النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الُُ (٢١) - لقتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
لقد وصيناه، أي أمرناه وعهدنا إليه بالشكر لي أي لله على نعمتي عليك،
وبالشكر للوالدين؛ لأنهما سبب وجودك، ومصدر الإحسان إليك بعد الله
تعالى. وقوله تعالى: ﴿أَنِ أَشْكُرْ لِ﴾ لبيان علة الوصية أو وجوب امتثالها،
و﴿أَنْ﴾ هنا في رأي الزمخشري تفسيرية، والجملة بيان لفعل التوصية، إذ هو
متضمن معنى القول، أي قلنا له: ﴿أَشْكُرْ لِ﴾.
وكذا علة الأمر بطاعة الله وطاعة الأبوين أو السبب فيه: هو أن المصير أو
المرجع إلى، فسأجزيك على ذلك أوفر الجزاء في الآخرة. وهذا تهديد وتخويف
من عاقبة المخالفة والعقوق والعصيان، كما هو وعد بالجزاء الحسن على امتثال
أمر الله وطاعته وبرّ الوالدين وصلتهما.
وهذه الآية وما بعدها من كلام لقمان الذي وصى به ابنه، أخبر الله عنه
بذلك، فلما بيَّن لقمان لابنه أن الشرك ظلم ونهاه عنه، كان ذلك حثّاً على
طاعة الله، ثم بيّن أن الطاعة تكون للأبوين، وبيَّن السبب في ذلك.
وقيل: هو من كلام الله قاله للقمان، أي قلنا له: ﴿أَشْكُرْ﴾، وقلنا
له: ﴿وَوَصَّيْنَا﴾، وقيل: هذه الآية اعتراض بين وصية لقمان تؤكد النهي عن
الشرك، قال القرطبي: والصحيح أن هذه الآية وآية العنكبوت السابقة:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨/٢٩] نزلتا في شأن سعد بن أبي
وقاص وأمه منة بنت أبي سفيان بن أمية التي حلفت ألا تأكل حتى يرتد
سعد، وعليه جماعة من المفسرين(١). والمختار عند المفسرين أن هذه الآية إلى
آخر الآيتين بعدها كلام مستأنف من الله تعالى، جاء معترضاً بين وصايا
لقمان لابنه، تأكيداً للنهي عن الشرك.
ثم قَيَّد الله طاعة الأبوين مستثنياً حقوقه تعالى، فقال:
(١) تفسير القرطبي: ٦٣/١٤، البحر المحيط: ١٨٦/٧ وما بعدها.

١٦٢
لُُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /١٢-١٩
﴿ وَإِن جَهَدَالَ عَلَىَّ أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي
وإن ألَّ والداك في الطلب، وحرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما في
دينهما، وتشرك بي في عبادتي غيري مما لا تعلم أنه شريك لي، فلا تقبل منهما
ذلك، ولا تطعهما فيما أمراك به من الشرك أو المعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق
في معصية الخالق. والمراد بنفي العلم نفي الشريك، أي لتشرك بي ما ليس
بشيء وهي الأصنام.
﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِثُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا يمنعك عدم طاعتك لأبويك في الشرك
والمعصية من أن تصاحبهما في الدنيا بالمعروف، بأن تحسن إليهما، فتمدهما
بالمال عند الحاجة، وتطعمهما وتكسوهما، وتعالجهما عند المرض، وتواريهما
عند الموت في القبور، وتبرّ صديقهما، وتفي بعهدهما. وقوله: ﴿مَعْرُوفًا﴾ أي
اصطحاباً معروفاً على مقتضى الكرم والمروءة، أو مصاحباً حسناً بخلق جميل،
وحلم واحتمال، وبرّ وصلة.
وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ تهوين شأن الصحبة، فهي لأيام محدودة، وسنوات
معدودة، سريعة الزوال والانقضاء. والمعروف هنا: ما يعرفه الشرع
ويرتضيه، وما يقتضي به الكرم والمروءة في إطعامهما وكسوتهما والإحسان
إليهما في القول والفعل.
وإياك والمحاباة في شأن الدين، فالزم سبيل المؤمنين التائبين في دينك، ولا
تتبع في كفرهما سبيلهما فيه، وإن كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا.
ثم إليّ مرجعك ومرجعهما، فأجازيك على إيمانك، وأجازيهما على
كفرهما، وأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر. والجملة مقررة لما
قبلها ومؤكدة لوجوب الإحسان إلى الوالدين وبرهما وطاعتهما في غير معصية.
ثم أخبر تعالى عن بقية وصايا لقمان الحكيم النافعة، ليمتثلها الناس
ويقتدوا بها، فقال:

١٦٣
الخُعُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
أَ - ﴿يَبْنَىَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ
السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾﴾ أي يا ولدي،
إن الحسنة والسيئة أو المظلمة والخطيئة، لو كانت تساوي وزن أو مثقال حبة
خردل، ولو كانت في أخفى مكان كجوف صخرة، أو في أعلى مكان
كالسماوات، أو في أسفل موضع كباطن الأرض، لأحضرها الله يوم القيامة
حين الحساب، ووزن الأعمال، والمجازاة عليها خيراً أو شراً، كما قال
تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:
وَمَن
٤٧/٢١] وقال سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة: ٧/٩٩-٨]. وقوله: ﴿فَتَكُنْ فِىِ
صَخْرَةٍ﴾ يراد به المبالغة والانتهاء في التفهيم.
إن الله لطيف العلم، يصل علمه إلى كل شيء خفي، فلا تخفى عليه
الأشياء، وإن دقت ولطفت وتضاءلت، خبير عالم بكنه الأشياء، يعلم ظواهر
الأمور وبواطنها.
والمقصود من الآية بيان سعة علم الله، فهو يعلم الغيب والشهادة، ويطلع
على جميع أعمال عباده، لموافاتهم بجزائها يوم القيامة.
أَ - ﴿يَبْنَىَّ أَقِمِ الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٣) أي بعد أن منعه من الشرك، وخوفه
بعلم الله وقدرته، أمره بصالح الأعمال اللازمة للتوحيد وهي الصلاة أي
العبادة لوجه الله مخلصاً، وإقامتها أي أداؤها كاملة بحدودها وفروضها
وأوقاتها، وهي عماد الدين، ودليل الإيمان واليقين، ووسيلة القربى إلى الله
وتحقيق رضوانه، كما أنها تساعد على اجتناب الفحشاء والمنكر، وصفاء
النفس.
والأمر بالمعروف أي أمر النفس والغير بما هو معروف شرعاً وعقلاً،

١٦٤
لِلُعُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
كمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، مما يهذب النفس ويدعو إلى التحضر
لتمدن، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَنُهَا
[الشمس: ٩١ /٩-١٠].
١٠٦
والنهي عن المنكر، أي منع النفس والآخرين من المعاصي والمنكرات
المحرَّمة شرعاً والقبيحة عقلاً، والتي تغضب الله، وتوجب عذاب جهنم.
والصبر على الأذى والشدائد والأوامر الإلهية، فإن الآمر بالمعروف،
والناهي عن المنكر يؤذى عادة، فطلب منه الصبر. وقد بدئت الوصايا
بالصلاة؛ لأنها عماد الدين وختمت بالصبر؛ لأنه أساس المداومة على
الطاعات، وعماد رضوان الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ﴾
[البقرة: ٤٥/٢].
﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اٌلْأُمُورِ﴾ أي إن ذلك المذكور مما أمر الله به ونهی عنه،
ومنه الصبر على أذى الناس، لمن الأمور الواجبة المعزومة، أي المقطوعة قطع
إيجاب وإلزام(١)، ويكون المصدر ((عَزْم)) بمعنى المفعول.
وبعد أمره بما يكمل نفسه وغيره، نهى عن أشياء وحذر من أشياء، فقال:
أَ - ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي لا تُعْرِضْ بوجهك عن الناس إذا
كلموك تكبراً واحتقاراً، والمعنى: لا تتكبر فتحتقر عباد الله، ولا تتكلم وأنت
معرض، بل كن متواضعاً سهلاً هيناً ليناً منبسط الوجه، مستهل البشر، كما
جاء في الحديث النبوي الذي رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري: ((لا تَحْقِرِنَّ من
المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال
الإزار، فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله)).
(١) ومنه الحديث: ((لا صيام لمن لم يَعْزم الصيام من الليل)) أي لم يقطعه بالنية، ومنه الحديث
الآخر: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يجب أن يؤخذ بعزائمه)).
٦٠

١٦٥
لُعُ (٢١) - لِقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
أَ - ﴿ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي لا
تسر في الأرض مختالاً بَطِراً متبختراً، جباراً عنيداً، فإن تلك المِشْية يبغضها
الله، والله یکره كل مختال معجب في نفسه، فخور على غيره، كما قال تعالى :.
﴿وَلَا تَمْشِ فِ اُلْأَرْضِ مَرَحَاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِبَالَ تُطُولًا
[الإسراء: ٣٧/١٧]. وقال وسلم فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة)
عن ابن عمر: ((من جَرَّ ثوبَه خُيَلاءَ، لا ينظر الله إليه يوم القيامة)). والفخور:
هو الذي يعدد ما أُعطِي، ولا يشكر الله تعالى. وروى ابن أبي الدنيا عن أنس
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقوله: ((طوبى للأتقياء الأثرياء الذين إذا
حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح مجردون من كل فتنة
غبراء مشتتة)) وروى أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال:
(ربّ ذي ◌ِمْرين لا يُؤْبه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني
أسألك الجنة، لأعطاه الله الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئاً)).
وروى يحيى بن جابر الطائي عن غُضَيف بن الحارث قال: جلست إلى
عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع
فيه، فيقول: يا ابن آدم، ما غَرَّك بي! ألم تعلم أني بيتُ الوَحْدة! ألم تعلم
أني بيت الظلمة! ألم تعلم أني بيت الحق! يا ابن آدم ما غَرَّك بي! لقد كنت
تمشي حولي فَدَّاداً (مختالاً متكبراً).
◌َ - ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ﴾ أي امش مشياً متوسطاً عدلاً، ليس بالبطيء
المتثبّط المتماوت الذي يظهر الضعف تزهداً، ولا بالسريع المفرط، الذي يثب
وثب الشيطان، قال رسول الله وَ 18مل فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي
هريرة، وهو ضعيف: ((سرعة المشي تُذهب بهاء المؤمن))، وأما قول عائشة في
عمر رضي الله عنهما: ((كان إذا مشى أسرع في مِشْيته)) فالمراد السرعة التي
تتجاوز دبيب المتماوتين. وقد رأى عمر رجلاً متماوتاً، فقال له: ((لا تُتْ
علينا ديننا، أماتك الله)) ورأى رجلاً مطأطئاً رأسه، فقال له: ((ارفع رأسك،
فإن الإسلام ليس بمريض)).

١٦٦
لُحُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
٤- ﴿ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَّ إِنَّ أَنَكَرَ اْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أي لا ترفع
صوتك فيما لا فائدة فيه، واخفضه، فإن شدة الصوت تؤذي آلة السمع،
وتدل على الغرور والاعتداد بالنفس وعدم الاكتراث بالغير، واعتدال
الصوت أوقر للمتكلم، وأقرب لاستيعاب الكلام ووعيه وفهمه، وقد علّل
النهي عن رفع الصوت بأنه يشبه صوت الحمير في علوّه ورفعه، وإن أقبح
الأصوات لصوت الحمير، وهو بغيض إلى الله تعالى، والسبب أن أوله زفير
وآخره شهیق.
وفيه دلالة على ذمّ رفع الصوت من غير حاجة؛ لأن التشبيه بصوت الحمار
يقتضي غاية الذمّ، وقد ورد في السّنة أيضاً ما يدل على التنفير منه، روى
الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَ ل قال: ((إذا
سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير،
فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطاناً)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
ا - إن الشرك بالله أو اتخاذ عبد من عباده أو صنم من الأصنام شريكاً في
العبادة مع الله ظلم عظيم، بل هو أعظم الظلم، لما فيه من الافتئات على
الخالق الرازق، وسخف هذا الاعتقاد، وخلوه من أي فائدة للمشرك. وقد
حققت وصية لقمان لابنه هدفها، فقد ورد في التفسير أن ابنه كان مشركاً،
فوعظه وكرّر الوعظ علیه حتى أسلم.
أَ - برّ الوالدين وطاعتهما في معروف غير معصية فرض واجب على
الإنسان، مقابلة للمعروف بمثله، ووفاء للإحسان، وتقدير الفضل، واحترام
نظام الأسرة. وأمر الله بالإحسان إلى الوالدين عام في الوالدين المسلمين
والكافرين، وأن طاعة الوالدين على أي دين كانا واجبة.

١٦٧
اِلُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
غير أن طاعة الأبوين غير مطلوبة، بل هي حرام في ارتكاب معصية كبيرة
كالإشراك بالله، وترك فريضة عينية؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،
وتلزم طاعتهما في المباحات، وتندب الطاعة في ترك المندوبات ومنها الجهاد
الكفائي، وإجابة الأم في الصلاة النافلة إذا شقّ عليها الانتظار أو خيف
هلا کھا.
وتختصّ الأم بزيادة البرّ والطاعة لمعاناتها في سبيل تربية أولادها، وبما أنها
كما ذكرت الآية تعرضت لمراتب ثلاث من المشاق: الحمل، والرضاع،
والوضع، جعل لها ثلاثة أرباع المَرَّة، وللأب الربع، قال ◌َّ لرجل سأله
فيما رواه البخاري وغيره: ((من أبرُّ؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك،
قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)).
◌َّ - أقصى مدة الرضاع في أحكام النفقات والتحريم بالرضاع عامان،
وقصر مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم على عامين هو رأي العلماء غير أبي
حنيفة. ورأى أبو حنيفة أن مدة الرضاع المحرم ثلاثون شهراً لقوله تعالى:
وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرَّ﴾
واستنبط العلماء أيضاً أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من مجموع آيتين، قال
تعالى في آية: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ
الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢]، وقال في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ
شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥/٤٦].
٤ - الشكر لله على نعمة الإيمان وغيرها من النعم الكثيرة التي لا تعدّ ولا
تحصى، وللوالدين على نعمة التربية، قال سفيان بن عُيَيْنة: من صلَّ الصلوات
الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما.
٥ - آية ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا﴾ دليل على جواز صلة الأبوين
الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعوة إلى

١٦٨
الُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
الإسلام برفق. ويؤيده أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت للنبي وَّ فيما
رواه البخاري ومسلم - وقد قَدِمت عليها أمها من الرضاعة، أو خالتها -:
(يا رسول الله، إن أمي قدِمت علي، وهي راغبة، أفأصِلُها؟ قال: نعم)) قال
ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقْدُم على أسماء
لولا حاجتها.
ووالدة أسماء: هي قتيلة بنت عبد العُزّى بن عبد أسد. وأم عائشة وعبد
الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام.
ودلّ قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبُهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ على أن الولد لا يستحق
القصاص على أحد والديه، وأنه لا يحدّ له إذا قذفه، ولا يحبس له بدین علیه،
وأن على الولد نفقة والديه عند الحاجة.
أَ - قوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ﴾ المراد به العموم، كما هو
ج
ظاهر اسم الموصول، فهو وصية لجميع العالم، والمأمور الإنسان، وهي سبيل
الأنبياء والمؤمنين الصالحين. وأناب معناه: مال ورجع إلى الشيء، والمراد
هنا: تاب من الشرك، ورجع إلى الإسلام، واتبع النبي ◌َّ، ورجع إلى الله
بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، لا سبيل الوالدين اللذين يأمران بالشرك.
وهذا الأمر باتباع السبيل دليل على صحة إجماع المسلمين، وأنه حجة لأمر الله
تعالى إيانا باتباعهم، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾
[النساء: ١١٥/٤].
لاً - قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ توعد من الله عزّ وجلّ ببعث من
في القبور، والرجوع إليه للجزاء والإعلام بصغير الأعمال وكبيرها.
٨ - قوله تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ قصد به إعلام قدرة الله
تعالى، وتخويف منه ورجاء، فمهما تكن الحسنة أو الخطيئة أو الطاعات
والمعاصي مثقال حبة خَرْدَل يأْتِ بها الله؛ لأن الحِسّ لا يدرك ثقلاً للخردلة،
إذ لا ترجّح ميزاناً.

١٦٩
الجُرُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /١٢-١٩
وفشَر القرطبي الآية بأنه لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خَرْدَل في أي
مكان في العالم العلوي (السماوات) والسفلي (الأرض) جاء الله بها، حتى
يسوقها إلى من هي رزقه؛ أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء
الفرائض، وعن اتِّباع سبيل من أناب إلي. ومن هذا المعنى قول النبي ◌َّ
لعبد الله بن مسعود فيما رواه البيهقي في القدر، وهو ضعيف: ((لا تكثر
هَّك، ما قُدِّر يكن، وما تُرزَق يأتك)). وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى
قد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً؛ سبحانه لا شريك له.
ـة - في الآية تعظيم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهذا يشمل جميع الطاعات والفضائل، والحضّ على تغيير المنكر
والصبر، وإن نال الإنسانَ ضرر، وفيه إشعار بأن المغيِّر يؤذى أحياناً.
كما أن الصبر مندوب إليه عند التعرض لشدائد الدنيا كالأمراض
وغيرها، وعلى الإنسان ألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عزّ وجلّ، فإن من
حقيقة الإيمان الصبر على المكاره.
وإن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور، أي
مما عزمه الله وأمر به، وجعله من الأمور الواجبة.
· أَ- دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذََّ لِلنَّاسِ﴾ على تحريم التكبر، ومعنى
الآية: ولا تُلْ خدك للناس تكبراً عليهم، وإعجاباً بالنفس، واحتقاراً لهم،
وأقبل عليهم متواضعاً مؤنساً مستأنساً، وإذا حدّثك أصغر الناس، فأصغ إليه
حتی یکمل حديثه، كما كان يفعل النبي ێ.
والخلاصة: لا تدبر عن المتكلم، كما روى مالك عن أنس بن مالك أن
رسول الله وَ ل﴾ قال: ((لا تَبَاغَضُوا ولا تَدابَروا ولا تَحَاسَدوا، وكونوا عباد الله
إخواناً، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) فالتدابر والإعراض وترك
الكلام والسلام من المحظورات.

١٧٠
لُزُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩
راً - يحرم على الإنسان أن يمشي في الأرض متبختراً متكبراً، بل يحرم
التكبر في كل الحالات.
١٢ - يندب للإنسان القصد أي التوسط في المشي، وهو ما بين الإسراع
والبطء، فلا تَدِبّ دبيب الْتُماوتين، ولا تَئِبُ وَثْبَ الشيطان.
١٣ - كما يندب إليه عدم التكلف في رفع الصوت، والتكلم حسب الحاجة
والمعتاد، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلّف يؤذي، والمراد بذلك كله
التواضع.
وقد شُبِّه رفع الصوت الزائد عن الحاجة بصوت الحمير، والحمار ونُهاقه
مَثَل في الذمّ البليغ والشتيمة.
وفي الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة بقبح أصوات
الحمير؛ لأنها عالية.
والآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاوناً بهم، أو بترك
الصياح جملة، وقد نهى الله عنه؛ لأنه من أخلاق الجاهلية وعاداتها، فقد
كانت العرب تَفْخَر بجهارة الصوت الْجَهير وغير ذلك.
وتلك إشارة إلى التوسط في جميع الأفعال والأقوال.
والخلاصة: جمعت وصية لقمان بين فضائل الدين والآخرة ومكارم
الأخلاق في الدنيا، واشتملت تسعة أوامر، وثلاثة نواهٍ، وسبع علل أو
أسباب:
أما الأوامر: فهي الأمر ببرّ الوالدين، والشكر لله وللوالدين، ومصاحبة
الوالدين في الدنيا بالمعروف، واتباع سبيل الأنبياء والصالحين، وإقامة
الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والاعتدال في المشي،
وإخفاض الصوت.

١٧١
◌ِلُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٠-٢١
وأما النواهي: فهي النهي عن الشرك، والنهي عن تصغير الخد (الإعراض
عمن تكلم تكبراً) والنهي عن المشي مرحاً (اختيالاً وتبختراً).
والتعليلات أو الأسباب هي:
اً - ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾.
أَّ - ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾.
◌َّ - ﴿إِلَّ الْمَصِيرُ﴾، ﴿إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنِشُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾
٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾.
هَ - ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
أَ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
لاً - ﴿إِنَّ أَنْكَرَ اْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾.
توبيخ المشركين على الشرك
مع مشاهدة دلائل التوحيد
﴿أَمْ تَرَوْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اٌلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ
ظَاهِرَةَ وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِى اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِنٍَ
غُنِيرٍ فَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَاجَاءَنَأَ
أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
القراءات:
﴿نِعَمَهُ﴾: قرئ:

١٧٢
الجُرُ (٢١) - لِقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٠-٢١
١- (نِعَمَه) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (نِعْمةً) وهي قراءة الباقين.
﴿قِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي. وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
﴿نِعَمَهُ ظَهِرَةً﴾ أراد: نعم الله، جمع نعمة، و﴿ظَاهِرَةً﴾ حال. وقرئ:
نعمةً، ونعمته.
البلاغة:
﴿ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾ بينهما طباق.
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ إنكار وتوبيخ، مع الحذف، أي:
أيتبعونهم ولو كان الشيطان. إلخ ...
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ﴾ أي ألم تعلموا أيها المخاطبون أن
الله ذلّل لكم جميع ما في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب
وغير ذلك، بأن جعله أسباباً محصلة لمنافعكم . ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ بأن مكنكم
من الانتفاع به، كالثمار والأنهار والدواب والمعادن وما لا يحصى . ﴿ وَأَسْبَغَ﴾
أكمل وأوسع وأتّ . ﴿نِعَمَهُ﴾ جمع نعمة: وهي كل نفع قصد به الإحسان.
﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ محسوسة ومعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه، فالظاهرة:
كل ما يعلم بالمشاهدة كحسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: ما لا
يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلاً، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها،
ولا يهتدي إلى العلم بها !!

١٧٣
الزُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٠-٢١
﴿ وَمِنَ النَّاسِ﴾ بعض الناس كأهل مكة في صدر الإسلام. ﴿مَن يُحَدِلُ فِى
اللّهِ﴾ في توحيده وصفاته. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفاد من دليل أو بغير حجة. ﴿ وَلَا
هُدِّى﴾ أي ولا هداية من رسول. ﴿ وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ)) أنزله، بل بالتقليد. ﴿بَلّ
تَتَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَناً﴾ أي ما سار عليه الأسلاف، وهو منع صريح من
التقليد في الأصول كالاعتقاد. ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابٍ
السَّعِيرِ﴾ أي أيتبعونهم، ولو دعاهم الشيطان إلى موجبات عذاب جهنم، وهو
الإشراك أو التقليد، وجواب (لو) محذوف، أي لاتبعوه، والاستفهام للإنكار
والتعجيب.
المناسبة:
بعد أن استدل الله تعالى بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ على
الوحدانية وذكر أن لقمان عرف ذلك بالحكمة، لا بالنبوة، عاد إلى توبيخ
المشركين على إصرارهم على الشرك، مع مشاهدتهم دلائل التوحيد عياناً في
عالم السماوات والأرض، وتسخير ما فيها لمنافعهم، وإنعامه عليهم بالنعم
المحسوسة والمعقولة، المعروفة لهم وغير المعروفة.
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَيْكُمْ نِعَمَهُ
ظَهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ أي ألم تعلموا أيها الناس دلائل التوحيد الناطقة بوحدانية الله
سبحانه في كل شيء، وإنعامه عليكم، فهو الذي ذلل لكم جميع ما في
السماوات من شمس وقمر ونجوم، تستضيئون بها في الليل والنهار، وما خلق
فيها من سحاب ينزل منه المطر، لسقي الإنسان والحيوان والنبات، ويسر لكم
جميع ما في الأرض من قرار ومعادن، وأنهار وبحار، وأشجار وزروع، وثمار،
ونحو ذلك من المنافع الغذائية، وأكمل وأتم عليكم نعمه الظاهرة والباطنة أي
المحسوسة والمعقولة، المعروفة وغير المعروفة، ومنها إنزال الكتب وإرسال
الرسل، وإزالة الشُّبَه والعلل والأعذار.

١٧٤
الجُرُءُ (٢١) - لقْغَمَانٌ: ٣١ / ٢٠-٢١
وقيل: الظاهرة: الإسلام، والباطنة: الستر؛ قال النبي وَله لابن عباس -
وقد سأله عن هذه الآية -: ((الظاهرة: الإسلام وما حَسُنَ من خَلْقك،
والباطنة: ما ستر عليك من سيّئ عملك)).
وقيل: الظاهرة: ما يُرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس،
وتوفيق الطاعات؛ والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله، وحسن
اليقين، وما يُدْفع عن العبد من الآفات.
ومع هذا كله، ما آمن الناس كلهم، فقال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِى اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِنَبٍ مُّنِيرٍ﴾ أي
وبالرغم من ثبوت الألوهية بالخلق والإنعام، فهناك فريق من الناس يجادل في
توحيد الله وصفاته وإرساله الرسل، كزعماء الوثنية في مكة وغيرها، بغير
دليل معقول، ولا مستند أو حجة صحيحة على يد رسول، ولا كتاب مأثور
صحيح ينير الطريق الحق.
فقوله: ﴿بِغَيِّرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِنَبِ شُِّيرٍ﴾ معناه: لا من علم
واضح، ولا من هدىً أتاه من هادٍ، ولا من كتاب مبين واضح.
وإنما حجتهم الوحيدة هو التقليد الأعمى، واتباع الهوى والشيطان، لذا
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَآبَاءَنَأَ﴾ أي
وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من
الشرائع المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين فيما اعتقدوه من
دين. وهذا في غاية القبح، فإن النبي ◌ُّ يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق
والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم.
وهذا منع صريح من التقليد في أصول العقيدة، لذا وبخهم الله على سوء
مقالتهم فقال :

١٧٥
الُعُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ /٢٠-٢١
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي أيتبعونهم بلا دليل،
ولو كان اعتقادهم قائماً على الهوى وتزيين الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب
جهنم، والله يدعو إلى النجاة والثواب والسعادة؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ
كَانَ ءَابَآ ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠/٢] أي ولو كان
آباؤهم المحتجون بصنيعهم على ضلالة، فلا عقل عندهم ولا هداية معهم؟!
وهم خَلَف فيما كانوا فيه.
وهذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار، يتضمن التهكم عليهم،
وتسفيه عقولهم، والسخرية من آرائهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - الدليل على وحدانية الله الخلق والإنعام، فإنه خلق السماوات بما فيها
من شمس وقمر ونجوم وملائكة، وذللها للناس، جالبة لهم المنافع، وخلق
الأرض وما فيها من جبال وأشجار وثمار ومعادن وماء وهواء وبخار وذرة وما
لا يحصى، وكلها لنفع الإنسان. وأكمل النعم وأتمها على بني آدم، سواء كانت
ظاهرة مشاهدة محسوسة، كالصحة وكمال الخلقة والمال والجاه والجمال،
وشرائع الإسلام، أو معقولة مجردة كالمعرفة والعقل وحسن اليقين بالله تعالى،
وسواء كانت معروفة أو ستعرف علمياً مع تطور الاكتشافات العلمية المتجددة
في كل عصر.
◌َ - بالرغم من كثرة الأدلة الدالة على توحيد الله من الخلق والإنعام، فإن
فريقاً من الناس كالنَّصْر من الحارث وأُبَيّ بن خَلَف يجادلون أو يخاصمون في
التوحيد بغير حجة عقلية أو نقلية من سنة رسول أو بيان كتاب مضيء نیِّر،
وإنما الحجة هي الشيطان فيما يلقي إليهم، وإلا تقليد الأسلاف، كما قال
تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١/٦].

١٧٦
لِلُزُ (٢١) - لِقْغَمَانٌ: ٣١ / ٢٢-٢٤
٣ - إذا أُمر المشركون باتباع ما أنزل الله على رسوله من الآيات البينات
والشرائع المطهرة، لم يجدوا جواباً إلا التمسك بتقليد الآباء والأجداد، وبما
يزين لهم الشيطان من الوساوس والأهواء، فإنهم يتبعونه على ضلال.
سلامة منهج المؤمن وسوء طريقة الكافر
، وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُنْفَىِّ
وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ اْلْأُمُورِ ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنِّئُهُم
بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ
(٢٤)
غَلِيظٍ
القراءات:
﴿فَلاَ يَحْزُنِكَ)
وقرأ نافع (فلايُحْزِنك).
البلاغة:
﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ مجاز مرسل في ﴿وَجْهَهُ﴾ من قبيل إطلاق الجزء
وإرادة الكل.
﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُئِكَ
كُفْرُهُ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىُّ﴾ تشبيه تمثيلي، شبّه من تمسك بالإسلام
بمن أراد الصعود إلى قمة جبل، فتمسك بأوثق حبل، وحذف أداة التشبيه
للمبالغة.

١٧٧
الُزُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ / ٢٢-٢٤
﴿ وَإِلَى اللَّهِ عَلِقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر.
﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ استعارة الغلظ للشدة؛ لأنه إنما يكون للمادة الكثيفة،
فاستعیر للمعنى.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اَللَّهِ﴾ أي يفوض أمره إليه، ويقبل على طاعته،
ويخلص عبادته إليه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ متقن عمله. ﴿فَقَدِ اُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
اُلْوُثْقَىَّ﴾ تعلق بأوثق وأمتن ما يتعلق به، وهو الطرف الأوثق الذي يؤمن
انقطاعه، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن یترقى شاهق جبل،
فتمسك بأوثق ◌ُرا الحبل المتدلي منه . ﴿ وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأَمُورِ﴾ مرجعها؛ إذ
الكل صائر إليه.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ أي فلا يضرك في الدنيا والآخرة، ولا
ج
تهتم بكفره . ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي مصيرهم إلى الله في الدارين. ﴿فَنُنِّئُهُم بِمَا
عَمِلُواْ﴾ نجازيهم بأعمالهم بالإهلاك والتعذيب. ﴿عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي
بحديث النفس الكائن في الصدور كما أنه عليم بما في غيرها، فمجازٍ عليه.
﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ نمتعهم في الدنيا أيام حياتهم تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً، فإن
ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل. ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ نلزمهم في الآخرة. ﴿إِلَى
عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ثقيل عليهم، وهو عذاب النار، لا يجدون عنه محيصاً.
المناسبة:
بعد بيان حال الكافر المجادل في الله جهلاً وعناداً، أبان الله تعالى حال
المسلم، وأخبر بأن منتهى الأمور صائرة إليه، ثم أردفه بإيناس الرسول وليه
على ما يلقاه من إعراض المشركين عن دعوته عناداً، وهددهم بالعقاب الشديد
في الدنيا والآخرة، مع التنبيه بأن عذاب الآخرة أشد وأثقل.

١٧٨
الزُزُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ /٢٢-٢٤
التفسير والبيان:
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىِّ
وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾﴾ أي من يخلص العبادة والعمل إلى الله، وينقاد
لأمره، ويتبع شرعه، مع إتقان عمله باتباع ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه
وزجر، فقد تمسك بالحبال الواثقة، أي تعلق بأوثق الوسائل الموصلة إلى
رضوان الله، وسيلقى الجزاء الحسن على عمله؛ لأن مصير المخلوقات كلهم إلى
الله، فيجازي المتوكل عليه، المخلص عبادته إليه أحسن الجزاء، كما يعاقب
المسيء بأشد العذاب.
ثم نصح الله رسوله بألا يهتم بكفر الكافرين، فقال:
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ: إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُقِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣)﴾ أي لا تغتم ولا تجزع على كفر الكافرين الذين كفروا بالله
ورسوله، ولا تهتم بهم، ولا تحزن عليهم، فإن مصيرهم إلينا يوم القيامة وفي
الدنيا، فنجازيهم بالإهلاك والعذاب، ولا تخفى عليه خافية منهم، ولا يخفى
عليه سرهم وعلانيتهم، فنخبرهم بما أضمرته صدورهم. وكلمة (من) تصلح
للواحد والجمع، فلهذا قال: ﴿كَفْرُهُ﴾ ثم قال: ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ وما بعده على
المعنى.
ثم بیَّن مدی مقامهم في الدنيا، فقال:
﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا فُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٤﴾ أي نجعلهم يتمتعون
في الدنيا بزخارفها تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً، ثم نلجئهم ونلزمهم بعذاب شاق
ثقيل شديد عليهم. والغلظ يكون في الماديات، واستعير للمعنى، والمراد
الشدة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن الناس في الآخرة فريقان: فريق في الجنة، وفريق في

١٧٩
الزُُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٥-٣٢
السعير، فمن أخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى، وأتقن عمله، بأن عَبَد الله
كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن ربَّه يراه، فهو من الناجين الذين أخذوا موثقاً
متيناً من الله أنه لا يعذبهم، ومنتهى الأمور كلها ومصيرها إلى الله تعالى.
ومن أنكر وجود الله أو أنكر وحدانيته فأشرك به غيره، فإن الله يجازيه،
والله عليم بكل ما أسرَّ العبد وأعلن.
وإن بقاء العالم في الدنيا قليل، فهم يتمتعون فيها مدة قليلة، ثم يساقون
ويلجؤون ويلزمون إلى عذاب شديد، هو عذاب جهنم.
إثبات وجود الله وسعة علمه
وشمول قدرته على البعث وكل شيء
﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
(٢٦
وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا
مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِيعُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ
وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَ أَجَلٍ مُسَمَّى
وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
أَلَمّ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ
الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِرُ
بِنِعْمَتِ اَللَّهِ لِيُرِيَكُمُ مِّنْ ءَايَتِهٍِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
وَإِذَا غَشِيَهُم قَّوْيُ كَلَظُلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِيْنَ فَمَّا نَُّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم
٣٢
◌ُّقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِهَايَدِنَآ إِلَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ
القراءات:
﴿ وَالْبَحْرُ﴾:

١٨٠
لِلْمُعُ (٢١) - لقْتَمَانٌ: ٣١ / ٢٥-٣٢
وقرأ أبو عمرو (والبحرَ).
﴿ يَدْعُونَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (تدعون).
﴿ بِنِعْمَتِ﴾:
رسمت بالتاء، فوقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي بالهاء.
ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
﴿ لَيَقُولُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وحذف واو الضمير
لالتقاء الساكنين.
﴿وَالْبَحْرُ﴾ الواو واو الحال، و﴿وَالْبَحْرُ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ والجملة حالية، وعامل الحال ما في ﴿أَقْلَهٌ﴾ من معنى
الفعل؛ لأن (أقلاماً) قام مقام (كاتبات) فكأنه قال: كاتبات والبحر يمده.
ومن قرأ بالنصب، فهو معطوف على (ما) أو منصوب بتقدير فعل يفسره
﴿يَمُدُّهُ﴾ وتقديره: يمد البحر يمده، مثل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ
﴾ [يس: ٣٩/٣٦] أي قدرنا القمر قدرناه.
١٣٩
كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ ﴿خَلْقُكُمْ﴾ مبتدأ، وكاف
(كَنَفْسٍ﴾ في موضع رفع خبر المبتدأ، وتقديره: ما خلقكم ولا بعثكم إلا
كبعث نفس واحدة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ولا يجوز أن
تعمل ﴿ما﴾ بسبب ﴿إِلَا﴾ لأنها تشبه (ليس) في نفي الحال، و﴿إِلَا﴾ تبطل
منها معنى النفي، وهو وجه الشبه الموجب للعمل، وإذا زال وجه الشبه
الموجب للعمل بطل العمل.