النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
لِلُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٣١-٣٣
﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَتِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
اٌلْقَوْلَ﴾ أي ولو تنظر أيها الرسول حين يكون الكافرون أذلة مهانين محبوسين
في موقف الحساب، يتخاصمون ويتحاجون ويتحاورون فيما بينهم
ويتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، لرأيت العجيب والمخيف.
وصورة الحوار هي:
﴿يَقُولُ الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي
يقول الأتباع الضعفاء للسادة الرؤساء المتكبرين في الدنيا : لولا صدكم لنا عن
الإيمان بالله واتباع رسوله وَلقره لكنا مؤمنين بالله، مصدقين برسوله اليوم
و کتابه.
فأجابهم القادة:
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَخْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ
أى قال السادة القادة المتكبرون في الدنيا
(٣٢
جَاءَ كُ بَلْ كُتُم تُجْرِمِينَ
للأتباع الضعفاء، مستنكرين لما قالوا: أنحن منعناكم عن الإيمان واتباع طريق
الهدى بعد أن جاءكم من عند الله؟ لا، بل أنتم منعتم أنفسكم بإصراركم على
الكفر، وولوغكم في الإجرام والإثم.
فردَّ عليهم الأتباع بقولهم:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَّ
أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنَدَادًا﴾ أي ردَّ الأتباع على القادة رؤساء الضلال: بل
الذي صدّنا عن الإيمان مكركم بنا بالليل والنهار حين كنتم تطلبون منا أن
نبقى على الكفر بالله، ونجعل له أشباهاً وأمثالاً في الألوهية والعبادة.
ثم ذكر مصير الفريقين فقال:

٥٢٢
الُ (٢٢) - شَبَلٍ: ٣٤ /٣١-٣٣
﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اْلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا اُلْأَعْلَلَ فِىَّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
ج
أي وأضمر الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه من الكفر،
وأخفاه عن غيره، مخافة الشماتة، وتبينت الندامة في وجوههم حين واجهوا
العذاب المحدق بهم، وحين جعلنا الأغلال وهي السلاسل التي تجمع أيديهم
مع أعناقهم في النار.
ثم أخبر الله تعالى عن عدالة هذا الجزاء، فقال:
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾؟ أي إنما نجازي هؤلاء وأمثالهم
بأعمالهم، كل بحسبه، وبسبب ما اقترفه من الشرك بالله والإثم، للقادة عذاب
بحسبهم، وللأتباع بحسبهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦/٤١].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - لقد أعلن كفار قريش عدم إيمانهم بالقرآن وبالكتب السماوية السابقة
المتضمنة الإخبار عن أمور الغيب من البعث والحشر والحساب والجزاء.
أَ - أخبر الله تعالى عن حالهم من الذلة والمهانة يوم القيامة، فهم محبوسون
في موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، بعد أن
كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين، فحين ترى الظالمين موقوفين على تلك
الحال، ترى عجباً.
◌َّ - تكون المحاورة بين الرؤساء والأتباع شديدة حادة، فيقول الأتباع
للسادة - وبدأ بهم لأن المضل أولى بالتوبيخ -: لولا أنكم أغويتمونا
وأضللتمونا لكنا مؤمنين بالله ورسوله وكتبه.
ويردّ القادة والرؤساء على الضعفاء الأتباع بقولهم منكرين اتهامهم: ما

٥٢٣
الُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٣١-٣٣
رددناكم نحن عن الهدى، ولا أکرهناکم، بعد أن جاءکم من الله، بل كنتم
أنتم مشركين مصرين على الكفر.
فأجابهم الأتباع بجواب أبلغ وأحكم: إن خديعتكم وحيلتكم وعملكم في
الليل والنهار هو الذي صدَّنا عن الإيمان بالله ورسوله، وهو الذي حملنا على
الكفر بدعوتكم المستمرة المدبرة دوماً، وكنتم تأمروننا بالكفر بالله، وبأن نجعل
له أشباهاً وأمثالاً ونظراء.
وحين مجيء العذاب وبعد اليأس من الحوار أضمر الفريقان الندامة،
وأخفوها مخافة الشماتة، وهذا معنى ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾ وقيل: معنى
الإسرار: الإظهار، أي أظهروا الندامة؛ لأن الفعل من الأضداد، يكون
بمعنى الإخفاء والإبداء.
٤ - كان جزاء الفريقين التابعين والمتبوعين وسائر الكفار: جعل أغلال
الحديد في أعناقهم في النار، وهذا جزاء حق وعدل، ولا يجازى هؤلاء إلا
بسبب أعمالهم في الدنيا من الشرك بالله والإثم والعصيان.

٥٢٤
الُزُجُ (٢٢) - ◌َكَبِّ: ٣٤ / ٣٤-٣٩
صَلىالله
وَسِّلم
تسلية النبي
ظاهرة الكفر بين المترفين
واعتدادهم بالأموال والأولاد
(٣٤)
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ
٣٥
وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
وَمَّ أَمْوَلُكُمْ وَلَّ
٣٦
أَوْلَذُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ
اُلْضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَمِنُونَ (®
أُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿٨ قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،
وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِنَ
٣٩
القراءات:
اُلْغُرُفَتِ﴾
وقرأ حمزة (الغرفة).
﴿مُعَجِزِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (مُعَجِّزين).
الإعراب:
﴿بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ ﴿بِالَّتِى﴾ في موضع نصب؛ لأنه
خبر (ما). ودخلت الباء في خبر (ما) لتكون بإزاء اللام في خبر ((إنّ)) لأن ((إن))
للإثبات، و(ما) للنفي. و﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء، ولا

٥٢٥
لُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٣٤-٣٩
يجوز أن يكون منصوباً على البذل من الكاف والميم في ﴿تُقَرِّئُكُمْ﴾ لأن المخاطب
لا يبدل منه. لكن جاء إبدال الغائب من المخاطب، بإعادة العامل في قوله
تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١/٣٣] أبدل
منه بإعادة الجار، فقال: لمن كان يرجو.
البلاغة:
يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِيَكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ فيه التفات من
الغائب إلى المخاطب للمبالغة في تحقيق الحق، وفيه إيجاز بالحذف لدلالة السياق
عليه، حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه، أي ما أموالكم بالتي تقربكم،
ولا أولادكم بالذین یقربونكم عندنا.
﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا﴾ ﴿ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾ مقابلة
بين عاقبة الأبرار والفجار.
﴿كَفِرُونَ﴾ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ءَمِنُونَ﴾ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ فيها توافق الفواصل
الذي فيه جميل الوقع على السمع.
المفردات اللغوية:
﴿قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية أي بلد. ﴿نَّذِيرٍ﴾ ينذرهم ويحذرهم عقاب الله.
﴿ مُتْرَفُوهَا﴾ أثرياؤها وقادة الشرّ فيها. ﴿كَفِرُونَ﴾ مكذبون لكم بما أرسلتم
به من التوحيد والإيمان. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قاسوا أمر الآخرة المفترضة
عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو لم يكونوا مكرمين عند الله لما رزقهم،
ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ يوسعه لمن يريد امتحاناً. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن

٥٢٦
الُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٣٤-٣٩
يشاء ابتلاء .﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيظنون أن كثرة الأموال
والأولاد للشرف والكرامة، وكثيراً ما يكون للاستدراج. ﴿زُلِّفَىّ﴾ قربى أي
تقريباً، ويصح: زلفة: قربة. ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ لكن من آمن. ﴿جَزَآءُ الْضِّعْفِ بِمَا
عَمِلُواْ﴾ الجزاء المضاعف للحسنات، أي الحسنة بعشر فأكثر. ﴿اُلْغُرُفَتِ﴾
غرفات الجنة، وقرئ: الغرفة، بمعنى الجمع. ﴿ءَامِنُونَ﴾ من جميع ما يكرهون
من الموت وغيره.
﴿ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا﴾ القرآن بالرد والطعن. ﴿ مُعَجِزِينَ﴾ مسابقين
مغالبين لنا، زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم . ﴿ أُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾
تُحضرهم الزبانية إلى النار، دون أن يجدوا عنها محيصاً أو مهرباً.
﴿وَمَآ أَنَفَقْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ في فعل الخيرات التي أمر الله بها في كتابه وبيَّنها
رسوله ◌َّ﴿ ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يعوضه عليكم إما في الدنيا وإما في الآخرة.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ أي إن الناس مجرد وسطاء، فإن رزق العباد لبعضهم
بعضاً إنما هو بتيسير الله وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة، وإنما الرازق
الحقيقي هو الله تعالى.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ﴾: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رَزِين
قال: ((كان رجلان شريكان، خرج أحدهما إلى الشام، وبقي الآخر، فلما
بُعث النبي ◌َّ كتب إلى صاحبه يسأله ما عمل، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من
قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دُلّني
عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي وَّر، فقال: إلامَ تدعو؟ فقال: إلى كذا
وكذا، فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: وما علمك بذلك؟ قال: إنه لم

٥٢٧
الُزُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٣٤-٣٩
يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا
فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (®) فأرسل
إليه النبي ◌َّيّ: إن الله قد أنزل تصديق ما قلت)).
المناسبة:
٦
بعد بيان تكذيب المشركين بالقرآن وبما تقدمه من الكتب السماوية، آنس
الله رسوله ◌َّ مما مُني به من مخالفة قومه، وخصّ بالتكذيب المترفين
المعتمدين على كثرة الأموال والأولاد؛ لأن الداعي إلى التكبر والاستعلاء
المفاخرة بزخارف الدنيا والانهماك في الشهوات، والاستهانة بمن لم يحظ
منها، وهذه ظاهرة عامة في الأمم؛ لأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً.
ثم فنّد الله تعالى مزاعمهم مبيناً بأن الغنى والفقر لا يرتبطان بالإيمان
والكفر، فقد يُرزَق الكافرُ الفاجر ويحرم المؤمن وبالعكس، لحكمة ومصلحة
يعلمها الله تعالى، وإنما الجزاء العادل في الآخرة حيث يمتّع المتقون بغرف
الجنان، ويزج الكافرون الصادون عن سبيل الله في نار جهنم.
التفسير والبيان:
يؤانس الله نبيه * عن إعراض قومه عن دعوته، ويأمر بالتأسي بالرسل
المتقدمين، ويخبره بأنه ما بعث نبياً في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه
ضعفاؤهم، فقال:
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
٣٤
﴾ أي لم نبعث إلى أهل كل قرية نبياً أو رسولاً يحذرهم ويخوفهم عقاب الله
إلا قال أغنياؤها وكبراؤها وأولو النعمة وقادة الشر فيها: إنا مكذبون بما
أرسلتم به من توحيد الإله والإيمان به، ونبذ تعدد الآلهة، فلا نؤمن بكم ولا
نتبعکم.

٥٢٨
لُعُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ /٣٤-٣٩
ونظير الآية كثير مثل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا
لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣/٦] ومثل: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن ◌ُّهْلِكَ فَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
﴾ [الإسراء: ١٦/١٧].
١١٦
فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا
ومسوغات كفرهم: الاغترار بالأموال والأولاد، كما قال تعالى:
أي وقال
﴿ وَقَالُوْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
المترفون الكافرون للرسل وأتباعهم المؤمنين: إن الله فضلنا عليكم بالأموال
والأولاد في الدنيا، وأنتم فقراء ضعفاء، فهذا دليل تميزنا وتفاخرنا، وهو
دليل على محبة الله تعالى لنا ورضاه عنا، وما نحن عليه من الدين، وما كان
ليعطينا هذا في الدنيا ويحسن إلينا، ثم يعذبنا في الآخرة.
ولكن هذه النظرة خطأ محض، وقياس باطل، فإن الإمداد بالأموال غالباً
ما يكون للاستدراج، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِدُهُم ◌ِهِ، مِن مَالٍ وَبَنِيِنٌّ
[المؤمنون: ٥٥/٢٣-٥٦]. وقال
٥٦
◌ُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
٥٥
سبحانه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥/٩].
وهنا ردَّ الله عليهم، وأبان خطأهم، فقال:
﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي قل أيها الرسول لهم: إن
الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، لا
لمحبة لمن وسع عليه، ولا لبغض لمن ضيق عليه، وإنما له في ذلك حكمة تامة
بالغة، ولأن الدنيا لا تساوي شيئاً في ميزان الله، كما قال النبي وَّ فيما رواه
الترمذي عن سهل بن سعد: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما
سقى كافراً منها شربة ماء)) .
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة سنن

٥٢٩
لُجُزْءُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ /٣٤-٣٩
الله في الكون، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مسألة الرزق غلط
بيِّن، أو مغالطة واضحة، فقد يعطي الله العاصي والكافر استدراجاً، ويمنع
الطائع والمؤمن ابتلاء واختباراً، ليصبر، فتكثر حسناته عند الله، وبه یتبین أن
ما يزعمه المترفون من أن مدار التوسعة هو الشرف والكرامة ومدار التضييق
هو الهوان والذل: لا حقيقة له ولا أصل في تقدير الله تعالى.
ثم أبان تعالى ميزان القربى عنده، وأنها ليست بكثرة المال والولد، وإنما
بالإيمان والعمل الصالح، فقال:
﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِيكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرْفَتِ ءَاِمِنُونَ ﴾ أي
وليست كثرة أموالكم وأولادكم هي دليل محبتنا لكم ورضائنا عنكم، ولا هي
مما تقربكم إلى رحمتنا وفضلنا، فإنما أموالكم وأولادكم فتنة واختبار لنعلم من
يستعملها في طاعة الله، ممن يعصي الله فيها.
لكن من آمن بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال،
فأدى الفرائض، واستعمل أمواله في طاعة الله، فإن إيمانه وعمله يقربانه
لدينا، ويكون مرضياً عندنا، وهؤلاء لهم الجزاء المضاعف للحسنات،
نجازيهم الحسنة بعشر أمثالها فأكثر إلى سبع مئة ضعف، وهم آمنون من كل
مكروه في غرفات الجنان.
روى الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله ◌َّ قال: ((إن الله تعالى لا ينظر إلى صُوَركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى
قلوبكم وأعمالكم» .
وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن
في الجنة لغرفاً تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقال أعرابي:
لمن هي؟ قال ◌َله: لمن طيّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى
بالليل والناس نيام)) .

٥٣٠
الُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٣٤-٣٩
ثم هدّد الله تعالى الكافرين، وأبان حال المسيئين، فقال:
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِىِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (®﴾ أي
إن الذين يحاولون ردَّ آياتنا في القرآن، والطعن فيها، لإبطالها، ويسعون في
الصدّ عن سبيل الله، واتباع رسله، والتصديق بآياته، زاعمين أنهم يفوتوننا ،
وأننا لا نقدر عليهم، فأولئك جميعهم مجزيون بأعمالهم، تُحضرهم الزبانية إلى
عذاب جهنم، ولا يجدون عنها محيصاً أو مهرباً.
ثم أبان الله تعالى ما يريح الخلائق جميعاً في مسألة الرزق، وأنه وحده هو
المصدر، فقال :
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي قل أيها
الرسول لهم: إن ربي وحده هو الذي يوسع الرزق على من يريد من عباده،
وهو الذي يضيقه على من يشاء، بحسب ما له في ذلك من الحكمة التي لا
يدركها غيره.
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ, وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِينَ﴾ أي إن عطاء
الله متجدد دائم، فكل ما تنفقونه في فعل الخيرات التي أمر الله بها في كتابه
وبيَّنها رسوله ◌َّ، فهو يعوضه عليكم بالبدل في الدنيا أو بالجزاء والثواب في
الآخرة، والله هو الرازق في الحقيقة، وما العباد إلا وسائط وأسباب، وفي
هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الإنفاق في الخير.
جاء في الحديث القدسي عند مسلم: ((يقول الله تعالى: أَنْفِقِ أُنفق عليك))
وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((ما من يوم يُصبح
العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْطِ منفقاً خَلَفاً، ويقول
الآخر: اللهم أعْطِ ممسكاً تَلَفاً)). وقال رسول الله وَله: ((أنفق بِلالاً، ولا
تخش من ذي العرش إقلالاً)).

٥٣١
لُزُ (٢٢) - شَكَبًا: ٣٤ / ٣٤-٣٩
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن الاغترار بالأموال والأولاد ظاهرة عامة في البشر، وهي في الغالب
سبب للإعراض عن دعوة الرسل، فلم يرسل الله نبياً ولا رسولاً إلا قال
مترفوها أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر الرسل والأنبياء: نحن
کافرون بما أرسلتم به.
وقالوا أيضاً: لقد فُضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم
راضياً بما نحن عليه من الدِّين والفضل لم يعطنا ذلك، ولسنا نحن بمعذبين في
الآخرة إن وجدت كما تقولون؛ لأن من أحسن إليه فلا يعذبه.
٣ - ردَّ الله عليهم قولهم بأن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق
امتحاناً لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في
الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أن أموالكم وأولادكم تغني عنكم
غداً شيئاً، والرزق في الدنيا لا تدل سعته وضيقه على حال المحق والمبطل،
فكم من موسر شقي ومعسر تقي.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا؛ لأنهم لا يتأملون.
◌َّ - أكد الله تعالى جوابه بأن الأموال والأولاد لا تقرب شيئاً إلى الله، أما
الذي يقرب إليه فهو الإيمان والعمل الصالح، فمن آمن وعمل صالحاً فلن
يضره ماله وولده في الدنيا.
وأولئك المؤمنون الصالحون لهم الجزاء المضاعف للحسنات في الآخرة،
كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠/٦] وهم
الآمنون من كل مكروه في غرفات الجنة، آمنون من العذاب والموت
والأسقام، وهذا إشارة إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من تنقطع عنه النعمة، لا
يكون آمناً.

٥٣٢
المُعْ (٢٢) - شبا: ٣٤ / ٣٤-٣٩
وقد استدل بعضهم بهذه الآية في تفضيل الغنى على الفقر، قال محمد بن
كعب: إن المؤمن إذا كان غنياً آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية.
٤ - أما الكافرون الصادون عن سبيل الله واتباع رسله، الساعون في
إيطال الأدلة والحجج المذكورة في القرآن، الذين يحسبون أنهم يفوتون الله
بأنفسهم، فلا يقدر عليهم، فأولئك تحضرهم الزبانية في نار جهنم، وهذا
إشارة أيضاً إلى دوام العذاب، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوَّا أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا
أَعِيدُواْ فِيهَا﴾
عنها
١٦
بِغَايِينَ
﴿وَمَا هُمَّ
[السجدة: ٢٠/٣٢] وكما قال تعالى:
[الانفطار: ١٦/٨٢].
ة - كرر الله تعالى للتأكيد أنه هو وحده باسط الرزق ومضيقه لمن يشاء،
على وفق ما يرى من الحكمة والمصلحة لعباده، فيا أيها المغترون بالأموال
والأولاد: إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، فلا تغتروا
بالأموال والأولاد، بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو
يخلفه عليكم، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى، وهو الرازق على الحقيقة،
والناس مجرد وسطاء ورزقهم منقطع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
﴾ [الذاريات: ٥٨/٥١] .
٥٨
اُلْمَتِینُ
أَ - ما دلت عليه الآية: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ والحديث المتقدم المتفق عليه عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((قال: قال الله عز وجل: أَنْفِقِ أُنفقْ عليك)): فيه إشارة
إلى أن الخلف في الدنيا عن النفقة إذا كانت النفقة في طاعة الله، وقد لا يكون
الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء لتكفير الذنوب أو ادخار الثواب في الآخرة.
روى الدار قطني عن جابر قال: قال رسول الله وَ الر: ((كل معروف صدقة،
وما أنفق الرجل على نفسه وأهله، كتب له صدقة، وما وَقَى به الرجل
عِرْضَه(١) فهو صدقة، وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خَلَفها إلا ما كان من
نفقة في بنيان أو معصية)) .
(١) مثل إعطاء الشاعر وذي اللسان لتوقي الذم والقدح والهجاء.

٥٣٣
لُعُ (٢٢) - ◌َبَإٍ: ٣٤ / ٤٠-٤٢
أما ما أنفق الشخص في معصية فلا جَرَمَ أنه غير مثاب عليه، ولا مخلوف
له. وأما البنيان فما يكون منه ضرورياً يكنّ الإنسانَ ويحفظه فذلك مخلوف
عليه، ومأجور ببنيانه، كحفظ بنيته، وستر عورته. قال ﴾ فيما رواه الترمذي
والحاكم عن عثمان: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت
يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْف الخبز والماء)) أي الوعاء.
٧ - دلَّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ على أن نعيم الآخرة لا ينافي
نعمة الدنيا، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم، مع القطع بحصول
النعيم لهم في العقبى، بناء على وعد الله تعالى.
وخيرية الرزق في أمور ذكرها الرازي: أحدها - ألا يؤخر عن وقت
الحاجة، والثاني - ألا ينقص عن قدر الحاجة، والثالث - ألا ينكده
بالحساب، والرابع - ألا يكدره بطلب الثواب(١).
تقريع الكفار يوم القيامة أمام معبوداتهم
قَالُواْ
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ
سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ
فَالْيَوْمَ لَا يَعْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَا ضَرَّا وَنَقُولُ لِلَّذِيِنَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ
النَّارِ الَّتِى كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
القراءات:
يَحْشُرُهُمْ﴾، ﴿يَقُولُ﴾:
وهي قراءة حفص ، وقرأ الباقون (نحشرهم)، (نقول).
(١) تفسير الرازي: ٢٦٣/٢٥

٥٣٤
المُحُ (٢٢) - شَكَبًا: ٣٤ / ٤٠-٤٢
البلاغة:
﴿أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ تقريع وتوبيخ للمشركين، والخطاب
للملائكة.
﴿نَّفْعًا﴾ و﴿ِضَرَّا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يَحْتُرُهُمْ﴾ أي يحشر للحساب العابد والمعبود، والمستكبر
والمستضعف، وقرئ: نحشرهم ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ هذا تقريع
للمشركين، وتوبيخ لكل من عبد غير الله عز وجل، وإقناط لهم عما يتوقعون
من شفاعتهم. والخطاب للملائكة؛ لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون
للخطاب منهم.
﴿قَالُواْ﴾ أي الملائكة ﴿سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِيُنَا مِن دُونِهِمْ﴾ أي تنزيهاً لك عن
الشريك، أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم، ولا موالاة بيننا
وبينهم، وما كنا معبودين لهم على الحقيقة ﴿بَلْ﴾ للإضراب والانتقال ﴿كَانُواْ
يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الشياطين، وهم إبليس وجنوده، فإنهم كانوا يطيعونهم في
عبادتهم إيانا ﴿أَكْثُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ﴾ أي أكثر المشركين مصدقون بالجن فيما
يلقونه إليهم من الوساوس والأكاذيب، ومنها أمرهم بعبادة الأصنام،
فالضمير الأول للمشركين والثاني للجن.
قال تعالى: ﴿فَالْيَّوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ أي لا يملك
المعبودون للعابدين شفاعة ونجاة، ولا عذاباً وهلاكاً؛ لأن الأمر يوم القيامة
كله لله، والدار دار جزاء، والله هو المجازي وحده ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾
أنفسهم وكفروا بعبادة غير الله ﴿ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا.

٥٣٥
الُزُ (٢٢) - شَبَإٍ: ٣٤ / ٤٠-٤٢
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى أن حال النبي وَلّ كحال من تقدمه من الأنبياء، وحال
قومه كحال من تقدم من الكفار، وبيَّن لهم خطأ اعتمادهم على كثرة الأموال
والأولاد، بيَّن ما يكون من حالهم يوم القيامة من التقريع والتوبيخ، بسؤال
الملائكة: أهم كانوا يعبدونكم؟ إهانة لهم. ثم بيّن أنهم كانوا ينقادون لأمر
الجن، وأن ما كانوا يعبدونه لا ينفعهم.
التفسير والبيان:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِنَّكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ
أي ويوم يحشر الله تعالى العابدين والمعبودين، والمستكبرين والمستضعفين
جميعاً، ثم يسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد
التي هي على صورهم، ليقربوهم إلى الله زلفى: أأنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟
وهذا السؤال يراد به تقريع المشركين يوم القيامة أمام الخلائق، على طريقة:
إياك أعني واسمعي يا جارة.
وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿َأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ
السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧/٢٥] وشبيه بسؤال عيسى عليه السلام: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا
لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦/٥]. والله يعلم أن الملائكة وعيسى أبرياء من هذه
التهمة، وإنما السؤال والجواب للتقريع والتوبيخ والتعبير.
﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثُرُهُم بِهِم
على
مُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي قالت الملائكة: تنزيهاً لك يا رب عن الشريك، نحن
عبيدك، ونبرأ إليك من هؤلاء، وأنت الذي نتولاه ونطیعه ونعبده من دونهم،
ما اتخذناهم عابدين، ولا موالاة بيننا وبينهم، بل إنهم كانوا يعبدون الشياطين
وهم إبليس وجنوده، فهم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم، وأكثر

٥٣٦
الُ (٢٢) - شَكَبًا: ٣٤ / ٤٠-٤٢
المشركين مصدقون الجن فيما يلقونه إليهم من الوساوس والأكاذيب، ومنها
أمرهم بعبادة الأصنام، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ
إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَِنَّا قَرِيدًا (﴿ لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧/٤-
١١٨ ].
ثم أعلن الله تعالى إفلاسهم وتبدد آمالهم بشفاعة الآلهة المزعومة، زيادةً في
إیلا مهم وحسرتهم، فقال:
﴿ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُرُ لِبَعْضِ نَّفْعًا وَلَا ضَرََّ﴾ أي في يوم القيامة هذا لن
يتحقق لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه من الأوثان والأنداد التي ادخرتم
عبادتها لشدائدكم وكربكم، ولن تكون لكم شفاعة وقدرة على النجاة، كما
لن يكون بيدكم العذاب والهلاك، وإنما المجازي هو الله وحده.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي ونقول
للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله وهم المشركون تأنيباً وتوبيخاً: ذوقوا
عذاب جهنم الذي كنتم تكذبون بوقوعه في الدنيا، فأنتم الآن في أعماق النار.
وهذا تأكيد لبيان حالهم في الظلم وعقابهم على الإثم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
اً - الحشر والحساب حق، والله يحشر جميع الخلائق، لكن يكون للكفار
حشر وموقف خاص، فالله تعالى يحشر العابدين والمعبودين أي يجمعهم
للحساب بعضهم مع بعض، ثم يسأل الملائكة الذين يزعمون أنهم يعبدون
الأنداد التي هي على صورهم، فيقول تقريعاً وتوبيخاً للكفار على عبادتهم غير
الله: أهؤلاء كانوا يعبدونكم؟
◌َ - يتبرأ الملائكة من هذه التهمة قائلين: سبحانك، أي تنزيهاً لك يا رب

٥٣٧
الزُُّ (٢٢) - ◌َكَبٍِّ: ٣٤ / ٤٠-٤٢
عن الشريك، أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونُخلص في العبادة له،
وإنما يعبد هؤلاء الشياطين ويطيعونهم؛ لأنهم زينوا لهم عبادة الأوثان
وأضلوهم.
وجاء في التفاسير: أن بني مُلَيح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون
أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله. وهو قوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ.
وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨/٣٧] .
ءَّ - أيأس الله تعالى الكفار من شفاعة أحد من آلهتهم المزعومة، وأخبر بأنه
في يوم القيامة لا يملك المعبودون للعابدين شفاعة ونجاة، ولا عذاباً وهلاكاً،
وإنما المالك المجازي وحده هو الله تعالى.
٤ - يعاين الكفار جهنم، ويقذفون فيها، فيقال لهم تقريعاً وتوبيخاً:
﴿ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا، والمكذب به هنا: هو
النار، وفي سورة السجدة ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ، ثُكَذِّبُونَ﴾
[السجدة: ٢٠/٣٢] هو العذاب، وهم في الواقع يكذبون بالكل. وسبب التغاير
في التعبير أن الآية هنا في وصف النار التي كانت أول ما رأوها بعد الحشر
والسؤال، وأما في سورة السجدة فالمراد وصف العذاب الذي يعانونه بعد
دخولهم النار، وأنه العذاب الدائم.

٥٣٨
مِلُحُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
أسباب تعذيب الكفار
﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَِّتِ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ
يَعْبُدُ ءَبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِفَكُ مُفْتَرَىَّ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ
ـ) وَمَآ ءَانَيْنَهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَّيْهِمْ
٤٣
إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْ
٤٤
◌َبْلَكَ مِن نَّذِیرٍ
قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى
٤٥
رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيِرِ
وَفُرَدَى ثُمَّ نَفَكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ
عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِّ وَهُوَ
قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّمُ الْغُبِ ﴿٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِدُ ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ
٥٠
فَبِمَا يُوجِىّ إِلَّ رَبِّتَّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
القراءات:
﴿أَجْرِىَ إِلَّا﴾:
قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص (أجريَ إلا).
وقرأ الباقون (أجريْ إلا).
﴿اَلْغُيُوُبِ﴾:
وقرأ حمزة (الغيوب).
﴿رََّّ إِنَّهُ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ربيَ إنه).

٥٣٩
الجُزُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
الإعراب:
﴿أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ ﴿أَنْ تَقُومُواْ﴾: إما في موضع جر على
البدل من قوله: ﴿بِوَحِدَةٍ﴾ أي بأن، أو في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: وهي أن تقوموا، أو في موضع نصب على تقدير حذف
حرف الجر، وهو اللام، وتقديره: لأن تقوموا لله، و﴿مَثْنَى وَفُرَدَى﴾
منصوبان على الحال من واو ﴿تَقُومُواْ﴾.
﴿عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ مرفوع على أنه خبر ثان بعد أول وهو ﴿يَقْذِفُ﴾ أو على
البدل من ضمير ﴿يَقْذِفُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهو ﴿عَلَّمُ
اٌلْغُيُوبِ﴾، أو بدل من ((ربّ)) على الموضع، وموضعه الرفع، أو وصف لـ
((رب)) على الموضع. ويجوز فيه النصب من وجهين: على الوصف لـ ((رب)) أو
على البدل منه.
﴿ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدٌ﴾: (ما): في موضع نصب، تقديره: أيَّ
شيء يبدئ الباطل، وأيَّ شيء يعيد.
البلاغة:
﴿بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ استعارة، استعار لفظ اليدين لما يكون من
الأهوال أمام الإنسان.
﴿ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِدُ﴾ كناية عن زهوق الباطل ومحو أثره.
﴿ مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ بينهما طباق.
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على
إمعانهم في الكفر.
المفردات اللغوية:
﴿َتُنَا﴾ القرآن ﴿بَيِّنَتِ﴾ واضحات الدلالات، ظاهرات المعاني ﴿مَا

٥٤٠
الُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٤٣-٥٠
هَذَا﴾ التالي لها وهو النبي محمد نَّهِ ﴿يَصُدَّكُمْ﴾ يمنعكم ﴿وَقَالُواْ مَا هَذَا﴾ قالوا
ثانياً ما هذا القرآن ﴿إِنَّكُ﴾ كذب ﴿مُفْتَرَى﴾ مختلق لا أساس له ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ قالوا ثالثاً ﴿لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ لأمر الدين الذي جاءهم به رسول الله
وَلجر من القرآن والمعجزات، وهذا باعتبار لفظه وإعجازه، والأول باعتبار
معناه ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ما هذا إلا سحر ظاهر سحريته.
ويلاحظ أن الإشارة الأولى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ إلى رسول الله وََّ،
والثانية: ﴿مَا هَذَا إِلَّ إِفْكُ﴾ إلى القرآن، والثالثة: ﴿لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾
والحق: أمر النبوة كله ودين الإسلام معاً.
وتكرار الفعل: ﴿قَالُواْ﴾ والتصريح بذكر الكفرة، وقوله: ﴿لَمَّا جَآءَهُمْ﴾
من المبادهة بالكفر وأنه حين جاءهم لم يفكروا فيه، بل بادروه بالإنكار: دليل
على صدور الكفر عن إنكار عظيم له، وغضب شديد منه، وتعجيب بليغ منه،
كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل
ذلك الحق المنير قبل أن يتذوقوه: ما هو إلا سحر واضح لمن يتأمله.
﴿وَمَآ ءَانَيْنَهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ أي ما أنزلنا على العرب كتباً سماوية
يدرسون فيها، وهو دليل على صحة الإشراك ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن
نَّذِيرٍ﴾ يدعوهم إليه، وينذرهم بالعذاب على تركه. وهذا في غاية التجهيل لهم
والتسفيه لرأيهم، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وَ ل18 وجه، ولا شبهة
يعتمدون عليها، إذ لم يأتهم كتاب، ولا نذير بهذا الذي فعلوه، فمن أين
كذبوك؟!
﴿وَمَا بَلَغُوْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ أي وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك
من القوة وطول العمر وكثرة المال فأهلكهم الله، كعاد وثمود ونحوهم،
والمعشار: هو العشر أي عشرة في المئة، وقيل: هو عُشْرِ العُشْر، أي واحد في
المئة ﴿فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب والعقوبة؟
أي هو واقع موقعه.