النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٦-٩ الأخلاق، والإيمان بعالم الغيب والشهادة، المنعم على عباده بالنعم الكثيرة الظاهرة والباطنة. إعراض الكافرين عن القرآن وإقبال المؤمنين عليه ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوَا أُوْلِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُمُهِينٌ ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَنَّ فِىّ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَّعِيمِ خَلِينَ فِهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِبُ الْحَكِيمُ القراءات: ﴿ لِيُضِلَ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (لَيَضِلّ). ﴿ وَيَتَّخِذَهَا﴾: قرئ: ١- (وَيَتَّخِذُها) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. ٢- (ويَتَّخِذَها) وهي قراءة الباقين. ﴿هُزُوًا﴾: قرئ: ١- (هُزُواً) وهي قراءة حفص. ٢- (هُزءاً) وهي قراءة حمزة وصلاً، وخلف وصلاً ووقفاً. ٣- (هُزؤاً) وهي قراءة الباقين. ١٤٢ لُ (٢١) - لَقْئَمَانٌ: ٣١ /٦-٩ ﴿أذنيْهِ﴾ : وقرأ نافع (أُذْنَيْه). الإعراب: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنصب عطفاً على ﴿لِيُضِلَ﴾ وبالرفع عطفاً على ﴿يَشْتَرِى﴾ أو على الاستئناف. وهاء ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ يعود على (السبيل) لأنها مؤنثة كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيٌ﴾ [يوسف: ١٠٨/١٢] وتذكّر كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنِ يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ اٌلْفِّ يَتَّخِذُوهُ ج سَبِيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦/٧]. وباء ﴿بِغَيْرِ عِلْمِ﴾ للحال، تقديره: ليضل عن سبيل الله جاهلاً. ﴿ وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ حال من ضمير ﴿ وَلَّى﴾ وكاف ﴿كَأَن لَّمْ﴾ في موضع نصب على الحال، تقديره: ولّ مستكبراً مُشْبهاً من في أذنيه وقر، وقوله: ( كَنَّ فِىّ أُذُنَيَّهِ﴾ حال أخرى أو بيان للحال الأولى. ﴿لَهُمْ جَنَّتُ﴾ مرفوع بالجار والمجرور؛ لوقوعه خبراً عن المبتدأ و﴿خَالِدِينَ) منصوب على الحال من هاء وميم ﴿لَهُمْ﴾. البلاغة: ﴿مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ استعارة تصريحية، شبه حاله بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ ﴿يَشْتَرِى﴾ لمعنى ((يستبدل)) بطريق الاستعارة. (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، وذکر فيه أداة التشبيه. ﴿فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أسلوب تهكم؛ لأن البشارة المستعملة في الخير استعملت في الشر تهكماً وسخرية. ١٤٣ لِلُعُ (٢١) - لقْغَمَانٌ: ٣١ /٦-٩ ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ﴿جَنَّتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ مراعاة الفواصل في الحرف الأخير، وهو السجع الحسن غير المتكلف. المفردات اللغوية: ﴿لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ ما يلهي منه عما يغني ويفيد من الحكايات والأساطير والمضاحك وفضول الكلام، وكتب الأعاجم، والجواري المغنيات. واللهو: كل باطل ألهى عن الحق والخير. وقد اشتريت تلك الملاهي بالفعل، والإضافة بيانية بمعنى ((من)) إن أراد بالحديث المنكر، وتبعيضية إن أراد به الأعم منه ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ليصرف الناس عن دين الله وهو طريق الإسلام، أو قراءة كتابه ﴿بِغَيْرِ عِلْمِ﴾ غير عالم بحال ما يشتريه، أو بالتجارة، حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن ﴿ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ ويتخذ السبيل سخرية مهزوءاً بها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ عذاب فيه غاية الإهانة؛ لإهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه. ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا﴾ القرآن ﴿وَلَّى مُسْتَكْبًا﴾ متكبراً لا يعبأ بها ﴿كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ مشابهاً حاله حال من لم يسمعها ﴿كَأَنَّ فِ أُذُنَّهِ وَقْرًا﴾ مشابهاً من في أذنيه صمم أو ثقل يمنع من السماع ﴿فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أعلمه بوقوعه في عذاب مؤلم لا محالة، وذكر البشارة تهكم به ﴿لَهُمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ﴾ أي لهم نعيم جنات، فعكسٍ للمبالغة ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي مقدراً خلودهم فيها إذا دخلوها ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان: الأول لنفسه، والثاني لغيره، أي وعدهم الله ذلك وحقه حقاً؛ لأن قوله ﴿لَهُمْ جَثَّتُ﴾ وعد، وليس كل وعد حقاً ﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلبه شيء، فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ الذي لا يضع شيئاً إلا في محله، ولا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته. ١٤٤ الُءُ (٢١) - لَقْتَمَارٌ: ٣١ /٦-٩ سبب النزول: نزول الآية (٦): أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ اُلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: نزلت في النضر بن الحارث اشترى قَيْنة (مغنية) وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام، إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه مُحمَّد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت. وقال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يخرج تاجراً إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدِّث بها قريشاً، ويقول لهم: إن محمداً وَل يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رُسْتُم واسفِنْديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن. المناسبة: بعد بیان أن القرآن کتاب حکیم یشتمل على آیات حکیمة، وبعد بیان حال السعداء المهتدين بهديه، المنتفعين بسماعه، بَيَّن الله تعالى حال الكفار الأشقياء التاركين له المشتغلين بغيره، وأعقبه بوعيدهم بالعذاب المهين المؤلم، وعطف عليه وعد المؤمنين به المقبلين على تلاوته، الملتزمين حدوده من أوامر ونواهٍ. التفسير والبيان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوَّا أُوْلَّكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾﴾ أي وهناك فريق من الناس يستبدل بالنافع الضار، وبالقرآن الشافي ما يتلهى به من الحكايات والأساطير وفضول الكلام، والمضاحك، والاستماع إلى غناء الجواري، كالنضر بن ١٤٥ الُرُ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ /٦-٩ الحارث الذي كان يشتري كتب الفرس ويحدّث بها الناس، ويقتني المغنيات لاجتذاب الشبان، وإغراء من أسلم حديثاً، لحمله على ترك الإسلام، وإضلاله عن دين الله وهو دين الإسلام، والصدّ عنه، واتخاذه هزواً وسخرية، جهلاً بخطورة ما يفعل من استبدال اللهو بقراءة القرآن، وأولئك وهم الموغلون في الكفر والضلال يحيق بهم عذاب بالغ الإهانة. وقوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ للتفرقة بين عذاب الكافر وعذاب المؤمن، فإن عذاب المؤمن للتطهير، فهو غير مهين، وأما عذاب الكافر فهو في غاية الإهانة، فكما استهان بآيات الله وسبيله أهين يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بضم الياء معناه لمخالفة الإسلام وأهله ومعاداتهم، واللام لام التعليل، أي ارتكب هذا الفعل من أجل الإضلال والصدّ عن سبيل الله. وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة، أي لتكون عاقبة أمره الإضلال، واتخاذ آيات الله هزواً وسخرية. ثم وصف الله تعالى هؤلاء المضلين بالإمعان في الضلال والكفر، وازدياد الإعراض والنفور عن دين الله، فقال: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَيَتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىّ أُذُنَّهِ وَقْرَّاً فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ أي إن من يشتري الحديث الباطل إذا تليت عليه آيات القرآن أدبر وأعرض عنها متكبراً، وتصامم عن سماعها، وإن لم يكن به صمم، كأنه ما سمعها، وكأن في أذنيه صمماً وثقلاً؛ لأنه يتأذى بها، ولا ينتفع منها، ولا أرب له فيها، فبشر هذا المعْرِض بعذاب يؤلمه يوم القيامة، كما تألم بسماع كتاب الله وآياته. وبعد بيان حال هؤلاء الأشقياء، ذكر الله تعالى مآل الأبرار السعداء في الدار الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ خَلِينَ فِيهَّا وَعْدَ ٨ ١٤٦ الُ (٢١) - لَقْنَمَارٌ: ٣١ /٦-٩ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي إن الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة من الائتمار بالأوامر الشرعية، واجتناب المحظورات والمناهي، لهم جنات يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسارّ من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب وغير ذلك من المتع مما لم يخطر لأحدهم ببال، وهم فيها مقيمون دائماً لا يظعنون، ولا يبغون عنها حولاً. وهذا كائن لا محالة؛ لأنه وعد الله الذي لا يخلف وعده؛ لأنه الكريم المنّان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيء. وهو العزيز القوي الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء، فلا ينجو منه مشرك ولا غيره، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين. ونحو موضوع الآيتين السابقتين قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤/٤١] وقوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الََّلِينَ إِلَّا خَسَارًا (٣)﴾ [الإسراء: ٨٢/١٧]. فقه الحياة أو الأحكام: اَ - إن من أعظم الجرائم الإعراض عن سماع القرآن كلام الله، وشغل الناس بسماع غيره من أنواع الكلام غير المفيد من القصص والأساطير والمضاحيك ونحو ذلك من ألوان اللهو والعبث، بقصد الإضلال والصدّ عن دين الله تعالى، ويستحق المعرض المتولي تكبراً عن القرآن عذاباً أليماً. أَ - استدل ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بقوله: ﴿لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ على منع استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب. وهذه الآية إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء ١٤٧ الْجُزُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /٦-٩ [النجم: ٦١/٥٣] والمنع منه. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ قال ابن عباس: هو الغناء، بالحِمْيَرِيَّة؛ اسمدي لنا، أي غنّي لنا. والآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤/١٧] قال مجاهد: الغناء والمزامير. روى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي ◌َلّر أنه قال: ((صوتان ملعونان فاجران أَنْهَى عنهما: صوت مزمار، ورنّة شيطان عند نغمة ومَرَح، ورَنَّة عند مصيبة لطم خدود، وشق جيوب)) وأخرج أبو طالب الغيلاني عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((بُعثت بكسر المزامير)) وأخرج ابن بِشْران عن ابن عباس أن النبي وَ ل قال: ((بُعثت بهدم المزامير والطبل)) وروى ابن المبارك عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله وَير: ((من جلس إلى قَيْنة يسمع منها، صُبَّ في أذنه الآنك(١) يوم القيامة)). وبناء عليه، قال العلماء بتحريم الغناء. حكم الغناء عند الفقهاء: للفقهاء، ومنهم علماء المذاهب الأربعة على المعتمد لديهم تفصيل في حكم الغناء هو ما يأتي(٢): أ - الغناء الحرام: هو الذي يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغَزَل، والمجون، بكلام يُشَبَّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور : والمحرَّمات؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. وإذا لم يجز فأخذ الأجرة عليه لا يجوز. . ب - الغناء المباح: هو ما سلم مما ذكر، فيجوز القليل منه في أوقات (١) الآنك: الرصاص. إلا أن الحديث ضعيف. (٢) تفسير القرطبي: ١٤/ ٥٤ ١٤٨ الجُزءُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ٦-٩ الفرح؛ كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق حول المدينة، وحَدْو أنْجَشَّةَ(١). جـ - أما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبَّابات(٢) والطار والمعازف والأوتار فحرام. وفي اليراعة(٣) تردد، والدف مباح. د - وأما طبل الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يهيج النفوس، ويُرهب العدو، فقد ضُرب بين يدي النبي ◌َّول يوم دخل المدينة، فهمَّ أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله وَل: ((دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح)) فكنّ يضربن ويقلن : نحن جوارٍ من بني النجار يا حبَّذا محمد من جار هـ - لا بأس من استعمال الدُّفّ في حفلات الزفاف، وكذا الآلات المشهرة بالزواج والغناء بحسن الكلام الذي لا فحش فيه. و- سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحْرَم لا يجوز. والاشتغال بالغناء على الدوام سفه تُرَد به الشهادة، فإن لم يدم لم تُردّ. ونقل عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل القول بكراهة الغناء. وقال الطبري: أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. ◌َّ - عادة القرآن مقابلة الأشياء بأضدادها لبيان الفرق والترغيب والترهيب، فبعد أن ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين، وهو أن للمؤمنين (١) أنجشة: هو عبد أسود كان يسوق إبل نساء النبي نَّ عام حجة الوداع، وكان حسن الحداء، وكانت الإبل تزيد في الحركة بحدائه. (٢) قصبة الزمر. (٣) البراعة: مزمار الراعي. ١٤٩ اِلُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٠-١١ الذين يعملون صالح الأعمال المأمور بها شرعاً نعيم الجنان، دائمين فيها، ووعدهم الله هذا وعداً حقاً لا خُلْف فيه، وهو وعد العزيز الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه وفعله. الاستدلال بخلق السماوات والأرض على وحدانية الله وإبطال الشرك (خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْفَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهٍ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلِ نُبِينٍ الإعراب: ﴿ِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ الباء في موضع نصب على الحال من ﴿السَّمَوَتِ﴾. و﴿ تَرَوْنَهَا﴾ جملة فعلية في موضع جر على الصفة لـ ﴿عَمَدٍ﴾ أي بغير عمد مرئية، فالضمير راجع إلى العمد، والعمد: قدرة الله وإرادته، أو أن الضمير راجع إلى السماوات، أي ليست هي بعمد، وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، وحينئذ تكون الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ﴾ الياء في ﴿فَأَرُونِ﴾ المفعول الأول، و﴿فَأَرُونِ﴾ معلق عن العمل و﴿مَاذَا خَلَقَ﴾: سدّ مسد المفعول الثاني. و﴿مَاذَا﴾: ما: استفهام إنكار: مبتدأ، وذا بمعنى الذي مع صلته: خبره. البلاغة: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، تعظيماً لشأن الرحمن، بعد قوله: ﴿خَلْقُ﴾ ﴿وَأَلْقَى﴾ ﴿وَبَثَّ﴾. ١٥٠ الجُرُ (٢١) - لَقْغَضَانٌ: ٣١ / ١٠-١١ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي مخلوقه، من قبيل إطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة. ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتبكيت. ﴿ بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلِ نُبِينٍ﴾ الأصل أن يقال: بل هم، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ. المفردات اللغوية: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾ استئناف كلام جديد ﴿بِغَيِّرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ العمد: جمع عماد: وهو الأسطوانة التي يُعْمَدُ بها أي يُسْنَد به، و﴿تَرَوْنَهَا﴾ إما صفة العمد أي بغير عمد مرئية، أو يعود الضمير إلى ﴿اُلسَّمَوَتِ﴾، أي لا عمد لها أصلاً، وأنتم ترونها بلا عمد، فهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة ﴿رَوَسِىَ﴾ جبالاً ثوابت مرتفعة ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تميد، أي تتحرك وتضطرب بكم ﴿وَبَثَّ﴾ نشر وفرق ﴿زَوْجِ كَرِيمٍ﴾ صنف حسن، كثير المنافع. والآية دليل على عزة الله التي هي كمال القدرة، والحكمة التي هي كمال العلم، لتقرير أصل التوحید. ﴿هَذَا خَلْقُ اُللَّهِ﴾ هذا الذي ذكر مخلوق الله ﴿فَأَرُونِ﴾ أخبروني يا أهل مكة وأمثالكم الكفار ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهٍ،﴾ ماذا خلق الذين من غيره وهم آلهتكم التي أشركتموها بالله تعالى ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَلِ تُبِينٍ﴾ بل: للانتقال والإضراب عن تبكيتهم إلى تسجيل الضلال عليهم، فهم في ضلال بيِّن لا يخفى على ناظر، بإشراكهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم. المناسبة: بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الدال على عزته وحكمته وكمال ١٥١ المُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /١٠-١١ قدرته وعلمه وإتقان صنعه، ذكر الله تعالى الأدلة على قدرته العظيمة من خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، لتقرير وحدانيته، وإبطال الشرك، والتنبيه إلى وجوب اتباع الحق الذي جاءت به الرسل. التفسير والبيان: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي من أدلة قدرته تعالى العظيمة، وحكمته السديدة أنه خلق السماوات بغير أعمدة، لا مرئية ولا غير مرئية، والسماوات كالأرض في الظاهر مبسوطة، وفي الحقيقة مستديرة، لقوله تعالى: ﴿ كُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣/٢١] والفلك: اسم لشيء مستدير، وهي على أي حال مخلوقة بقدرة الله، لا بالطبيعة، وهي فضاء والفضاء لا نهاية له، ولا تزول إلا بقدرة الله تعالى. وليس لها عمد أصلاً، بدليل رؤية الناس لها غير معمودة. وقيل: إن لها عمداً غير مرئية، والله عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته. والخلاصة: إنه تعالى خلق السماوات بغير أعمدة تستند إليها، بل هي قائمة بقدرة الله تعالى. ﴿وَأَلْقَى فِ اٌلْأَرْضِ رَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي وجعل في الأرض جبالاً شوامخ ثوابت أرست الأرض وثقلتها؛ لئلا تضطرب بأهلها، وتغمرها مياه البحار والمحيطات المحيطة بها، والتي تكوِّن أكثر الكرة الأرضية. ﴿وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي وذرأ فيها ونشر ووزع من أصناف الحيوان التي لا يحصي عددها، ولا يعلم أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها. ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَنْنَ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي وأنزلنا من السحاب مطراً يكون سبباً لإنبات كل صنف كريم، أي حسن المنظر، كثير المنفعة. ١٥٢ للجُعْ (٢١) - لقْثَمَانٌ: ٣١ /١٠-١١ ثم وبخ الله تعالى أولئك المشركين الذين يتركون عبادة الخالق ويشتغلون بعبادة المخلوق، فقال: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ () أي هذا الذي ذكر من المخلوقات هو من خلق الله وفعله وتقديره وحده لا شريك له في ذلك، والخلق بمعنى المخلوق، فأخبروني أيها الكفرة ماذا خلق الذين تعبدونهم من غيره من الأصنام والأنداد. وقوله: ﴿خَلَقَ﴾ واقع على هاء محذوفة، تقديره: فأروني أي شيء خلق الذين من دونه، أو أروني الأشياء التي خلقها الذین من دونه. وبعد توبيخهم على شركهم، وصفهم تعالى بما يترتب عليه وهو الضلال، فهم في شركهم وعبادتهم مع الله غيره في ضلال واضح، فقال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي بل هؤلاء المشركون بالله العابدون معه غيره في جهل وعمى وانحراف وكفر بيّن واضح ظاهر، لا خفاء به، ولا اشتباه فيه لمن تأمله، جعلهم في غاية الضلال الذي ليس بعده ضلال. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - الدليل على وجود الله وقدرته العظمى وحكمته البالغة: هو خلق السماوات بغير أعمدة تستند إليها، وإنما أمسكها الله بقدرته وإرادته؛ وخلق الأرض ذات الجبال الشوامخ الثوابت لئلا تضطرب بأهلها؛ وجعلها ذات أنس بما وزَّع فيها من أصناف الحيوان في البر والبحر والجو، ذوات الأشكال المختلفة، والمناظر البديعة، والأصوات المختلفة؛ وإنزال الأمطار عليها لإنبات النباتات البهية المنظر، البديعة التكوين، الكثيرة المنافع، سواء بثمرها إن كانت مثمرة، أو بظلها المريح وخضرتها الممتعة للنظر والمفرحة للنفس، أو بجعلها أسباباً لزيادة المطر. ١٥٣ الُعُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩ اً - أكد تعالى قدرته الخلاقة بأن هذا المذكور المعاين هو مخلوق الله من غير شريك، ثم تحدى ووبخ قائلاً: أخبروني معاشر المشركين عما خلقت الآلهة المزعومة من الأصنام والأنداد، ثم وصفهم بالوصف الملازم لهم: وهو أن المشركين في خسران ظاهر. قصة لقمان الحكيم ووصيته لابنه ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ اٌلْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِلَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وَوَصَيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوَ لِدَيْكَ إِلَّ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلٌّ فَلَا ١٤ الْمَصِيرُ تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبُهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَنَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَ يَنْبُنَّ إِنَّهَاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ١٥ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِتُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ يَبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ ١٦ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَلٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدُ فِى مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحِيرِ القراءات: ﴿أَنِّ أَشْكُرٌ﴾: قرئ: ١ - (أنِ اشكر) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة. ٢- (أن اشكر) وهي قراءة الباقين. ١٥٤ الجُزُ (٢١) - لقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩ ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ﴾: قرئ: ١- (يا بُنَيَّ) وهي قراءة حفص. ٢- (يا بُنِّيْ) وهي قراءة ابن كثير. ٣- (يا بُنَيِّ) وهي قراءة الباقين. ﴿يَبُنَّ إِنَّاَ﴾: قرئ: ١- (يا بُنيّ) وهي قراءة حفص. ٢- (يا بُنَيِّ) وهي قراءة الباقين. ﴿يَبُنَّ أَقِمِ﴾: قرئ: ١- (يا بُنَيَّ) وهي قراءة حفص، والبزي. ٢- (يا بُنِّيْ) وهي قراءة قنبل. ٣- (يا بُنَيِّ) وهي قراءة الباقين. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾: قرئ: ١- (ولا تُصَعِّرْ) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وعاصم. ٢- (ولا تُصَاعر) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ﴾ ﴿وَإِذْ﴾: ظرف متعلق بفعل مقدر، أي اذكر إذ قال لقمان. و﴿لَقْمَنَ﴾: ممنوع من الصرف للتعريف (العلمية) والألف والنون الزائدتين، كعثمان وعمران. ١٥٥ لُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /١٢-١٩ ﴿وَهْنَا﴾ منصوب بحرف جر محذوف، تقديره: حملته أمه بوهن، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به فنصبه. أو حال من فاعل ﴿حَمَلَتْهُ﴾ على التأويل بالمشتق، أي حملته أمه حال كونها ذات وهن وعلى وهن أي ذات ضعف على ضعف متتابع. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ﴾ منصوب بحرف جر محذوف، أي بأن اشكر، وقيل. أن: مفسرة بمعنى أي، كقوله تعالى: ﴿أَنِ آَمْثُواْ وَأَصْبِرُواْ﴾ [ص: ٦/٣٨] ولا موضع لها من الإعراب. ﴿إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ ﴿مِثْقَالَ﴾ خبر تكون الناقصة، أي إن تكن الخصلة الموزونة مثقال حبة. وعلى قراءة الرفع فاعل تكون التامة، وأنث ﴿فَتَكُنْ﴾ وإن كان المثقال مذكراً، لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه، كقولهم: ذهبتْ بعضُ أصابعه، وكقوله تعالى: ﴿يَلْنَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠/١٢]. ﴿ مَرَحًا﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، كقولهم: جاء زيد ركضاً. البلاغة: ﴿يَشْكُرْ﴾ و﴿ كَفَرَ﴾ بينهما طباق. ﴿غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ ﴿لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَخُورٍ ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل وفعول، أي كثير الغنى والحمد والفخر. ﴿بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أَمَّهُ﴾ ذكر الخاص بعد العام لزيادة العناية والاهتمام بالأم. ﴿إِلَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ فيه تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر، أي إليّ لا إلى غيري. ١٥٦ لُعُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩ ﴿إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ﴾ من باب التمثيل، مثل بذلك لبيان سعة علم الله ودقته وشموله جميع الأشياء حقيرها وجليلها. ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةِ﴾ من باب التتميم، تمم خفاء الأشياء في نفسها بخفاء مكانها. ﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ مقابلة بين اللفظين. ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحِيرِ) استعارة تمثيلية، شبه الرافعين أصواتهم برفع الحمير أصواتهم، ولم يذكر أداة التشبيه، وإنما أورده بطريق الاستعارة للمبالغة في الذم والتنفير عن رفع الصوت. المفردات اللغوية: ﴿ لَقْمَنَ﴾ هو كما ذكر البيضاوي لقمان بن باعورا من أولاد آزر، ابن أخت أيوب أو ابن خالته، أسود من سودان مصر من النوبة، وعاش حتى أدرك داود وأخذ منه العلم، آتاه الله الحكمة، أي العقل والفطنة والعلم والإصابة في القول، والجمهور على أنه كان حكيماً، ولم يكن نبياً. من أقواله: ((الصمت حكم وقليل فاعله)) وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً. ﴿َالْحِكْمَةَ﴾ هي في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة، على قدر طاقتها ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي بأن اشكر، أو أي اشكر ما أعطاك من الحكمة، والشكر: الثناء على الله تعالى وطاعته فيما أمر به، واستعمال الأعضاء فيما خلقت له من الخير ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،﴾ لأن نفعه وثواب شكره عائد له وهو دوام النعمة واستحقاق المزيد منها. ﴿غَنِىُّ﴾ عن خلقه، لا يحتاج إلى الشكر ﴿حَمِيدٌ﴾ حقيق بالحمد، وإن لم يحمد، ومحمود في صنعه، نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال. ١٥٧ الجُ (٢١) - لقْتَمَانٌ: ٣١ /١٢-١٩ ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ،﴾ أي واذكر، واسم ابنه: أنعم، أو أشكم، أو ماتان أو ثاران في قول السهيلي ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ العظة: تذكير بالخير بأسلوب رقيق يَرِقّ له القلب ﴿يَبُنَىَّ﴾ التصغير للإشفاق والتحبب ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾ بالله ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وكون الشرك ظلماً؛ لأنه تسوية بين المنعم وحده وغير المنعم ﴿ وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ﴾ أي أمرناه وألزمناه ﴿بِوَلِدَيْهِ﴾ أي بأن يبرهما ﴿وَهْنَا﴾ أي بوهن، أي ضعف ﴿عَلَ وَهْنٍ﴾ أي تضعُف ضَعْفاً فوق ضَعْف، من الحمل، فالطَّلْق، فالولادة ﴿ وَفِصَلُ﴾ أي فِطامه ﴿فِ عَامَيْنِ﴾ في انقضاء عامين، وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ﴾ تفسير لوصَّينا (الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فأحاسبك على الشكر أو الكفر. ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ مطابق للواقع ﴿فَلَا تُطِعُهُمَا﴾ في ذلك ﴿مَعْرُوفًا﴾ أي بالمعروف وهو البر والصلة، أو صحاباً معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم. ﴿ وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ﴾ أي اتبع في الدين طريق من رجع إلي بالتوحيد والإخلاص في الطاعة. و﴿ أَنَابَ﴾ رجع إلى ربه بالتوبة والاستغفار ﴿فَأَنِّئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي أخبركم بأعمالكم، وأجازيكم على الإيمان والكفر. والآيتان: ﴿وَوَصَيْنَا﴾ ﴿وَإِن جَهَدَاكَ﴾ معترضتان ضمن وصية لقمان، تأكيداً لما فيها من النهي عن الشرك، كأنه قال: وقد وصينا بمثل ما وصى به. ﴿إِنَّهَ إِن تَكُ﴾ أي إن الخصلة السيئة أو الحسنة ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ وزن أصغر شيء﴿مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ وزن حبة خردل ﴿فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي في أخفى مكان فيهما ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فيحاسب عليها ﴿لَطِفُ﴾ باستخراجها، يصل علمه إلى كل خفي ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها، عالم بكنه الأشياء وحقائقها ١٥٨ الجُ (٢١) - لقْغَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩ ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾ من الشدائد، وبسبب الأمر والنهي ﴿ إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور من كل ما أمر به ونهى عنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها، أو من الأمور المعزومة التي قطعها الله قطع إيجاب ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تُلْه عنهم ولا تُولّم صفحة وجهك، كما يفعل المتكبرون، والأصعر: المعرض بوجهه كبراً، مأخوذ من الصَّعَر: وهو داء يعتري البعير فيلوي منه عنقه ﴿مَرَجًا﴾ خيلاء وبطراً ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي يعاقب كل متبختر في مشيه، فخور على الناس. وهو علة للنهي. والمختال: فاعل الخيلاء، وهي التبختر في المشي كبراً، والفخور من الفخر: وهو المباهاة بالمال والجاه ونحو ذلك. ﴿ وَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ﴾ توسط فيه غير مختال ولا مستضعف، وغير مسرع ولا مبطئ وفي الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وهو ضعيف: (سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن)) والمقصود بقول عائشة في عمر رضي الله عنهما: ((كان إذا مشى أسرع)) أنه يسير ما فوق دبيب المتماوت ﴿ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي أنقص منه وأقصر أو اخفض ﴿إِنَّ أَنْكَرَ اُلْأَصْوَتِ﴾ أي أقبحها وأزعجها وأصعبها على السامع ﴿لَصَوْتُ لْحَمِيرِ﴾ أوله زفير وآخره شهيق. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى فساد اعتقاد المشركين وأن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة والعلم المرشد إلى الإقرار بوحدانيته، وإن لم يكن هناك نبوة، فإن لقمان توصل إلى إثبات التوحيد وإطاعة الله والتزام مكارم الأخلاق دون نبي ولا رسول. وهذا إشارة إلى أن اتباع النبي ◌َل﴿ لازم فيما لا يعقل معناه، إظهاراً للتعبد، ولازم من باب أولى فيما يدرك بالعقل معناه. ١٥٩ الُُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /١٢-١٩ التفسير والبيان: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ (®) أي وتالله لقد أعطينا لقمان(١) الحكمة وهي التوفيق إلى العمل بالعلم والفهم، وشكر الله وحمده على نعمه وأفضاله، وحب الخير للناس، واستعمال الأعضاء فيما خلقت له من الخير والنفع. وهذا دليل على أن لقمان الحكيم هداه الله إلى المعرفة الصحيحة، من غير طريق النبوة. ومن يشكر الله على ما منحه وأعطاه ربه، فيطيعه ويؤدي فرضه، فإنما يحقق النفع والثواب لنفسه، وينقذها من العذاب، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦/٤١] وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤/٣٠]. ومن جحد نعمة الله عليه، فأشرك به غيره، وعصى أوامره، فإنه يسيء إلى نفسه، ولا يضر ربّه، فإن الله غني عن العباد وشكرهم، لا يتضرر بذلك، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو المحمود في السماء والأرض بلسان الحال أو المقال، وإن لم يحمده أحد من الناس. ثم ذكر تعالى وصية لقمان (وهو كما ذكر ابن كثير لقمان بن عنقاء بن سدون) لابنه (وهو ثاران في قول السهيلي والطبري والقُتَبي) فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٣) واذكر حين أوصى لقمان ابنه بوصية أو موعظة، حرصاً علیه؛ (١) روى أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن)) قال الطبراني: أراد الحبش (تفسير ابن كثير: ٤٤٧/٣). ٠١٦٠ لُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ / ١٢-١٩ لأن الأب يحب ابنه وهو أشفق الناس عليه، فقال له: يا ولدي، اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، فإن الشرك أعظم الظلم، أمّا إنه ظلم فلكونه وضع الشيء في غير موضعه، وأمّا كونه أعظم الظلم فلتعلقه بأصل الاعتقاد وتسويته بين الخالق والمخلوق، وبين المنعم وحده وبين غير المنعم أصلاً، وهي الأصنام والأوثان. والآية عطف على معنى ما سبق، وتقديره: ولقد آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه، وحين جعلناه واعظاً لغيره. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت آية ﴿الَّذِينَ [الأنعام: ٨٢ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ٨٢/٦] شقّ ذلك على أصحاب رسول الله وَّه، وقالوا: أيُّنا لم يَلْبِسْ إِيمانَه بظلم؟ فقال رسول الله وَله: ((إنه ليس بذلك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)). ثم أمر الله تعالى ببرّ الوالدين، جرياً على عادة القرآن، فإنه كثيراً ما يقرن الله تعالى في القرآن بين الأمر بعبادة الله واجتناب الشرك وبين الأمر ببرّ الوالدين، كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧] ، فقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهُنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ أَشْكُرْ لِ وَلَوَ لِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ أي وأمرنا الإنسان وألزمناه ببرّ والديه وطاعتهما، وأداء حقوقهما، ولا سيما برّ الأم التي حملته في ضعف فوق ضعف، من الحمل إلى الطلق إلى الولادة والنفاس، ثم الرضاع والفطام في مدة عامين والتربية ليلاً ونهاراً، كما قال تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢] وقد بيَّن الحديث النبوي أحقية الأم بالبرّ، فأوصى بها ثلاث مرات، ثم أوصى بالأب في المرة الرابعة، فجعل له ربع المبرة.