النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٢٣) - جزء: ٣٨ / ١-١١ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ تأكيد الجملة الخبرية بإنّ واللام لزيادة التعجب والإنكار منهم. ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ﴾ التنوين في (جُنْدٌ﴾ للتقليل والتحقير، وزيادة ما لتأكيد القلة. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَبٌ﴾ ﴿فَلَيَرْتَّقُواْ فِى الْأَسْبَابِ﴾ ﴿مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾ توافق الفواصل الذي يزيد الكلام روعة وبهاء وجمالاً. المفردات اللغوية: ﴿صَّ﴾ معناه: أن القرآن مركب من هذه الحروف العربية، وأنتم أيها العرب قادرون على تكوين الجمل والكلام منها، ولستم قادرين على معارضة القرآن والإتيان بمثله، فهو للدلالة على التحدي والتنبيه على الإعجاز. وقيل: إن هذه الفواتح وأمثالها لها معان أخرى(١). ﴿ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ يقسم الله تعالى بالقرآن، والإقسام بالقرآن: فيه تنبيه على شرف قدره وعلوّ محله. ومعنى ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾: البيان، أو الشرف والشهرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤/٤٣]. وجواب القسم في رأي جماعة محذوف تقديره: إنه لكلام معجز، أو ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ (٣)﴾ أي لا ريب فيه قطعاً، بل المشركون من أهل مكة وأمثالهم في تكبر وتجبر عن الإيمان، واعتزاز بالباطل، والعزة أيضاً: الغلبة والقهر و﴿ وَشِقَاقٍ﴾ أي خلاف وعداوة لله ولرسوله ﴿كُمْ﴾ كثير ﴿ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ أي قد أهلكنا قبلهم كثيراً من الأمم الماضية الذين (١) انظر تفسير الرازي: ١٧٤/٢٦ ١٨٢ الجُمْ (٢٣) - ضِراء: ٣٨ / ١-١١ كانوا أشد قوة وأكثر أموالاً ﴿فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي نادوا حين نزول العذاب بهم أي استغاثوا، وليس ذلك الوقت وقت خلاص وفرار ومنجى. وهذا وعيد على كفرهم بالقرآن استكباراً وشقاقاً. ﴿ وَبُوْ أَنَ جَآءَهُم ◌ُنْذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ تعجبوا من مجيء رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم بالعذاب بالنار إن استمروا على الكفر، وهو النبي ◌َُّ ﴿وَقَالَ اَلْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَابٌ﴾ قالوا ذلك لما شاهدوا المعجزات الخارجة عن قدرة البشر ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾ أصيّرها إلهاً واحداً؟ حين قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، أي كيف يكون للخلق كلهم إله واحد؟ ﴿ُجَابٌ﴾ عجيب، بالغ في العجب إلى الغاية، وإنما تعجبوا؛ لأنه كان لكل قبيلة إله. ﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف، انطلقوا من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب بعد سماعهم قول النبي ◌َّ كلمة يقولونها تدين لهم بها العرب والعجم، قالوا: فما هي؟ قال: لا إله إلا الله ﴿أَنِ آَمْشُواْ﴾ يقول بعضهم لبعض: امضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه ﴿وَأَصْبِرُواْ عَلَىَ ءَالِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ أي إن هذا الذي يريده محمد بَّه بنا وبآلهتنا، من دعوته إلى التوحيد لشيء من ريب الزمان يراد بنا، ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً. ﴿اَلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ هي ملة النصرانية (اخْتِلَقُ﴾ كذب اختلقه محمد مرَّ وافتراه ﴿أَءُ نزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنًا﴾ أأنزل عليه القرآن، ونحن الرؤساء والأشراف، أكبر منه سناً، وأعظم منه شرفاً ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىٌ﴾ أي من القرآن أو الوحي ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُوْ عَذَابٍ﴾ أي بل لم يذوقوا عذابي بعدُ، فإذا ذاقوه زال شکهم. والمعنى: إنهم لا يصدّقون به حتى يمسهم العذاب، فيلجئهم إلى تصدیقه. ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ مفاتيح نعم ربك ﴿اَلْعَزِيزِ﴾ الغالب ﴿اَلْوَهَّابِ﴾ من النبوة وغيرها، حتى يعطوها لمن شاؤوا ﴿فَلْيَرْنَّقُواْ فِىِ الْأَسْبَابِ﴾ أي فليصعدوا ١٨٣ الجُرُ (٢٣) - ظِ: ٣٨ / ١-١١ في المعارج والوسائل التي توصلهم إلى السماء والاستيلاء على العرش، حتى يحكموا بما يريدون ﴿جُنْدٌ مَّا﴾ جند حقير من الكفار ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول، وتكذيب النبي ﴿مَهْزُومٌ مِّنَ اُلْأَحْزَابِ﴾ صفتان لـ ﴿جُنْدٌ﴾ فهم مغلوبون، متحزبون على الأنبياء قبلك، فقُهروا وهلكوا، فكذلك نهلك هؤلاء. سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿أَجَعَلَ الْأَلِهَةَ﴾: أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه النبي ◌َّرَ، فشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية كلمة واحدة، قال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقالوا: إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب، فنزل فيهم ﴿صََّ وَالْقُرْءَانِ﴾ إلى قوله: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾. التفسير والبيان: ﴿َصَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾﴾ (صَّ﴾ أحد حروف الهجاء العربية، افتتح بها هذه السورة كغيرها من السور للتحدي والتنبيه على إعجاز القرآن، وتنبيه المخاطب للإصغاء إلى الكلام الآتي بعده. وأقسم بالقرآن ذي البيان الشامل لكل ما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد من الدين الجامع للعقائد الثابتة الصحيحة، والشرائع الناظمة للحياة الإنسانية، والوعد والوعيد، وهو أيضاً ذو الشرف والشهرة والرفعة، أقسم به إنه لكلام معجز منزل من الله، وإن محمداً لصادق فيما يدعيه من النبوة، والرسالة من رب العالمين إلى البشرية جمعاء، وهو أيضاً تذكير كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠/٢١] أي تذكير كم. ١٨٤ الخُهُ (٢٣) - ظِ: ٣٨ /١-١١ وسبب كفر المشركين هو: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ ﴿ أى إن هذا القرآن ذكرى لمن يتذكر، ٢ وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون؛ لأنهم في استكبار عنه، وترفع عن اتباع الحق، ومخالفة لله ولرسوله ولهر ومعاندة ومكابرة وحرص على المخالفة. ثم خوَّفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم، فقال: أى قد أهلكنا . ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ قبلهم كثيراً من الأمم الخالية بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فاستغاثوا وجأروا إلى الله تعالى حين جاءهم العذاب، فلم يُجْدهم شيئاً؛ لأن الوقت ليس وقت خلاص وفرار من العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُوْ بَأَسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُضُونَ ﴿﴿ لَا تَرْكُضُوْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَا أُتْرِفُ (5)﴾ [الأنبياء: ١٢/٢١-١٣] و﴿ يَرْكَضُونَ﴾ يهربون. فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُتَلُونَ ® [المؤمنون: ٦٤ وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِيهِم ◌ِلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْتَرُونَ ٢٣ /٦٤]. ﴿وَبُوْ أَنْ جَآءَهُم مُّنْذِرٌ مِنْهُمَّ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ (جَ﴾ أي تعجب المشركون من بعثة محمد وَله بشيراً ونذيراً، وبشراً رسولاً من أنفسهم، وقال الكافرون لما رأوا معجزاته الباهرة: هذا ساحر خدّاع كذاب فيما يدعيه من النبوة، وينسبه إلى الله من الوحي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُّبِينُ (﴾﴾ [يونس: ٢/١٠]. وفي الآية دلالة على أن المشركين ذوي العزة والشقاق كذبوا الرسول وله من غير حجة وبرهان، وحسداً من عند أنفسهم، وطمعاً في أن يكون الرسول ١٨٥ الُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ /١-١١ وَلهم أحد الزعماء والرؤساء، ولم يجدوا تهمة أرخص من اتهامه بالسحر والكذب، وذلك دليل الإفلاس. ثم أورد الله تعالى لهم شبهات ثلاثاً في وصف النبي بالكذب: الأولى تتعلق بالألوهية أو التوحيد، والثانية بالنبوة، والثالثة بالمعاد، وهنا ذكر شبهتين، والثالثة ستأتي في آية ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ اً - توحيد الإله: ﴿أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ ﴿٢﴾ أصيَّر الآلهة إلهاً واحداً، وقصر الألوهية على الله سبحانه، إن هذا لشيء بالغ النهاية في العجب. وإنما تعجبوا لأنه كان لكل قبيلة إله، وكانوا يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا زلفى إلى الله، والله يملكهم، فأي ضير في هذا؟ وادعوا العجب ممن رفض الآلهة المتعددة، وقالوا: إن آباءهم على كثرتهم ورجاحة عقولهم لا يعقل أن يكونوا جاهلين مبطلين، ويكون ((محمد وَ لَه)) وحده محقّاً صادقاً. وهذا مجرد تقليد أعمى وإرث منقول دون دليل عقلي ولا نقلي. وسبب نزول هذه الآيات الكريمات كما تقدم: ما رواه الترمذي وغيره بلفظ آخر عن ابن عباس، قال: ((مرض أبو طالب، فجاءت قريش إليه، وجاء النبي ◌ّر، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل کي يمنعه، قال: وشکوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم، فقال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله، قال: فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَّهَا وَحِدًا﴾؟ فنزل فيهم القرآن ﴿صَنَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ جَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ حتى بلغ ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخِلَقُ﴾(١)). وَشِقَاقٍ ورواه بلفظ آخر ابن أبي حاتم وابن جرير عن السدّي. (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٨٦ لُرُ (٢٣) - ضِ}: ٣٨ /١-١١ وفي رواية: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شقّ على قريش إسلامه، فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقضٍ بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي ◌َّ فقال: يابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السواء(١)، فلا تمل كل الميل على قومك. قال: ((وماذا يسألونني؟)) قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال النبي وقال ير: ((أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم)) فقال أبو جهل: لله أبوك! لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي ◌َّله: ((قولوا: لا إله إلا الله)) فنفروا من ذلك وقاموا؛ فقالوا ﴿ أَجَعَلَ الَِّهَةَ إِلَهَا وَحِدًّاً﴾؟ فكيف يسع الخَلْق كلَّهم إلهٌ واحد؟ فأنزل الله فيهم هذه الآيات، إلى قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿ وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ أي وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب قائلين: امضوا على ما كنتم فيه، واثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا على ذلك، إن هذا التحول عن الآلهة لأمر عظيم يريده محمد وَّر، ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً، فيتحكم فينا بما یرید. أَ - عدم وجود التوحيد في النصرانية: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ ما سمعنا بهذه الدعوة إلى توحيد الإله فى الملة الآخرة V هَذَآ إِلَّا أُخْتِلَقُ وهي النصرانية، وما هذا إلا افتراء وكذب لا حقيقة له، وليس له مستند من وحي ودين سماوي، ولا من عقل صحيح فيما يزعمون، فوجب أن يكون باطلاً. ◌َّ - تخصيص النبوة في محمد: ﴿أَءُنِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ استفهام إنكار، أي كيف ينزل القرآن على محمد دوننا، ونحن الرؤساء والأشراف؟ فهذا أمر مستبعد، كما حكي عنهم في آية أخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ (١) أي العدل. ١٨٧ الُرُ (٢٣) - ظر: ٣٨ /١-١١ اُلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣] فردَّ الله عليهم قائلاً: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣] . وسبب استبعادهم هذا، الناشئ عن جهلهم وقلة عقلهم: الشك في أمر القرآن وحسد النبوة : ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ أي بل الحقيقة أنهم في شك من القرآن أو الوحي، بل إنما شكوا وتركوا النظر والاستدلال؛ لأنهم لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه صدقوا بالقرآن، وزال عنهم الشك والحسد. و﴿لَّمَّا﴾ بمعنى ((لم)) وما: زائدة، مثل: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠/٢٣] و﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣/٥]. ثم ردَّ الله تعالى عليهم استبعادهم نبوة محمد وملّ وجعلها في صناديدهم قائلاً : ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَائِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ اُلْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾﴾ أي بل أهم يملكون مفاتيح نعم ربك القوي الغالب، المانح الواهب الكثير المواهب، حتى يعطوا نعمة النبوة لمن يشاؤون؟ كما في آية أخرى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِفَاقِّ وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا ﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٠٠] . ثم أنكر الله تعالى ما هو أشد، فقال: ﴿أَمْ لَهُمِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرَّقُواْ فِ اَلْأَسْبَبِ (®﴾ أي بل أهم يملكون السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات والعوالم، فإن فرض أنهم يملكون، فليصعدوا في المعارج التي توصلهم إلى السماء، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع، ويدبروا أمر العالم بما يشتهون. ١٨٨ الزرعُ (٢٣) - ظر: ٣٨ /١-١١ ثم أجمل الله تعالى وصفهم بالقلة والحقارة فقال: ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهُزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾ أي ما هم إلا جند مغلوبون هنالك، أي في ذلك الموضع الذي كانوا يذكرون فيه هذه الكلمات الطاعنة في نبوة محمد ◌َ﴾، والذي يتحزبون فيه على المؤمنين. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِرٌ ٤٤ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُزُ (١) نبيه وَ له وأن الغلبة ستكون له. [القمر: ٤٤/٥٤-٤٦]. وهذا وعد من الله بنصر فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: : أ - أقسم الله عز وجل بالقرآن العظيم ذي الشرف والشهرة والمجد على صدق نبوة محمد 1 وأنه رسول من الله إلى الناس كافة. : هو التكبر ٢ - إن سبب إعراض كفار قريش عن الإيمان برسالة النبى والتجبر والاستعلاء عن اتباع الحق، ومخالفة الله تعالى ورسوله پيچله ومعاداتهما وإظهار مباینتهما. ٣ - أنذرهم الله وحذرهم من الإهلاك كما أهلك الأمم الماضية الذين كانوا أمنع منهم وأشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، فاستغاثوا وتابوا، ولكن في وقت لا ينفع فيه التوبة، ولا ينفع العمل. ٤ - لقد تعجب كفار قريش بسبب جهلهم أن جاءهم رسول بشر من أنفسهم، يبشرهم وينذرهم، فلم يجدوا حجة للإعراض عنه إلا أن قالوا: ساحر كذاب، أي يجيء بالكلام المموَّه الذي يخدع به الناس، ويكذب في دعوى النبوة. ١٨٩ اِلُرُ (٢٣) - ظِزْ: ٣٨ /١-١١ ه - وبالغوا في التعجب من دعوته إلى التوحيد وتصييره الآلهة إلهاً واحداً. أَ - لم يجد هؤلاء الكفار سبيلاً إلا أن أعلنوا إصرارهم على وثنيتهم، وقال الرؤساء للأتباع: امضوا على ما كنتم فيه، ولا تدخلوا في دين محمد رَله، واثبتوا على عبادة آلهتكم المخصصة لكل قبيلة، فإنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً، فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه. لاً - أيدوا وثنيتهم بآخر الملل وهي النصرانية، فإن النصارى يجعلون مع الله إلهاً، وإن الدعوى إلى توحيد الإله ما هو في زعمهم إلا كذب وافتراء وتخرّص وابتداع على غير مثال. ٨ - إن شعورهم بالعزة والاستكبار دفعهم أيضاً إلى إنكار اختصاص محمد وَ ل﴿ بإنزال القرآن عليه ونزول الوحي على قلبه، دونهم، وهم في رأيهم أحق بذلك؛ لأنهم السادة والرؤساء والأشراف. ١ - إن حقيقة أمرهم أنهم شكوا فيما أنزل الله تعالى على رسوله وَلا، هل هو من عنده أم لا؟ وكذلك اغتروا بطول الإمهال، ولو ذاقوا عذاب الله على الشرك لزال عنهم الشك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. . ١ - عجيب أمر هؤلاء المشركين، هل يملكون مفاتيح نعم الله، فيمنعون محمداً وَّ مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة؟ فالله المالك للنعم يرسل من يشاء؛ لأن خزائن السماوات والأرض له. وهل يملكون عالم السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات، فإن ادّعوا ذلك، فليصعدوا إلى السماوات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد محَ له ١١ - ما هؤلاء الكفار إلا مجرد جند من الأحزاب مهزومين، متحزبين في . ١٩٠ لُخُرُ (٢٣) - ظِزٌ: ٣٨ / ١٢-١٦ موضع تحزّبهم لقتال محمد رَّ، وذلك الموضع مكة، وهم في النهاية أذلّة لا حجة لهم، ولا قدرة لأن يصلوا إلى الاستيلاء على سلطان الله وملكه، فيتصرفوا في الناس کیف یریدون. وهذا تأنيس للنبي وَلّر، ووعد له بالنصر والغلبة، ولهم بالهزيمة، وقد تحقق هذا يوم بدر. قال الرازي: والأصوب عندي حمله على يوم فتح مكة. إنذار الكفار بحال الأمم المكذبة قبلهم ﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ لْتَيْكَةٍ أُؤْلَئِكَ الْأَحْزَابُ ﴿٣) إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ وَمَا ١٤ يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقِ ﴿ يَوْمِ الْحِسَابِ ) وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَنَا قَبْلَ ١٥ القراءات: ﴿ وَأَصْحَبُ لَيْكَةِ﴾: وقرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير (أصحابُ لَيْكَةَ). ﴿ فَواقٍ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (فُوَاق). الإعراب: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إنما دخلت التاء في ﴿كَذَبَتْ﴾ التأنيث الجماعة، أي ﴿قَوْمٌ﴾ باعتبار المعنى. كان تأنيث البلاغة: ﴿ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَارِ﴾ استعارة مكنية، شبه الملك بخيمة كبيرة شُدَّت حبالها بالأوتاد لترسخ في الأرض، ولا تقتلعها الرياح، وذكر الأوتاد تخييل. ١٩١ الزُ (٢٣) - ظِزٌ: ٣٨ / ١٢-١٦ المفردات اللغوية: ﴿ذُو الْأَوْنَادِ﴾ الوتد: هو الذي يدق في الأرض أو الحائط لربط الأشياء به من حبال وغيرها، والمراد هنا ذو الملك الثابت، والبناء المحكم، والحكم ج الراسخ ﴿لْشَيْكَةِ﴾ الغيضة من الشجر الكثير الملتف، وأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب عليه السلام ﴿إِن كُلّ﴾ أي ما كل أحد من الأحزاب ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي إلا وقع منه تكذيب الرسل، وجمع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم؛ لأن دعوتهم واحدة، وهي دعوة التوحيد ﴿فَحَقَّ عِقَابٍ﴾ وجب عقابي عليهم بتكذيبهم، وإن تأخر. ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ أي ينتظر كفار مكة ﴿صَيْحَةً﴾ هي نفخة القيامة، تحل بهم العذاب ﴿فَوَاقٍ﴾ بضم الفاء وفتحها: أي توقف مقدار من الزمن وهو ما بين حلبتي الناقة أو الرضعتين، حتى يجتمع الحليب في الضرع، أو الفواق: الرجوع والترداد، فإن في الفواق يرجع اللبن بعد سويعة إلى الضرع، أي إذا جاءت الصيحة لا تتوقف مقدار فواق ناقة، وفي الحديث الذي رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: ((العيادة فُواق ناقة)) ﴿وَقَالُواْ﴾ كفار مكة استهزاء ﴿قِطََّا﴾ قسطنا من العذاب الذي توعدنا به، أو كتاب أعمالنا، استعجلوا ذلك استهزاء. المناسبة: بعد بيان أن المشركين توانَوْا وتكاسلوا عن النظر والاستدلال؛ لأنه لم ينزل بهم العذاب، بيَّن الله تعالى في هذه الآيات أن أقوام سائر الأنبياء كانوا هكذا، حتى نزل بهم العقاب. والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول وَ﴿ في إخباره عن نزول العقاب بهم. التفسير والبيان: ذكر الله ستة أصناف من الكفار الذين كذبوا الرسل في الأمم الغابرة وهم: ١٩٢ الجُرُ (٢٣) - ظِرٌ: ٣٨ / ١٢-١٦ ١- ٣: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ ﴾﴾ أي كذبت الرسل قبل قريش قوم نوح، وقبيلة عاد، وفرعون ذو الحكم الراسخ وقومه. أما قوم نوح عليه السلام فكذبوه وآذوه وهزئوا به، وقالوا عنه: إنه مجنون، فأهلكهم الله بالغرق والطوفان، ونجّى الله نوحاً ومن آمن به، كما قال فَدَعَا كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ تعالی: رَبَّهُ: أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْنَصِرْ ١٠ فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴿ وَفَجَرْنَا اُلْأَرْضَ وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرِ ﴿٣َ تَجْرِى ١٢ عُيُونًا فَالْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ٩/٥٤-١٤] . (١٤ بِأَعْيُنِنَا جَزَاءٌ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ وأما عاد قوم هود عليه السلام فكذبوه أيضاً، فأهلكهم الله بالريح، كما سَخَرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ ٦ قال تعالى: ﴿وَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامِ حُسُوْمًا فَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٦/٦٩-٧] . V وأما فرعون الطاغية الجبار ذو الحكم الثابت الراسخ القوي، فأرسل الله تعالى إليه موسى عليه السلام بآيات أو معجزات تسع ومعه أخوه هارون، فكذب وعصى، فأهلكه الله بالغرق، ونجّى موسى وقومه المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴿ إِذْ نَادَنُهُ رَبُُّ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى ﴿ أَذْهَبْ إِلَى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَنَخْشَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّى ١٧ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَحَشَرَ فَنَادَى ثُمَّ أَذْبَرَ يَسْعَى فَكَذَّبَ وَعَصَى فَأَرَبُهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ فَأَخَذَهُ اللّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى يَخْشَى [النازعات: ١٥/٧٩- ٢٦]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحَرَ [البقرة: ٢ /٥٠] . ۵٠ فَأَنَجَيَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي كذبت ٤-٦: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَتَيْكَةٍ أُوْلَئِكَ اْأَحْزَابُ 2 ١٩٣ الجُزءُ (٢٣) - ◌ِز: ٣٨ / ١٢-١٦ قبيلة ثمود قوم صالح، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، أي الغيضة، أولئك الأحزاب، أي هم الموصوفون بالقوة والكثرة، كمن تحزّب عليك أيها النبي. أما ثمود قوم صالح عليه السلام فكذبوه، وعقروا الناقة المعجزة، فأهلكهم الله بالصيحة، أو بالطاغية، فصاروا كهشيم المحتظر، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا [الحاقة: ٥/٦٩] وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٥ ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ پِالنُّذُرِ فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا نَّتَّعُهُ: إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (®]) إلى أن [القمر: ٥٤/ قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُخْتَظِرِ (َا﴾ ٣١] . وأما قوم لوط عليه السلام فكذبوه أيضاً فأهلكوا بالخسف أو الزلزلة، كما إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ [القمر: ٣٣/٥٤ -٣٤]. ٣٤ نَّنَهُم بِسَخَرٍ وأما أصحاب الأيكة (أي الشجر الكثير الملتف بعضه على بعض) فهم قوم شعيب عليه السلام، كذبوه، فأهلكوا بعذاب يوم الظّلَّة، كما قال تعالى: ٧٩ فَانَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبَإِمَامٍ مُّبِينٍ ٧٨ ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ اُلْأَيْكَةِ لَظَلِمِينَ ﴿فَكَذَّبُوُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ [الحجر: ٧٨/١٥-٧٩]. وقال سبحانه: كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٨٩) ﴾ [الشعراء: ١٨٩/٢٦] . وسبب إهلاكهم تكذيبهم الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ (٣)﴾ أي ما كل أحد من هؤلاء الأقوام الغابرة إلا كذب الرسل، فوجب عقاب الله لهم، جزاء وفاقاً. وهذا يعني أن علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر، وهذا مفاد الآية التالية: ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقِ ﴾ أي ما ينتظر ١٩٤ الجُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٢-١٦ كفار قريش إلا عقاباً بنفخة الساعة التي هي النفخة الثانية وهي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل. وما لها من فواق: أي ما لها من انتظار وراحة وإفاقة. وتحدث تلك النفخة بلا توقف مقدار فواق الناقة: وهو الزمن الذي بين الحلبتين. والمعنى: ليس بينهم وبين حلول ما أعدَّ الله لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في الصور النفخة الثانية، وإذا حلَّ هذا الموعد فلا تأخر عنه أبداً، كما قال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (﴾ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: ٤٩/٣٦ - ٥٠] وهذا ٥٠ إخبار عن قرب القيامة والموت. ثم ذكر تعالى الشبهة الثالثة للكفار في تكذيب النبي وَلّ وهي المتعلقة بالمعاد (١)، فقال: أي وقال المشركون ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ اُلْحِسَابِ تهكماً واستهزاء حين سمعوا بالمعاد والحساب والعقاب: ربنا عجّل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به، ولا تؤخره إلى يوم القيامة. وهذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، كما قالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨]. وقائل ذلك: النضر بن الحارث الذي قال الله فيه. ﴿سَأَلَ سَآئِلُ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج: ١/٧٠] أو أبو جهل، ورضي الآخرون بقوله. - (١) والشبهتان الأولى والثانية في الآيات المتقدمة: ﴿أَجَعَلَ الْآَِمَةَ﴾ (٥-٨). ١٩٥ الجُرُ (٢٣) - ظِ: ٣٨ /١٢-١٦ ثم أمر الله رسوله بالصبر على أذى المشركين وعلى سفاهتهم قائلاً: ﴿أَصْبِرُ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي اصبر على أذى قومك المشركين، فإنهم في النهاية مقهورون أذلاء، ونبشرك على صبرك بالظفر والنصر والعاقبة الحميدة. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات عظة بليغة وعبرة مؤثرة يتأثر بها ذوو الإحساس الإنساني السليم الذي يتخلى صاحبه عن الكِبر والاستعلاء. وما أعظمها عبرة وشاهداً محسوساً لكفار مكة. إن أمامهم آثار الدمار والخراب والهلاك، أو إنهم يسمعون ما حدث للأمم التي كذَّبت رسلها، وما جرى على المثيل يجري على مثيله. فإن الله القوي القاهر أغرق قوم نوح بالطوفان، وأهلك فرعون وجنوده بالإغراق في البحر، وقوم هود بالريح الصرصر العاتية، وقوم صالح بالصيحة أو بالطاغية (وهي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة) وقوم لوط بالخسف أو الزلزلة، وأصحاب الأيكة بعذاب الظلة. وما ينتظر كفار مكة إلا صيحة القيامة ليزجّ بهم في عذاب النار التي إذا جاءت لا تؤخر أبداً، أو لا تستأخر لحظة واحدة: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَنْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١/١٦]. ولكن اغتر الكفار بطول المهلة، ولما سمعوا أن الله منع عذاب الاستئصال عنهم في الدنيا، إكراماً للنبي ◌َّهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣/٨] وجعل عذابهم في الآخرة، قالوا سخرية واستهزاء: ربنا عجل لنا نصيبنا من العذاب قبل يوم القيامة والحساب إن كان الأمر كما يقول محمد وَ له. وهذا غاية الجهل والسفاهة والحمق. ثم أمر الله نبيه وَله بالصبر على أذاهم وسفاهتهم لما استهزؤوا به، فما بعد الصبر إلا الفرج، وسيكون النصر والظفر قريباً. ١٩٦ الزُرعُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ قصة داود عليه السلام ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ، أَوَابٌ ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا اَلْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِلْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ، أَوَابٌ ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَائِيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ إِذْ دَخَلُواْ عَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمَّ قَالُواْ لَا تَخَفَّْ خَصْمَانِ بَغَى تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَآ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَطِ ( إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسَّعُ وَنَسْعُونَ نَجْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِ اُلْخِطَابِ ٣٣ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَاءِ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَهُ فَاسْتَغْفَرَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ٢٤ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ ﴾ يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى ٢٥ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَكِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ القراءات: ﴿الصِّرَطِ﴾ : وقرأ قنبل (السراط). ﴿وَلَِ نَعْجَةٌ﴾ : وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون: (وليْ نعجة). الإعراب: ﴿إِذَّ ◌َسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُواْ﴾ ﴿إِذْ﴾ الأولى تتعلق بـ ﴿نَبَؤُأ﴾ و﴿َسَوَّرُواْ) .٠ ١٩٧ الجزء (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧ -٢٦ بلفظ الجمع؛ لأن الخصم مصدر يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، فجمع حملاً على المعنى. و﴿إِذْ﴾ الثانية: بدل من الأولى. و﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: نحن خصمان، فحذف المبتدأ. ﴿وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾ عزّني بالتشديد على الأصل من عزّه: إذا غلبه، وقرئ بالتخفيف على أنه مخفف من المشدد، كما يقال في «رُبَّ: رُبْ)). والخطاب: مصدر خاطب أو مصدر خطب، نحو الأول: ضارب ضراباً، ونحو الثاني: كتب كتاباً. ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ﴾ تقديره: بسؤاله إياك نعجتك، فحذف الهاء التي هي فاعل في المعنى، والمفعول الأول، وأضاف المصدر إلى المفعول الثاني ﴿اَلْخُلَطَاءِ﴾ جمع خليط بوزن فعيل صفة فيجمع على فعلاء إلا إن كان فيه واو فيجمع على فعال، نحو طويل وطوال. ﴿ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ﴾ ﴿هُمُّ﴾: مبتدأ، و﴿ وَقَلِلٌ﴾: خبره، و﴿مَا﴾ زائدة، ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ﴾ أي تيقن، وقرئ (فتناه) بالتخفيف، أراد به فتنة الملكين. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ منصوب بـ غفرنا، ويصح جعله خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. البلاغة: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ بينهما طباق؛ لأن المراد بهما المساء والصباح. ﴿وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُأْ اُلْخَصْمِ﴾ ورد بأسلوب التشويق. ﴿ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ورد بأسلوب الإطناب. المفردات اللغوية: ﴿وَأَذَكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ واذكر لهم قصته تعظيماً للمعصية في أعينهم، فإنه ١٩٨ لدُعْ (٢٣) - ظِر: ٣٨ / ١٧-٢٦ مع علوّ شأنه، واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات، لما توهم أو ظن أنه أتى صغيرة استغفر ربه وأناب، فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان؟ ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ القوة والجلد في العبادة، كان يصومُ يوماً، ويفطرُ يوماً، ويقوم ثلث الليل، (أي من أول النصف الثاني وينام نصفه (أي نصفه الأول)، وينام سدسه (أي الأخير ليريح نفسه ويستقبل الصبح) ﴿أَوَّابٌ﴾ رجاع إلى الله وإلى طاعته ومرضاته. ﴿ يُسَبِّحْنَ﴾ بتسبيحه ﴿بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ بالمساء والصباح، وأصل العشي: وقت العشاء، و﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ وقت شروق الشمسِ ووضوح ضوئها ﴿يَحْشُورَةً﴾ مجموعة إليه من كل جانب، تسبح معه ﴿كُلَّ لَّهُ﴾ من الجبال والطير لأجل تسبيحه ﴿أَوَّبٌ﴾ رجاع إلى التسبيح منقاد يسبح تبعاً له ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قويناه حتى ثبت، وآزرناه بالهيبة والنصر، وبالحرس والجنود ﴿الْحِكَمَةَ﴾ النبوة وكمال العلم وإصابة الصواب في القول والعمل ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ البيان الشافي، والكلام الفاصل بين الحق والباطل. ﴿وَهَلْ أَتَنكَ﴾ أيها الرسول أي خبرهم وقصتهم، ويراد بالاستفهام هنا التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده ﴿اُلْخَصْمِ﴾ جماعة الخصوم، ويطلق الخصم على المفرد والجمع، مذكراً ومؤنثاً ﴿سَوَرُواْ﴾ أتوه من أعلى السور، ودخلوا إلى المنزل والمسجد الذي يصلي فيه، حيث منعوا الدخول عليه من الباب، لشغله بالعبادة ﴿فَفَرِعَ﴾ خاف ﴿ خَصْمَانِ﴾ نحن فوجان متخاصمان، والمشهور أنهما مَلَكان، والأقرب أنهما بشران عاديان صاحبا نعاج أي مواشي، والخصومة حقيقية ﴿بَغَى﴾ جار وظلم ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ لا تُجُر في الحكم ولا تبعد عن الحق ﴿ وَأَهْدِنَا﴾ أرشدنا ﴿سَوَاءِ الصِّرَطِ﴾ وسط الطريق الصواب. ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى﴾ أي على ديني ﴿نَعْجَةً﴾ أنثى الضأن ﴿أَكْفِلِنِها﴾ اجعلني كافلها وملكنيها ﴿وَعَزَّنِ﴾ غلبني ﴿فِ اْخِطَابِ﴾ في الجدال والمخاطبة والمحاجة ١٩٩ الجُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ١٧-٢٦ ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ﴾ سؤاله نعجتك ليضمها إليه ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ الشركاء، والمعارف أو الأعوان الذين بينهم خلطة وامتزاج، جمع خليط ﴿وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ﴾ ﴿مَا﴾ زائدة لتأكيد القلة ﴿وَظَنَّ﴾ من الظن وهو رجحان تصور الشيء، أو بمعنى تيقن وعلم ﴿فَتَنَّهُ﴾ ابتليناه أو امتحناه بتلك الحكومة، واختبرناه بهذه الحادثة ﴿فَأُسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ للظن السيئ بالرجلين أنهما أتياه لقتله وهو منفرد في محرابه ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ ساجداً ﴿وَأَنَابَ﴾ تاب ورجع إلى الله وطاعته. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي عفونا عنه ذلك الظن السيئ بالرجلين، وهذا من قبيل ((حسنات الأبرار سيئات المقرّبين)). ﴿لَزُلْفَى﴾ قرب من الله ﴿مَثَابٍ﴾ مرجع في الآخرة. ﴿إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ اٌلْأَرْضِ﴾ استخلفناك على الملك فيها لتدبير أمور الناس ﴿وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى﴾ هوى النفس ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن الدلائل الدالة على الحق ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ بنسيانهم ﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ المرتب لهم، لضلالهم عن السبيل الحق، فإن تذكر يوم الحساب يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى. المناسبة: بعد إنذار قريش بحال الكفار الغابرين، وبعد أمر النبي ◌َّ بالصبر على أذى قريش وسفاهتهم، أمره الله تعالى بتذكر حال تسعة من الأنبياء، حال ثلاثة منهم تفصيلاً، وحال ستة آخرين منهم إجمالاً، ليتأسى بما لاقوا من أذى قومهم، محتسبين أجرهم عند الله تعالى. وبدأ بذكر قصة داود عليه السلام، ليتذكر حال ذلك النبي الشاكر الصابر، ذي القوة في الدين والبدن معاً. ويجب أن تفهم هذه القصة - قصة المحاكمة - على النحو الظاهري المبين في القرآن الكريم، وأن تستبعد الإسرائيليات منها؛ لمناقضتها مبدأ عصمة ٢٠٠ الزُ (٢٣) - ظِزٌ: ٣٨ / ١٧-٢٦ الأنبياء، فقد روي في الإسرائيليات أن داود عليه السلام وقع بصره على امرأة تستحم، فأعجبته وعشقها، وكانت زوجة أحد قواده واسمه ((أوريا الحثي)) فأراد أن يتخلص منه ليتزوج بها، فأرسله في إحدى المعارك وحَّله الراية، وأمره بالتقدم فانتصر، فأرسله مراراً ليتخلص منه حتى قتل، فتزوجها. قال البيضاوي: هذا هزء وافتراء، ولذلك قال علي رضي الله عنه: ((من حدَّث بحديث داود على ما يرويه القصاص، جلدته مئة وستين)). وهو حدّ الفِرْية على الأنبياء، أي مضاعفاً(١). وأبطل الإمام الرازي هذه الحكاية المفتراة بوجوه ثلاثة ملخصها : الأول- إن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجوراً لا ستنکف منها. الثاني - إن حاصل القصة يرجع إلى أمرين: السعي في قتل رجل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته، وكلاهما منكر. الثالث - إن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بصفات عشر، ثم وصفه أيضاً بصفات كثيرة بعد هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفاً بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح(٢). والرواية الصحيحة لهذه القصة: إن داود عليه السلام كان يقسم وقته الأسبوعي أثلاثاً: ثلث لشؤون الملك، وثلث للقضاء بين الناس، وثلث آخر للخلوة والعبادة وترتيل الزبور في المحراب(٣)، فتجاوز خصمان هذا النظام، (١) تفسير البيضاوي: ٦٠٢ (٢) تفسير الرازي: ١٨٩/٢٦ (٣) وقال ابن عباس: جزّأ أزمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للقضاء، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً لجميع بني إسرائيل، فيعظهم ويبكّيهم، فجاؤوه في غير القضاء، ففزع منهم؛ لأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله، لا يتركون من يدخل عليه، فخاف أن يؤذوه. (البحر المحيط: ٣٩١/٧).