النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الجُرُ (٢١) - لقغَمَانٌ: ٢٥/٣١-٣٢
البلاغة:
﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ وَسَمِيعٌ بَصِبْرُ﴾ صيغ
مبالغة، وفيها ما يسمى توافق الفواصل أو السجع.
ج
﴿فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ﴾ فيه إيجاز بالحذف، والمعنى: فمنهم مقتصد ومنهم
كافر، دلَّ على المحذوف قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِهَايَئِنَآ إِلََّ كُلُّ خَتَّارٍ
کَفُورٍ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَيِنِ﴾ اللام لام القسم. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح الدليل المانع من إسناد
الخلق إلى غير الله، بحيث اضطروا إلى الإقرار بوجوده. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على
ظهور الحجة عليهم بثبوت التوحيد، وإلجائهم إلى الاعتراف بما يبطل
اعتقادهم .﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يجهلون إلزامهم بتلك الحجة . ﴿اللَّهِ مَا
فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، فلا يستحق العبادة فيهما غيره.
﴿هُوَ الْغَنِىُّ﴾ عن خلقه. ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد، المحمود في صنعه.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ أَقْلَهٌ﴾ أي ولو صارت جميع الأشجار
أقلاماً. وإنما قال ﴿ شَجَرَةٍ﴾ بالإفراد دون اسم الجنس الذي هو شجر، ليشمل
كل شجرة على حدة، حتى لا يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة، إلا قد
بريت أقلاماً. ﴿ وَاَلْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ أي والبحر المحيط يمده
بسعته مداداً، فاكتفى بذكر ﴿يَمُدُّهُ﴾ عن ذكر المداد؛ لأنه من مدَّ الدواة
وأمدّها . ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ أي معلوماته، بكتبها بتلك الأقلام بذلك
المداد ولا بأكثر من ذلك؛ لأن معلوماته تعالى غير متناهية. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا
يعجزه شيء . ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ خلقاً وبعثاً، أي كبعث

١٨٢
الزُ (٢١) - لَقْثَمَانٌ: ٣١ /٢٥-٣٢
نفس واحدة وخلقها، إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولأنه يتم بكلمة (كُنْ
فَيَكُونُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيْعٌ﴾ يسمع كل مسموع. ﴿بَصِيرُ﴾ يبصر كل مبصر، لا
يشغله إدراك شيء عن شيء. ﴿أَلَمّ تَرَ﴾ تعلم أيها المخاطب. ﴿يُولِجُ﴾ يدخل
الليل في زمن النهار وبالعكس، أي يضيف أحدهما إلى الآخر، فالله يزيد في
كل من الليل والنهار بما نقص من الآخر . ﴿كُلٌ يَجْرِىّ﴾ كل من الشمس
والقمر النيرين يجري في فلكه. ﴿إِلَىَ أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ معلوم مقدر، إلى نهاية دورة
الشمس السنوية، ودورة القمر الشهرية، أو إلى يوم القيامة. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِرٌ﴾ عالم بکنھه.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ
هُوَ اُلْحَقُّ﴾ بسبب أنه الثابت في ذاته، الواجب من جميع جهاته، أو الثابت
الألوهية. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ اَلْبَطِلُ﴾ أي وأن ما يعبدون من غيره هو
المعدوم في حدّ ذاته الذي لا يوجد، والزائل، أو الباطل الألوهية. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ المترفع على خلقه وعلى كل شيء بالقهر، والمتسلط عليه،
وهو العظيم.
﴿اَلْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿تَجْرِى﴾ تسرع. ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ بإحسانه في تهيئة
أسبابه وأنها تحمل الطعام والمتاع ونحوهما، وهو استدلال آخر على باهر قدرته
وكمال حكمته وشمول إنعامه. ﴿لِيُيَكُ﴾ أيها المخاطبون بذلك. ﴿مِّنْ.
ءَايَتِهٍِ﴾ دلائله. ﴿لَيَتٍ﴾ علامات وعبراً. ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ كثير الصبر على
المشاق وعن معاصي الله، فيتعب نفسه في التفكر في الآفاق والأنفس.
﴿شَكُورٍ﴾ لنعمته، يعرف النعم، ويتعرف مانحها، فإن الإيمان نصفان:
نصف صبر، ونصف شكر.
﴿َغَشِيَهُم﴾ علاهم وغطاهم. ﴿كَالظَّلَلِ﴾ كالظلال التي تظل من تحتها،
من جبال وسحاب وغيرها . ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلِينَ﴾ الدعاء بأن ينجيهم، أي لا

١٨٣
الجُزُ (٢١) - لَقْطَمَانٌ: ٣١ / ٢٥-٣٢
ج
يدعون معه غيره بسبب ما دهاهم من الخوف الشديد . ﴿مُّقْنَصِدٌ﴾ متوسط بين
الكفر والإيمان، أو مقيم على الطريق القصد الذي هو التوحيد لا يعدل عنه إلى
غيره، ومنهم باق على كفره. ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَئِنَآ﴾ ينكرها، ومنها الإنجاء من
الموج .(خَثَّارٍ﴾ غدار، فإنه نقض للعهد الفطري. ﴿كَفُورٍ﴾ شديد الجحود
للنعم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾: أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل
الكتاب رسول الله وَّر عن الروح، فأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحَ قُلِ الرُّوحُ
﴾ [الإسراء: ٨٥/١٧] فقالوا :
١٨٥
مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَآ أُوْقِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ﴿يُؤْتِى
اَلْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢/
٢٦٩]، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ الآية.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة:
﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فلما هاجر إلى المدينة أتاه أحبار يهود،
فقالوا: ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إيانا تريد
أم قومك؟ فقال: كلَّّ عَنَيتُ، قالوا: فإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان
كل شيء، فقال رسول الله وَسير: هي في علم الله قليل، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا
فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾.
وأخرج أبو الشيخ بن حيان الأنصاري في كتاب العظمة وابن جرير عن
قتادة قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا
فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآية.

١٨٤
لِلُ (٢١) - لقْتَمَانٌ: ٣١ /٢٥-٣٢
نزول الآية (٢٨):
﴿َّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ﴾: نزلت الآية في أبيّ بن خلَف وأبي بن
الأسدين، ومُنَّبِّه ونبيه ابني الحجاج ابن السباق، قالوا للنبي وَّر: إن الله تعالى
قد خلقنا أطواراً، نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عِظاماً، ثم تقول: إنا نُبعث خَلْقاً
جديداً جميعاً في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلََّّ
كَنَفْسِ وَحِدَةٍّ﴾.
المناسبة:
بعد إقامة الأدلة على وحدانية الله بخلق السماوات بغير عمد، وبإمداد
خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة، أبان الله تعالى أن المشركين معترفون بوجود
الله، وأنهم يتضرعون إليه وحده وقت الشدة، ثم يعودون إلى كفرهم بعد
النجاة. ثم أثبت تعالى وحدانيته بملكه ما في السماوات وما في الأرض، ثم
أقام الدليل على سعة علمه، وشمول قدرته على كل شيء، ومنه خلق الناس
وبعثهم، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر في دورة محددة،
وتسيير السفن في البحار بتيسيره وتهيئة أسبابه، علماً بأن المشركين يعترفون
بتلك الآيات.
۔
التفسير والبيان:
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي وتالله لئن
سألت هؤلاء المشركين بالله من قومك: من الذي خلق السماوات والأرض؟
لأجابوا: هو الله الخالق، فهم معترفون بأن الله خالق السماوات والأرض،
غير منكرين له، لوضوح الأمر، وعدم وجود البديل، بحيث اضطروا إلى
إعلان هذا الاعتراف بالله، ومع هذا فهم يعبدون معه شرکاء، يعترفون أنها
مخلوقة لله، ومملوكة له.

١٨٥
اِلُعُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /٢٥-٣٢
﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي قل أيها الرسول: الحمد لله
على اعترافكم، إذ قامت الحجة عليكم بالجائكم إليه، وأن دلائل التوحيد
واضحة، لا يكاد ينكرها أحد، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنه ينبغي ألا
يعبد مع الله غيره، وأن هذه الحجة تلزمهم، وتبين تناقضهم، وأنهم لم ينتبهوا
مع وجود هذا التنبيه.
وبعد انتزاع هذا الاعتراف الصريح بوجود الله وتوحيده، استدل الله تعالى
على ذلك بقوله:
أي لله جميع
٢٦
﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
ما في السماوات وما في الأرض مِلْكاً وخلقاً وعبيداً وتصرفاً، وليس ذلك
لأحد سواه، فلا يستحق العبادة غيره، لأنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير
إليه، وهم مملوكون له، محتاجون إليه، وهو المحمود في الأمور كلها، وعلى
نعمه التي أنعم بها، وعلى ما خلق وشرع.
ومنعاً لإيهام قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ تناهي ملكه بحصره
في الموجود في السماوات والأرض، أبان تعالى أن في قدرته وعلمه عجائب لا
نهاية لها، فقال:
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ
أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اَللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣) أي ولو أن جميع
أشجار الأرض جعلت أقلاماً، وجعل البحر مداداً (حِبْراً) وأمده سبعة أبحر
معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله، لتكسرت
الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدداً، إن الله قوي لا يعجزه شيء،
حكيم في صنعه، لا يخرج عن علمه وحكمته شيء، كامل القدرة، فيكون له
مقدورات لا نهاية لها.
وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر، كما لم يرد أن هناك

١٨٦
الزُعُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ / ٢٥-٣٢
سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم، والعرب تذكر السبعة والسبعين وسبع المئة،
وتريد بذلك الكثرة.
والخلاصة: إن الآية تخبر عن عظمة الله وكبريائه وجلاله وكلماته التامة
ومعلوماته وأسراره التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها
وإحصائها، كما قال النبي ◌َّر: ((سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما
أثنيت على نفسك)) فمعلوماته تعالى لا نهاية لها. ويكون المراد بكلمات الله:
معلوماته، وقيل: هي ما في المعدوم، دون ما خرج من العدم إلى الوجود(١) ..
ونظير الآية: ﴿قُل لَّوْ كَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ اٌلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ
[الكهف: ١٠٩/١٨] وليس المراد بقوله:
١٢٠٩
كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ ◌ِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا
بِمِثْلِهِ﴾ آخر مثل فقط، بل بأمثاله؛ لأنه مفرد مضاف فيعم، كما أن
كِمَتُ﴾ وإن كانت جمع قلة، تفيد هنا الكثرة؛ لأن جموع القلة إذا تعرفت
بالألف واللام غير العهدية، أو أضيفت، عَمَّت، وصارت لا تخص القليل،
والعام مستغرق جميع أفراده.
ولما بيَّن الله تعالى كمال قدرته وعلمه وأن كلماته ومعلوماته لا يحيط بها
أحد، أوضح أن هذا الخلق غير المنحصر قد أحاط به علماً، وأنه قادر على
البعث والمحشر كما قدر على الخلق أول مرة، فقال:
﴿َّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ (﴾﴾ أي
ما خَلْق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس
واحدة، الجميع هيِّن عليه، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ
٢: ٨٢/٣٦] وقال تعالى أيضاً: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَةُ
(AF)
كُنْ فَيَكُونُ
[القمر: ٥٠/٥٤] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة،
كَلَمْيِجِ بِالْبَصَرِ
(١) البحر المحيط: ٧/ ١٩٢
,

١٨٧
لِلُعُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٥-٣٢
فيكون ذلك الشيء، لا يحتاج إلى تكرار الأمر وتوكيده، وقال سبحانه: ﴿فَإِنّاً
﴾ [النازعات: ١٣/٧٩-١٤] فمن لا
هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿١٣) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ
نفاد لكلماته يقول للموتى: كونوا، فيكونوا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي كما أن الله سميع لأقوال عباده، بصير
بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته
على نفس واحدة.
وبعد بيان تسخيره تعالى ما في السماوات وما في الأرض، ذكر هنا بعض
ما فيهما على وجه الخصوص، بقوله: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ﴾ ثم ذكر بعض
ما في السماوات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ثم أردفه ببعض ما في
الأرض بقوله: ﴿أَلَمّ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾.
﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فيِ الَّيْلِ﴾ أي ألم
تشاهد أن الله في شأن تعاقب الليل والنهار، يزيد في زمن الليل على حساب
النهار في الشتاء، ويزيد في ساعات النهار على حساب الليل في الصيف،
فيأخذ من هذا ويضيفه إلى ذلك، فيطول أحدهما ويقصر الآخر.
﴿ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَقَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ أي ذلَّل النيرين لمصالح خلقه ومنافعهم، كل منهما يسير بسرعة إلى
غاية محدودة، أو إلى يوم القيامة، وأن الله مطلع بدقة على جميع أعمالكم من
خير وشر، ويجازيكم عليها، فهو الخالق العالم بجميع الأشياء.
ثم ذكر الله تعالى الهدف من بيان آياته فقال:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ
اَلْكَبِيرُ ﴾﴾ أي إنما يظهر الله لكم آياته، ویبین عجائب قدرته وحكمته،
لتستدلوا بها على أنه الحق، أي الموجود الثابت المستحق للعبادة، وأن كل ما

١٨٨
لُحُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٥-٣٢
سواه باطل زائل، فهو الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه؛ لأن جميع ما في
السماوات والأرض خلقه وعبيده، ولا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا
بإذنه وقدرته ومشيئته، وأن الله تعالى هو العلي الذي لا أعلى منه، المرتفع على
كل شيء، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، العظيم السلطان، فكل شيء
خاضع له.
وبعد ذكر الآيات السماوية الدالة على وجود الله تعالى وقدرته ووحدانيته،
ذكر آية أرضية، فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَتِهِ إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾﴾ أي ألم تعلم أيها المخاطب أيضاً أن الله
سخر البحر لتجري فيه السفن بأمره، أي بلطفه وإحسانه وتهيئة الأسباب،
ليرشدكم إلى معرفته، ويظهر لكم شيئاً أو بعضاً من قدرته، فإنه لولا ما جعل
في الماء من قوة يحمل بها السفن، لما جرت.
إن فيما ذكر من الأدلة السماوية والأرضية لأدلة واضحة وعلامات نيِّرة
لكل صبَّار (كثير الصبر) في الضراء، شكور في الرخاء؛ لأن المؤمن متذكر
ربه، فيصبر إذا أصابته نقمة، ويشكر إذا أتته نعمة، قال القر فيما رواه البيهقي
عن أنس، وهو ضعيف: ((الإيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في
الشكر».
ثم ذكر الله تعالى تناقض المشركين واضطرابهم من اللجوء إليه حين الضراء،
ونسيانه حال السراء، فقال:
﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْعٌ كَالظُّلَلِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ
فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِهَايَدِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارِ كَفُورٍ (﴾﴾ أي وإذا
أحدقت بهم مخاطر الأمواج العالية التي تشبه الجبال والغمام، رجعوا إلى
الفطرة، ودعوا الله دعاء حارّاً، مخلصين له الطاعة، لا يشركون به غيره،

١٨٩
لُُُ (٢١) - لقمانٌ: ٣١ /٢٥-٣٢
مستغيثين به وحده، فلما رحمهم ونجوا بفضله من الأهوال المحدقة، ووصلوا
إلى شاطئ البر والسلامة، فمنهم مقتصد في الكفر، منزجر بعض الانزجار،
متجه إلى توحيد الله، ومنهم غدّار ناقض للعهد، كافر بأنعم الله، وما يكفر
بآياتنا الكونية والقرآنية إلا كل كثير الغدر، كفور بما أنعم الله عليه.
ونظير الآية: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ﴾
[الإسراء: ٦٧/١٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
ا - لا يجد المشركون بداً عند سؤالهم عن خالق السماوات والأرض من
الإجابة بأنه هو الله تعالى، فهم يعترفون بأن الله خالقهن، فلِمَ يعبدون غيره؟!
فالحمد لله على ما هدانا له من دينه، وليس الحمد لغيره، ولكن أكثر هؤلاء
المشركين لا ينظرون ولا يتدبرون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، ودلت الآية
الثانية التي تلتها على أن جميع ما في السماوات والأرض لله ملكاً وخلقاً، وأن
الله هو الغني عن خلقه وعن عبادتهم، وإنما أمرهم بالعبادة لينفعهم، والله هو
المحمود في صنعه.
اً - دلت الآية الأخيرة: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم﴾ على اعتراف آخر من المشركين
بوجود الله ووحدانيته، فإنهم إذا تعرضوا لمخاطر الغرق بسبب اضطراب
البحر، وارتفاع الأمواج، لم يجدوا بديلاً غير الله للجوء إليه، فيدعونه
موحدين له، لا يدعون لخلاصهم سواه، فإذا ما نجوا من البحر، ووصلوا إلى
البر والأمان، فمنهم مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة، موفّ بما عاهد عليه
الله في البحر، ومنهم كافر، وقد دلّ على المحذوف قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ
بِعَايَئِنَآ إِلَّا كُلّ خَثَّارٍ كَفُورٍ﴾ أي لا ينكر دلائل الآيات على توحيد الله إلا

١٩٠
لزُ (٢١) - لقْغَمَانٌ: ٣١ /٢٥-٣٢
كل غدّار مغرق في الكفر، جحود للنعم، لا يشكرها، بل يتناساها ولا
یذکرها.
٣ - إن معاني كلام الله سبحانه لا تنفد، وإنها لا نهاية لها، ولا يمكن
حصرها ولا عدها، وقد دلنا على ذلك هذا البيان القرآني: وهو لو كانت
الأشجار أقلاماً، والبحار مداداً، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على
قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب؛ لأنه تعالى القديم الذي لا نهاية له
ابتداء وانتهاء، أما المخلوق فلا بدّ له من بداية ومن نهاية، والمقصود من
الكلمات: الكلام القديم، والمراد بالآية الإعلام بكثرة معاني كلمات الله،
وهي غير متناهية في نفسها، وإنما قرّب الأمر بهذا المثال لأفهام البشر بما
يتناهى؛ لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة؛ لا أنها تنفد بأكثر من هذه
الأقلام والبحور.
وإذا كانت معاني كلام الله لا نهاية لها، فعلم الله بحقائق الأشياء لا يمكن
حصره، وإنما هو واسع شامل.
والخلاصة: إن كلمات الله هي مقدوراته وعجائبه، أو معلوماته.
٤ - ما ابتداء خلق جميع البشر إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثهم يوم
القيامة إلا كبعث نفس واحدة؛ لأن الله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على
العباد، وخَلْقه للعالم كخلقه لنفس واحدة، وإن الله سميع لما يقولون، بصير بما
يفعلون.
٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي
اَلَيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ آية سماوية دالة على قدرة الله تعالى، وقوله:
﴿وَسَخَّرَ﴾ أي ذَلَّلهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال، وإتماماً للمنافع،
وجعل الطلوع والغروب في وقت محدد لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، وينتهي
وجودهما بانتهاء السماوات والأرض يوم القيامة.

١٩١
الُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
ومن قدر على هذه الأشياء، فلا بدّ من أن يكون عالماً بها، والعالم بها عالم
بأعمالكم. وقد فعل الله تعالى ذلك (الزيادة والنقص في الليل والنهار وتسخير
النيرين) لتعلموا وتقرّوا بأن الله هو الإله الحق، وأن ما عداه باطل زائل لا
وجود له ولا حقيقة له، وأن الله هو العلي في مكانته، الكبير في سلطانه.
أَ - قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى﴾ آية أرضية دالة على قدرة الله
تعالى، فهو الذي جعل الماء قادراً على حمل السفن، وسيّرها إما بالهواء، وإما
بتعليم الإنسان وإلهامه الاستفادة من الطاقة البخارية أو النفطية أو الذرية أو
الكهربائية لجريها السريع.
كل ذلك ليرينا الله تعالى بعض آياته، ويجعلنا نشاهد بعض مظاهر قدرته في
البحار، وفي ذلك علامات وعبر وعظات لكل صبّار على قضاء الله، شكور
على نعمائه، قال رَّيه في الحديث المتقدم تخريجه: ((الإيمان نصفان: فنصف في
الصبر، ونصف في الشكر)). وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر
نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
الأمر بتقوى الله وبيان مفاتح الغيب
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ
جَازٍ عَن وَالِهِ، شَيْئًا إِنَ وَعْدَ اللّهِ حَقٌ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا
إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَرِفُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا
يَغُرَنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيٌِّ
٣٤
القراءات:
وَيُنَزِّلُ﴾: وقرئ:

١٩٢
المُحُ (٢١) - لقْشَانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
١- (ويُنَزِّل) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم.
٢- (ويُنْزِل) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
(وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا﴾ ﴿يَوْمًا﴾ منصوب على أنه مفعول ﴿وَأَخْشَوْاْ﴾ ولا يجوز أن
يكون ظرفاً؛ لأنه يصير الأمر بالخشية في يوم القيامة، ويوم القيامة ليس بيوم
تكليف، وإنما هو يوم الجزاء.
﴿ وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ﴾ مرفوع معطوف على ﴿وَالِدِهِ﴾ المرفوع الذي هو
فاعل ﴿يَجْزِى﴾ و﴿هُوَ﴾ تأكيد لما في ﴿مَوْلُودُ﴾ من الضمير، ولا يجوز أن
يكون ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل؛ لأن الفصل لا يدخل بين النكرتين.
﴿مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ﴿مَّاذَا﴾ منصوب بـ ﴿تَكْسِبُ﴾ لا بـ﴿ تَدْرِى﴾
لأن الاستفهام ينتصب بما بعده لا بما قبله، هذا إذا جعل (ما وذا) بمنزلة
شيء واحد؛ فإن جعلا بمنزلة كلمتين، وجعلا بمنزلة (الذي) وجعل موضع
﴿مَّاذَا﴾ مرفوعاً، لم يجز نصبه بـ (تَدْرِى﴾ لما ذكر، وإنما نحكم على موضع
الجملة بالنصب بدخوله عليها.
المفردات اللغوية:
﴿أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ خافوا عقابه . ﴿لَا يَجْزِى﴾ لا يقضي فيه، أو لا يغني.
﴿ وَلَا مَوْلُوُدُّ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ﴾ إن تغيير النظم بين ﴿يَجْزِى﴾ و﴿جَارٍ﴾
للدلالة على أن المولود أولى بألا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن
ينفع أباه الكافر في الآخرة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي وعده بالبعث وبالثواب
والعقاب صدق لا يمكن إخلافه. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ﴾ فلا تخدعنكم. ﴿ وَلَا
يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ﴾ في حلمه وإمهاله. ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان وكل ما غرّ الإنسان
من مال وجاه، والشيطان يرجّي بالتوبة والمغفرة، فيجسّر على المعاصي.

١٩٣
الجُزُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ علم وقت قيام القيامة. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ بوقت يعلمه.
﴿مَا فِ الْأَرْحَاءِ﴾ من الذكورة والأنوثة، والتمام والنقص، والحياة والموت،
وغير ذلك من خواص الجنين وأحواله وأعراضه . ﴿مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من
خير أو شر، وتنفيذ العزم على شيء وخلافه . ﴿بِأَتِّ أَرْضِ تَمُوتُّ﴾ أي كما لا
تدري في أي وقت تموت، والله يعلمه وحده. ﴿عَلِيمُ﴾ بكل شيء، يعلم
الأشياء كلها . (خَبِيْرٌ﴾ يعلم الباطن والظاهر.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية
هو الحارث بن عمرو (١)، فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد، وبلادنا
تُجْدِبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمتُ متى وُلدتُ فأخبرني متى أموتُ؟
فأنزل الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد ذكر دلائل التوحيد من أول السورة إلى آخرها، أمر الله تعالى بتقوى
الله والخوف منه، والخشية من يوم القيامة؛ لأنه تعالى لما كان واحداً أوجب
التقوى البالغة، وأنذر الناس يوم المعاد، وأخبر بأنه حق كائن، ثم أردفه
ختاماً للسورة ببيان ما استأثر الله بعلمه، وهي مفاتح الغيب الخمسة؛ لأنه
بعد هذا الإنذار كأن قائلاً قال: فمتى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن العلم بهذه
الأمور لا يحصل لغير الله، ولكن يوم المعاد كائن لا بدّ منه، وإن لم يعلم
الناس وقته، والله قادر عليه.
(١) في رواية قتادة: اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة.

١٩٤
الزُ (٢١) - لَقْضَمَانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
التفسير والبيان:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَذِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ
جَازٍ عَن وَالِهِ شَيْئًا﴾ أي يا أيها البشر من كفار ومؤمنين خافوا الله الذي
خلقكم ورزقكم، وسخر لكم هذا الكون، واحذروا عقابه، واخشوا يوماً
شديد الهول هو يوم القيامة الذي لا يغني فيه والد عن ولده، فلو أراد أن
يفديه بنفسه لما قبل منه، ولا مولود هو مغن عن والده أو نافع والده شيئاً،
فلو أراد فداء والده بنفسه، لم يقبل منه، إذ لا يستطيع أحد أن يشفع بأحد إلا
بإذن الله، ولا جدوى عند الله إلا بالعمل الصالح الحاصل في الحياة الدنيا.
ثم أخبر الله تعالى عن حدوث هذا اليوم حتماً، فقال:
﴿إِنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي إن وعد الله بالبعث وبالثواب والعقاب أمر
ثابت مؤكد حصوله، ولا شك فيه، ولا خُلْف لوعده.
ومقتضى التخويف الإعداد لهذا اليوم وترك التعلق بالدنيا، فقال تعالى:
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي لا
تخدعنكم زينة الدنيا، فتطمئنوا فيها، وتميلوا إليها، تاركين الاستعداد
للآخرة، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله وإمهاله، فيعدكم بالمغفرة، ويحملكم
على المعصية بتزيينها لكم، وينسيكم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ
وَيُمَنِّيِهِمِّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
﴾ [النساء: ١٢٠/٤].
وفي الآية دلالة واضحة على أن الدنيا غرّارة بزخارفها ومتاعها، وأن
الشيطان بوساوسه يقوي هذا الغرور بالدنيا، لصرف الناس عن الآخرة
والتزود لها بصالح الأعمال.
وقيل: الغَرور: الدنيا، وقيل: تمني المغفرة في المعصية، والأماني الباطلة
برحمة الله واعتماده على شفاعة شافع أو كونه مسلماً محباً الله ورسوله بقلبه دون

١٩٥
الْجُرُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
عمل، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرة بالله: أن يتمادى الرجل في
المعصية، ويتمنى على الله المغفرة. وقد ردّ القرآن على هذه التمنيات بقوله
تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ اُلْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،
﴾ [النساء: ١٢٣/٤].
وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا.
ثم ذكر الله تعالى مفاتح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها
أحد إلا بعد إعلام بها، فقال:
اً - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ﴾ أي إن علم وقت الساعة (أي القيامة)
مختص بالله سبحانه، فلا يعلم أحد بوقته سواه، لا مَلَك مقرَّب، ولا نبي
مرسل، كما قال: ﴿لَا يُحَلِّيَهَا لِوَقْنِهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧/٧].
أَ - ﴿وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ أي ويختص تعالى أيضاً بمعرفة وقت إنزال المطر
ومكانه المعين، لا يعلمه إلا الله، فإن أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك،
ومن يشاء الله من خلقه.
وأما نشرة الأرصاد الجوية في أيامنا فتعتمد على بعض الحسابات
والأمارات، وما ترصده بعض الأجهزة المخصصة لمعرفة نسبة الرطوبة وسرعة
الرياح، فليس ذلك غيباً، وإنما هو تخمين وظن، قد يحدث نقيضه، كما أن
معرفته تكون قبل مدة قريبة، يلاحظ فيها اتجاهات الرياح والمنخفضات الآتية
من الشمال أو من الغرب مثلاً.
◌َ - ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ﴾ أي لا يعلم أحد إلا الله ما في الأرحام من
خواص الجنين وأحواله العارضة له من طبائع وصفات وذكورة وأنوثة، وتمام
خِلقة ونقصها، فإن توصل العلماء بسبب التحليل الكيميائي كون الجنين ذكراً
أو أنثى، فلا يعني ذلك غيباً، وإنما بواسطة التجربة، وتظل أحوال أخرى

١٩٦
الزُعُ (٢١) - لقضَمَانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
كثيرة مجهولة للعلماء، لا تعلم إلا بعد الولادة. قال القرطبي: وقد يعرف
بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك(١).
٤ - ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدًا﴾ أي لا تعلم نفس ماذا تكسب
في الغد من خير أو شر في دنياها وأخراها.
٥ - ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضِ تَمُوتُ﴾ أي وما تعلم نفس موضع موتها،
في بلدها أو غيرها من بلاد الله، لا علم لأحد بذلك.
روي أن مَلَك الموت مَرَّ على سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه،
يديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟ قال: مَلَك الموت، فقال: كأنه
يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثم قال
ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجباً منه؛ لأني أُمرت أن أقبض
روحه بالهند وهو عندك.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي إن علم الله غير مختص بهذه الأمور الخمسة،
بل هو عليم مطلقاً بكل شيء، وليس علمه علماً بظاهر الأشياء فحسب، بل
خبير علمه، يعلم بواطن الأمور وظواهرها.
ويلاحظ أنه جعل العلم الله في قوله: ﴿عِلْمٌ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ﴾ والدراية للعبد في
قوله: ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ﴾ لما في الدراية من معنى الختل والحيلة؛ والمعنى: أنها
لا تعرف وإن أعملت حيلها.
﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اُلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى
ونظير الآية:
الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا
[الأنعام: ٥٩/٦].
رَطْبٍ وَلَا يَبِسِ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ
(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٢

١٩٧
اْلُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٣٣-٣٤
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله وَالر قال: ((مفاتيح
الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ
وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَحْكُسِبُ غَدًَّ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَقِ
((
٣٤
أَرْضِ تَمُونُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيٌِّ
ويلاحظ أن هذه الأمور الخمسة تشتمل على الدليلين المكررين في القرآن
لإثبات البعث:
أحدهما - إحياء الأرض بعد موتها، حيث قال تعالى هنا: ﴿وَيُنَزِّفُ
اَلْغَيْثَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى
اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَى﴾ [الروم: ٥٠/٣٠] وقال تعالى: ﴿وَيْحِى
اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩/٣٠].
والثاني - الْخَلْق ابتداء، حيث قال هنا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ﴾ وقال في
موضع آخر: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠] وقال:
﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقِّ ثُمَّ اُللَّهُ يُنِشِئُ النَّشْأَةَ
اَلْآَخِرَةُ﴾ [العنكبوت: ٢٠/٢٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - وجوب الخوف من الله تعالى وتوحيده، وخشية يوم المعاد الذي لا بدّ
من حصوله.
أَ - البعد عن الاغترار بزينة الحياة وزخارفها، والاتكال عليها والركون.
إليها، وترك العمل للآخرة.

١٩٨
الزُعُ (٢١) - لقمانٌ: ٣١ /٣٣-٣٤
ـَّ - إن الدنيا غرارة، وإن الشيطان يغرُّ الناس ويمنِيهم الدنيا ويلهيهم عن
الآخرة، فيصبح الإنسان مغروراً يعمل بالمعصية ويتمنى بالمغفرة !!
٤ - لا يعلم أحد إلا الله تعالى بأمور خمسة: هي وقت الساعة، ووقت
إنزال الغيث ومكانه، وعلم ما في الأرحام من أحوال الجنين وأوصافه
العارضة له، وأعمال المستقبل القريب والبعيد، ومكان وفاة الإنسان.
قال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملَك
مقرَّب، ولا نبي مرسل؛ فمن ادّعى أنه يعلم شيئاً من هذه فقد كفر بالقرآن؛
لأنه خالقه ..
أما الأنبياء فيعلمون كثيراً من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. وبذلك يبطل
كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء(١) عالمين بالغيبيات.
(١) الأنواء: جمع نوء: وهو سقوط نجم في المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر من المشرق
يقابله في ساعته، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها.

١٩٩
الُعُ (٢١) السورة (٣٢) التَجَدَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُؤَدَّةُ السَّجْدَةِ
مكية، وهي ثلاثون آية
تسميتها وفضلها:
سميت سورة السجدة لما فيها من وصف المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى
ويسبحونه عند سماع آيات القرآن العظيم: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِشَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا
ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
١٥
[السجدة: ٣٢ / ١٥].
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي وَّ يقرأ
في الفجر يوم الجمعة ﴿الّ ﴾ تَزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾.
[الإنسان: ١/٧٦].
وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي ◌َّ لا ينام حتى
يقرأ ﴿الَّمَّ جَ تَزِيِلُ﴾ السجدة، و﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ﴾ [الملك: ١/٦٧].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة لقمان من ناحية اشتمال كل
منهما على أدلة التوحيد وهو الأصل الأول للعقيدة، وبعد أن ذكر الله تعالى في
السورة المتقدمة الأصل الثاني وهو الحشر أو المعاد، وختم تلك السورة بهذين

٢٠٠
الُ (٢١) السورة (٣٢) التَجَدَة
الأصلين، بدأ هذه السورة ببيان الأصل الثالث وهو الرسالة أو النبوة، فقال
· تَزِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
تعالى: ﴿الد@
كذلك تعد بعض آيات هذه السورة شرحاً وتفصيلاً للسورة السالفة، فقوله
تعالى هنا: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾
[السجدة: ٥/٣٢] توضيح لقوله تعالى في بيان مفاتح الغيب هناك: ﴿إِنَّ اللَّهَ
عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١].
وقوله سبحانه هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ اُلْجُرُزِ﴾
[السجدة: ٢٧/٣٢] تفصيل لقوله هناك: ﴿وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١].
وقوله هنا: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧/٣٢] شرح لقوله
هناك: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١].
وقوله هنا: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥/٣٢] شرح
لقوله هناك: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤/٣١].
وقوله هنا: ﴿ وَقَالُواْ أَهِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ
يَّهِمْ كَفِرُونَ
قُلْ يَنَوَقَّنَكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
تُرْجَعُونَ (﴿٤﴾ [السجدة: ١٠/٣٢- ١١] إيضاح لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَقِّ
أَرْضِ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١].
موضوعها:
موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية وهو إثبات أصول
الاعتقاد: ((الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والرسل والبعث والجزاء))
ومحور الكلام إثبات (البعث) بعد الموت الذي أنكره المشركون والماديون،
واتخذوه سبباً لتكذيب النبي قل﴾.