النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ الُعُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٦-٥٨ بالجملة الاسمية لإفادة الدوام، وأن مجيء الجملة اسمية في صدرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ فعلية في عجزها: ﴿يُصَلُّونَ﴾ للدلالة على أن الثناء من الله على رسوله وَل يتجدد على الدوام. وهذه الآية بمثابة العلة لما ذكر قبلها من أن شأن المؤمنين ألّا يؤذوا رسول الله ◌َّ، فكأنه قيل: ما كان لكم أن تؤذوه؛ لأن الله يصلي عليه والملائكة، وما دام الأمر كذلك، فهو لا يستحق إلا الاحترام والإكرام. وقد بدئت الآية بالجملة الاسمية لإفادة الدوام، وانتهت بالجملة الفعلية للإشارة إلى أن هذا الإكرام والتمجيد يتجدد مع مرور الزمان على الدوام. ويكون المقصود من الآية أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة نبيه وعبده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، لذا أمر الله تعالى العالم الدنيوي بالصلاة والسلام عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعاً. والصلاة كما بينا من الله الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء بالمغفرة والتعظيم لشأن النبي وَله. وكيفية الصلاة عليه تعرف بالأحاديث المتواترة التي منها: ما رواه الشيخان وأحمد وغيرهم عن كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه قال: ((قال رجل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟! قال: قل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)) . وأخرج مالك وأحمد والبخاري وغيرهم عن أبي حُميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله وَله: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ٤٢٢ الجُزءُ (٢٢) - الأُخْزَانَ: ٣٣ / ٥٦-٥٨ وأخرج الجماعة عن أبي سعيد الخدري قلنا: ((يا رسول الله، هذا السلام عليك، قد عَلِمنا، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم)). وأما التسليم فهو بأن يقولوا: السلام عليك يا رسول الله، ومعنى (السلام عليك)) الدعاء له بالسلامة من الآفات والنقائص. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة والسلام على رسول الله، منها : ما رواه أحمد وابن ماجه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت النبي وَّ يقول: ((من صلى عليَّ صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليه، فليُقلّ عبد من ذلك أو لیُكْثِر)» . ومنها : ما رواه أحمد أيضاً والنسائي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه: أن رسول الله ◌َيور جاء ذات يوم، والسرور - أو البشر - يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنا لنرى السرور - أو البشرى - في وجهك، فقال: ((إنه أتاني الملَك فقال: يا محمد، أما يُرضيك أن ربك عز وجل يقول: إنه لا يُصلّي عليك أحد من أمّتك إلا صلّيتُ عليه عَشْراً، ولا يُسلِّم عليك أحد من أمتك إلا سَلَّمتُ عليه عَشْراً، قلت: بلى)) . ومنها: ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله قال: ((من صلّ عليّ واحدة، صلّ الله علیه بها عشراً)) . لذا أوجب الشافعي الصلاة على الرسول وَله، وجعلها ركناً في التشهد الأخير من الصلاة، وتستحب عنده في التشهد الأول. واتفق العلماء على وجوب الصلاة والتسليم على النبي وَّ مرة في العمر، ٤٢٣ لُهُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٦-٥٨ عملاً بما يقتضيه الأمر ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك ككلمة التوحيد؛ لأن الصحيح أن الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما هو للماهية، المطلقة عن قيد التكرار والمرة، وحصوله مرة ضرورة لتحقيق مجرد الماهية. وأما القول بالوجوب كلما ذكر، أو في كل مجلس مرة، أو الإكثار منها من غير تقيد بعدد، فهو استدلال بالأحاديث المرغبة في فعلها والمرهبة من تركها، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠/٦] الذي هو ترغيب في الإحسان. ويسن الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله وَّيه في يوم الجمعة وعند زيارة قبره وَل*، وبعد النداء للصلاة، وفي صلاة الجنازة، روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي)) قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرض عليك صلاتنا وقد أرِمْتَ؟ - يعني وقد بليت - قال: ((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)). وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمع رسول الله وَلقوله يقول: ((إذا سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى عليّ صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة)). وروى النسائي عن أبي أمامة أنه قال: من السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي وَّ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سراً في نفسه. ٤٢٤ الزُعُ (٢٢) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٥٦-٥٨ وروى أبو داود، وصححه النووي في الأذكار، كما صحح الحديث المتقدم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ الر قال: ((ما منكم من أحد يسلم علي إلا رَدَّ الله علي روحي حتى أردَّ عليه السلام)). ولا شكّ بأن الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله وَلو مجلبة للخير والثواب، وسبب لدخول الجنة، ومذهبة للهم والحزن، وطرد للنسيان، أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالى: ((رَغِم أنف رجل ذُكرت عنده، فلم يُصلّ علي، ورَغِم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفر له، ورَغِم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم يُدْخلاه الجنة)). وبعد الأمر بالصلاة والسلام على النبي ◌ُّ، عاد الكلام إلى النهي عن إيذاء الله بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره، وإيذاء رسوله وَل* بوصفه بعيب أو نقص فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الذُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا ﴾ أي إن الذين يصدر منهم الأذى لله ورسوله بارتكاب ما لا مُهِينًا يرضيانه من الكفر والعصيان، كقول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤/٥] و﴿عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠/٩] وقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهَّ﴾ [التوبة: ٣٠/٩] وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة شركاء لله، وقولهم عن رسول الله وَ لجر: إنه شاعر، أو ساحر أو كاهن أو مجنون، إن هؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله طردهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة، وهيأ لهم عذاباً مهيناً محقراً مؤلماً في نار جهنم. وهذا دليل على أنه تعالى لم يحصر جزاءهم في الإبعاد من رحمته، بل أوعدهم وهددهم بعذاب النار الأليم. والآية عامة في كل من آذى النبي ◌َّ بشيء، فمن آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله، كما قال ٤٢٥ الُ (٢٢) - الأَجْزَان: ٣٣ / ٥٦-٥٨ الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الذين طعنوا على النبي * في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب. وبعد بيان شأن الذين يؤذون الله ورسوله وَله، أبان الله تعالى ما يناسب ذلك، وهو حكم الذين يؤذون المؤمنين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنَّمَّا قُبِينًا ﴿6﴾ أي والذين يؤذون أهل الإيمان من الرجال والنساء بوجه من وجوه الأذى من قول أو فعل، وسواء أكان الإيذاء للعرض، أو الشرف أو المال، بأن ينسبوا إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه ولم يفعلوه، فهو إيذاء بغير حق، كأن يشتم المؤمن أحداً، أو يضربه، أو يقتله، فقد أتوا بالكذب المحض والبهتان الكبير: وهو نسبة شيء لهم لا علم لهم به ولم يفعلوه، على سبيل العيب والإنقاص، وارتكبوا ذنباً واضحاً بيناً. ونظير الآية: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا (19﴾ [النساء: ٤/ ١١٢]. والبهتان: الفعل الشنيع، أو الكذب الفظيع. ومن أشد أنواع الأذى: الطعن في الصحابة، والغيبة، واستباحة عرض المسلم، روى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن المغَفَّل المزني قال: قال رسول الله وَله: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)». وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة: أنه قيل: ((يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذِكْرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)). وروى ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله وَسليه لأصحابه: ((أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ٤٢٦ اْلِمُعُ (٢٢) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٥٦-٥٨ قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم)) ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أُحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنْمَّا تُبِينًا ٥٨ فإن كان الإيذاء بحق لم يحرم، مثل الإيذاء بالقصاص، والإيذاء بقطع اليد في السرقة، والإيذاء بالتعزيرات المختلفة، وقتال المرتدين، لقوله ◌َالهر في الحديث المتواتر الذي رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)) . فهم أبو بكر رضي الله عنه من هذا الحديث أن الزكاة حق المال، فقاتل مانعيه من أجله، وقال: ((والله لو منعوني عناقاً كانوا يعطونه لرسول الله، لقاتلتهم عليه)) وحاجه في ذلك عمر فقال: ((إلا بحقها)) والزكاة حق الأموال، فانشرح صدره لما رآه أبو بكر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - إن آية الصلاة على النبي ◌َّ تشريف له في حياته وموته، وتنويه بمنزلته ومكانته السامية، والصلاة كما بينا من الله: الرحمة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: الدعاء والتعظيم لأمره. أَ - أمر الله تعالى عباده بالصلاة على نبيه محمد ◌َّ لل دون أنبيائه تشريفاً له، ولا خلاف في أنها فرض في العمر مرة، وسنة مؤكدة في كل حين لا يسع المسلم تركها، ولا يغفلها إلا من لا خير فيه. وقد عرفنا صفة الصلاة والسلام على النبي ◌َّر، وهي صيغة الصلاة الإبراهيمية، وبينا فضل الصلاة على النبي وَّر وهو كما ورد عنه فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: ((من صلّ علي ٤٢٧ الجُرُ (٢٢) - الأخْزَالَ: ٣٣ / ٥٦-٥٨ واحدة، صلى الله عليه بها عشراً)) وقال أيضاً: ((من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب)) (١). وقال سهل بن عبد الله: الصلاة على محمد ◌َّ أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليست كذلك. وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ێ، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي وَلّ؛ فإن الله تعالى يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يرد ما بينهما. وأما الصلاة على النبي ◌َّ في الصلاة فهي سنة مستحبة عند الجمهور، فإن تركها فصلاته مجزية، وواجبة لدى الشافعي، فمن تركها فعليه الإعادة. وأما الصلاة على غير الأنبياء: فإن كانت على سبيل التبعية مثل: اللهم صلِّ على محمد وآله، وأزواجه، وذريته، فهذا جائز بالإجماع، فإن أفردوا فقال جماعة: يجوز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣/٣٣] وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴿ وَصَلّ وَرَحْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥٧/٢] وقوله: [التوبة: ١٠٣/٩] وحديث عَلَيْهِمْ. الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ((اللهم صلّ عليهم)) فأتاه أبي بصدقته فقال: ((اللهم صلّ على آل أبي أوفى)) وحديث جابر أن امرأته قالت: يا رسول الله، صلّ عليّ وعلى زوجي، فقال: ((صلّ الله عليك وعلى زوجك)) وقال جمهور العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا قد صار شعاراً للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: أبو بكر صلى الله عليه، أو يقال عليّ صلى الله عليه، وإن كان المعنى صحيحاً، كما لا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً؛ لأن هذا من شعار ذكر الله عز (١) لكن قال عنه ابن كثير: ليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة. ٤٢٨ الزُ (٢٢) - الأُخْزَالَ: ٣٣ / ٥٦-٥٨ وجل. وأما ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، فمحمول على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعاراً لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته. والصحيح أن هذا المنع من الصلاة على غير الأنبياء مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم. والسلام هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليّ عليه السلام، وهذا سواء في الأحياء والأموات. وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم، أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه. وقال النووي: إذا صلى على النبي ◌َّ فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾. ٣ - إن من يؤذي الله ورسوله يستحق اللعنة والطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة، وله عذاب محقر مؤلم في نار جهنم. وإيذاء الله: يكون بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود: ﴿يَدُ اُللَّهِ مَغْلُولَهُ﴾ [المائدة: ٦٤/٥]، و﴿عُزَيْرُ أَبْنُ اُللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠/٩]، وقول النصارى: ﴿اَلْمَسِيحُ أَبُْ اُللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠/٩]، وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر، وأنا الدهر. أُقلِّب ليله ونهاره))، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: (( قال الله تبارك وتعالى: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلّب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما)) . هكذا جاء هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة في هذه الرواية. وقد جاء مرفوعاً عنه بلفظ آخر عند مسلم أيضاً: ٤٢٩ لُعُ (٢٢) - الأَجْزَالَ: ٣٣ / ٥٦-٥٨ ((يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهر أقلّب الليل والنهار)). وقال عكرمة: معناه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها، وقد قال رسول الله وَله: ((لعن الله المصوِّرين)). والطعن في تأمير أسامة بن زيد(١) لغزو (أُبْنَى) قرية عند مؤتة أذية له وَّه من حيث إنه كان من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السن؛ لأنه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، ومات النبي ◌ُّر بعد خروج هذا الجيش إلى ظاهر المدينة، فنفَّذه أبو بكر بعده وَ لّ. جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: بعث رسول الله وَله بَعْثاً، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته؛ فقام رسول الله وَ ل فقال: ((إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبلُ، وائِمُ الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان ◌َمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده)) . وفي هذا الحديث دلالة على جواز إمامة المولى والمفضول على غيرهما ما عدا الإمامة الكبرى، ويؤكده أن رسول الله والله قدَّم سالماً مولى أبي حذيفة على الصلاة بقُباء، فكان يؤمهم، وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش. ٤ - إن إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير حق بالأقوال أو الأفعال القبيحة بهتان وإثم واضح. ومن أنواع الأذى: التعبير بحَسَب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه. وقد ميَّز الله بين أذاه سبحانه وأذى الرسول وَله وأذى المؤمنين، فجعل الأول كفراً موجباً اللعن، والثاني كبيرة، فقال في أذى المؤمنين: ﴿فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِنْمَّا مُبِينًا﴾. (١) كان أسامة رضي الله عنه يُدعى: الحِبّ ابن الحِبّ، وكان أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض. ٤٣٠ لِلُءُ (٢٢) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٥٩ آية جلباب النساء لستر العورة بَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا 09 القراءات: ﴿ النَّبِىُّ﴾ : وقرأ نافع (النبيء). المفردات اللغوية: ﴿يُدْنِينَ﴾ الإدناء: التقريب، والمراد الإرخاء والسدل على الوجه والبدن، وستر الزينة، ولذا عدّي بعلى. ﴿مِن جَلَبِيِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق القميص، أو الثوب الذي يستر جميع البدن. و﴿مِن﴾ للتبعيض، فإن المرأة تغطي بعض جلبابها وتتلفع ببعض، والمراد: يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا شيئاً قليلاً كعين واحدة ﴿ذَلِكَ﴾ أي إدناء الجلابيب ﴿أَدْنَ﴾ أقرب ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي أقرب إلى أن يميزن بأنهن حرائر، ويُبْعَدن عن الإساءة ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهن لترك الستر ﴿رَّحِيمًا﴾ بعباده، حيث يراعي مصالحهم بالأمر بالستر وغيره. سبب النزول: أخرج البخاري عن عائشة قالت: خرجت سَوْدة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر، فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت ٤٣١ الُ (٢٢) - الأَجْزَائِّ: ٣٣ / ٥٩ راجعة ورسول الله وَ﴾ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عِرْق، فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العِرْق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أُذن، لكن أن تخرجن لحاجتكن. وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي مالك قال: كان نساء النبي : وَسيد يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن، فيؤذين، فشكوا ذلك، فقيل للمنافقين، فقالوا: إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه الآية: ﴿يَّأَيُهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِنَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ) المناسبة: بعد بيان أن من يؤذي مؤمناً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، منعاً وزجراً للمكلف من إيذاء المؤمن، أمر الله تعالى المؤمن باجتناب المواضع التي فيها التهم التي قد تؤدي إلى الإيذاء، بالتستر وإرخاء الجلباب، خلافاً لما كان عليه الحال في الجاهلية من خروج النساء مكشوفات يتبعهن الزناة. التفسير والبيان: يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَسِيبِهِنَّ﴾ أي يطلب الله من رسوله وَله أن يأمر النساء المؤمنات وبخاصة أزواجه وبناته إذا خرجن من بيوتهن بأن يسدلن ويغطين من جلابيبهن ليتميزن عن الإماء. والجلباب: الرداء فوق الخمار. وهناك روايات في كيفية هذا التستر. - قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطّين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة. ٤٣٢ ◌ِلُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٥٩ - وقال محمد بن سيرين فيما رواه ابن جرير عنه: سألت عَبيدة السَّلْماني عن قول الله عز وجل: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيبِهِنَّ﴾ فغطّى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى. - وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أم سَلَمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَسِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار، كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. والمقصود بالآية التي نزلت بعد استقرار الشريعة أن يكون الستر المأمور به زائداً على ما يجب من ستر العورة، وهو أدب حسن يبعد المرأة عن مظان التهمة والريبة، ويحميها من أذى الفساق. واللباس الشرعي: هو الساتر جميع الجسد، الذي لا يشف عما تحته، فإن كانت المرأة في بيتها وأمام زوجها فلها أن تلبس ما تشاء. ﴿َذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَ يُؤْذَيْنُّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي إن إدناء الجلابيب أو التستر أقرب أن يعرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر، فلا يُتْعَرَّض لهن بالأذى من أهل الفسق والريبة، وكان الله غفوراً لما سلف منهن من إهمال التستر، ولمن امتثل أمره إذا أخلَّ بالتستر خطأ بغير قصد، واسع الرحمة بعباده حيث راعى مصالحهم وأرشدهم إلى هذا الأدب الحسن. أما الإماء فلم يكلفهن الشرع بالتستر الكامل دفعاً للحرج والمشقة في التقنع، وتيسيراً لهن القيام بخدمات السادة. هذا رأي الجمهور. وقال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن - أي الإماء - من عموم النساء إلى دليل واضح(١). (١) البحر المحيط: ٢٥٠/٧ ٤٣٣ الُ (٢٢) - الأَخْزَابَ: ٣٣ /٥٩ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: اً - الأمر بالتقنع والتستر عام يشمل جميع النساء، وذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها، فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء. ومن المأمورات بالستر: زوجات الرسول وَل﴿ وبناته. أما زوجاته فقال قتادة: مات رسول الله وَل عن تسع: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسَوْدة، وأم سَلَمة، وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرِية. وواحدة من بني هارون: صفية، وأما أولاده: فكان للنبي ◌َّ أولاد ذكور وإناث. وأولاده الذكور: القاسم والطاهر وعبد الله والطيب أبناء خديجة. وبناته: فاطمة الزهراء بنت خديجة زوجة علي رضي الله عنهما، وزينب بنت خديجة زوجة ابن خالتها أبي العاص، ورُقَيَّة وأم كلثوم بنتا خديجة، زوجتا عثمان، كما تقدم سابقاً. ويلاحظ أن الدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، لذا بدأ الأمر بالحجاب بنساء الرسول وَ ﴾ وبناته. اً - صورة إرخاء الجلباب: تغطية المرأة جميع جسدها إلا عين واحدة تبصر بها، كما قال ابن عباس وعَبيدة السَّلْماني. وقال قتادة، وابن عباس في رواية أخرى: أن تلويه فوق الجبين وتشدّه، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن البصري: تغطي نصف وجهها. ٣ - الحكمة من أمر الحرائر بالتستر هي ألا يختلطن بالإماء، فإذا عُرفن لم يقابلن بأدنى معارضة، مراعاة لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن. ٤٣٤ الُعُ (٢٢) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٦٠-٦٢ ٤ - وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع. ٥ - في الطبقات الكبرى لابن سعد أن أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن؛ وإن لم يفعله السلف؛ لأن فيه تمييزاً لهم، حتى يعرفوا، فيعمل بأقوالهم. هذا وقد استدل بالآية على لزوم تغطية وجه المرأة؛ لأن العلماء والمفسرين كابن الجوزي والطبري وابن كثير وأبي حيان وأبي السعود والجصاص الرازي فسروا إدناء الجلباب بتغطية الوجوه والأبدان والشعور عن الأجانب، أو عند الخروج لحاجة. تهديد المنافقين وجزاؤهم لَّيِن لَّمْ يَلَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ وَالْمُرْحِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنْغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُحَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٥َ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا الإعراب: ﴿مَّلْعُونِينَ﴾ إما منصوب على الحال من واو ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ وإما منصوب على الذم، أي أذُمُ ملعونين. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد. البلاغة: ﴿لَّيِن لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ المرجفون هم من المنافقين، ففيه ذكر الخاص بعد العام، زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم. ٤٣٥ الُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٦٠-٦٢ ﴿ثُقِفُواْ أُخِذُواْ﴾ بينهما طباق. ﴿وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾ إتباع الفعل بالمصدر للتأكيد. المفردات اللغوية: ﴿لَّيِنِ﴾ اللام لام القسم ﴿لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ عن نفاقهم وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر ﴿ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ﴾ ضعف إيمان وقلة ثبات عليه، أو فسوق وعصيان ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ هم اليهود وغيرهم المشيعون للأكاذيب والأباطيل الملفقون أخبار السوء ونشرها بين جنود المسلمين قائلين: قد أتاكم العدو، وسرايا المسلمين هُزِموا أو قتلوا أو غُلبوا، ونحو ذلك من الأخبار المتضمنة توهين جانب المسلمين، من الإرجاف والرَّجفان: الزلزلة والاضطراب الشديد. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم ولنأمرنك بقتالهم وإجلائهم ﴿ثُمَّ لَا تُجَاوِرُونَكَ﴾ يساكنونك والعطف بـ (ثُمَّ﴾ للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار رسول الله وَلّ أعظم ما يصيبهم ﴿مَّلْعُونِينَ﴾ مبعدين عن الرحمة، أي لا يجاورونك إلا ملعونين ﴿ثُقِفُواْ﴾ وجدوا ﴿أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾ أي إن هذا الحكم فيهم مأمور به. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ أي سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يُقْتَل المنافقون الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا، وخلوا: مضوا ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أي لأنه لا يبدلها الله، أو لا يقدر أحد أن يبدها. المناسبة: هذا هو الصنف الثالث من المؤذين، فبعد أن ذكر الله تعالى حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله، وأتبعه بذكر المجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسرّ المبطن الذي يظهر الحق، ويضمر الباطل، وهو المنافق. ٤٣٦ الجُرُ (٢٢) - الأَجْزَان: ٣٣ / ٦٠-٦٢ ثم ذكر مظاهر ثلاثة للنفاق في مواجهة الأقوام الثلاثة المؤذين: وهم المؤذون الله، والمؤذون الرسول وَ﴾، والمؤذون المؤمنين، وهذه المظاهر: هي المنافق الذي يؤذي الله سراً، والذي في قلبه مرض الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه، والمرجف الذي يؤذي النبي ◌َّ بالإرجاف، بقوله: غُلب محمد دَّل، وسيخرج من المدينة وسيؤخذ أسيراً. وهذا كله من آثار النفاق العملي. التفسير والبيان: توعد الله المنافقين وحذرهم وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فقال : لَّيِنِ لَّمْ يَلَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ أي لئن لم يكف ٦٠ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا المنافقون عما هم عليه من النفاق، والذين في قلوبهم ضعف إيمان وشك وريبة في أمر الدين، وأهل الإرجاف في المدينة الذين يشيعون الأخبار الملفقة الكاذبة المتضمنة توهين جانب المسلمين، وإظهار تفوق المشركين وغلبتهم عليهم، لنسلطنك عليهم ونأمرنك بقتالهم وإجلائهم عن المدينة، فلا يساكنونك فيها إلا زمناً قليلاً. وهذه الأوصاف الثلاثة: النفاق، ومرض القلب، والإرجاف هي الشيء واحد، فإن من لوازم النفاق مرض القلب بضعف الإيمان، والإرجاف بالفتنة وإشاعة أخبار السوء، والمنافقون متصفون بهذه الأوصاف الثلاثة كلها. وكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم. ٤٣٧ اِلُ (٢٢) - الأَخْزَارَ: ٣٣ / ٦٠-٦٢ ثم أبان الله تعالى جزاءهم في الدنيا والآخرة فقال: أي إنهم في حال ٦١ ﴿مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا مدة إقامتهم في المدينة فترة زمنية قليلة مطرودون من رحمة الله منبوذون، وأينما وجدوا وأدركوا أخذوا لذلتهم وقلتهم، وقتّلوا شرّ تقتيل، فلن يجدوا أحداً يؤويهم، بل ينكل بهم ويؤسرون ويقتّلون تقتيلاً شديداً يستأصلهم. وهذا دليل على أخذهم أسرى، والأمر بقتلهم إذا ظلوا على النفاق، وقد كان ذلك في أواخر حياة الرسول وَله. ثم أوضح الله تعالى أن هذا الجزاء عام في جميع المنافقين الغابرين واللاحقين فقال : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ٦٢ أي إن هذا الحكم - وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم وتسليط المؤمنين عليهم وقهرهم - هو سنة الله وطريقته في المنافقين في كل زمان مضى، إذا بقوا على نفاقهم وكفرهم، ولم يرجعوا عما هم عليه، وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير، لقيامها على الحكمة والمصلحة وصلاح الأمة، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء على مر التاريخ. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما هو آت: اً - اتفق أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة: النفاق، ومرض القلب، والإرجاف لشيء واحد كما تقدم، أي إن المنافقين قد جمعوا هذه الأشياء(١). (١) قالوا: والواو مقحمة، كما قال الشاعر: إلى الملِك القَرْم وابن الهُمام وليث الكتيبة في المزْدَحم أي إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة. ٤٣٨ لُحُ (٢٢) - الأَجْزَان: ٣٣ /٦٠-٦٢ والآية دليل على تحريم الإيذاء بالإرجاف وعلى أن تتبع عورات النساء نفاق. أَ - إن جزاء هؤلاء المنافقين إن أصروا على نفاقهم تسليط أهل الحق والإيمان عليهم، لاستئصالهم بالقتل، وطردهم من البلاد، فلا يساكنون النبي وَ ل4* والمؤمنين في المدينة إلا مدة يسيرة حتى يهلكوا، وطردهم من رحمة الله. ءَّ - إن هذا العقاب هو ما سنه الله عز وجل فيمن أرجف بالأنبياء، وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل، ولا تبديل ولا تغيير لسنة الله وحكمه، فلا يغيره هو سبحانه، ولا يستطيع أحد تغييره. ٤ - لكن يجوز تأخير تطبيق هذا العقاب، فليس هو على الفور، قال القرطبي: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه - وَّ - حتى مات. والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم(١). وقد تأخر بالفعل عقاب المنافقين إلى أواخر عهد النبي وَّر، فإنه لما نزلت سورة ((براءة)) جمعوا، فقال النبي ◌َّير: ((يا فلان قم فاخرج، فإنك منافق، ويا فلان قم)) فقام إخوانهم من المسلمين، وتولوا إخراجهم من المسجد. (١) تفسير القرطبي: ٢٤٨/١٤ ٤٣٩ الُزُعُ (٢٢) - الأُخْزَان: ٣٣ / ٦٣-٦٨ توعد الكفار بقرب الساعة وبيان نوع جزائهم ﴿ يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّاً لَّا ٦٤ تَكُونُ قَرِيبًا ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ٦٥ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَنَا فَأَضَلُونَ السَّبِيلَاْ ٦٨ رَبََّآ ءَاِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ٦٧ القراءات: ﴿الرَّسُولَا﴾، (السبيلا): قرئ: ١- (الرسولا، السبيلا) وهي قراءة نافع، وابن عامر، بإثبات الألف وصلاً، ووقفاً. ٢- (الرسول، السبيل) بحذف الألف وصلاً ووقفاً قرأ أبو عمرو، وحمزة. وقرأ الباقون بإثباتها وقفاً، وحذفها وصلاً. ﴿سَادَتَنَا﴾: وقرأ ابن عامر (ساداتنا). كَبِيرًا﴾: قرأ عاصم (كبيراً)، وقرأ الباقون (كثيرا). البلاغة: ( يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ﴾ تحسر وتفجع من طريق التمني. ﴿سَعِيرًا﴾ ﴿نَصِيرًا﴾ ﴿كَبِيرًا﴾ فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل، لما فيها من وقع حسن. ٤٤٠ لُزُرُ (٢٢) - الأُخْزَان: ٣٣ / ٦٣-٦٨ المفردات اللغوية: يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ أي يسألك أهل مكة المشركون عن وقتٍ يوم القيامة وحصوله استهزاء، أو تعنتاً، أو امتحاناً ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ أي لم يُظْلع عليه مَلَكاً ولا نبياً ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أي وما يعلمك يا محمد؟ أي أنت لا تعلمها، فكيف بغيرك من الناس؟ وربما توجد الساعة في زمن قريب. وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين. ﴿لَعَنَ اُلْكَفِرِينَ﴾ أبعدهم وطردهم عن رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ ناراً شديدة الاتقاد والاستعار يدخلونها ﴿خَلِينَ﴾ مقدراً خلودهم ﴿لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يواليهم ويحفظهم عنها ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم ويدفع العذاب عنهم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ تصرّف من جهة إلى جهة أخرى، كاللحم يشوى بالنار. ﴿يَلَيْتَنَآَ﴾ (يا): للتنبيه ﴿وَقَالُواْ﴾ أي الأتباع منهم ﴿سَادَتَنَا﴾ أي ملوكنا وقادتنا الذين لقنوهم الكفر، وقرئ ((ساداتنا)) جمع الجمع، للدلالة على الكثرة ﴿وَكَبْرَءَنَا﴾ علماءنا ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أي أضلونا طريق الهدى بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ مثلي ما أوتينا من العذاب؛ لأنهم ضلوا وأضلوا ﴿ وَاَلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ أي عذبهم وأبعدهم بلعن هو أشد اللعن وأعظمه، وقوله ﴿كَبِيرًا﴾ أي عدده، أي عظيماً. المناسبة: بعد بيان حال الفئات الثلاث في الدنيا (المشركين الذين يؤذون الله ورسوله، والمجاهرين الذين يؤذون المؤمنين، والمنافقين الذين يظهرون الحق ويضمرون الباطل) وأنهم يلعنون ويهانون ويقتلون، ذكر حالهم في الآخرة، فتوعدهم بقرب يوم القيامة، وبين نوع عذابهم فيه. التفسير والبيان: يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَّةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ أي يتساءل الناس بكثرة عن وقت قيام القيامة، فالمشركون يسألون عنها تهكماً واستهزاء،