﴿فَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ﴾ بينهما طباق، لأنهما بمعنى أعط من شئت، وامنع من شئت. ٢١٦ الُرعُ (٢٣) - ظِرٌ: ٣٨ / ٣٠-٤٠ المفردات اللغوية: ﴿نِعْمَ اُلْعَبْدُ﴾ سليمان؛ إذ ما بعده تعليل للمدح وهو أواب ﴿أَوَّبُ﴾ رجّاع إلى الله بالتسبيح والذكر في جميع الأوقات، أو بالتوبة ﴿بِالْعَشِ﴾ ما بعد الزوال ﴿عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ على سليمان ﴿الصَّفِنَتُ﴾ القائمات، أو القائمة على ثلاث وطرف الحافر الرابع، أي يرفع إحدى يديه أو رجليه، ويقف على مقدم حافرها، مع القوائم الأخرى، وهو من الصفات المحمودة في الخيل، لا يكاد يكون إلا في العرب الخلّص، مأخوذ من صفن يصفن صفوناً. ﴿اَلْجِبَادٌ﴾ جمع جواد، وهو الذي يسرع في عَدْوه أو جريه، والجواد من الناس: السريع البذل. والمعنى: إن الخيول إذا استوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت، وكانت ألف فرس عرضت عليه، كالعرض العسكري اليوم. ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيرِ﴾ أي آثرت أو أردت حب الخير وهو هنا الخيل، وأصل الخير: المال الكثير، ويحتمل أنه سماها خيراً لتعلق الخير بها، قال وَليه فيما أخرجه أحمد عن جابر: ((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)). ﴿عَن ذِكْرِ رَبِ﴾ أي أحببت الخيل وحصل حبها عن ذكر ربي وأمره، لا عن الشهوة والهوى. وليس المراد كما يذكر القصاصون: أنه آثر رؤية الخيل عن صلاة العصر حتى غابت الشمس ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ اختفت وغابت الشمس، واستترت بما يحجبها عن الأبصار. والحجاب: بالحاجز أو بالليل. ﴿ُدُّوهَا عَّ﴾ ردوا الخيل الصافنات علي استمتاعاً بالنعمة، أي كفاها ركضاً وعَدْواً ﴿فَطَفِقَ مَسْخًا﴾ شرع يمسحها بيده استحساناً لها وإعجاباً بها، وليس المعنى: جعل يذبحها ويعقرها بالسيف لتفويت صلاة العصر عليه، فهذا لا يليق بالنبوة. ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ أي بسيقانها وأعناقها، فيربّت عليها ويدللها ويمسح نواصيها بيده، لا أنه ذبحها وعرقب أرجلها تقرباً إلى الله تعالى، حيث اشتغل بها عن الصلاة، وتصدق بلحمها، فعوضه الله خيراً منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، فهذا من الإسرائيليات الدخيلة. ٢١٧ لُرءُ (٢٣) - ظِزْ: ٣٨ / ٣٠-٤٠ ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَنَ﴾ ابتليناه واختبرناه بمرض، وقال البيضاوي: وأظهر ما قيل فيه: ما روي مرفوعاً أنه قال: ((لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل، فوالذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فرساناً))(١). ومن الإسرائيليات في تفسير الابتلاء: أن الله ابتلاه بسلب ملكه، وذلك لتزوجه بامرأة عشقها، وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه، وكان ملكه في خاتمه، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة، على عادته، فجاءها جِتِّي في صورة سليمان، فأخذه منها. ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِّهِ، جَسَدًا﴾ أي جسماً ضعيفاً كأنه جسد بلا روح، وقيل: الجسد: هو نصف الإنسان الذي ولدته امرأته، وقيل: هو ذلك الجني، وهو صخر أو غيره، جلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته، فرآه على كرسيه، وقال للناس: أنا سليمان، فأنكروه. وهذان التفسيران المقولان غير صحيحين في الظاهر والثاني منهما من تتمة القصة الدخيلة من الإسرائيليات. ثُمَّ أَبَ﴾ رجع تائباً إلى الله من ترك الأفضل وهو عدم تعليق الأمر بمشيئة الله، وهذا عظيم على نبي؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ﴾ ما صدر عني من الذنب ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾ أي امنحني ملكاً لا يكون لأحد من بعدي أن يملك مثله. ﴿فَسَخَّرْنَا لَّهُ الْرِّيَجَ﴾ جعلناها منقادة لأمره ﴿رُخَةَ﴾ لينة مع قوتها وشدتها، فلا تُزعزع ولا تعصف ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قصد وأراد ﴿ وَالشَّيَطِينَ﴾ أي وسخرنا (١) أخرجه البخاري، دون أن يذكر أنه تفسير للآية. ٠٤ ٢١٨ اِلُعُ (٢٣) - ظِ: ٣٨ / ٣٠-٤٠ له الشياطين ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أي يبنون له ما يشاء من المباني، ويغوصون في البحر لاستخراج الدر واللؤلؤ منه ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّبِينَ فِ اُلْأَصْفَادِ (®﴾ أي وآخرين منهم مشدودين في القيود والسلاسل، وهم مردة الشياطين. ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا﴾ أي هذا ما أعطيناك من الملك العظيم الذي طلبته، من السيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم ﴿فَأَمْثُنْ أَوْ أَمْسِكَ﴾ فأعط من شئت، وامنع من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ لا حساب عليك في ذلك الإعطاء أو الإمساك، فلا يقال لك: كم أعطيت ولم منعت؟ ﴿لَُلْفَى﴾ قربة في الآخرة ﴿وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ وحسن مرجع، وهو الجنة. المناسبة: هذه هي القصة الثانية - قصة سليمان بن داود عليهما السلام، فيها تعداد النعم التي أنعم الله بها على سليمان، كما أنعم على أبيه داود من قبل، ليشكر المحسن، ويتعظ المسيء الذي يرى في قصتي داود وسليمان عظة وعبرة، فإنهما ملكا ملكاً عظيماً، لم يحجبهما عن شكر الله، وعبادته وطاعته، وتقدير نعمه الكثيرة، فأين ملكهما من زعامة قريش وأمثالهم؟! التفسير والبيان: ، أي وآتينا داود ابناً وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُ: أَوَابُ نبياً، كما قال عز وجل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل: ١٦/٢٧] وإلا فقد كان له بنون غيره، وهذا الابن ما أحقّه بالمدح والثناء، فهو نعم العبد؛ لأنه توّاب رجّاع إلى الله، كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل في أكثر الأوقات. روى ابن أبي حاتم عن مكحول قال: لما وهب الله تعالى لداود سليمان قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإيمان، قال: فما أقبح؟ قال: كفر ٢١٩ اِلُ (٢٣) - ظِرٌ): ٣٨ / ٣٠-٤٠ بعد إيمان، قال: فما أحلى؟ قال: رَوْح الله بين عباده - أي رحمته - قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض، قال داود عليه السلام: فأنت نبي. ثم ذكر الله واقعتين لسليمان من وقائع توبته فقال: الواقعة الأولى: قصة عرض الخيل: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ الْحِيَادُ (®﴾ أي اذكر أيها الرسول مادحاً حين عرض على سليمان عليه السلام في مملكته وسلطانه بعد العصر آخر النهار الخيول الصافنات (أي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة) والجياد: السراع في العدو، لينظر إليها ويتعرف أحوالها ومدى صلاحيتها لمهامها، وليستمتع بما أنعم الله عليه منها. ﴾ أي ٣٢ ﴿فَقَالَ إِنَّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ قال سليمان: إنني أحببت هذه الخيل وآثرتها عن غيرها حباً حصل عن ذكر ربي وأمره، لا بهواي وشغفي، وكانت ذات أعداد كثيرة، تعدو حتى غابت عني بسبب الغبار وبعد المسافة. وبه يتبين أن حبه لها لم يكن إلا امتثالاً لأمر الله بربط الخيل للجهاد في سبيل الله، وتقوية دينه، وتثبيت دعائمه، وقد كان ذلك مندوباً إليه في دينهم. هذا هو التفسير المتعين الذي يتفق مع مركز النبوة وشرف الرسالة ودلالة الحال في تعداد النعم لا النقم على سليمان، فلا يصح التفسير بشيء يتنافى مع هذا، ولا سيما وقد أمر الله تعالى نبينا ◌َ لو أن يتأسى بداود وسليمان، كما في مطلع الآيات. ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذَكُرُ عَبْدَنَا دَاوُرِدَ﴾. ثم أعاد سليمان عرض الصافنات أمامه قائلاً: ﴾ أي أعيدوا هذه الخيل ﴿ُذُوهَا عَّ فَطَفِقَ مَسْخًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ( ٢٢٠ لُ (٢٣) - ظِ}: ٣٨ / ٣٠-٤٠ إلي، فلما عادت جعل يمسح بيده سيقانها وأعناقها ونواصيها، تشريفاً لها وتكريماً وتدليلاً وسروراً بها، وتفحصاً لأحوالها وإصلاح ما قد يطلع عليه من عيوبها؛ لأنها عدة الجهاد، ووسيلة الحرب؛ لرد العدوان، ودفع غارات المعتدين. وقال أكثر المفسرين: معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها؛ أي قطعها؛ لأنها شغلته عن صلاة العصر. وهذا بعيد على نبي شاکر نعم ربه، يعاقب ما ليس أهلاً للعقاب. الواقعة الثانية: إلقاؤه جسداً على كرسيه: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْتَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ (®) أي تالله لقد اختبرنا سليمان عليه السلام باختبار آخر، وهو الفتنة في جسده، كما اختار الرازي، حيث ابتلاه الله بمرض شديد في جسمه، حتى نحل جسمه، وأصبح هزيلاً، ثم أناب، أي رجع إلى حال الصحة(١). وبعض المفسرين كما ذكرت عن البيضاوي وكذا أبو حيان(٢) يفسر هذه الفتنة بما عزم عليه من الطواف على سبعين من نسائه، تأتي كل واحدة بفارس مجاهد في سبيل الله، دون أن يقول: إن شاء الله، فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، هو الذي ألقي على جسده، فالجسد الملقى هو المولود شق رجل. وقيل: إن الملقى شيطان، وهذا قول باطل من الزنادقة. قال ابن كثير: وهذا وغيره من الإسرائيليات، وهي من المنكرات، من أشدها ذكر النساء(٣). ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ﴾ قال سليمان: ربِّ اغفر لي ما صدر عني من الذنب (١) تفسير الرازي: ٢٠٩/٢٦ (٢) البحر المحيط: ٣٩٧/٧ (٣) تفسير ابن كثير: ٣٥/٤ وما بعدها.