النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١
◌ِلُعُ (٢٢) - شَبا: ٣٤ / ١٥-٢١
٣ - لقد خيبوا ما يظن بهم، فأعرضوا عن أمر ربهم واتباع رسله بعد أن
كانوا مسلمين، فأرسل عليهم سيل العرم، أي نقض سدّ مأرب، فتدفقت
المياه المدرارة الغزيرة، فغرَّقت بساتينهم، ودفنت بيوتهم، فيبست الأشجار
المثمرة، ونبت مكانها أشجار مرّة لا خير فيها من الخمط أي الأراك،
والأثل: وهو كما قال الفراء: شجر شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولاً،
والسِّدر وهو نوعان: نوع له ثمر عَفِص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضَّال،
ونوع ينبت على الماء وثمره النَّبْق، وورقه يشبه شجر العنَّاب.
قال قتادة: بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيَّره الله تعالى من شرّ
الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت بدلها الأراك والطّرفاء
والسِّدر.
٤ - هذا التبديل من النعمة إلى النقمة جزاء كفرهم، ولا يعاقب بهذا إلا
المبالغ في كفران النعمة والكفر بالله تعالى.
وتساءل الزمخشري والقرطبي: لَم خصَّ الله تعالى المجازاة بالكفور، ولم يذكر
أصحاب المعاصي؟ والجواب أن المراد: هو الجزاء الخاص وهو العقاب
بالاستئصال والإهلاك، وليس المراد: الجزاء العام الذي يشمل الكافر
والمؤمن. هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت
رسول الله * يقول: ((من حوسب هلك(١)، فقلت: يا نبي الله، فأين قوله
جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (ج) قال: إنما ذلك العرض، ومن
نوقش الحساب هلك)) والمعنى: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها
ويحبط ما عمل من خير.
ه - ومن النعم على أهل سبأ جعل طرقاتهم وممراتهم التجارية بين اليمن
(١) ورواه الترمذي عن أنس: (من حوسب عذب)).
٥٠٢
لُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
والشام مأهولة، لا تحتاج إلى حمل ماء وزاد، فقد جعل لهم محطات يستريحون
فيها بالقيلولة والمبيت هي القرى الكثيرة على طول الطريق إلى الشام، قيل:
إنها كانت أربعة آلاف وسبع مئة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء.
والمسافات بين تلك القرى منتظمة، إذ جعل بين كل قريتين نصف يوم، حتى
يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى.
كما أن تلك الطرقات كانت آمنة غير مخوفة ليلاً ونهاراً، ولا يحتاجون إلى
طول السفر، لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين
ولا جياع ولا ظِماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان، لا يحرّك
بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجلُ قاتلَ أبيه لا يحرّكه، فلم يشكروا النعمة، بل
. طلبوا التعب والكدّ.
٩ - بطروا النعمة أيضاً، وطغوا، وسئموا الراحة، ولم يصبروا على
العافية، فتمنوا طول الأسفار والكدح في المعيشة، فتبددوا في الدنيا، وتفرقوا
في البلاد كل تفرق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها
الرواحل، ويتزودون الأزواد، وظلموا أنفسهم بكفرهم، وأصبحوا مدار
القصص والتحدث بأخبارهم، وعبرة للمعتبر.
لاً - إن في هذا التبديل والتدمير وتغير نمط الحياة من رفاه ونعومة إلى تعب
وكدّ وشظف وخشونة لعبرة ودلالة لكل صبار يصبر عن المعاصي، شكور
لنعم الله تعالى.
٨ - كانوا في كفرانهم النعم، وجحودهم وجود الله وعبادتهم الشمس،
وإعراضهم عن طاعة الرسل، واتباعهم أهواءهم، كما توقع إبليس الذي
سوّل له ظنه فيهم شيئاً، فصدق ظنه أن يغويهم، فأغواهم فاتبعوه، إلا قوماً
منهم أطاعوا الله تعالى، وآمنوا برسلهم.
1 - لا سلطان لإبليس على قلوب الناس، ولا حجة يضلهم بها، ولا قدرة
٥٠٣
الزُُّ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٢٢-٢٣
له على قهرهم على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين والوسواس، وكان
منهم أنهم اتبعوه بشهوة وتقلید، وهوی نفس، لا عن حجة ودليل، وكان هو
مجرد آية وعلامة خلقها الله لتبيين ما هو في علمه السابق.
وتوضيح ذلك: لقد سلطه الله على الناس، كما يسلط الذباب على العيون
القذرة، والأوبئة على من أهمل النظافة، فتكون الفريسة من لا قدرة له على
المقاومة، وينجو الأقوياء الأصحاء المجاهدون.
وهو تسليط قصد به الابتلاء والاختبار، وإظهار الواقع، مع أن الله يعلم
بكل شيء، وتكون النتيجة ظهور أمر المؤمن بالله وبالآخرة، وتمييزه من الشاك
بوجود الله وبالقيامة، وتنصب في النهاية أعمال العباد في الحافظة الإلهية، فهو
سبحانه يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه.
.
إبطال شفاعة آلهة المشركين
﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي
السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرِ (® وَلَا
تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ حَتَّى إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ
رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِرُ
٢٣]
القراءات:
﴿قُلِ أَدْعُواْ﴾ : قرئ:
١- (قلِ ادعوا) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (قلُ ادعوا) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿أَذِنَ﴾:
٥٠٤
لِلُ (٢٢) - شَبِّل: ٣٤ / ٢٢-٢٣
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (أُذِنَ له).
﴿فُزِّعَ﴾:
وقرأ ابن عامر (فَّع).
الإعراب:
﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (ما) في موضع نصب بـ ﴿قَالَ﴾ وذا: زائدة.
﴿قَالُواْ الْحَقّ﴾ ﴿الْحَقِّ﴾: منصوب بـ ﴿قَالُواْ﴾ أيضاً، ليكون الجواب على
وفق السؤال.
البلاغة:
﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ تعجيز بدعاء الجماد الذي لا
یسمع.
المفردات اللغوية:
﴿قُلِ﴾ أيها الرسول للمشركين في مكة وغيرها، وهو أمر للنبي وَلاّ بأن
يقول لكفار قريش: هؤلاء الأصنام الذين زعمتموهم آلهة من دون الله،
ادعوهم ليكشفوا عنكم الضرّ الذي نزل بكم في سنين الجوع. ﴿أَدْعُواْ﴾ نادوا.
﴿زَعَمْتُمْ﴾ زعمتموهم آلهة. ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ غيره، لينفعوكم بزعمكم. ثم أجاب
تعالى عنهم إشعاراً بتعين الجواب دون مكابرة: وهو ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي لا يملكون وزن ذرة من خير أو شر.
﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ أي ليس لتلك الآلهة المزعومة من شركة، لا
خلقاً ولا ملكاً. ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ أي ليس له تعالى من الآلهة من معين
يعينه على تدبير أمرهما. ﴿ وَلَا نَفَعُ الشَّفَعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى، فلا تنفعهم شفاعة
٥٠٥
الُ (٢٢) - شَبَلٍ: ٣٤ / ٢٢-٢٣
آلهتهم كما يزعمون، وهو ردّ لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده. ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ
ج
لَهُ﴾ أذن له أن يشفع. ﴿فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ كشف عنها الفزع بالإذن فيها،
والفزع: انقباض بسبب الخوف.﴿قَالُواْ﴾ قال بعضهم لبعض استبشاراً ﴿مَاذَا
قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ في الشفاعة. ﴿قَالُواْ الْحَقَّ﴾ قالوا: قال القول الحق، وهو الإذن
بالشفاعة لمن ارتضى، وهم المؤمنون. ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو فوق خلقه
بالقهر، وذو الكبرياء العظيم، ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا
بإذنه.
المناسبة:
بعد بيان حال الشاكرين كداود وسليمان، وحال الكافرين كسبأ وما فعله
بهم حين بطروا النعمة وكذبوا الرسل، عاد الله تعالى إلى خطاب المشركين
ومناقشتهم ومطالبتهم على سبيل التهكم بهم بأن يستعينوا بآلهتهم المزعومة
ليكشفوا عنهم الضر، ثم بيَّن أنهم لا يملكون شيئاً ولا تنفع شفاعتهم، فكيف
يعبدونهم، وشأن المعبود تحقيق النفع للعابد؟
التفسير والبيان:
﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين
من قريش: نادوا تلك الآلهة المزعومة كالأصنام، والتي عبدت من دون الله،
ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، أو يجلبوا لكم النفع.
ثم أجاب سبحانه عنهم الجواب المتعين دون مكابرة، مبيناً خطأهم، فقال:
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي إن
تلك الآلهة المزعومة لا يملكون شيئاً أبداً، ولو كان وزن ذرة في
السماوات والأرض، وليس لهم قدرة على خير ولا شر في أمر من
الأمور، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن
قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣/٣٥].
٥٠٦
الُعُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٢٢-٢٣
ثم نفى الله تعالى وجود الشريك والمعين له، فقال:
﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ﴾ أي لا تستطيع الأصنام
شيئاً أصلاً، لا استقلالاً، ولا شركة في الخلق أو الملك، فليس لله شريك ولا
مَّا أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ
معين على خلق شيء ولا على حفظه، كما قال تعالى:
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّيْنَ عَضُدًا
[الكهف: ٥١/١٨] بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه.
ثم نفى إمكان شفاعتهم، فقال:
﴿ وَلَا نَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ أي لا تنفعهم شفاعة تلك
الأصنام؛ لأنه لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا لمن أذن الله له أن
يشفع، من الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل، وهو لا يأذن
للكافرين، وهؤلاء الشفعاء المأذون لهم لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة،
لا للكافرين، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِهَِّ﴾ [البقرة:
﴿﴿ وَكَمْ مِّن مَّلَكِ فِىِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا
٢٥٥/٢] وقال سبحانه :
[النجم: ٢٦/٥٣] وقال عز
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اُللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى لـ
وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:
٢٨/٢١] وقال عز اسمه: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾.
[النبأ: ٣٨/٧٨].
ومفاد هذه الآيات: أن الشفاعة تحتاج إلى إذن الله تعالى، ولا شفاعة إلا
لمن ارتضى الله، وأن تكون أسباب الشفاعة حقاً وصواباً مقبولاً، لهذا ثبت في
الصحيحين من غير وجه عن رسول الله وَ الر، وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع
عند الله تعالى حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم حينما يأتي ربهم
لفصل القضاء، أنه قال: ((فأسجد لله تعالى، فيدعني ما شاء الله أن يدعني،
ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل
تُسْمَع، وسَلْ تُعْطّه، واشفع تشفع)).
٥٠٧
لُرُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٢٢-٢٣
وفي هذا الموقف الرهيب يتجلى مقام رفيع من العظمة الإلهية، وهو أنه
تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السماوات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى
يلحقهم مثل الغشي، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ومسروق وغيرهما.
وهنا ذكر الله تعالى ما يحدث بعد انتظار الإذن بالشفاعة، فقال:
﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُواْ أَلْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ
الْكِيرُ﴾ أي إن الناس والملائكة يقفون فزعين خائفين منتظرين الإذن
بالشفاعة، حتى إذا أذن للشافعين، وأزيل الخوف والفزع عنهم، قال بعضهم
لبعض: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا للذي قال: قال ربنا القول الحق،
وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، والله هو المتفرد بالعلو والكبرياء والعظمة،
لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه، وليس لملك ولا لنبي أن يتكلم في ذلك
اليوم إلا بإذنه تعالى.
وكلمة ﴿حَتَّىَ﴾ وقعت غاية لشيء مفهوم ضمناً وهو أن ثم انتظاراً للإذن
وتوقعاً وتمهلاً من الراجين للشفعاء، والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه مناقشة معلن عنها مسبقاً في القرآن الكريم، تحدث على سبيل التهكم
والتوبيخ والتعجب بين الإله الخالق وبين المشركين.
يأمر الله فيها نبيه أن يقول لهؤلاء المشركين: هل عند شركائكم قدرة على
شيء من النفع يحققونه لكم؟ ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله
لتنفعكم، أو لتدفع عنكم ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون
ذلك.
إنهم لا يملكون شيئاً أصلاً ولو وزن ذرة في السماوات والأرض، وليس
للأصنام في السماوات والأرض مشاركة، لا بالخلق ولا بالملك، ولا
٥٠٨
الُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٢٢-٢٣
بالتصرف، وليس لله من معين يعينه على شيء من أمر السماوات والأرض
ومن فيهما، بل الله المنفرد بالإيجاد والتدبير، فهو الذي يُعبَد، وعبادة غيره
محال.
ولا تنفع شفاعة الملائكة وغيرهم عند الله إلا لمن أذن له، حتى إذا وقفوا -
أي الراجون للشفاعة والشفعاء - جميعاً خائفين وجلين منتظرين الإذن
بالشفاعة، ثم أزيل الفزع عن قلوبهم، تساءل الناس فيما بينهم وقالوا
للملائكة: ماذا أمر الله بالشفاعة؟ فيجيبون: إنه أذن في الشفاعة للمؤمنين لا
للكافرين، والله هو المتعالي المتكبر العظيم، فله أن يحكم في عباده بما يريد.
وهكذا يتبين أن الله تعالى يأذن الأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على
غاية الفزع من الله، كما قال: ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ ولن يكون الإذن
بالشفاعة لتلك الآلهة المزعومة من الأصنام وغيرها، كما لن تكون الشفاعة
إلا لمن رضي الله من المؤمنين، لا الكافرين. وهذا بيان جلي يقطع الأطماع في
الشفاعة الموهومة، ويبدد الآمال في النجاة من غير أمر الله ورضوانه.
وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ دليل على: كشف الفزع عن قلوب
الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن، تباشروا
بذلك، وسأل بعضهم بعضاً. والمأذون لهم في الشفاعة: الملائكة وغيرهم، في
رأي جمهور المفسرين منهم الزمخشري وأبو حيان.
وقال الشوكاني في فتح القدير: هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر
به الرب، أخرج البخاري وأبو داود، من حديث أبي هريرة، أن النبي
صَّاللّهِ
قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعاناً لقوله،
كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، فإذا فُزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا
قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ، وهو العلي الكبير)).
٥٠٩
الزُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
إقرار المشركين بأن الله هو الرازق
وإعلامهم بالحاكم ووقت الحكم
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ
﴿ قُل لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُعَلُ
لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِمُ
عَمَّا تَعْمَلُونَ (هـ
قُلْ أَرُوِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ كَلَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٢٦
وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
٢٧
٠٠جو
يَعْلَمُونَ
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُل لَّكُمُ
مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَشْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ
الإعراب:
﴿ وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى﴾ ﴿إِنَّاكُمْ﴾ ضمير منفصل منصوب
معطوف على اسم ((إن)). و﴿لَعَلَى هُدَّى﴾ إما خبر لقوله: ﴿وَإِنَّ﴾ وخبر
﴿ إِيَّاكُمْ﴾ محذوف لدلالة الأول عليه، أو أن يكون خبراً للثاني، وخبر
الأول محذوف لدلالة الثاني عليه. وهذا كقولهم: زيد وعمرو قائم، إما أن
يجعل قائم خبراً للأول، ويقدر للثاني خبر، وإما أن يجعل خبراً للثاني، ويقدر
للأول خبر.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ ﴿كَافَّةً) منصوب على الحال من كاف
﴿أَرْسَلْنَكَ﴾ ولا يجوز جعلها حالاً من الناس على المختار. وأصله ((كاففة))
اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، فسكن الأول وأدغم في الثاني،
﴿كَافَةً﴾ وتقديره: وما أرسلناك إلا كافّاً للناس. ودخلت التاء للمبالغة،
كعلامة ونسَّابة.
٥١٠
لُزُُ (٢٢) - مَنَبًا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
﴿لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ مبتدأ مرفوع، و﴿لَّكُ﴾ خبره، والهاء في ﴿عَنْهُ﴾
عائدة على الميعاد.
البلاغة:
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ﴾ توبيخ وتبكيت.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ حذف الخبر، لدلالة السياق عليه، أي قل الله الخالق الرازق
للعباد.
﴿تَسْتَفْخِرُونَ﴾ و﴿تَسْتَقْدِمُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعَّال وفعيل.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ يريد به تقرير القول السابق:
لا يملكون، والرزق من السماوات: المطر، ومن الأرض: النبات. ﴿قُلِ
اللّهُ﴾ أي لا جواب سواه، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب
مخافة الإلزام، فهم مقرّون به بقلوبهم. ﴿وَإِنََّ أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ أي أحد الفريقين.
﴿لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي إما في حال هدى أو في ضلال واضح.
وهذا بعدما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى، ومن هو في
الضلال. وهذا الإبهام أبلغ من التصريح؛ لأنه في صورة الإنصاف المسكت
للخصم، وهو تلطف بهم في الدعوة إلى الإيمان إذا وفقوا له.
﴿أَجْرَمِنَا﴾ أذنبنا، أو وقعنا في الجُرْم، وهو الذنب. ﴿ وَلَا ◌ُتْلُ عَمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ لأنا بريئون منكم. ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾ أي
يحكم، والفتاح: الحاكم؛ لأنه يفتح طريق الحق ويظهره، وبعد الحكم يدخل
تعالى أهل الحق والإيمان الجنة، وأهل الباطل والكفر النار . ﴿ وَهُوَ اُلْفَتَّاحُ﴾
الحاكم بالحق. ﴿اُلْعَلِيمُ﴾ بما يحكم به وبما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح.
٥١١
الْجُرُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ﴾ أي أعلموني بالدليل وجه
الشركة في استحقاق العبادة، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة
عليهم، زيادة في تبكيتهم . ﴿كَلَّا﴾ كلمة للزجر عن كلام أو فعل صدر من
المخاطب، والمراد هنا: ردع لهم عن اعتقاد شريك الله تعالى. ﴿بَلّ هُوَ اللَّهُ
اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الموصوف بالغلبة وكمال القدرة، والحكمة الباهرة في تدبيره
خلقه، فلا يكون له شريك في ملكه.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي وما أرسلناك إلا للناس جميعاً
عربهم وعجمهم، و﴿كَافَّةً﴾ مانعاً لهم، من الكف وهو المنع عن الكفر
ودعوتهم إلى الإسلام، أو جامعاً لهم بالإنذار والإبلاغ، من الكف بمعنى
الجمع، والتاء للمبالغة، والمعنى على الأول: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛
لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد، وعلى الثاني: إلا جامعاً
للناس في الإبلاغ والإنذار، وهو حال من الكاف، ولا يجوز جعله حالاً من
لِلنَّاسِ﴾ لأن تقدم حال المجرور عليه ممنوع كتقدم المجرور على الجار. ﴿بَشِيرًا
وَنَذِيرًا﴾ مبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين بالعذاب. ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك، فهم لا
يعلمون ما عند الله وما لهم من النفع في إرسال الرسل.
﴾ أي ويقول
٣٩
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
المشركون من فرط جهلهم: متی یکون هذا الوعد بالعذاب الذي تعدوننا به یا
محمد وصحبه، وهو قيام الساعة، أخبرونا به إن كنتم صادقين فيه. والخطاب
للنبيِ وَّ والمؤمنين. ﴿مِّيَعَادُ يَوْمٍ﴾ وعد يوم أو زمان وعد، وهو يوم البعث
أو القيامة. ﴿لَّا تَسْتَفْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِعُونَ﴾ أي هذا الميعاد المضروب
لكم لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون عليه، بل يكون لا محالة في الوقت الذي
قدَّر الله وقوعه فيه. وهو جواب تهديد جاء مطابقاً لما قصدوه بسؤالهم من
التعنت والإنكار.
٥١٢
لِلُعُ (٢٢) - شَبًّا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
المناسبة:
بعد بيان أن الأصنام ونحوها من الآلهة المزعومة لا يملكون شيئاً في الكون،
أبان الله تعالى أن المشركين يعترفون بأن الرازق من السماء والأرض بما ينزل
من المطر وينبت من الزرع ويوجد من المعادن هو الله، فيلزمهم أن يعتقدوا بأنه
لا إله غيره، وأن المحق واحد من الفريقين وغيره مبطل، والمحق هم المؤمنون
لقيام الدليل على التوحيد، وأن يعلموا أن الله هو الحاكم بالحق يوم القيامة،
وأنه هو الخالق الرازق، أما الشركاء فلا يخلقون ولا يرزقون.
التفسير والبيان:
﴿قُلّ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ﴾ أي قل أيها الرسول
لهؤلاء المشركين عبدة الأوثان والأصنام على سبيل التوبيخ والتبكيت: من
الرازق لكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن
ونحوها؟ قل لهم: هو الله الذي يرزقكم، إن لم يجيبوا، بل لا جواب لهم
- سواه، وقد أجابوا فعلاً في آيات أخرى بأنه هو الله، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن
يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ
وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
[يونس: ٣١/١٠].
وإذا اعترفتم بأن الله هو الرازق، فلِم تعبدون سواه ممن لا يقدر على
الرزق؟ كما قال تعالى تبكيتاً وتعنيفاً لهم: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ
قُلْ أَفَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ أَقْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ [الرعد: ١٦/١٣].
ثم دعاهم الله تعالى إلى الإيمان بالله بطريق التلطف، بعد هذا الإلزام القائم
مقام الاعتراف والإقرار، فقال:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن أحد
٥١٣
الُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
الفريقين منا، سواء معشر المؤمنين الموحدين الله الخالق الرازق، الذين
يخصونه بالعبادة، أو المشركين الذين يعبدون الجمادات العاجزة عن الخلق
والرزق والنفع والضرر، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو في الضلال البيِّن
الواضح، فلا سبيل إلى تصويب كلِّ منا، فإما أن نكون نحن أو أنتم على الهدى
أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، والآخر مخطئ مبطل. وهذا أسلوب
فيه لطف وأدب، لاستدراج الخصم إلى أن ينظر في حاله وحال غيره،
ويستعمله العرب لإعطاء الحرية للمخاطب بأن يتأمل ويعلن عن قناعة أنه
مخطئ وغيره مصيب، كما يقول الرجل لصاحبه: قد علم الله الصادق مني
ومنك، وإن أحدنا لكاذب.
ويلاحظ أنه ذكر كلمة ((على)) مع الهدى، وكلمة ((في)) مع الضلال؛ لأن
المهتدي كأنه مرتفع متطلع، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها. ووصف
الضلال بالمبين، ولم يصف الهدى؛ لأن الهدى هو الطريق المستقيم الموصل إلى
الحق، والمستقيم واحد، وغيره كله ضلال، بعضه أبين من بعض. وقدم الهدى
على الضلال لمناسبته لوصف المؤمنين المبدوء بكلمة ﴿وَإِنَّآ﴾ المقدم في الذكر.
ثم أعلن الله تعالى وجود الانفصال بين الفريقين واستقلال كل منهما عن
الآخر بطريق التلطف مرة أخرى بنسبة الإجرام فَرَضاً إلى المؤمنين والعمل
للمشركين فقال: ﴿قُل لَّا تُشْشَلُونَ عَمَّا أَجْرَقْنَا وَلَا نُسَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٢٥
أي قل أيها الرسول أيضاً للمشركين: إن كانت عبادتنا لله وطاعتنا له جريمة،
فلستم مسؤولين عنا، ولا نسأل عما تعملون من خير أو شر. وهذا معناه
التبري منهم، فلستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى توحيد الله وإفراد
العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا، ونحن منكم، وإن أعرضتم وكذبتم فنحن
برآء منكم، وأنتم برآء منا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى
(٤١)﴾ [يونس: ١٠/
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ (
٥١٤
الجُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
٤١]. وقد أضاف الإجرام إلى النفس: ﴿أَجْرَمْنَا﴾ وقال في حقهم ﴿عَمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم.
ثم أنذرهم الله تعالى بالقضاء والحكم الذي سيقضي به، تأكيداً للنظر
والتفكر، في مجال الحساب والثواب والعذاب، فقال:
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ اُلْفَتَّاحُ اُلْعَلِيمُ ﴾﴾ أي
قل لهم أيها الرسول أيضاً. إن ربنا سيجمع بيننا في ساحة واحدة يوم الحساب،
ويوم القيامة، ثم يحكم ويقضي بيننا بالحق والعدل، والله هو الحاكم العادل
القاضي بالصواب، العالم بحقائق الأحوال والأمور، وبما يتعلق بحكمه من
المصالح، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وستعلمون
يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِى
السَّاعَةُ يَوْمَعِذٍ يَنَفَرَّقُونَ
رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآٍ الَْخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ
[الروم: ١٤/٣٠-١٦].
فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
ثم تحداهم تعالى بالكشف عن الشركاء وقدراتهم، فقال:
﴿قُلْ أَرُونِيَ اُلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ كَلَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٣٧
أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين قولاً فصلاً: أروني هذه الآلهة التي
جعلتموها لله أنداداً، وصيرتموها شركاء ونظراء معادلين لله، حتى أراهم،
وأرى ما يقدرون عليه. الحق واضح، والأمر ليس كما تزعمون، كلا أي
فارتدعوا عن ادعاء المشاركة، فلا نظير ولا شريك ولا عديل لله، بل هو الله
الواحد الأحد، المتفرد بالألوهية، الذي لا شريك له، ذو العزة التي قد قهر
بها كل شيء، وغلب كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره،
حكمة باهرة لا يعلوها شيء. وهذا التساؤل يراد به بيان فائدة الشركاء في دفع
الضرر، بعد إبطال فائدتها بآية ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾
٥١٥
الزُعُ (٢٢) - شَكَبًا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
لجلب المنفعة، تمشياً مع أهداف العامة الذين لا يعبدون المعبود إلا لدفع
الضرر أو لجلب المنفعة، أما الخواص فيعبدون الله لأنه يستحق العبادة لذاته.
وبعد إثبات التوحيد، أبان الله تعالى عموم الرسالة المحمدية للناس
جميعاً، فليست ذات نزعة عنصرية، ولا حكراً على العرب وحدهم، فقال
تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِبْرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي وما أرسلناك أيها النبي لقومك العرب
خاصة، بل أرسلناك للناس قاطبة، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم
وأحمرهم، مبشراً من أطاع الله بالجنة، ومنذراً من عصاه بالنار، كما قال
تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٧
١٥٨] وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ
نَذِيرًا ()﴾ [الفرقان: ١/٢٥].
وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: ((أعطيتُ خمساً لم يعطهن
أحد من الأنبياء قبلي .. وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت
إلى الناس عامة)). وفي الصحيح أيضاً: ((بعثت إلى الأسود والأحمر)).
إلا أن أكثر الناس لا يعلمون بعموم الرسالة، ولا بمهمة التبشير
والإنذار، ولا بخطورة ما هم عليه من الضلال والجهالة، ولا بالنفع في إرسال
الرسل، ولا ما عند الله من الجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ
[يوسف: ١٠٣/١٢] وقال سبحانه: ﴿وَإِن تُطِعْ
وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦/٦].
وبعد بيان التوحيد ثم الرسالة، ذكر الحشر، فأخبر تعالى عن استبعاد
الكفار قيام الساعة وأجاب عنه، فقال:
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (4) أي ويقول
المشركون استهزاء وتعنتاً وجهلاً: متى يكون هذا الوعد الذي تعدوننا به يا
٥١٦
لُعُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
محمد والمؤمنون، وهو قيام الساعة، أخبرونا به إن كنتم صادقين في قولكم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨/٤٢].
والجواب هو:
أی قل
﴿قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (
لهم أيها الرسول: لكم موعد يوم مؤجل محدد لا شك فيه، هو يوم البعث
والقيامة، لا تتأخرون عنه ساعة ولا تتقدمون عليه، لا یزاد ولا ينقص، بل
يكون لا محالة في الوقت الذي قدَّر الله وقوعه فيه. وفي هذا إنذار كافٍ.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - الله سبحانه وتعالى في الواقع الذي لا يقبل سواه، وفي اعتراف
المشركين أنفسهم هو خالق الأرزاق الكائنة من السماوات، عن المطر
والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع، والخارجة من الأرض عن الماء
والنبات، وبما أن الله هو الخالق الرازق فهو الذي ينبغي أن يعبد. ومن
المعلوم أن العامة يعبدون الله، لا لكونه إلهاً، وإنما يطلبون به شيئاً: إما دفع
ضرر، أو جر نفع.
أَ - الحق واحد لا يتعدد، فلا يعقل أن يكون كل المؤمنين والمشركين في
حال واحدة من الهدى أو الضلال، بل هما متعارضان متضادان، وأحد
الفريقين مهتد، وهم المؤمنون، والآخر ضال وهم المشركون.
وقد كذبهم القرآن بأسلوب يعدّ أحسن من تصريح الكذب، وهو أن
المشركين هم الضالون حين أشركوا بالذي يرزقهم من السماوات والأرض.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كما تقول:
٥١٧
لُحُ (٢٢) - ◌َبإ: ٣٤ / ٢٤ -٣٠
أنا أفعل كذا، وتفعل أنت كذا، وأحدنا مخطئ، وقد عرف من هو المخطئ. أما
لو قال أحد المتناظرين للآخر: هذا الذي تقوله خطأ، وأنت فيه مخطئ، فإنه
يغضب، وإذا غضب اختل الفكر وساء الفهم.
◌َّ - أقام الله تعالى مهادنة ومتاركة بين المؤمنين والمشركين، فأعلن رسوله
لهم: إنما أقصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، لا أن ينالني ضرر كفركم، ولا
يسأل أحد الفريقين عن الآخر، فلا يسأل المشركون عما اكتسب المؤمنون،
ولا يسأل المؤمنون أيضاً عما اقترف المشركون، كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِيِئُكُمْ
[الكافرون: ٦/١٠٩] .
وَلِیَ دِينِ
٤ - يجمع الله تعالى يوم القيامة أهل الإيمان وأهل الشرك، ثم يقضي بينهم
بالحق والعدل، فيثيب المهتدي، ويعاقب الضال، والله هو القاضي بالحق،
العليم بأحوال الخلق.
٥ - يسألُ النبي المشركين بأمر الله قائلاً: عَرِّفوني الأصنام والأوثان التي
جعلتموها شركاء الله عز وجل، وهل شاركت في خلق شيء؟ بينوا ما هو؟
وإلا فلِمَ تعبدونها؟!
الحق أنه ليس الأمر كما زعم المشركون، فليس لله شركاء، بل هو الله ذو
العزة القاهر الغالب، الحكيم في أقواله وأفعاله، يفعل ما هو مصلحة.
أَ - رسالة النبي وَ رسالة عامة للبشرية جمعاء، وليست مقصورة على
العرب خاصة، ومهمة النبي تبشير من أطاع الله بالجنة، وإنذار من عصاه
بالنار، ولكن أكثر الناس وهم في ذلك الوقت المشركون لا يعلمون ما عند الله
تعالى.
لاً - يتساءل المشركون استهزاء وعناداً وتعجيزاً، فيقولون للمؤمنين: متى
موعدكم لنا بقيام الساعة إن كنتم صادقين في إخباركم عنها؟
٥١٨
لالُزُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٣١-٣٣
فيجيبهم الله تعالى: قل لهم يا محمد: لكم ميقات معين هو يوم البعث أو
القيامة، لا يزيد ولا ينقص، ولا تتقدمون عنه ولا تتأخرون، وهو آتٍ لا
محالة، وعلمه عند الله لم يطلع عليه أحداً من خلقه.
إنكار المشركين القرآن
والحوار يوم القيامة بين الضالين والمضلين
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا اُلْقُرْءَانِ وَلَا يِلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ
تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ اَلْقَوْلَ
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (®) قَالَ الَّذِينَ
أُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَخْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُم
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ
تُجْرِمِينَ
تَأْمُرُونَا أَنْ تَكْفُرَ بَاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ، أَنْدَادًا وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأْ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا
اُلْأَغْلَلَ فِىّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٣
القراءات:
{الْقُرْءَانِ﴾
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
الإعراب:
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾ ضمير مرفوع منفصل، مبتدأ، خبره
محذوف، ولا يجوز إظهاره لطول الكلام بالجواب.
﴿لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ استعارة في الجملة
البلاغة:
٥١٩
لُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ٣١-٣٣
الأخيرة، إذ ليس للقرآن يدان، ولكنه استعارة لما سبقه من الكتب السماوية
المتقدمة.
﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِهِمْ﴾ حذف الجواب للتهويل،
أي لو رأيت حالهم، لرأيت أمراً مريعاً مهولاً.
﴿أَسْتَكْبَرُواْ﴾ و﴿ اَسْتُضْعِفُواْ﴾ بينهما طباق.
﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أسند المكر إلى الليل على سبيل المجاز العقلي،
أي المكر الواقع ليلاً.
﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْمُدَى﴾ استفهام بمعنى الإنكار.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكة. ﴿ وَلَ بِلَّذِى بَيْنَ يَدَيَّهُ﴾ أي ما
تقدمه من الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل الدالين على البعث؛ لإنكارهم له.
﴿وَلَوْ تَرَىَ﴾ يا محمد. ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون. ﴿مَوْقُوُفُونَ﴾ محبوسون
ممنوعون في موقف الحساب . ﴿الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾ الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ
اُسْتَكْبَرُواْ﴾ الرؤساء. ﴿لَوْلَآ أَنْتُمْ﴾ لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان.
﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالله مصدقين لرسوله وكتابه.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوْ لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾ مجيبين عليهم، مستنكرين لما
قالوه . ﴿أَنَخْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ أي منعناكم عن الهدى. ﴿بَعْدَ إِذْ
جَاءَكُ﴾ الهدى. ﴿بَلْ كُنْتُم تُجْرِمِينَ﴾ مصرين على الكفر، كثيري الإجرام
والآثام. ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ﴾ ردّاً لجوابهم ودفعاً لما نسبوه
إليهم من صدهم عن الإيمان. ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي لم يكن إجرامنا
الصادّ، بل مكركم بنا في الليل والنهار، ودعوتكم المستمرة لنا إلى الكفر، هو
الذي حملنا على هذا، والمكر: الخديعة والاحتيال. ﴿أَنْدَادًا﴾ شركاء، جمع نِدٌ:
٥٢٠
الُزُ (٢٢) - شَكَبًا: ٣٤ / ٣١-٣٣
وهو النظير والشبيه . ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾ أي أضمر الفريقان الندامة على ما
فعلوا من الكفر، وأخفوها عن غيرهم. ﴿اُلْأَغْلَلَ﴾ جمع غُلّ، وهو طوق من
حديد يوضع في العنق . ﴿فِيَّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ جاء بالظاهرِ تنويهاً بذمّهم،
أي جعلنا الأغلال في أعناق الكافرين في النار. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ أي ما يجزون إلا جزاء عملهم في الدنيا، أو لا يفعل بهم ما يفعل إلا
جزاء على أعمالهم، وتعدية ﴿يُجْزَوْنَ﴾ إما لتضمين ((يجزى)) معنى: يقضى، أو
لنزع الخافض.
المناسبة:
بعد بيان الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر التي كفروا بها كلها،
ذكر تعالى إنكار جماعة من المشركين القرآن والكتب السماوية القديمة، وما فيها
من إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء، ثم ذكر صورة من الحوار الحادّ
بين الرؤساء المضلين والأتباع الضالين، وأوضح وصفاً للجزاء الذي يلقونه
على أعمالهم في الدنيا.
التفسير والبيان:
هذا لون من تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وهو إصرارهم على عدم
الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، فقال تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا اُلْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
أي وقال جماعة من مشركي العرب في مكة وغيرها: لن نؤمن بهذا القرآن ولا
بالكتب السماوية السابقة، كالتوراة والإنجيل، ولا بما اشتملت عليه من
أمور الآخرة من بعث وحشر وحساب وجزاء. والمعنى: أنهم جحدوا نزول
القرآن من الله تعالى، وأن يكون لما دلَّ عليه من المعاد وإعادة الجزاء حقيقة.
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم ومالهم في الآخرة وحوارهم فيما بينهم
فقال لرسوله أو للمخاطب: