النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ الُعُ (٢٢) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٤٥-٤٩ ٨ - استدل الحسن البصري وأبو العالية بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ على إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول، سواء أفرِض لها مهر أم لم يفرض، ويؤيد ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢٤١/٢] . وهذا مذهب الشافعية أيضاً، لكنهم استثنوا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، فإن لها نصف المهر فقط، والمتعة سنة مستحبة، ودليلهم قوله تعالى: ﴿ وَإِنَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢] فلم يذكر متعة، قال سعيد بن المسيب: هذه الآية ﴿ فمتِعوهن ناسخة لآية الأحزاب : ويرى الحنفية والحنابلة أن المرأة المفوَّضة وهي التي لم يفرض لها مهر تجب لها المتعة، وأما غيرها فالمتعة لها سنة، واستدلوا بقولِه تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِعُوهُنَ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَمَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦/٢] . وجعل المالكية المتعة سنة مستحبة لكل مطلقة؛ لأنهم حملوا الأوامر الواردة في شأن المتعة كلها على الندب والاستحباب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مَتَعًا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ والخلاصة: إن هناك تعارضاً بين آية البقرة وبين آية الأحزاب، وقد دفع بعض العلماء التعارض بجعل آية البقرة مخصصة لآية الأحزاب أو ناسخة لعمومها، ويكون المعنى: فمتعوهن إن لم يكن مفروضاً لهن المهر في النكاح، وهو مذهب الحنفية والشافعية. ومن العلماء من حمل المتعة في آية الأحزاب على العطاء مطلقاً، فيشمل نصف المفروض والمتعة المعروفة في الفقه، إلا أن ذلك الشيء في صورة الفرض مقدر بنصف المفروض بالنص، وفي صورة عدم الفرض غير مقدر، فإن اتفقا ٣٨٢ الجُرُ (٢٢) - الأجْزَان: ٣٣ / ٤٥-٤٩ على شيء فذاك، وإلا قدرها القاضي باجتهاده على حسب حال الزوجين يساراً وعسراً. ومنهم من حمل الأمر في آية ﴿فَمَتِعُوهُنَّ﴾ على الإذن الشامل للوجوب والندب، مع بقاء المتعة على معناها المعروف، فيكون التمتيع واجباً في صورة عدم الفرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ومستحباً في صورة الفرض الصحيح؛ لأنه من الفضل المندوب إليه عموماً في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢]. ـو - المتعة: كسوة كاملة، روى البخاري عن سهل بن سعد وأبي أُسيد رضي الله عنهما قالا: ((إن رسول الله وَ ل تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه وَّجله بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين))(١). (١) نوع من الثياب مشهور حينئذ. ٣٨٣ الفُرُ (٢٢) - الأخْزَان: ٣٣ / ٥٠-٥٢ صَلَ اللّه وسام النساء اللاتي أحلّ اللّه زواجهن بالنبي ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَِّىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأَمْرَّةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِجَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ قَدْ عَلِعْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُغْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ أَبْنَغَيْتَ غَفُورًا رَّحِيمًا مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمَّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ٥١ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَذَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ٥٢ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِئُكُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِبًا القراءات: ﴿تُرْجِى﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (ترجئ). ﴿لَا يَحِلُ﴾ : وقرأ أبو عمرو (لاتحل). الإعراب: ﴿وَأَمْرَةَ مُؤْمِنَةً﴾ منصوب بالعطف على ﴿أَزْوَجَكَ﴾ وعامله: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ أو منصوب بتقدير فعل، أي ويحل لك امرأة مؤمنة. ٣٨٤ لُعُ (٢٢) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٥٠-٥٢ (أن وهبت) بالفتح إما بدل من (المرأة) أو على حذف حرف الجر، أي لأن وهبت. ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ مصدر مؤكد أو حال من ضمير ﴿وَهَبَتْ﴾ أو صفة لمصدر محذوف، أي هبة خالصة. (لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ﴾ متعلق بـ ﴿أَحْلَلْنَا﴾ أي أحللنا لك هذه الأشياء، لكيلا يكون عليك حرج، أي ضيق. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ ﴿كُلُهُنَّ﴾: مرفوع؛ لأنه تأكيد للضمير الفاعل في ﴿ وَيَرْضَيْنَ﴾. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكْ﴾ ﴿مَا﴾: إما مرفوع على البدل من ﴿اَلْنِسَآءُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وإما منصوب على أصل الاستثناء، وهو النصب، و﴿مَا﴾ في هذين الوجهين: اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، فالصلة ﴿مَلَكَتْ﴾ والعائد محذوف للتخفيف. أو أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. البلاغة: ﴿إِنْ أَرَادَ النَِّىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكرراً، تنويهاً بشأنه. المفردات اللغوية: ﴿أَجُورَهُنَ﴾ مهورهن. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي ما كان من الإماء بسبب السبي والغنيمة في الحرب كصفية وجويرية ﴿أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ ردّه عليك . ﴿اُلَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ من مكة إلى المدينة، بخلاف من لم يهاجرن. ( يَسْتَنكِحَهَا﴾ أي إرادته أن ينكحها، فإن هبتها نفسها جارٍ مجرى القبول، ٣٨٥ لالُزُ (٢٢) - الأجزاء : ٣٣ / ٥٠-٥٢ والاستنكاح: طلب النكاح والرغبة فيه. ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِينٌ﴾ أي خصوصية لك لشرف نبوتك واستحقاقك التكريم، وهو النكاح بلفظ الهبة من غير صداق، وبه احتج الشافعية على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة؛ لأن اللفظ تابع للمعنى، وقد خصّ عليه الصلاة والسلام بالمعنى، فيخص باللفظ. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ﴾ أي على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، من شرائط العقد، ووجوب المهر بالوطء إذا لم يسمَّ في العقد، ووجوب القسم بين الزوجات، وألا يزيدوا على أربع نسوة، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر . ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ من الإماء بشراء أو غيره من أصل رقيق لا من الأحرار، وبأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية، بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ بحيضة قبل الوطء. ﴿لِكَيْلًا﴾ متعلق بـ ﴿أَحْلَلْنَا﴾. ﴿حَرَجٌ﴾ ضيق ومشقة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ فيما يعسر التحرز عنه. ﴿رَّحِيمًا﴾ بالتوسعة في مظان الحرج. ﴿تُرْجِى﴾ تؤخر من الإرجاء: وهو التأخير، قرئ مهموزاً وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر وأرجأته: إذا أخرته. ﴿ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ أي من أزواجك عن نوبتها .﴿وَتُشْوِىّ﴾ تضم وتضاجع. ﴿اٌبْتَغَيْتَ﴾ طلبت. ﴿مِمَنْ عَزَلْتَ﴾ تجنبت، من العزلة: الإزالة والتنحية من القسمة. ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكَّ﴾ لا إثم عليك، في طلبها وضمها إليك. وهذا تيسير على النبي وَّل بعد أن كان القسم واجباً عليه. ﴿ذَلِكَ﴾ التخيير. ﴿أَدْفَ أَنْ تَفَرَّ أَعْيُهُنَّ﴾ أقرب إلى قرة أعينهن وارتياحهن، وتقرّ: تسرّ . ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾ من أمر النساء والميل إلى بعضهن، فاجتهدوا في الإحسان، وإنما خيرناك يا رسول الله فيهن تيسيراً عليك في كل ما أردت. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه وبذات الصدور. ﴿حَلِيمًا﴾ لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يتقى. ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ من بعد التسع التي اخترنك، وهو في حقه + ٣٨٦ الجزءُ (٢٢) - الأُخْزَا: ٣٣ / ٥٠-٥٢ كالأربع في حقنا، أو من بعد اليوم، حتى لو ماتت واحدة، لم يحل له نكاح أخرى. وقرئ: يحل وتحل بالياء والتاء، وعلى قراءة الياء؛ لأن تأنيث الجمع غير حقيقي . ﴿ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ﴾ أي تتبدل، بأن تطلقهن كلهن أو بعضهن، ثم تتزوج بدل المطلقة. ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ حسن الأزواج المستبدلة، وهو حال من فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكْ﴾ من الإماء، فتحل لك، وهو استثناء من النساء اللاتي يشملن الأزواج والإماء، وقيل: استثناء منقطع، وقد ملك وَ ل بعدهن مارية القبطية، وولدت له إبراهيم ومات في حياته. ﴿رَقِيبًا﴾ مراقباً ومحافظاً، فلا تتخطوا ما حدّ لكم. سبب النزول: نزول الآية (٥٠): ﴿ يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ : أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله وَ له فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله: ﴿إِنَّ أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أم هانئ قالت: نزلت فيّ هذه الآية: ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. أراد النبي ◌َّ أن يتزوجني، فنُهي عني، إذ لم أهاجر. وقوله تعالى: ﴿ وَآَمْرَّةً مُّؤْمِنَةً﴾: أخرج ابن سعد عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَمْرَةً مُّؤْمِنَةً﴾ الآية قال: نزلت في أم شريك الدوسية. وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلي أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي وَله، وكانت جميلة، فقبلها، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها الله ٣٨٧ لُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٠-٥٢ مؤمنة، فقال: ﴿ وَآَمْرَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ﴾ فلما نزلت هذه الآية، قالت عائشة: إن الله يسرع لك في هواك. نزول الآية (٥١). ﴿تُرْجِى مَن تَشَاءُ﴾: أخرج الشيخان عن عائشة: أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها! فأنزل الله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ﴾ الآية، فقالت عائشة: أرى ربك يسارع لك في هواك. وأخرج ابن سعد عن أبي رَزين العقيلي قال: همَّ رسول الله وَّ ر أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك، جعلنه في حلّ من أنفسهن، يؤثر من يشاء على من يشاء، فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿نُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية. نزول الآية (٥٢): ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾: أخرج ابن سعد عن عكرمة قال: لما خيَّر رسول الله ﴿ أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِنَّ مِنْ أَزْوَجِ﴾. وهذا ما ذكره غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم: أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي وَّ ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله ولو، كما تقدم في الآية. المناسبة: سبق الكلام في أنكحة المؤمنين وأحكامها، وهنا خصص الكلام لنساء النبي ◌َّ اللاتي يحل له نكاحهن، وقصر التحريم عليهن، وتخييره في القسم بين الزوجات دون إلزام، بالمبيت عند من يشاء، وترك البيتوتة عند من يريد، ٣٨٨ الجزءُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٠-٥٢ وزواجه بهبة المرأة نفسها له بغير صداق، مما يجري مجرى القبول، وكل من ترك إيجاب القسم والزواج بلفظ الهبة خصوصية للنبي رَّة- دون بقية المؤمنين. التفسير والبيان: اً - ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ﴾ ذكر الله تعالى في هذه الآية أربع مجموعات أو فئات من النساء اللاتي أباح الله لنبيه الزواج بهن، وهذه هي الفئة الأولى وهي النساء الممهورات، والمعنى: يا أيها الرسول، إنا أبحنا لك الأزواج اللاتي أعطيتهن مهورهن، وهي الأجور هنا، والمرأة التي أوتيت مهرها أو صداقها أفضل وأولى ممن لم تأخذ صداقها، فهذه هي الحالة الكاملة التي بدأ النص بها، ويكون الأكمل إيتاء المهر كاملاً، دون تأخير شيء منه، وأما تأخير الناس الآن بعض المهر، فهو من مستحدثات العرف، بقصد الحذر، وبسبب التغالي في المهور وتعذر دفع كامل المهر. وقد كان مهره وَل لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونصفاً، أي خمس مئة درهم فضة، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإن النجاشي رحمه الله أمهرها عنه أربع مئة دينار، وإلا صفية بنت حُبَيّ، فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جُوَيْرِيّة بنت الحارث المصطلقية أدى عنها نجوم كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس، وتزوجها. أَ - ﴿وَمَا مَكَتْ يَعِينُكَ مِمَّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وهذه هي الفئة الثانية من النساء، وهي الإماء المملوكات. وقد ملك وَل كما بيَّنا صفية وجويرية، وريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم إبراهيم، وكانتا من السراري. ◌َّ - ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّنْتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي وأحللنا لك من الأقارب بنات العم، وبنات العمات، وبنات ٤٠ ٣٨٩ ◌ِلُزُرُ (٢٢) - الأُخْزَارَ: ٣٣ / ٥٠-٥٢ الخال، وبنات الخالة المهاجرات معك، دون غير المهاجرات. وهذه هي الفئة الثالثة التي شرط فيها كون المرأة مهاجرة، ولم تحل له غير المهاجرة كأم هانئ، كما تقدم. والمراد من بنات العم والعمة: القرشيات، فإنه يقال للقرشيين قربوا أم بعدوا: أعمامه وَله، ويقال للقرشيات قربن أم بعدن: عماته، والمراد من بنات الخال والخالة: بنات بني زهرة، وقد كان عند النبي ◌َّ ستّ من القرشيات، ولم یکن عنده زهرية. والحكمة في إفراد العم مجاراة مألوف العرب بإفراده في حال إضافة الابن والبنت له، وجاء الكلام في الخال على مثاله، وقيل: جاء الكلام في العمة والخالة بالجمع، وإن كانتا مضافين، لمكان تاء الوحدة، وهي تأبى العموم في الظاهر، وأما عدم الجمع في العم والخال فقد جاء على الأصل من إرادة العموم عند الإضافة. ٤ - ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لََّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة التي تهب نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك، وهذه هي الفئة الرابعة،. وإباحتها بشرطين: هبة نفسها للنبي وَلّ، ورغبة النبي ◌َّ في نكاحها، والزواج بلفظ الهبة من خصوصيات النبي وقالور دون سائر المؤمنين، فله الزواج بها من غير مهر ولا ولي ولا شهود. هذه هي الأصناف الأربعة التي أحلّها الله لنبيه: الممهورات، والمملوكات، والأقارب، والواهبات أنفسهن من غير مهر. والمراد بالإحلال: الإذن العام بالنكاح. ويلاحظ كما قال ابن عباس ومجاهد: ((لم يكن عند النبي وَلير امرأة موهوبة))، وأما المرأة التي وهبت نفسها له وهي أم شَريك الدوسية، فإنها لما قالت للنبي: وهبت نفسي لك، سكت عنها حتى قام رجل، فقال: زوّجنيها يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة. وكذلك وهبت ٣٩٠ الدُعُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٠-٥٢ نساء أخريات أنفسهن للنبي وَّر، ولكن لم يكن عنده وَّ امرأة وهبت نفسها، أخرج ابن سعد: ((أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي وَّ، ووهب نساء أنفسهن، فلم نسمع أن النبي ◌َّ قبل منهن أحداً)). فإن كانت الواهبة نفسها كافرة فلا تحل للنبي وَّة، قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظّه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أظهر، فجوز لنا نكاح الحرائر من الكتابيات، وقُصِر هو لجلالته على المؤمنات، وإذا كان لا يحلّ له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة، فأحرى ألا تحلّ له الكتابية الحرة، لنقصان الكفر(١). أما لو وهبت امرأة نفسها لرجل غير النبي ◌َّ، وهي المفوِّضة، وجب عليه لها مهر مثلها بالدخول أو بالموت، وقد حكم بذلك رسول الله وَ له في بَرْوَع بنت واشق، لما فوضت نفسها، ومات عنها زوجها، فقضى لها بصداق مثلها. ثم أكد تعالى مضمون جملة ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ﴾ ببيان مغايرة أحكامه وَل لأحكام المؤمنين أحياناً، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىِّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلًا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ أي إن ما ذكر حكمك أيها الرسول مع نسائك، وأما حكم أمتك مع نسائهم، فعندنا علمه، نبينه لهم على حسب مقتضى الحكمة والمصلحة، والمعنى: قد علم الله ما فرض من أحكام وشرائط وقيود في شأن أزواج المؤمنين والمملوكات، مما فيه صلاحهم وجعلهم غير النبي ◌َّ في تلك الأحكام، من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاؤوا من الإماء المؤمنات والكتابيات غير الوثنيات والمجوسيات، وعدم إباحة الزواج لهم بلفظ الهبة، واشتراط الولي والمهر والشهود. (١) أحكام القرآن: ١٥٤٧/٣ ٣٩١ لُعُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٠-٥٢ وهذه جملة اعتراضية تؤكد ما سلف وتبينه، ثم ذكر تعالى علة اختصاصه وَّ ببعض الأحكام مثلما تقدم، وهو أننا أبحنا أو أحللنا لك ما ذكر من النساء والمملوكات والأقارب والواهبة، لندفع عنك الضيق والمشقة التي تلحقك، وتتفرغ لتبليغ الرسالة، وكان الله وما يزال غفوراً لك وللمؤمنين ما لا يمكن التحرز عنه، رحيماً بك وبهم بدفع الحرج والعَنَت (المشقة)، وعدم العقاب على ذنب تابوا عنه. وفي الجملة: إن قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ آنس به تعالى جميع المؤمنین بغفرانه ورحمته. ثم أجاب الله تعالى عن غيرة بعض نساء النبي وَ ل مثل عائشة من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله وَثقة، وعن تفويضهن أمر القسم للرسول مَختر، فقال: ﴿ تُرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَثُعْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ أي لك يا رسول الله الحرية المطلقة في القَسْم بين زوجاتك، فلك أن تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتبيت مع من تشاء، لا حرج لك أن تترك القَسْم لهن، ولا يجب عليك قسم، بل الأمر لك، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت. ومع هذا كان النبي ◌َّ يقسم لهن. ﴿وَمَنِ أَنْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي ومن طلبت إلى المبيت معك ممن تجنبت وتركت البيتوتة معهن، فلا إثم ولا حرج ولا ضيق عليك في ذلك، وكذلك لا ضير عليك في إرجاع من طلقت منهن. ثم أبان الله تعالى سبب هذا التفويض للنبي ◌ّر في الإيواء والإرجاء وأنه لمصلحتهن، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُهُنَّ﴾ أي إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القَسْم وأنه غير واجب عليك، فإن شئتَ قسمتَ، وإن شئت لم تقسم، وأنت مع ذلك تقسم ٣٩٢ الجُرُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٠-٥٢ لهن باختيارك لا جبراً عنك، فرحن بذلك، واستبشرن به، وقدرن جميلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن، ورضين كلهن بما تفعل، دون إقلاق ولا بلبلة. ثم خاطب الله النبي وعليه وأزواجه بطريق تغليب الذكور، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ أي إن الله عليم تام العلم بالميل إلى بعضهن دون بعض، من غير اختيار، ومما لا يمكن دفعه، وكان الله وما يزال عليماً بما تخفيه النفوس، وتكتمه السرائر، حليماً يحلم ويغفر، فلا يعاجل المذنبين بالعقوبة، ليتمكنوا من التوبة والإنابة. وفي هذا حثّ على حسن النوايا، وسلامة الطوية، وتحسين معاملة النساء للتغلب على أثر الغيرة. روى الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَل يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: ((اللهم هذا فِعْلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) زاد أبو داود: يعني القلب. ثم ذكر الله تعالى مجازاة نساء النبي ◌َّر اللاتي اخترن الله ورسوله، فمنع طلاقهن، وحرَّم غيرهن عليه، فقال: ﴿لَّا يَحِلُ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي يحرم عليك أيها الرسول الزواج بغير هؤلاء النساء التسع اللاتي عندك الآن، جزاءً لاختيارهن الله ورسوله، أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: ((لما خيَّهنّ، فاخترن الله ورسوله مَهر، قصره سبحانه عليهن)). وهذا هو الحكم الأول: تحريم بقية النساء عليه. ﴿وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكُ﴾ وهذا هو الحكم الثاني: منع استبدالهن وتحريم طلاقهن، أي ولا يحلّ ٣٩٣ لُجُرُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٠-٥٢ لك أيها الرسول أن تتزوج غير اللاتي في عصمتك، وأن تستبدل بهن غيرهن، بأن تطلق واحدة منهن وتتزوج بدلها أخرى، وإن أعجبك حسنها، إلا ما ملكت يمينك من الإماء، مثل مارية القبطية التي أهداها المقوقس له، فتسرّى بها، وولدت له إبراهيم ومات رضيعاً .. وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسُْهُنَّ﴾ دليل على جواز النظر إلى المخطوبة، أخرج أبو داود أن النبي وَّ قال: ((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل)). وقال المغيرة بن شعبة: ((خطبتُ امرأةً، فقال لي النبي وَِّ: هل نظرتَ إليها؟ قلت: لا، قال: انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدَم بينكما)» . ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ زَّقِيبًا﴾ أي وكان الله وما يزال مطلعاً على كل شيء، عالماً مراقباً كل ما يكون من أحد وما يحدث في الكون، فاحذروا مخالفة أوامره، فإن الله يجازي كل امرئ بما عمل. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية : اً - إباحة أصناف أربعة من النساء للنبي وَ ل توسعة عليه، وتيسيراً له في تبليغ الرسالة، وهنّ: أ - جميع النساء حاشا ذوات المحارم إذا آتاهن مهورهن، وهذا قول جمهور العلماء، بدليل ما أخرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله وَالل حتى أحلّ الله تعالى له النساء. وقال ابن عباس: كان رسول الله وَلو يتزوج في أي الناس شاء، وكان يشقّ ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية، وحرم عليه بها النساء إلا. من سُّي، سُرَّ نساؤه بذلك. ٣٩٤ الجُ (٢٢) - الأَخْزَابَ: ٣٣ / ٥٠-٥٢ وقد استنبط الكرخي من تسمية المهر أجراً جواز انعقاد النكاح بلفظ الإجارة، ولم يتابعه الحنفية في ذلك؛ لأن معنى الإجارة يتنافى مع عقد النكاح، إذ الإجارة عقد مؤقت، والنكاح عقد مؤبد يبطله التوقيت. ثم إن النكاح ليس عقد تمليك وإنما هو استباحة، وكذلك المهر في النكاح ليس عوضاً، وإنما هو عطية أوجبها الله تعالى، إظهاراً لخطر المحل. ب - السراري مملوكات اليمين اللاتي ردّها الله عليه من غنائم الحرب المأخوذة على وجه القهر والغلبة في وقت كان السبي أو الاسترقاق مشروعاً في العالم، معاملة بالمثل. جـ - قريباته بنات العم والخال والعمة والخالة المهاجرات معه من مكة إلى المدينة، وهن بنات عمه العباس وغيره من أولاد عبد المطلب وبنات أولاد بنات عبد المطلب، وذلك يشمل القرشيات، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زهرة. وقد كان عنده خمس قرشیات، ولم يكن عنده من أولاد الخال والخالة أحد. والمراد بالمعية في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ الاشتراك في الهجرة، لا في الصحبة فيها، فمن هاجر حلّ له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن. وذكر الله تعالى العم فرداً والعمات جميعاً، وكذا الخال والخالات لحكمة عدا ما ذكرنا هي: أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة، وهذا عرف لغوي. د - النساء اللاتي وهبن له أنفسهن من غير مهر، وهن أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخَوْلة بنت حكيم. ولكن لم يكن عنده إحدى الواهبات أنفسهن له، إذ لم يقبل منهن أحداً. ٣٩٥ الُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣/ ٥٠-٥٢ أَ - قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَةَ مُؤْمِنَةً﴾ يدل على أن الكافرة لا تحلّ له، كما بيَّنَا. وقوله سبحانه: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِجَهَا﴾ دليل على أن الهبة لا تتم إلا بقبول النبي وَّ، فإن قبل حلّت له، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك، كما إذا وهبت شيئاً لرجل، فلا يجب عليه القبول. وقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ دليل على أن انعقاد النكاح بلفظ الهبة من خصوصيات النبي ◌ََّ، وأن الهبة لا تحلّ لأحد بعد النبي ◌َّ إن كانت هبة نكاح، ولا يحلّ للمرأة أن تهب نفسها لأحد، وهذا قول جمهور العلماء. وقال الحنفية والمالكية: ينعقد النكاح لغير النبي وَلّر بلفظ الهبة، ويكون للمرأة ما سمي من المهر في العقد، ومهر المثل إن لم يسمّ شيء، وللمفوضة طلب المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول. ومنشأ الخلاف هو في معنى قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِينٌ﴾ فذهب جماعة إلى أن الخصوصية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة للنبي وَلّه، لقوله تعالى: ﴿لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ) وقوله: ﴿إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِجَهَا﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ﴾. وهذا رأي الجمهور. وذهب آخرون إلى أن الخصوصية الواردة في الآية هي في نكاح الواهبة بغير مهر، أما عقد النكاح بلفظ الهبة فكان جائزاً للنبي وَّ وأمته على السواء، أي إن الخصوصية في المعنى دون اللفظ؛ لأن الله تعالى أضاف لفظ الهبة إلى المرأة بقوله: ﴿وَهَبَتْ﴾ وأضاف إلى النبي وَّ إرادة الاستنكاح، فدلت المخالفة على أن المراد مدلول اللفظ الذي من جانب المرأة، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض. ٣٩٦ ٢ الجزء (٢٢) - الأخْرَا: ٣٣ / ٥٠-٥٢ ◌َّ - ذكر ابن العربي والقرطبي (١) بمناسبة هذه الخصوصية ما خصّ الله تعالى به رسوله من أحكام في الشريعة لم يشاركه فيها أحد، سواء في مجال الفرض أو التحريم أو الإباحة، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وأبيحت له أشياء لم تبح لهم. فأما ما اختص به من الفرائض فهو تسعة: الأول - التهجد بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿ قُمِ الَّيْلَ إِلَّا فَلِيلًا ٣ [المزمل: ١/٧٣-٢]، والصحيح أنه كان واجباً عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾: [الإسراء: ٧٩/١٧]. الثاني - الضحى. الثالث - الأضحية. الرابع - الوتر. الخامس - السواك. السادس - قضاء دين من مات معسراً. السابع - مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن - تخيير النساء. التاسع - إذا عمل عملاً أثبته. وأما ما اختص به مما حرّم عليه فهو عشرة: الأول - تحريم الزكاة عليه وعلى آله. الثاني - صدقة التطوع عليه، وفي آله اختلاف. الثالث - خائنة الأعين: وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب. الرابع - حرّم الله عليه إذا لبس لأُمته (درعه) أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس - الأكل متكئاً. السادس - أكل الأطعمة كريهة الرائحة. السابع - التبدل بأزواجه. الثامن - نكاح امرأة تكره صحبته. التاسع - نكاح الحرّة الكتابية. العاشر - نكاح الأمة. وحرَّم الله عليه أشياء لم يحرِّمها على غيره تنزيهاً له وتطهيراً، فحرَّم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه، تأكيداً لحجته وبياناً لمعجزته؛ قال الله تعالى: (١) أحكام القرآن: ١٥٤٩/٣ - ١٥٥٣، تفسير القرطبي: ٢١١/١٤ - ٢١٣ ٣٩٧ الُ (٢٢) - الأجزاء: ٣٣ / ٥٠-٥٢ ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَّخُطُّهُ بِيَمِينِكٌَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٤٨]. وهذا هو المشهور. وذكر النقاش أن النبي ◌َّ ما مات حتى كتب. وحرَّم عليه أن يمدَّ عينيه إلى ما متَع به الناس؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجَا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١/٢٠]. وأما ما اختص به مما أُحِلَّ له فهو ستة عشر: الأول - صَفِيّ المغنم. الثاني - الاستقلال بخمس الخمس أو الخمس. الثالث - صوم الوصال. الرابع - الزيادة على أربع نسوة. الخامس - النكاح بلفظ الهبة. السادس - النكاح بغير ولي. السابع - النكاح بغير صداق. الثامن - نكاحه في حالة الإحرام. التاسع - سقوط القَسْم بين الأزواج عنه. العاشر - إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها؛ وحلّ له نكاحها. هذا ما قاله إمام الحرمين. وقد بيّنا في قصة زيد بن حارثة أن هذا لا يليق بمنصب النبوة، وكل ما روي مما فيه مساس بذلك هو ساقط غير معتبر ولا دليل عليه(١). الحادي عشر - أنه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر - دخوله مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف. الثالث عشر - القتال بمكة. الرابع عشر - أنه لا يورث، ويصبح ملكه صدقة. الخامس عشر - بقاء زوجيته من بعد الموت. السادس عشر - إذا طلَّق امرأة تبقى حرمته عليها، فلا تُنكح. وأُبيح له وير أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦/٣٣]، وعلى كل أحد من المسلمين أن يَقِيَ النبي ◌ِّ بنفسه، وأبيح له أن يحمي لنفسه. (١) انظر أحكام القرآن لابن العربي: ١٥٣١/٣ ٣٩٨ الزُ (٢٢) - الأُخْزَا: ٣٣ / ٥٠-٥٢ وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجعلت الأرض له ولأمته مسجداً وطهوراً، وكان من الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا في المساجد، ونُصِر بالرُّعْب، فكان يخافه العدو من مسيرة شهر، وبُعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يُبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض. وجُعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة موسى عليه السلام العصا وانفجار الماء من الصخرة. وقد انشق القمر للنبي وَثّر، وخرج الماء من بين أصابعه وَلّر. وكانت معجزة عيسى عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وقد سبَّح الحصى في يد النَّبي ◌ََّ، وحنَّ الجِذْع إليه؛ وهذا أبلغ. وفضّله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تُنسخ إلى يوم القيامة. ٤ - لم يكن القَسْم بين الزوجات واجباً على النبيِ نَِّ، توسعةً عليه في ترك القَسْم وإباحة له، وإنما كان مخيراً في أزواجه ومع هذا كان النبي ◌َّ يقسم بينهن، دون فرض، تطييباً لنفوسهن، وصوناً لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وهذا أصح ما يراد بالآية. وقيل: كان القَسْم واجباً على النبي ◌َّ، ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية. قال أبو رَزين: كان رسول الله وَل ﴿ قد هَمَّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقسم لنا ما شئت، فكان ممن آوى: عائشة وحفصة وأم سَلَمة وزينب، فكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن. وكان ممن أرجى سودة وجُوَيْرِية وأم حبيبة وميمونة وصفية؛ فكان يقسم لهن ما شاء. ٥ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُبُهُنَّ﴾ بيان الحكمة في التخيير بالقَسْم، قال قتادة وغيره: أي ذلك التخيير الذي خيَّرناك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا؛ لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرَّت أعينهن بذلك ورضين؛ لأن المرء إذا علم أنه لا حقّ له في شيء، كان راضياً بما أوتي ٣٩٩ لُ (٢٢) - الأَخْزَارَ: ٣٣ / ٥٠-٥٢ منه وإن قلَّ. وإن علم أن له حقّاً لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غَيْرته عليه، وعَظُم حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه. وكان وّ مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطبيباً لقلوبهن، كما قدّمنا، ويقول فيما رواه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها : ((اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) ، يعني ميل قلبه؛ لإيثاره عائشة رضي الله عنها، دون أن يكون ذلك ظاهراً في شيء من فعله. وکان في مرضه الذي توفي فيه یطاف به محمولاً علی بیوت أزواجه، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: ((أول ما اشتكى رسول الله وَله في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرَّض في بيتها - يعني بيت عائشة - فأذِنَّ له)) وفي الصحيح أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله وَّله ليتفقد، يقول: ((أين أنا اليوم، أين أنا غداً؟)) استبطاء ليوم عائشة رضي الله عنها، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سَحْرِي وَحْرِي(١)، وَلـ أ - على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوماً وليلة، ولا يُسقِط حق الزوجة مرضُها ولا حَيْضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يَعْجِز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صحَّ استأنف القَسْم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء، وأما السراري فلا قَسْم بينهن وبين الحرائر. روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)). (١) أي بين جنبي وصدري. والسحر: الرئة، أطلق على الجنب مجازاً، من باب تسمية المحل باسم الحال فيه، والنحر: الصدر. ٤٠٠ الدُعُ (٢٢) - الأحزاب: ٣٣ / ٥٠-٥٢ ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة، ويجوز عند الأكثرين دخوله لحاجة وضرورة. قال مالك: ويعدِل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما الْخُبُّ والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما، وهو المعنّ بقوله بََّ في قَسْمه: ((اللهم هذا فِعْلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن ج تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩/٤] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١/٣٣]. ◌َاً - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾ خبر عام، يدخل فيه الإشارة إلى ما في قلب رسول الله وَلقر من محبة شخص دون شخص، ويدخل في المعنى أيضاً المؤمنون. أخرج البخاري عن عمرو بن العاص ((أن النبي وَّر بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحبّ إليك؟ فقال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدّ رجالاً)) والقلب قد يكون مصدر خير أو شر، يروى أن لقمان الحكيم كان عبداً نجاراً قال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بَضْعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى، فقال له: ألق أخبثها بَضْعتين، فألقى اللسان والقلب. فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين، فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تُلقي بأخبثها بضعتين، فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خَبُثا. ٨ - حُظر على النبيِ وَلّ أن يتزوج على نسائه؛ لأنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ويكون ذلك قصراً للنبي وَّل على أزواجه مجازاة لهن، وشكراً