النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
الجُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ /١١-٢١
الحساب والجزاء . ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ الحكم والقضاء بين الخلائق وتمييز المحسن
من المسيء. وهو من قول الملائكة.
المناسبة:
افتتح الله تعالى هذه السورة بإثبات وجود الخالق وقدرته ووحدانيته بدلیل
واضح وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق المشارق والمغارب،
وأعقب ذلك بإثبات المعاد وهو الحشر والنشر والقيامة.
ومن المعلوم أن المقصد الأصلي للقرآن الكريم هو إثبات الأصول الأربعة:
وهي الإلهيات، والمعاد، والنبوة، وإثبات القضاء والقدر.
التفسير والبيان:
فَأَسْتَقْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَنْ خَلَقْنَاً﴾ أي سل أيها الرسول هؤلاء
المنكرين للبعث: أيهم أشد خلقاً، أي أصعب إيجاداً، هم أم السماوات
والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ والآية نزلت
في الأشد ابن كَلَدة وأمثاله، سمي بالأشد لشدة بطشه وقوته.
والسؤال للتوبيخ والتقريع، فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقاً
منهم، وإذا كان الأمر كذلك، فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو
أعظم مما أنكروا، كما قال الله عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (60])
[غافر:
٥٧/٤٠] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١/٣٦].
ثم أوضح الله تعالى مدى هذا التفاوت، فقال:
﴿إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لََّزِبٍ﴾ أي إنا خلقنا أصلهم وهو آدم من طين لزج
٨٢
لِزُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ /١١-٢١
يلتصق باليد. فإذا كانوا مخلوقين من هذا الشيء الضعيف، فكيف يستبعدون
المعاد؟ وهو إعادة الخلق من التراب أيضاً، أو من الماء الذي خالط التراب إذا
مات الإنسان في الماء، ولم ينكر ذلك من هو أقوى منهم خلقاً وأعظم وأكمل.
والمعنى: أن هذه الأجسام قابلة للحياة، إذ لو لم تكن قابلة للحياة، لما صارت
حية في المرة الأولى، والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام.
ثم انتقل البيان القرآني من أسلوب لأسلوب، فقال تعالى:
· أي لا حاجة لاستفتائهم، فهم قوم
١٣
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
معاندون، وأنت يا محمد تتعجب من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث؛ لأنك
موقن إيقاناً تاماً بصنع الله وقدرته، وبما أخبر الله تعالى به من إعادة الأجسام
بعد فنائها، وهم على النقيض من ذلك يسخرون ويستهزئون مما تقول لهم من
إثبات البعث، ومما تريهم من الأدلة والآيات. أو عجبتَ من قدرة الله على
هذه الخلائق العظيمة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك ومما تريهم من آثار
قدرة الله، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث.
﴿وَإِذَا ذُكِرُوْ لَا يَذْكُرُونَ (٣)﴾ أي وإذا وعظوا بموعظة من مواعظ الله
ورسوله، لا يتعظون ولا ينتفعون بها، لاستكبارهم وعنادهم وقسوة قلوبهم.
﴿ وَإِذَا رَأَوْ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ (﴿1﴾ أي وإذا شاهدوا دليلاً واضحاً، أو معجزة
من معجزات الرسول وثي التي ترشدهم إلى التصديق والإيمان، يبالغون في
السخرية والاستهزاء، ويتنادون للتهكم والتضاحك، ومشاركة الآخرين في
السخرية.
﴿ وَقَالُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينُ (3﴾ أي وقالوا: ما هذا الذي تأتينا به من
الدلائل إلا سحر واضح ظاهر، فلا يؤبه له، ولا ننخدع به، وهو من تراث
الأقدمين المشعوذين.
٨٣
لِلُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ /١١-٢١
ثم خصصوا إنكارهم بالبعث، فقالوا :
؟ أي إن من أعجب ما تقول :
١٦
﴿أَِذَا مِنْنَا وَكْنَا نُرَبًا وَعِظَمَا لَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ
أنبعث أحياء بعد أن متنا، وصرنا تراباً وعظاماً نخرة؟
﴿أَوَ ءَابَآؤُنَا اُلْأَوَّلُونَ ﴿﴾؟ وهل يبعث أيضاً آباؤنا وأجدادنا الأقدمون
الغابرون الذين مضى على موتهم أحقاب طويلة الأمد؟ فإن بعثهم أشد غرابة.
فأجابهم الله تعالى بقوله:
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴿4﴾ أي قل أيها الرسول لهم: نعم، تبعثون أحياء
مرة أخرى، بعد صيرورتكم تراباً، وأنتم في هذا الحشر والنشر صاغرون
ذليلون حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ﴾
[النمل: ٨٧/٢٧] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠].
﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (®﴾ أي إن الأمر سهل جداً في قدرة
الله، وليس البعث صعباً ولا عسيراً، فإنما البعث صيحة واحدة من إسرافيل
بالنفخ في الصور بأمر واحد من الله عز وجل يدعوهم للخروج من الأرض،
فإذا الناس قاطبة قيام من مراقدهم في الأرض، أحياء بين يدي الله تعالى،
ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.
ثم حكى الله تعالى ملامتهم لأنفسهم إذا عاينوا أهوال القيامة بقوله:
٢٠
أي وقال منكرو البعث الذين كذبوا به
وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الَّذِينِ
في الدنيا: لنا الويل والهلاك، فقد حلّ موعد الجزاء والعقاب على ما قدمنا من
أعمال من الكفر بالله والتكذيب للرسل. دعوا على أنفسهم بالويل والثبور
والهلاك؛ لأنهم يومئذ يعلمون ما حلّ بهم.
٨٤
الجزءُ (٢٣) - القَافَاتَّ: ٣٧ /١١-٢١
فأجابتهم الملائكة بقولهم:
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ (3)﴾ أي هذا يوم الحكم
والقضاء المبرم بين الناس، الذي يفصل فيه بين المحسن والمسيء، ويبين المحق
من المبطل، ففريق في الجنة وفريق في السعير.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - استدل الله تعالى على إثبات المعاد من وجهين:
أحدهما - أنه تعالى قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق من خلق الإنسان
وهو خلق السماوات والأرض والجبال والبحار، فوجب أيضاً أن يقدر على
إعادة خلق الإنسان.
الثاني - أنه تعالى قدر على خلق الإنسان في المرة الأولى، والفاعل وهو الله
والقابل للخلق وهو الإنسان باقيان كما كانا، فوجب أن تبقى القدرة عليه في
الحال الثانية، وهي البعث أو الحشر والنشر.
فدلّ ذلك على أن البعث والقيامة أمر جائز ممكن.
اً - كان خلق آدم عليه السلام من الطين، وكذا خلق كل إنسان من
الطين؛ لأن تكوينه من الدم، والدم يتولد من الغذاء، والغذاء إما حيواني
وإما نباتي، وحياة الحيوان والنبات من تراب الأرض، فمنه تنتج الثمار
والحبوب والأعشاب وغيرها بعد سقيها بالماء.
◌َّ - لقد تعجب الرسول وَله من إنكار مشركي مكة وغيرهم للبعث، لما
استقر في قلبه من مشاهدة قدرة الله العظمى، وعجيب صنعه، ومبلغ إرادته
و مشيئته.
٨٥
لُ (٢٣) - الضَّافَاتِ: ٣٧ /١١-٢١
٤ - بعد تقرير الله تعالى الدليل القاطع في إثبات إمكان البعث والقيامة
حكى الله تعالى أشياء عن المنكرين:
أولها - تعجب النبي ◌َّر من إصرارهم على الإنكار، وهم يسخرون منه في
إصراره على الإثبات، كما تقدم، مما يدل على أن أولئك الأقوام
كانوا في غاية التباعد، وفي طرفي النقيض.
ثانيها- أنهم إذا وُعظوا بالقرآن وغيره من المسلّمات العقلية لا يتعظون
ولا ينتفعون به.
ثالثها - أنهم إذا رأوا معجزة يبالغون في السخرية ويدعون غيرهم إلى
مشاركتهم في السخرية والاستهزاء.
رابعها - أن سبب سخريتهم من الآية والمعجزة اعتقادهم أنها من باب
السحر.
٥ - بعد إثبات إمكان البعث والقيامة بالدليل العقلي، أقام الله تعالى الدليل
السمعي القاطع على وقوع القيامة بقوله: ﴿نَعَمْ﴾ جواباً على إنكارهم البعث،
بعد الموت وصيرورتهم وأسلافهم تراباً وعظاماً بالية.
◌َ - وبعد الإثبات بالدليلين العقلي والسمعي لجواز حدوث القيامة
ووقوعها ذكر تعالى بعض أحوال القيامة وهي ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن القيامة ما هي إلا صيحة واحدة من إسرافيل بالنفخ في
الصور، بأمر الله لدعوة الناس للخروج من الأرض، فيمتثلون فوراً،
وإذا هم قيام من قبورهم أحياء، ينظرون إلى أهوال القيامة، وإلى
بعضهم بعضاً.
الحالة الثانية: من وقائع القيامة أن المكذبين بعد القيام من القبور
٨٦
لِزُرُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ٢٢-٣٧
يقولون: يا هلاكنا، هذا هو الجزاء الذي تُجازى فيه على أعمالنا من
الكفر وتكذيب الرسل.
الحالة الثالثة - تجيبهم الملائكة: هذا يوم الفصل الحاسم، يوم الحكم
والقضاء، الذي يفصل فيه بين المحسن والمسيء.
مسؤولية المشركين في الآخرة وأسبابها
مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ
٣٣
أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ
إِلَى صِرَطِ الْجَحِيمِ
جَ بَلْ هُمُ
مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ
٢٤
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ
) قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ
٢٦
الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
اَلْيَمِينِ
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍّ بَلَ كُنُمْ
قَالُواْ بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٢٨
فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غُوِينَ
٣١
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِّنَاً إِنَّا لَذَابِقُونَ
قَوْمًا طَغِينَ
إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ
فَإِنَهُمْ يَوْمَيِدٍ فِىِ الْعَذَابِ، مُشْتِكُنَ
إِنَّهُمْ كَانُواْ
٣٤٦
إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَيِّنَا لِشَاعٍِ
٣٥
تَجْنُونٍ ﴿٦َ بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
القراءات:
(صِرَاطِ»:
وقرأ قنبل (سراط).
{قِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
٨٧
الُعُ (٢٣) - القَافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
الإعراب:
﴿مَا لَكُمْ لَ نَنَاَصَرُونَ (﴿1﴾ ﴿مَا﴾: استفهامية، مبتدأ، و﴿لَكُمْ﴾: خبره،
و﴿لَا نَنَاصَرُونَ﴾ : جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المجرور في
مثل: ما لك قائماً.
﴿يَسْتَكْبُونَ﴾ موضع الجملة إما منصوب على أنه خبر ((كان)) وجملتها في
موضع رفع خبر إن، وإما مرفوع على أنه خبر ((إن)) و((كان)) ملغاة.
البلاغة:
﴿ فَأَهْدُوُهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أسلوب تهكمي في الهداية؛ لأنها تكون إلى
طريق النعيم، لا إلى صراط الجحيم.
﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ استعارة لجهة الخير أو للقوة والشدة أو لجهة الدين.
﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إيجاز بالحذف، أي قولوا: لا إله إلا الله،
وحذف لدلالة السياق عليه.
المفردات اللغوية:
﴿أَحْشُرُواْ﴾ يقال للملائكة: اجمعوا، من الحشر: وهو الجمع. ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾
أنفسهم بالشرك فهم المشركون، وهو أمر من الله للملائكة بحشر الظلمة من
مقامهم إلى الموقف . ﴿وَأَزْوَجَهُمْ﴾ أمثالهم وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع
عبدة الصنم، وعابد الكواكب مع عبدتها، وأصحاب الخمر معاً، وأصحاب
الزنى معاً. وقيل: أزواجهم: قرناؤهم من الشياطين. ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ، مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ يحشر المعبودون من غير الله من الأصنام والأوثان وغيرها، زيادة في
تحسيرهم وتخجيلهم، وهو عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم
[الأنبياء: ١٠١/٢١] .
مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
٨٨
الجُزُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
﴿فَأَهْدُوُهُمْ﴾ دلوهم وعرفوهم طريقها ليسلكوه. ﴿إِلَى صِرَطِ اٌلْجَحِيمِ﴾ طريق
النار. ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ احبسوهم في الموقف أو عند الصراط(١) ﴿إِنَّهُم ◌َّسْتُولُونَ﴾ عن
) لا ينصر بعضكم بعضاً
٢٥
عقائدهم وأعمالهم. ﴿مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ
بالتخليص من العذاب كحالكم في الدنيا، وهذا يقال لهم توبيخاً وتقريعاً.
منقادون خاضعون لعجزهم، وأصل
(٢٦)
﴿بَلَّ هُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
الاستسلام: طلب السلامة، ويلزمه الانقياد عرفاً. وهذا أيضاً يقال لهم.
﴿يَسَآءَلُونَ﴾ يتلاومون ويتخاصمون، فيسأل بعضهم بعضاً للتوبيخ.
﴿قَالُواْ﴾ قال الأتباع للمتبوعين. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ عن أقوى الوجوه، وعن جهة
الخير التي نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق، فصدقناكم واتبعناكم.
والمعنى: أنكم أضللتمونا. ﴿قَالُواْ﴾ قال المتبوعون لهم. ﴿بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾
أي إنكم كنتم في الأصل غير مؤمنين، فلم يحدث منا الإضلال الذي يؤدي إلى
الرجوع عن الإيمان إلينا . ﴿مِّن سُلْطَانٍّ﴾ تسلط عليكم، وقوة وقهر، نقهركم
على متابعتنا. ﴿طَعِينَ﴾ مختارين الطغيان والضلال مثلنا، ومتجاوزين الحد في
العصيان.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾ وجب علينا جميعاً. ﴿قَوْلُ رَيِّنَاً﴾ بالعذاب، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِنَّا لَذَابِقُونَ﴾ إنا جميعاً لذائقون
العذاب بذلك القول . ﴿فَأَغْوَيْنَكُمْ﴾ دعوناكم إلى الغيّ والضلال. ﴿غَوِينَ﴾
هذا قول الله تعالى، فإنهم يوم
٣٣
ضالين . ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِذٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتِكُنَ
القيامة جميعاً الأتباع والمتبوعون مشتركون في العذاب؛ لاشتراكهم في الغواية.
﴾ أي مثل ذلك الفعل نفعل بالمشركين غير
١٣٤
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ (إ
هؤلاء، أي نعذبهم، سواء التابع منهم والمتبوع.
(١) الواو لا توجب الترتيب، فيصح أن يكون الحبس والإيقاف في الموقف، ويجوز أن يكون عند
الصراط.
٨٩
الجُرُ (٢٣) - الضَافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
﴿إِنَّهُمْ كَانُّوْ﴾ أي إن هؤلاء. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن كلمة التوحيد أو على من
يدعوهم إليها. ﴿لِشَاعِ تَجْنُونٍ﴾ يعنون محمداً نَّهِ. ﴿بَلَ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ
اَلْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ ردّ من الله تعالى عليهم، فإن هذا النبي وَّور جاء بالقرآن
المشتمل على الوعد والوعيد، وإثبات الآخرة. والمعنى: إن ما جاء به من
التوحيد حق ثبت بالبرهان، وتوافق عليه المرسلون.
المناسبة:
بعد إثبات وجود الله وعلمه وقدرته ووحدانيته، وإثبات القيامة، ذكر تعالى
أحوال الكفار في الآخرة حيث يساقون إلى نار جهنم، دون أن يجدوا لهم
نصيراً وعوناً يخلصهم من العذاب، ثم يتلاومون فيما بينهم، ويتخاصم
الأتباع والمتبوعون، ولكنهم جميعاً متساوون في العذاب، بسبب إعراضهم
استكباراً عن كلمة التوحيد في الدنيا، وافترائهم على الرسول وَله بأنه ﴿لِشَاعِ
تَجْنُونِ﴾ مع أنه جاء بالحق الثابت الذي لا محيد عنه وهو التوحيد الذي دعا
إليه المرسلون جميعاً.
التفسير والبيان:
مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يأمر
٣٢
أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ
الله الملائكة بجمع أصناف ثلاثة في موقف الحساب: وهم الظالمون المشركون،
وأزواجهم أمثالهم وأشباههم، ومعبودوهم الذين كانوا يعبدونهم من غير الله،
من الأوثان والأصنام معاً، زيادة لهم في الحسرة والتخجيل على شركهم
ومعصيتهم. والظلم هنا: الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣/٣١].
فهذا خطاب من الله للملائكة، أو خطاب الملائكة بعضهم لبعض، أي
اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات وأنواعهم وضرباءهم.
٩٠
الزُعُ (٢٣) - الضَّافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
يحشر المشركون وأشباههم في الشرك ومتابعوهم في الكفر ومشايعوهم في
تكذيب الرسل وقرناؤهم من الشياطين، يحشر كل كافر مع شيطانه. كذلك
يحشر أصحاب المعاصي بعضهم مع بعض، فيجمع أهل الزنى معاً، وأهل الربا
معاً، وأصحاب الخمر معاً .. وهكذا.
﴿فَأَهْدُوُهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي أرشدوا وعرّفوا هؤلاء المحشورين طريق
جهنم، زيادة في ازدرائهم والتھکم بهم.
﴿وَقِفُوُهُمْ لِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾ أي احبسوهم في الموقف للحساب والسؤال
عن عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم التي صدرت منهم في الدنيا. وفي الحديث
الذي أخرجه الترمذي عن ابن مسعود: ((لا تزول قَدَما ابن آدم يوم القيامة من
عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فیمَ أبلاه،
وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم)).
﴿مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ (9)﴾ أي يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ما
بالكم لا ينصر بعضكم بعضاً؛ كما كنتم في الدنيا؟ وذلك أن أبا جهل قال يوم
بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم يوم القيامة: ما لكم غير متناصرين؟
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
يخالفونه، ولا يحيدون عنه، لعجزهم عن الحيلة، فلا ينازعون في شيء أبداً.
﴾ أي بل إنهم اليوم منقادون لأمر الله، لا
٣٦
وفي هذا الموقف في ساحات القيامة، يتلاومون فيما بينهم، ويتخاصم
الأتباع والرؤساء، فقال تعالى:
﴾﴾ أي أقدم الأتباع والرؤساء من
﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
هؤلاء الكفار، يسأل بعضهم بعضاً سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة، في موقف
القيامة، كما يتخاصمون في دركات النار، كما في آية: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَوْاْ
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ
٩١
الُ (٢٣) - القَافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
[غافر: ٤٠ / ٤٧-٤٨] .
٤٨
﴿قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ﴾﴾ أي قال الأتباع للرؤساء: إنكم
كنتم تأتوننا من جهة الخير، فتصدوننا عنه. وقيل: إن اليمين مجاز مستعار من
القوة والقهر، أي كنتم تأتوننا من ناحية القهر والقوة وبحكم السيطرة
والرياسة لكم علينا في الدنيا، حتى تحملونا على الضلال، وتقسرونا عليه.
وقيل: تأتوننا من جهة الدِّين، فتهونون علينا أمره وتنفروننا عنه، كما هو
الشأن اليوم في كثير من الرؤساء والرفاق.
وكلمة ﴿قَالُواْ﴾ جواب عن سؤال مقدر، فهو استئناف بياني.
فأجاب الرؤساء بجوابين :
١ - ﴿قَالُواْ بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
أي بل إنكم أنتم أبيتم الإيمان،
٢٩
وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه، مختارين الكفر، فقلوبكم هي القابلة للكفر
والعصيان، وكنتم من الأصل على الكفر. وكلمة ﴿قَالُوا﴾ أي المخاطبون وهم
قادة الكفر أو الجن.
٢ - ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطَانٍّ بَلْ كُنُمْ قَوْمًّا ◌َغِينَ (®﴾ أي لم يكن
لنا علیکم من حجة وتسلط نسلبكم به اختياركم وتمكنكم، بل كان فيكم
طغيان وتجاوز الحد في الكفر، ومجاوزة للحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وكنتم
مختارين الطغيان، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الدين الحق، وما كان منا إلا
الدعوة، وكانت منكم الإجابة اختياراً لا جبراً.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنَاً إِنَا لَذَابِقُونَ (3)﴾ أي وجب علينا وعليكم حكم
ربنا، ولزمنا قول ربنا، وهو قوله: ﴿لَّأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
﴾ [ص: ٨٥/٣٨]. فلنذوقن ما وعدنا به، ونحن ذائقو العذاب لا محالة يوم
٩٢
لُعُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
القيامة. قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿إِنَّا لَذَابِقُونَ﴾ إخبار منهم أنهم
ذائقون العذاب جميعهم الرؤساء والأتباع.
﴿فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ (®﴾ أي إنا أضللناكم، ودعوناكم إلى الضلالة،
وإلى ما نحن فيه من الغَواية، فاستجبتم لنا.
ثم بعد هذا النقاش والجدل بين الأتباع والرؤساء، وصف الله تعالى
العذاب الذي يحل بالفريقين، فقال:
أي إن التابعين والمتبوعين أو
٣٣
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِذٍ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ
الأتباع والقادة مشتركون حينئذ جميعاً في العذاب لا محالة، كما اشتركوا في
الضلال والكفر، والجميع في النار، كل بحسبه.
واشتراكهم في العذاب عدل ككل المجرمين الكافرين، لذا قال تعالى:
أي مثل ذلك الجزاء نفعل بالمشركين،
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
ويجازى كل عامل بما قدم.
وسبب العذاب هو ما قاله تعالى:
أي إنهم كانوا إذا
٣٥
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ
دعوا إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، استكبروا عن القبول، وأعرضوا
عن قولها كما يقولها المؤمنون.
﴿ وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ نَّجْنُونٍ ﴾﴾ أي أنحن نترك عبادة آلهتنا
وآلهة آبائنا لقول شاعر مجنون، يسرح في الخيال، ويخلط في الأقوال، يعنون
رسول الله ◌َّر. وبهذا أنكروا في الكلام الأول الوحدانية، وفي الثاني أنكروا
الرسالة.
فردَّ الله عليهم تكذيباً لهم بقوله :
٩٣
الُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ /٢٢-٣٧
(ب) أي إن النبي ◌ُّ جاء بالحق في جميع
﴿ بَّ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
ما شرعه الله له، وأوله التوحيد، وصدَّق في ذلك الأنبياء المرسلين فيما جاؤوا
به من التوحيد والوعد والوعيد وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في تلك الأصول،
ولا جاء بشيء يغاير ما أتوا به من قبله، فكيف يصح وصفه بالشاعر أو
المجنون؟ قال تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت:
٤٣/٤١] وقال سبحانه: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: ٣١/٣٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يلي:
اً - يحشر الملائكة ويسوقون بأمر الله تعالى الكفار إلى موقف السؤال، وهم
ثلاثة أنواع: الظالمون، وأزواجهم (أمثالهم) والأشياء التي كانوا يعبدونها.
والمراد بالظالمين: الكافرون؛ لكونهم عابدين لغير الله تعالى.
وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر، ویفهم منه أن کل وعيد ورد في
حق الظالم، فالمراد منه الكفار، ويؤكده قوله تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤/٢].
وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجَهُمْ﴾ فسر بأقوال ثلاثة الظاهر منها أولها، ويجوز
إرادتها كلها :
الأول - أشباههم من الكفرة، فاليهودي مع اليهودي، والنصراني مع
﴾ [الواقعة: ٧/٥٦].
أَزْوَجًا ثَلَاثَ
وَكنتُ
النصراني، وهكذا؛ لقوله تعالى:
الثاني - قرناؤهم من الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِىِ الْغَيّ
ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
﴾ [الأعراف: ٢٠٢/٧].
الثالث - المراد: نساؤهم اللواتي على دينهم.
٩٤
لِجُزُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
أَ - يوقف الكفار للحساب ثم يساقون إلى النار، فيكون الإيقاف أو الحبس
قبل السوق إلى الجحيم، ويكون بين الآيتين ﴿فَأَهْدُوهُمْ﴾ و﴿وَقِفُوهُمْ﴾ تقديم
وتأخير. وقيل: يساقون إلى النار أولاً، ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من
النار، ويكون سؤالهم عن عقائدهم وأقوالهم وأفعالهم.
وهذا كله دليل على أن الكافر يحاسب.
(@) أي لا
◌َّ - يقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: ﴿مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ
ينصر بعضكم بعضاً، فيمنعه من عذاب الله.
٤ - في ذلك الموقف الرهيب- لا حيلة لهم، وهم منقادون خاضعون لأمر
الله، مستسلمون لعذاب الله عز وجل.
هَ - تظهر هناك صورة من النقاش والجدل والتخاصم والتلاوم بين
الرؤساء والأتباع؛ لقوله سبحانه: ﴿وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَآءَلُونَ (gَ﴾ أي
يسأل بعضهم بعضاً، والمراد بالتساؤل: التخاصم، فليس المقصود منه تساؤل
المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ واللوم.
يقول الأتباع لمن دعوهم إلى الضلالة: ﴿إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي
تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها، أو تأتوننا عن اليمين التي نحبها
ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن
اليمين وتسميه السانح، أو تأتوننا من قبل الدِّين، فتهونون علينا أمر الشريعة
وتنفروننا عنها. قال القرطبي عن الأخير: وهذا القول حسن جداً؛ لأن من
جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدِّين، أي كنتم تزينون لنا
الضلالة.
وقيل: اليمين بمعنى القوة، أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، قال الله تعالى:
[الصافات: ٩٣/٣٧] أي بالقوة، وقوة الرجل في
١٩٣
﴿فَرَغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ
يمينه.
٩٥
المُرُ. (٢٣) - القَا فَاتِ: ٣٧ /٢٢-٣٧
فيجيبهم الرؤساء: ﴿بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي لم تؤمنوا قط حتى ننقلكم
من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم على الكفر وألفتموه. ولم يكن لنا عليكم سلطان
وقهر وحجة في ترك الحق، بل كنتم قوماً ضالين متجاوزين الحد، فوجب
علينا وعليكم قول ربِّنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما أخبر الله على ألسنة
الرسل: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣/٣٢].
وقالوا أيضاً: لقد أغويناكم وأضللناكم، أي زينا لكم ما كنتم عليه من
الكفر، إنا كنا غاوين بالوسوسة والاستدعاء.
أَ - ثم أخبر الله تعالى عنهم: ﴿فَإِنَهُمْ بَوْمَيِذٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (9)﴾ أي
يكون القادة والأتباع جميعاً في نار جهنم، سواء الضال والمضل، كل بحسبه.
لاً - إن مقتضى العدل الإلهي والسنن الرباني أن يعاقب المجرمون المشركون
على جرمهم العظيم، وهو إنكار الوحدانية والاستكبار عن كلمة التوحيد،
وتكذيب الرسل، أو التكذيب بالتوحيد، والتكذيب بالنبوة.
وقد صدر منهم الأمران جميعاً، أما إنكار التوحيد ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ
كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ (9) وأما تكذيب الرسل فهو في
قوله سبحانه: ﴿ وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ تَجْنُونِ (﴾ أي لقول شاعر
مجنون، فجمعوا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة.
فردّ الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿بَلَ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (9) أي
إن الرسول ◌َ﴿ جاء بالقرآن والتوحيد، وصدَّق الأنبياء المرسلين قبله فيما
جاؤوا به من التوحيد ونفي الشريك.
٩٦
لُُّ (٢٣) - القَنَافَاتُ: ٣٧ / ٣٨-٦١
جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين المخلصين
﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ اُلْأَلِيمِ
إلَّا
٣٩
وَمَا تُّجُرَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
فِی
٤٣
فَوَكَةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ
٤١
أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ
بَيْضَآءَ
يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَعِينٍ
٤٤
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ
٤٣
جَنَّتِ النَّعِيمِ
وَعِندَهُمْ قَصِرَتُ
لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ
لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَنَسَآءَ لُونَ
كَهُنَ بَيْضُ مَّكْنُونٌ
٤٨
الطَّرْفِ عِينٌ
٥٠
يَقُولُ أَعِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
٥١
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنَّىِ كَانَ لِ قَرِينٌ
) أَِذَا مِنْنَا وَكُنَا
٥٢
فَأَطَّلَعَ فَرَاهُ فِى سَوَآءِ
قَالَ هَلْ أَنْتُم مُّظَلِعُونَ (ج)
٥٣
تُرَابًا وَعِظَمَا أَئِنَا لَمَدِينُونَ
اَلْجَحِيمِ (
٥٥
) قَالَ تَلَّهِ إِن كِدَتَّ لَتُدِينِ ﴿﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
﴿ إِنَّ هَذَا لَوَ
﴿ إِلَّا مَوْنَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
٥٧
٦١
لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ
اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ
القراءات:
الْمُخْلَصِينَ}
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (المخلِصين).
سِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (بكاس).
﴿يُنَزَقُونَ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يُنْزِفُون).
﴿أَِذَا﴾ ... ﴿أَِنَّا﴾: قرئ:
٩٧
لُعُ (٢٣) - القَنَّافَاتِ: ٣٧ / ٣٨-٦١
١- (إذا .. أَثِّنا) وهي قراءة ابن عامر.
١- (أئذا ... إنّا) وهي قراءة نافع، والكسائي.
٣- (أئذا .. أثِّا) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿مِنْنَا﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (مُتْنا).
الإعراب:
﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿٣)﴾ ﴿الْعَذَابِ﴾: مجرور بالإضافة، من
إضافة الفاعل لمفعوله. وقرئ بنصب العذاب على تقدير النون في ﴿ لَذَابِقُوا﴾
كما يقال: ولا ذاكر الله إلا قليلاً.
(4) ﴿فَوَكَةٌ﴾: بدل من ﴿رِزْقٌ﴾ في قوله تعالى:
﴿فَوَكِّةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ
﴿ أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
﴿ فِي جَنَّتِ الَّعِيمِ ﴾﴾ ظرف أو حال من ضمير ﴿قُّكْرَمُونَ﴾ أو خبر ثان
لأولئك. وكذلك ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ إما حال أو خبر.
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ﴿عَوْلٌ﴾: مبتدأ، و﴿فِيهَا﴾: خبره، ولا يجوز أن يبنى
﴿غَوْلٌ﴾ مع ﴿لَا﴾ للفصل بينهما بـ (فِهَا﴾.
﴿هَلْ أَنْتُم مُطَّلِعُونَ﴾ بفتح نون ﴿قُّطَّلِعُونَ﴾ وقرئ بالكسر، وهو ضعيف
جداً؛ لأنه جمع بين نون الجمع والإضافة، وكان ينبغي أن يكون ((مطلعيّ)) بياء
مشددة؛ لأن النون تسقط للإضافة.
﴿فَأَطَّلَعَ﴾ بالتشديد، وقرئ بالتخفيف ((اْلَع)) وهما فعلان ماضيان.
﴿إِلَّا مَوْنَنَا الْأُولَى﴾ ﴿مَوْنَتَنَا﴾: منصوب على المصدر، كأنه قال: ما نحن
نموت إلا موتتنا الأولى، كما تقول: ما ضربت إلا ضربة واحدة.
٩٨
الزُعُ (٢٣) - الصافَاتَ: ٣٧ / ٣٨-٦١
البلاغة:
﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (3) التفات من الغيبة إلى الخطاب من إنهم
إلى إنكم، لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.
﴿قَاصِرَتُ الطَّرْفِ﴾ كناية، كتّى بذلك عن الحور العين؛ لأنهن عفيفات لا
ينظرن إلى غير أزواجهن.
تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه،
﴿ كَنَّهُنَّ بَيْضُ مَّكْنُونٌ (ِجَا﴾
فصار مجملاً.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿٤﴾ بالإشراك وتكذيب الرسل ﴿إِلَّا مَا كُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ إلا مثل ما عملتم، أو جزاء ما عملتم ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
أي المؤمنين الذين أخلصوا لله في العبادة، أو أخلصهم الله لعبادته
واصطفاهم لدينه، وهو استثناء منقطع ﴿أُوْلَكَ لَّمْ﴾ في الجنة ﴿رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾
أي معروف الخصائص من الدوام والانتظام وتمحض اللذة ﴿فَوَكِهُ﴾ ما يؤكل
تلذذاً لا لحفظ الصحة والتغذي؛ لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظها، بخلق
أجسامهم للأبد ﴿وَهُم مُّكْرَمُونَ﴾ أي ولهم من الله إكرام عظيم برفع درجاتهم
عنده، وسماع كلامه تعالى ولقائه في الجنة. وهم أيضاً مكرمون في نيل الرزق،
فإنه يصل إليهم من غير تعب ولا سؤال، كما عليه رزق الدنيا ﴿فِى جَنَّتِ
النَّعِيمِ (4) أي في جنات ليس فيها إلا النعيم.
﴿عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ ﴿٨﴾ أي على أسرّة يتكئون عليها، ينظر بعضهم إلى
وجوه بعض، كل منهم مسرور بلقاء أخيه، لا ينظر بعضهم قفا بعض.
﴿ يُطَافُ عَلَيْهِم﴾ على كل منهم ﴿بِكَأْسِ﴾ بإناء فيه الشراب ﴿مِّنْ مَعِينٍ﴾ أي من
خمر يجري على وجه الأرض، كالعيون والأنهار ﴿بَيْضَآءَ﴾ أشد بياضاً من اللبن
٩٩
الُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ٣٨-٦١
﴿ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ أي لذيذة لمن شربها، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند
الشرب، قال الحسن البصري: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن، له لذة لذيذة
﴿لَا فِيَهَا غَوْلٌ﴾ أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها مرض ولا
صداع ﴿﴿ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَفُونَ﴾ يسكرون، بخلاف خمر الدنيا. قرئ بفتح الزاي
وكسرها، من نزف الشارب وأنزف: سكر، فهو نزيف ومنزوف.
﴿قَصِرَتُ الطَّرْفِ﴾ قصرن أبصارهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم
[عِينٌ﴾ أي ضخام الأعين حسانها، جمع عيناء: وهي المرأة الواسعة العين مع
شبههن في الصفاء والبياض المخلوط بشىء
حسنها ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضُ مَكْنُونٌ
من الصفرة ببيض النعام المستور بريشه من الريح والغبار. والمكنون: المصون
من الغبار ونحوه. وهذا اللون وهو البياض المشوب بصفرة أحسن ألوان
النساء.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ
أي أقبل بعض أهل الجنة على
٥٠
بعض، حال شربهم، يسألون عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، وذلك من
تمام نعيم الجنة ﴿فَرِينٌ﴾ خليل وصاحب في الدنيا، كافر بالبعث، منكر له.
﴿ لَمَدِينُونَ﴾ مجزيون بأعمالنا، ومحاسبون بها، بعد أن صرنا تراباً وعظاماً؟
﴿قَالَ﴾ المؤمن ذلك القائل لإخوانه ﴿مُّطَّلِعُونَ﴾ معي إلى النار، لننظر حال
ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة، كيف منزلته في النار؟
﴿فَطَّلَعَ﴾ ذلك المؤمن إلى النار ﴿فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ رأى قرينه في
وسط النار ﴿قَالَ﴾ له شماتة ﴿إِن كِدتَ﴾ قاربت، و﴿إِن﴾: مخففة من الثقيلة
واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة ﴿لَتُدِينِ﴾ لتهلكني بإغوائك وتوقعني
في النار ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِ﴾ ورحمته علي بالإيمان والهداية ﴿لَكُنْتُ مِنَ
الْمُحْضَرِينَ﴾ معك في النار، المسوقين للعذاب ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَبِّتِينَ ﴾﴾ أي
أنحن مخلدون غير ميتين؟ وهو قول أهل الجنة ﴿إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُولَى﴾ غير موتتنا
١٠٠
الُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ٣٨-٦١
التي في الدنيا، وهذا قول صادر من دواعي الابتهاج والسرور بما أنعم الله
عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، فهو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله
تعالى، من تأبيد الحياة وعدم التعذيب ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي لسنا بمعذبين.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾﴾ أي إن ما فيه أهل الجنة من النعمة
والخلود والأمن من العذاب، لهو الفوز الساحق الذي لا يقدر قدره. ويحتمل
أن يكون هذا من كلام أهل الجنة، وأن يكون كلام الله تقريراً لما يقولون.
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ ﴾﴾ أي هذه هي التجارة الرابحة، وهو الهدف
الأمثل الذي يسعى إليه العاملون، لا العمل للدنيا الزائفة، فلنيل مثل هذا
يجب أن يعمل العاملون، لا لحظوظ الدنيا المشوية بالآلام، السريعة الزوال.
ويحتمل أن يكون هذا أيضاً من كلام أهل الجنة أو كلام الله.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى تكذيب الكفار بالتوحيد وبالنبوة، نقل الكلام من
الغيبة إلى الحضور، مبيناً أن حوار الأتباع والرؤساء من أهل الضلال لا فائدة
فيه، فإن العذاب شامل الفريقين، وإن الجزاء العدل في الآخرة على وفق
العمل في الدنيا، ثم استثنى الله تعالى العباد الذين اصطفاهم لطاعته،
وأخلصوا العبادة لربهم، فهم في ألوان متنوعة من النعيم المادي في الجنة من
مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا
خطر على قلب بشر، وكذا من النعيم المعنوي حيث لا يشغلهم همّ ولا
نَصَب، ويستذكرون أحوالهم في الدنيا، وأحاديثهم مع بعض القرناء الأخلاء.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى حال المكذبين الضالين، وهو أيضاً خطاب للناس، فيقول:
﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ أي إنكم أيها الكفار لتذوقن العذاب
المؤلم في نار جهنم الذي يدوم ولا ينقطع.