النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ الجُزُ (٣١) - الأُخْزَانَ: ٣٣ / ٩-٢٧ ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ حيث ستر ذنوبهم، ورحمهم ورزقهم الإيمان ووفقهم إلى التوبة، ولا يعاقبهم على ما مضى بعد التوبة. وهذا حثّ على التوبة والإيمان قبل فوات الأوان. ونظير الآية كثير، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ (٣) [محمد: ٣١/٤٧] وقوله عز وجل: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ وَالصَِّينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٧٩]. رابعاً - نهاية المعركة أو الإجلاء: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾﴾ أي إن الله تعالى أجلى الأحزاب عن المدينة، وردهم خائبين خاسرين مع غيظهم، لم يشفوا صدراً، ولم يحققوا أمراً، ولم ينالوا أي خير من غنيمة أو أسر أو نصر حاسم، بما أرسل عليهم من الريح الباردة والجنود الإلهية، فتفرقت جموعهم، وتشتت شملهم، ولم يحققوا خيراً لأنفسهم، لا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة من الآثام في إعلان عداوتهم للرسول و 18 ومبارزته، وهمهم بقتله، واستئصال زمرته وجيشه، ومن همَّ بشيء، وبدأ بتنفيذ همه بالفعل، فهو في الحقيقة كالفاعل. وكفى الله المؤمنين القتال، أي لم يحوجهم إلى قتال ومبارزة حتى يُجْلُوا الأعداء عن بلادهم، بل كفى الله وحده شرهم، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولهذا كان رسول الله وَلجر - فيما أخرجه الشيخان - يقول: ((لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده)). ٣٠٢ الُرُ (٢١) - الأخْزَابي: ٣٣ /٩-٢٧ وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: ((دعا رسول الله وَ﴿ على الأحزاب، فقال: اللهم مُنزِّلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب؛ اللهم اهزمهم وزلزلهم». وقال محمد بن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله 45ر فيما بلغنا: ((لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم)) فلم تغز قريش بعد ذلك، بل غزاهم رسول الله وَ القر بعد ذلك، حتى فتح الله تعالى مکة. وكان الله قوياً عزيزاً، أي غير محتاج إلى قتالهم، قادراً على استئصال الكفار وإذلالهم، ردّهم بحوله وقوته خائبين، لم ينالوا خيراً، وأعز الله الإسلام وأهله. خامساً - حصار بني قريظة: ﴿وَأَنَزَلَ اُلَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي وأنزل الله يهود بني قريظة الذين هم من أهل الكتاب والذين عاونوا الأحزاب من حصونهم وقلاعهم. وذلك لأنهم بمسعى حُيَي بن أخطب النضيري نقضوا عهدهم الذي كان بينهم وبين رسول الله وَير؛ إذ لم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعزّ الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمداً وأصحابه، فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حُيَي، إنك مشؤوم، فدعنا منك، فلم يزل يفتل له في الذروة والغارب (أي يخادعه) حتى أجابه، واشترط له حُيي إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون أُسوتهم. ٣٠٣ لُزُعُ (٢١) - الأَجْزَا: ٣٣ /٩-٢٧ فلما أيد الله تعالى رسوله والمسلمين، وكبت أعداءهم، وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجعوا إلى المدينة، أرسل الله جبريل عليه السلام، فأوحى إلى رسول الله وَ ه قائلاً: ((إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة)) فنهض رسول الله وَّر من فَوْره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال و ◌ّل# فيما رواه الشيخان: (لا يصلِيَنَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة)) فسار الناس، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يرد منا رسول الله وَله إلا تعجيل المسير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنِّف واحداً من الفريقين. وتبعهم رسول الله وَيه، وقد استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم رضي الله عنه، وأعطى الراية لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه، ثم نازلهم رسول الله وَ له، وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. فلما جاء سعد قال رسول الله وَله: ((قوموا إلى سيدكم)) فقام إليه المسلمون إعظاماً وإكراماً واحتراماً له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله وَله: ((إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت)). فقال رضي الله عنه: وحكمي نافذ عليهم؟ قال رَّ﴾: ((نعم)) قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: ((نعم)) قال: وعلى من هاهنا؟ وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله وَّة، وهو معرض بوجهه عن رسول الله وَله إجلالاً وإكراماً وإعظاماً، فقال له رسول الله وَ ثير: ((نعم)). فقال رضي الله عنه: إني أحكم أن تقتل مقاتلتُهم، وتُسبى ذراريهم ٣٠٤ لُزُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧ وأموالهم، فقال له رسول الله وَله: ((لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة)) أي سبع سماوات. أو ((لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى وحكم رسوله)). ثم أمر رسول الله وَل﴿ بالأخاديد، فخُدَّتْ في الأرض، وجيء بهم مكتَّفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين سبع المئة إلى ثماني المئة، وسَى من لم يُنْبِتْ منهم مع النساء، وأموالهم، لذا قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الزُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ أي وألقى في نفوسهم الخوف الشديد، لممالأتهم المشركين على حرب النبي وَّ، وإخافتهم المسلمين، وقصدهم قتلهم، فانعكس الحال عليهم، وأسلموا أنفسهم للقتل، وأولادهم ونساءهم للسبي، فريقاً تقتلون، وهم الرجال المقاتلة، وتأسرون فريقاً، وهم النساء والصبيان. ﴿ وَأَوْرَشَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَفُوهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا (٣)﴾ أي جعل الله لكم أراضيهم المزروعة ومنازلهم المعمورة وأموالهم المدخرة، وأرضاً أخرى لم تطأها أقدامكم بعد وهي التي ستفتح في المستقبل، بعد بني قريظة، مثل خيبر ومكة وبلاد فارس والروم. وكان الله صاحب القدرة المطلقة على كل شيء، فهو كما ورَّثكم أرض بني قريظة، ونصركم عليهم، قادر على أن يورثكم غير ذلك، وينصركم على أقوام آخرین. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت هذه الآيات إلى الأحكام والمبادئ التالية: اً - إن النصر الحاسم للمسلمين على المشركين في غزوة الخندق والأحزاب، وعلى يهود بني قريظة ناقضي العهد نعمة عظمى تستوجب الشكر ٣٠٥ اِلُ (٢١) - الأَخْزَا: ٣٣ /٩-٢٧ والحمد لله تعالى؛ لأنه نصر دبَّره الله عز وجل بإرسال الريح والملائكة، وقد صدقت فيه عزيمة المؤمنين على خوض المعركة، والدفاع عن مدينتهم عاصمة الإسلام. لاً - إن السلطان يشاور أصحابه وخاصته في أمر القتال؛ لأنه لما سمع رسول الله وَله باجتماع الأحزاب وخروجهم إلى المدينة، شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، فرضي رأيه، وقال المهاجرون يومئذ: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله وعليه: (سلمان منا آل البيت)). وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله وَلّه، وهو يومئذ حرّ، فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا؛ فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين. وفي هذا الخبر أيضاً وجوب التحصن من العدوّ بما أمكن من الأسباب، وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوماً على الناس؛ فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ، فالمسلمون يد على من سواهم. أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازِب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله وَ ﴿ رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عنّي الغبارُ جِلْد بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته یرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول: اللهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صَلّينا فأنزلن سكينة علينا وثَبِّت الأقدام إن لاقينا ٣ - دلت أخبار السيرة السالفة الذكر ورواية النسائي عن البراء وغيره أن رسول الله لل ضرب صخرة أثناء حفر الخندق ضربات ثلاثاً، أضاءت له الضربة الأولى مدائن كسرى وما حولها، وأنارت له الثانية مدائن قيصر وما حولها، وأبدت له الثالثة مدائن الحبشة وما حولها، ورأى سلمان بعينه ذلك، وتلك معجزة لرسول الله صل﴾ بشر بها بفتح هذه البلاد، وقال عند ذلك فيما رواه مالك: ((دَعُوا الحبشة ما وَدَعوكم، واتركوا التُّرْك ما تركوكم)). ٣٠٦ لُ (٢١) - الأخْزَا: ٣٣ / ٩-٢٧ ٤ - أعلن بنو قريظة بتواطئهم مع الأحزاب من قريش وغطفان نقضهم العهد مع الرسول وَله، فقال لهم الرسول: ((نقضتم العهد يا إخوة القرود، أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته)) وحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى أموالهم وذراريهم. وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من الهجرة. ة - كان تجمع الأحزاب على المدينة وحصارها مثار قلق واضطراب، ومبعث بلاء وشدة خوف، فانتابتهم الظنون، وأظهر المنافقون كثيراً مما يسرّون، فمنهم من قال: إن بيوتنا عورة، فلننصرف إليها، فإنا نخاف عليها، وممن قال ذلك: أوْس بن قَيْظي. ومنهم من قال: يَعِدُنا محمد أن يفتح كنوز كسرى وقَيْصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط! وممن قال ذلك: مُعَتِّب بن قُشير أحد بني عمرو بن عوف. فأقام المشركون في حصارهم المدينة بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر، لم يكن بينهم وبين المسلمين إلا الرمي بالنَّبْل والحصى، فلما رأى رسول الله وَلهم أنه اشتد على المسلمين البلاء، بعث إلى عُيَيْنة بن حِصْن الفَزاري، وإلى الحارث ابن عمرو المرِّي، وهما قائدا غَطَفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غَطفان، ويخذلا قريشاً ويرجعا بقومهما عنهم. وكان ذلك مراوضة ولم تكن عقداً. فلما وافقا استشار النبي ◌َّ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمِعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قِرىً، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم !! فشُرَّ .رسول الله وَ ﴿ بذلك، وقال: ((أنتم وذاك)). ٣٠٧ الُرُ (٢١) - الأُخْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧ وقال لعيينة والحارث: ((انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف)). وتناول سعد الصحيفة، وليس فيها شهادة، فمحاها. ٦ - اختراق الخندق: اخترق فوارس من قريش الخندق، منهم عمرو بن وُدّ العامري من بني عامر بن لُؤَي، وعِكْرمة بن أبي جهل، وهُبَيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب الفهريّ، حتى صاروا بين الخندق وبين سَلْع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم التُّغرة التي اقتحموا منها، وأقبلت الفرسان نحوهم، فنادی عمرو: من یبارز؟ فبرز له علي ابن أبي طالب وقال له: يا عمرو، إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تُدْعى إلى إحدى خَلّتين إلا أخذت إحداهما؟ قال: نعم. قال: فإني أدعوك إلى الله والإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فأدعوك إلى البراز. قال: يا ابن أخي، والله، ما أحبّ أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك. فقال له علي: أنا والله أحبّ أن أقتلك، فحمِي عمرو ونزل عن فرسه، فعقره، وسار نحو علي، فتنازلا وتجاولا، حتى رُئي علي على صدر عمرو يقطع رأسه، فلما رأى أصحابُه أنه قد قتله علي، اقتحموا بخيلهم الثُّغْرة منهزمين هاربين. ورُمي يومئذ سعد بن معاذ، فقُطع منه الأكْحَل(١)، ومات شهيداً في غزوة بني قريظة، وهو الذي قال فيه النبي وٍَّ: ((اهتَزَّ لموته عرش الرحمن)) يعني سكان العرش من الملائكة فرحوا بقدوم روحه، واهتزوا له. لاً - مشروعية الخدعة في الحرب، لما فعل نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي الذي استطاع بدهائه وحيلته بذر بذور الفرقة بين العرب وبين اليهود، ونجح في خدعته، كما تقدم بيانه. ٨ - الاجتهاد جائز، سواء أصاب المجتهد أو أخطأ، فقد أقرّ النبي ◌َلّ كلّاً (١) الأكحل: عرق في وسط الذراع. ٣٠٨ لُرُ (٢١) - الأَخْزَابَ: ٣٣ /٩-٢٧ من الفريقين: الذي صلى العصر في الطريق إلى بني قريظة، والذي أخّر الصلاة حتى فات وقتها، عملاً بقول النبي وَلّى: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قُريظة)) فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلّي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله بص لة، وإن فاتنا الوقت، فما عنف واحداً من الفريقين. وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين. ١ - قسم مَّل أموال بني قريظة، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهماً، قيل: وهي أول غنيمة قُسّم فيها للفارس والراجل، وأول غنيمة جعل فيها الْخُمس. وفي قول آخر: إن أول ذلك كان في بعث عبد الله بن جَحْش. ووفّق ابن عبد البر بين القولين: أن تكون غنيمة قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١/٨]. وكان عبد الله بن جحش قد خمس قبل ذلك في بعثه، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله، وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه. . ١ - أرسل الله على الأحزاب ريح الصَّبا يوم الخندق، حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم، وأنزل الملائكة لتفريق الجموع، ولم تقاتل يومئذ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صل* فيما أخرجه أحمد والشيخان: ((نصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور)). وكانت هذه الريح معجزة للنبي وَله، وكان المسلمون قريباً منها، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها، ولا خبر عندهم بها. قال المفسرون: بعث الله تعالى الملائكة، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرُّعْب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر؛ حتى كان سيّد كل خباء يقول: يا بني فلان هلُمّ إلي، فإذا اجتمعوا قال لهم: النَّجاءَ النَّجاءَ، لما بعث الله تعالى عليهم من الرُّعب. ٣٠٩ الُ (٢١) - الأَخْزَاب: ٣٣ /٩-٢٧ ١١ - لن يمنع حذر من قدر، فمن حضر أجلُه، مات أو قتل، ولا ينفعه الفرار، ويكون تمتعه في الدنيا بعد الفرار إلى انقضاء الأجل زمناً قليلاً، وكل ما هو آتٍ فهو قريب. ١٢ - للمنافقين خصال اجتماعية وشخصية قبيحة ومذمومة، فهم بخلاء على المسلمين فيما يحقق المصلحة العامة، بخلاء بأنفسهم وأحوالهم وأموالهم، جبناء يخافون من لقاء الشجعان، سليطو اللسان يؤذون غيرهم بالكلام يتفاخرون بما هو كذب وزور، والحقيقة أنهم كفرة، لم يؤمنوا بقلوبهم، وإن كان ظاهرهم الإسلام، لوصف الله عز وجل لهم بالكفر في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَوْـ يُؤْمِنُواْ﴾ وهم كغيرهم من الكفار حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا ثواب لهم؛ إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها، وإحباط أعمالهم على الله هيِّن یسیر. ولجبنهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا، وكانوا قد انصرفوا، وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال، يتمنوا أن يكونوا مع أعراب البادية، حذراً من القتل. وانتظاراً لإحاطة السوء والهلاك بالمسلمين، يتساءلون ويتحدثون: أما هلك محمد وأصحابه! أما غلب أبو سفيان وأحزابه! ولو كانوا في ميدان المعركة ما قاتلوا إلا رياء وسمعة. ١٣ - قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ الآية عتاب للمتخلفين عن القتال، معناه: كان لكم قدوة في النبي ◌َّل حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق، والتأسي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر، ويرجو لقاء الله بإيمانه، ويصدّق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال، ويذكر الله ذكراً كثيراً، خوفاً من عقابه، ورجاء لثوابه. وهل التأسي بالرسول وَ له على سبيل الإيجاب أو الاستحباب! قولان: ٣١٠ الُعُ (٢١) - الأحزاب: ٣٣ / ٩-٢٧ أحدهما - على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب. الثاني - على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب. قال القرطبي: ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. ١٤ - موقف المؤمنين نقيض موقف المنافقين، فهم مصدقون واثقون بوعد الله ورسوله وَطله، ولم تزدهم المحنة والابتلاء والنظر إلى الأحزاب إلا إيماناً بالله وتسليماً للقضاء. ١٥ - التجسس على الأعداء أمر جائز شرعاً، فقد أمر النبي وضّ حذيفة بن اليمان بأن يتعرف أخبار الأحزاب وانصرافهم عن المدينة، قائلاً له: ((انطلق حتى تدخل في القوم، فتسمع كلامهم، وتأتيني بخبرهم، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تردّه إلي، انطلق ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني)». والدعاء لله تعالى مطلوب في أي وقت ولأي حاجة، وبخاصة وقت الشدة، فقد انطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله وَل# يده يقول: ((يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همِّي وغمِّي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي». فنزل جبريل وقال: ((إن الله قد سمع دعوتك، وكفاك هول عدوك)) فخرَّ رسول الله ◌َّ على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه، وهو يقول: ((شكراً شكراً كما رحمتني، ورجِمت أصحابي)). وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل عليهم ريحاً؛ فبشر أصحابه بذلك. ١٦ - تتلاحق مواكب الشهداء وتتوالى على درب الجهاد في سبيل الله، فمنهم من يستشهد في معركة، ومنهم من ينتظر أجله في معركة أخرى، وهذا أمارة الخیر، ودليل على استدامة الكفاح والإخلاص جيلاً بعد جيل. ٣١١ المُعُ (٢١) - الأُخْتَارَ: ٣٣ /٩-٢٧ ١٧ - أمر الله بالجهاد ليجزي الصادقين في الآخرة بصدقهم، ويعذب في الآخرة المنافقين، وذلك بمشيئة الله، فإن شاء أن يعذبهم لم يوفقهم للتوبة؛ وإن لم يشأ أن يعذبهم تاب عليهم قبل الموت. ١٨ - كانت الهزيمة الساحقة في غزوة الخندق لجيوش الأحزاب، إذ ردَّ الله أولئك الكفار إلى ديارهم، فرجع أبو سفيان إلى تِهامة، ورجع عُيَيْنة بن بدر إلى نجد، ونصر الله جيش الإيمان بغير قتال كبير، بأن أرسل على الأحزاب ريحاً وجنوداً، حتى رجعوا، ورجعت بنو قريظة إلى حصونهم أو قلاعهم، فكفى أمر قريظة بالرعب، وكان الله قوياً أمره، عزيزاً لا يُغْلَب. ١٩ - وهزم بنو قريظة هزيمة نكراء بعد أن عاونوا الأحزاب: قريشاً وغَطَفان، وأنزلوا من حصونهم، وشاع الذعر والهلع في صفوفهم، وكان مصيرهم قتل رجالهم، وأسر نسائهم وأطفالهم، وتوريث المسلمين أراضيهم وبساتينهم ومنازلهم وأموالهم المدخرة. وبشر الله المؤمنين بأنهم سيرثون بلاد فارس والروم، وكل أرض تفتح إلى يوم القيامة، والله على ما أراد أن يفتحه من الحصون والقرى قدير، وعلى ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير، لا ترد قدرته، ولا يجوز عليه العجز بحال. ٣١٢ الزرعُ (٢١) - الأجْزَان: ٣٣ / ٢٨-٣٠ الجّ بين الدنيا والآخرة تخيير زوجات النبي ومقدار ثوابهن وعقابهن يَأَيُّهَا النَّبِىُ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَّاهَا جَمِيلًا ﴿ وَلِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَذَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿ يَنِسَآءَ النَّبِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُّبِيِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا القراءات: ﴿ النَِّىُّ﴾ : وقرأ نافع (النبيء). مُبَئِنَةِ﴾: وقرأ ابن كثير (مَبيِّنَة). ﴿ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾: قرئ: ١- (نُضَعِّفْ لها العذابَ) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر. ٢- (يُضَعَّفْ لها العذابُ) وهي قراءة أبي عمرو. ٣- (يضاعف لها العذابُ) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أصله من العلو، إلا أنه كثر استعماله في معنى (انزل)) فيقال للمتعالي: تعال، أي انزل. ٣١٣ الجزءُ (٢١) - الأجزاء: ٣٣ / ٢٨ -٣٠ البلاغة: ﴿إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ﴿وَإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة أي الطباق بين جملتين. المفردات اللغوية: ﴿لِأَزْوَجِكَ﴾ هن تسع، وطلبن منه من زينة الدنيا ما ليس عنده. ﴿الْحَيَوةَ الدُّنْيَا﴾ السعة والتنعم فيها. ﴿وَزِينَتَهَا﴾ زخارفها. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطيكن المتعة وهي متعة الطلاق وهي مال يعطى للمطلقة. ﴿ وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا﴾ أطلقكن من غير ضرار وبدعة، والتسريح: الطلاق، روي أنهن سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة، فنزلت، فبدأ بعائشة، فخيرها، فاختارت الله ورسوله وَ له، ثم اختارت الباقيات اختيارها، فشكر لهن الله ذلك، فأنزل ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢/٣٣]. · وتعليق التسريح بإرادتهن الدنيا يدل على أن المخيَّرة إذا اختارت زوجها لم تطلق، خلافاً لرواية عن علي، ويؤيده قول عائشة: ((خيرنا رسول الله وَلآ، فاخترناه، فلم يعدّ طلاقاً)) فإذا اختارت نفسها فإنه طلقة رجعية عند الشافعية، وبائنة عند الحنفية. وتقديم التمتيع على التسريح: من الكرم وحسن الخلق. ﴿ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ الجنة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ﴾ بالدار الآخرة. ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الجنة، يُستحقر دونه الدنيا، ومن في قوله ﴿مِنكُنَّ﴾ للتبيين؛ لأنهن كلهن كن محسنات. (يِفَاحِشَةٍ مُبِيِّنَةٍ﴾ كبيرة ظاهرة القبح كالنشوز. ﴿يُضَعَفْ لَهَا اٌلْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ أي مثلي عذاب غيرهن؛ لأن الذنب منهن أقبح، كما أن ثوابهن مرتان، كما قال تعالى: ﴿نَّوْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١/٣٣]. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي وَّ. ٣١٤ الجُعُ (٢١) - الأجزاء: ٣٣ / ٢٨-٣٠ سبب النزول: نزول الآية (٢٨): ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ﴾ : روى أحمد ومسلم والنسائي عن جابر رضي الله عنه قال: ((أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله وَّر، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فلم يؤذن له، ثم أذن لهما، فدخلا، والنبي وَّ جالس، وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأُكلمنَّ النبي ◌َّ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفاً، فوجأت عنقها، فضحك النبي ◌َّ حتى بدا ناجذه، وقال: هن حولي يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقول: تسألان النبي وَلهم ما ليس عنده، وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: إني ذاكر لك أمراً ما أحبّ أن تعجلي فيه، حتى تستأمري أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا عليها: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ الآية. قالت: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله وَ الر، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترتُ، فقال وَّلّ: إن الله تعالى لم يبعثني مُعَنِّفاً، ولكن بعثني مُعَلِّماً ميسراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترتٍ إلا أخبرتها)). المناسبة: لما نصر الله نبيه، وفرق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله، وقلن: ((یا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والْخُلَل، والإماء والْخَوَل (الخدم) ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق)). وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن. ٣١٥ لُعُ (٢١) - الأحزاب: ٣٣ / ٢٨-٣٠ وأزواج النبي ◌َّ إذ ذاك تسع: هن خمسة من قريش وهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حَبِيبة بنت أبي سفيان، وسَوْدَة بنت زَمْعة، وأم سَلَمَة بنت أبي أمية، وأربعة من غير قريش: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجُوَيْرية بنت الحارث الْمُصْطَلِقِيَّة، وصَفِيّة بنت حُبَيّ بن أخْطَب الخيبرية. فلما خيرهن رسول الله اخترن كلهن الله ورسوله وَ ل د. هذا وجه تعلق الآيات بما قبلها. أما مناسبة هذه الآيات للسورة فهي أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى، وإلى هذا أشار و له بقوله فيما رواه البزار عن أبي رافع: ((الصلاةَ وما ملكت أيمانكم)). فلما أرشد الله سبحانه نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم الله بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١/٣٣] ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ بالزوجات، فإنهن أولى الناس بالشفقة، ولهذا قدمهن بالنفقة. التفسير والبيان: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا ﴾ يأمر الله تعالى رسوله اَيه بتخيير نسائه بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة، والمعنى: يا أيها الرسول قل لأزواجك: اخترن لأنفسكن إحدى حالين: إما المفارقة إن أحببتن وكان عظيم همكن التعمق في لذات الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها ونعيمها، وحينئذ أعطيكن متعة الطلاق المستحقة وهي مال يهدى للزوجة المطلقة تطبيباً لخاطرها، وأطلقكن طلاقاً لا ضرر فيه ولا بدعة، وإما الصبر على ما عندي من ضيق الحال، وهو المذكور في الآية التالية. أما متعة الطلاق: فهي كسوة أو هدية أو مال بحسب حال الزوج يساراً وإعساراً، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦/٢] وأما الطلاق الذي ٣١٦ الزُ (٢١) - الأجْزَان: ٣٣ / ٢٨-٣٠ لا ضرر فيه ولا بدعة: فهو ما يكون في حال الطهر مع استقبال العدة أي الابتداء بها، لا في الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ﴾ [الطلاق: ١/٦٥]. ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٨) أي وإن أردتن رضا الله ورسوله وثواب الآخرة وهو الجنة، فإن الله أعدَّ للمحسنة منكن ثواباً عظيماً، تُستحقر زينة الدنيا دونه. وهذا دليل على أن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة كان محسناً صالحاً. وقوله: ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ فيه معنى الإيمان. ولما خيرهن رسول الله وح لول بين الدنيا والآخرة، اخترن جميعاً الآخرة، فسُرَّ بذلك، وشكرهن الله على حسن اختيارهن، وكرَّمهن، فقال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنَ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ﴾ [الأحزاب: ٥٢/٣٣] ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنْكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣/٣٣]. وزوجات النبي ◌َّ اثنتا عشرة، وهن أمهات المؤمنين، ولم يتزوج إلا بكراً واحدة هي السيدة عائشة، وكان زواجه بالأخريات تأليفاً للقلوب، ومن أجل نشر الدعوة الإسلامية، وبناء الدولة، ووحدة الكلمة، وهن(١): اَ - خديجة بنت خُوَيلد: أول زوجاته، تزوجها بمكة، وعاشت مع النبي مَّ بعد النبوة سبع سنين، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وسِنُه ٥٤ عاماً، وهي أول من آمن من النساء. وجميع أولاده منها غير إبراهيم. اَ - سَوْدة بنت زَمْعة بنت عبد شمس العامرية، دخل بها بمكة، وتوفيت بالمدينة. (١) تفسير القرطبي: ١٦٤/١٤ وما بعدها. ٣١٧ الُعُ (٢١) - الأَجْزَالَ: ٣٣ / ٢٨ -٣٠ ٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق، الصديقة بنت الصديق، العالمة الفقيهة راوية الحديث الكثير عن النبي ريَّ، بنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وبقيت عنده تسع سنين، ومات رسول الله وَّل وهي بنت ثماني عشرة، ولم يتزوج بكراً غيرها. ٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، تزوجها رسول الله وَله، ثم طَلَّقها، فقال له جبريل: ((إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صَوَّامة قَوَّامة)) فراجعها. ٥ - أم سَلَمة: تزوجها رسول الله وَّل من ابنها سلمة على الصحيح، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية. أَ - أم حبيبة، رَمْلة بنت أبي سفيان، تزوجها رسول الله وَ ل سنة سبع من الهجرة ودخل بها بعد الهجرة بسبع سنين وكان وكيله في زواجها عمرو بن أمية الضَّمْري، وقد أصدقها النجاشي عن رسول الله وَّر أربع مئة دينار، لما مات زوجها. اً - زينب بنت جحش: تزوجها بأمر الله بعد طلاقها من زوجها أسامة بن زيد، لإبطال التبني وآثاره. وكان اسمها بُرَّة، فسماها رسول الله بَّه زينب. ٨ - زينب بنت خُزيمة بن الحارث: تزوجها النبي ◌ُّه، ثم ماتت بعد ثمانية أشهر، كانت تسمى في الجاهلية أمّ المساكين؛ لإطعامها إياهم. ١ - صفية بنت حُبّيّ بن أخطب الهارونية: تزوجها النبي وَ *بعد أن أعتقها، وكانت من سبايا خيبر، اشتراها الرسول وّر من دِخية الكلبي بسبعة أرؤس. ٠ ١ - ريحانة بنت زيد: تزوجها الرسول ولو سنة ست، وماتت إثر حجة الوداع، وكان زوجها قد قتل في الحرب، فتزوجها إكراماً له ولأولاده. ٣١٨ لُجُ (٢١) - الأَجْزَارَ: ٣٣ / ٢٨ -٣٠ ١١ - جُويرية بنت الحارث بنت أبي ضرار الْمُصْطَلِقِيَّة الخزاعية: من سبايا بني المصطلق، تزوجها في شعبان سنة ست، وكان اسمها بَرّة، فسماها رسول الله وَلّ جُويرية. ١٢- ميمونة بنت الحارث الهلالية آخر امرأة تزوجها. هؤلاء المشهورات من أزواج النبي وَّر، وهن اللاتي دخل بهن، رضي الله عنھن. وله نساء تزوجهن ولم يدخل بهن، منهن الكلابية واسمها فاطمة أو عَمْرة وهي المستعيذة، وأسماء بنت النعمان بن الْجَوْن، وقُتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس، وعددهن عشر، وكان له من السراري سُرِّيَّتان: مارية القبطية ورَتْجانة، وأما من خطبهن فلم يتم نكاحه معهن ومن وهبت له نفسها فعددهن تسع، كأم هانئ بنت أبي طالب. وبعد أن خيَرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وعظهن وهددهن بمضاعفة العذاب على المعصية فقال: ﴿يَلْنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبِيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (﴾﴾ أي يا نساء النبي وأمهات المؤمنين من يرتكب منكن معصية كبيرة ظاهرة القبح كالنشوز وعقوق الزوج وسوء الخلق، يكون عقابها مضاعفاً، لشرف منزلتكن، وفضل درجتكن، وتقدمكن على سائر النساء، فأنتن أهل بيت النبوة، وكان تضعيف العذاب لهن يسيراً هيناً على الله الذي لا يحابي أحداً لأجل أحد. قال أبو حيان: ولا يتوهم أن الفاحشة: الزنى؛ لعصمة رسول الله ◌َال من ذلك، ولأنه تعالى وصف الفاحشة بالتبيين، والزنى مما يتستر به، وينبغي حمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته. ولما كان مكانهن مهبط الوحي من ٣١٩ الجُ (٢١) - الأُخْزَا: ٣٣ / ٢٨ -٣٠ الأوامر والنواهي، لزمهن بسبب ذلك، وكونهن تحت الرسول ول* أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب. فقه الحياة أو الأحكام: اً - الآيات حثّ واضح على منع إيذاء النبي ◌َّر أو مضايقته، ولو من أقرب الناس إليه، وفيها أدب عال لبيت النبوة الطاهر، وتسام لمستوى الأنبياء، وترفع عن حطام الدنيا، وتربية لنساء النبي ◌َّر على الزهد والعفة والخلق السامي، وإعظام الله ورسوله ێ. قال العلماء: هذه الآية: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ متصلة بما تقدم من المنع من إيذاء النبي ◌َ ◌ّ ر الذي كان قد تأذى ببعض الزوجات. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إن من ملك زوجة فليس عليه تغييرها. أُمر النبي وَّه أن يخيّر نساءه فاخترنه. وجملة ذلك أن الله سبحانه خيَّ النبي ◌َّ بين أن يكون نبياً ملِكاً، وعرض عليه مفاتح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبياً مِسْكيناً، فشاور جبريل، فأشار عليه بالمسكنة فاختارها؛ فلما اختارها - وهي أعلى المنزلتين - أمره الله عز وجل أن يخير زوجاته، فربما كان فيهن من تکره المقام معه على الشدة تنزيهاً له. أَ - القول الأصح في كيفية تخيير النبي ◌َ﴿ أزواجه أنه خيَّرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية، أو الطلاق، فاخترن البقاء؛ لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، فقالت: قد خيَّرَنا رسول الله وَه، فاخترناه، فلم يعدّه طلاقاً، ولم يثبت عن رسول الله وَله إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق. وقيل: إنما خيَّرهن بين الدنيا فيفارقهنّ، وبين الآخرة فيمسكهن، لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن، ولم يخيرهن في الطلاق. ٣٢٠ لُعُ (٢١) - الأجْزَان: ٣٣ / ٢٨-٣٠ بَّ - اختلف العلماء في المخيَّرة إذا اختارت زوجها، فقال جمهور العلماء: إنه لا يلزمه طلاق، لا واحدة ولا أكثر؛ لقول عائشة فيما أخرحه الصحيحان: خيَّرَنا رسول الله وَّل، فاخترناه، فلم يعدّه علينا طلاقاً. وروي عن علي أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. وهذا غريب. وفي رواية أخرى عن علي، وهو قول الحنفية: أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة؛ لأن قوله: اختاري، كناية عن إيقاع الطلاق، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة، كقوله: أنتِ بائن. وروي عن زيد بن ثابت: أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث. وذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما، وذلك أن التمليك عند مالك هو قول الرجل لامرأته: قد ملَّكتك؛ أي قد ملّكتك ما جعل الله لي من الطلاق، واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، فلما جاز أن يملّكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك، كان القولُ قولَه مع يمينه. أما المخيَرة إذا اختارت نفسها، وهي مدخول بها، فهو الطلاق كله، ولا عبرة بإنكار الزوج؛ لأن معنى التخيير: التسريح، والتسريح: البتات؛ قال الله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَشْرِيٌ بِإِحْسَنِ﴾ [البقرة: ٢٢٩/٢] وقال تعالى في آية التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحَا جَمِيلًا﴾ والتسريح بإحسان: هو الطلقة الثالثة، ومعنى التخيير التسريح. وعلى هذا يكون طلاق المخيرة ثلاثاً عند الإمام مالك. وأكثر الفقهاء في تحديد زمن الخيار على أن لها الخيار: ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدلّ على الإعراض، فإن لم تختر ولم تقض شيئاً حتى افترقا من مجلسهما، بطل ما كان من ذلك إليها، ويرى آخرون أن ما ملكته يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها، وهذا عند المالكية هو الصحيح لقوله وَليه لعائشة فيما رواه البخاري والترمذي: ((إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا