النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
الُعُ (٢١) - الروضِزْ: ٣٠ /٥٢-٥٣
فإرشاد الميت محال، ثم إرشاد الأصم الذي لا يفهم الكلام إلا بالإشارة
أصعب، ثم الأعمى الذي يفهم ويعي الشيء الكثير، لكن إرشاده صعب
أيضاً.
التفسير والبيان:
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ ﴾﴾ أي لا
تحزن ولا تجزع أيها الرسول على إعراض هؤلاء المشركين عن دعوتك، بعد
بيان أدلة التوحيد والقدرة على البعث، وتهديدهم ووعيدهم، فإنك لا تستطيع
أن تفهم الموتى أو تسمعهم سماع تدبر واتعاظ، ولا تقدر أن تسمع دعوتك
الصم الذين لا يسمعون، وهم أيضاً مع ذلك مدبرون عنك غير مقبلين على
كلامك وهدایتك، وهم مع سماعهم في الظاهر أشبه بالموتى في أجدائهم،
والصم الذين فقدوا حاسة السمع، لسدهم منافذ الهداية، وإدبارهم عن سماع
كلمة الحق، وعدم استعدادهم لوعي شيء وفهمه عنك، وهم أيضاً كالعمي
كما قال:
﴿ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْىِ عَن ضَلَلَئِهِمْ﴾ أي وليس في مقدورك هداية العميان
عن الحق، وردهم عن ضلالتهم، بل الهداية إلى الله تعالى، فإنه بقدرته يسمع
الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء،
وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى:
﴿إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ أي لا تسمع أيها الرسول
سماعاً يؤدي إلى الانتفاع إلا المؤمن المصدق بالقرآن وما اشتمل عليه من دلائل
التوحيد والقدرة الإلهية على كل شيء، فهذا المؤمن إذا سمع آيات الله تتلى
عليه، تدبره وتفهمه، وأقبل عليه يعمل بما جاء فيه، وينتهي عما نهى عنه،
وهؤلاء المؤمنون هم المسلمون، أي الخاضعون المستجيبون المطيعون الله فيما
أمر ونهى، وأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه.
١٢٢
لُعُ (٢١) - التروفِنْ: ٣٠ /٥٢-٥٣
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - لا فائدة ولا جدوى في هداية المشركين المكابرين المعاندين الذين ألفوا
تقليد الأسلاف في الكفر، فماتت عقولهم، وعميت بصائرهم.
أَ - إنما الفائدة تظهر في إسماع مواعظ الله المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة
التوحيد، ويستعدون لقبول الهداية إن ظهرت لهم دلائلها.
◌ّ - المقصود من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾ سماع التدبر والفهم
والاتعاظ، وهذا لا يعارض الثابت في السنة النبوية من إمكان سماع الأموات
كلام الأحياء. روى عبد الله بن عمر أن النبي ◌َّ خاطب القتلى الذين ألقوا في
قليب (بئر) بدر، بعد ثلاثة أيام، وعاتبهم وقرعهم، حتى قال له عمر: یا
رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جَيَّفوا؟ - أي أنتنوا - فقال: ((والذي نفسي
بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون)). وهذا هو الصحيح
المؤيد بالشواهد الكثيرة، منها ما رواه ابن عبد البر، مصحِّحاً له عن ابن
عباس مرفوعاً: ((ما من أحد يمرُّ بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا،
فيسلم عليه إلا رَدَّ الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام)). وثبت عنه ◌َّ في
تعريفه أمته كيفية السلام على أهل القبور أن يقولوا كما يخاطب الأحياء:
((السلام عليكم دار قوم مؤمنين)) وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا
الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد. وروى ابن أبي الدنيا عن
عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَليقول: ((ما من رجل يزور قبر
أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، ورد عليه حتى يقوم)).
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إذا مرّ الرجل بقبر يعرفه، فسلّم عليه، ردّ
عليه السلام.
١٢٣
الُ (٢١) - الرُّومِنْ: ٣٠ /٥٤
وأجمع السلف على هذا، وشرع السلام على الموتى، مما يدل على شعورهم
علمهم بالْمُسَلِّم، وعلّم النبي ◌َّ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا فيما رواه
-سلم عن بُرَيدة: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله
بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا
ولكم العافية)). وكل ذلك دال على أن السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع
ويُخاطَب ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع الْمُسَلِّم الرد(١).
أطوار حياة الإنسان
اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَدٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
٥٤
القراءات:
﴿ضَعْفٍ﴾، ﴿ضَعْفًا﴾: قرئ:
١- (ضَعف، ضَعفاً) وهي قراءة حفص، وحمزة.
٢- (ضُعف، ضُعفاً) وهي قراءة الباقين.
البلاغة:
﴿ضَعْفٍ﴾ و﴿قُوَّةٌ﴾ بينهما طباق.
﴿ اَلْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل، معناه التام العلم
والقدرة.
(١) تفسير ابن كثير: ٤٣٨/٣ - ٤٣٩
١٢٤
الجزءُ (٢١) - الحروفِنْ: ٣٠ /٥٤
المفردات اللغوية:
﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة، أو
ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، كقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ
ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨/٤] والضعف: ما قابل القوة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ
قُوَّةً﴾ أي بعد ضعف الطفولة قوة الشباب بعد بلوغ الحلم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ أي جعل بعد قوة الرجولة ضعف الكبر وشيب الهرم.
والشيب: بياض الشعر. والضعف: بفتح الضاد وضمه. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ﴾ من
الضعف والقوة والشباب والشيبة ﴿وَهُوَ اُلْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ﴾ أي إن تلك
الأطوار والأحوال التي يمرّ بها الإنسان بمشيئة الله دليل العلم والقدرة، فهو
العليم بتدبير خلقه، القدير على ما يشاء.
المناسبة:
بعد بيان أدلة الآفاق من إرسال الرياح وإنزال المطر على الوحدانية، ذكر
تعالى دليلاً آخر عليها من الأنفس، وهو خلق الآدمي ومروره بأدوار مختلفة
تحتاج إلى العلم والقدرة الشاملة، وذلك لا يتصف بهما غير الله عز وجل.
التفسير والبيان:
﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ أي إن الله تعالى هو الذي جعل الإنسان يمر في أطوار
متفاوتة من الخلق حالاً بعد حال، فجعل أصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من
علقة، ثم من مضغة، ثم كوّن عظامه، ثم كسا العظام لحماً، ونفخ فيه الروح،
ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفاً نحيفاً واهن القوى، فقوله: ﴿مِّن ضَعْفٍ﴾ أي
ابتدأه ضعيفاً.
ثم يشبّ قليلاً قليلاً فيكون صغيراً، ثم شاباً بالغاً، وهذا دور القوة بعد
١٢٥
الُ (٢١) - التُّوْفِرْ: ٣٠ / ٥٤
الضعف، ثم يأتي دور الضعف من ابتداء الكهولة إلى الهرم والشيخوخة، وهو
الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة.
هذا الانتقال والتدرج والتحول من حال إلى حال دليل على القدرة الإلهية
الخالقة، وبرهان على البعث الذي ينكره المشركون، فإن القادر على هذا التغيير
والتبديل قادر على الإعادة مرة أخرى إلى الحياة الأولى كما كانت؛ لأن من
كانت قدرته تامة شاملة لا يصح مقارنتها بقدرة الإنسان النسبية، ولا يعجزه
شيء، سواء في بدء الخلق أم حال إعادته.
﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ أي يفعل الله ما يشاء، ويوجد ويبدع
ما يشاء من ضعف وقوة، وبدء وإعادة، ويتصرف في عبيده بما يريد، وهو
العليم التام العلم بتدبير خلقه، القدير الشامل القدرة على ما يشاء، ومن آثار
قدرته إحياء الناس وإماتتهم ثم بعثهم أحياء عندما يريد.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تتضمن استدلالاً آخر على قدرة الله في نفس الإنسان، ليعتبر
ويبادر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فإن الآلة الجامدة تظل على وتيرة
واحدة؛ لأن صانعها وهو الإنسان محدود القدرة، أما الإنسان الذي يمرّ
بمراحل ثلاث، متفاوتة هبوطاً وصعوداً، ضعفاً وقوة، لا يبقى على حال
واحدة، وإنما يتغير.
والتغير والتدرج ليس مجرد طبيعة دون مدبر ولا مغير، وإنما يحتاج كل طور
من مراحل التغير إلى خالق مبدع، وقادر عظيم، ولا يستطيع ذلك أحد غير
الله صاحب التكوين والإرادة، والأمر والنفوذ الشامل، فهو وحده الخالق ما
يشاء من قوة وضعف، وهو العليم بتدبيره، القدير على إرادته، وهو الفعال لما
يريد، المتصرف في مخلوقاته كيف يشاء.
١٢٦
الزُعُ (٢١) - التروفِنْ: ٣٠ / ٥٥-٥٧
أحوال البعث ومقارنتها بأحوال الدنيا
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِئُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ
يُؤْفَكُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ
الْبَعْنِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
فَيَوْمِذٍ لَّا يَنفَعُ
٥٦
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
القراءات:
﴿لَّا يَنْفَعُ﴾: قرئ:
١- (لا ينفع) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.
٢- (لا تنفع) وهي قراءة الباقين.
الإعراب :.
وَلَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ قرئ ﴿يَنفَعُ﴾ بالياء وبالتاء، أما
قراءة التاء فعلى الأصل من التطابق بين الفعل والفاعل، وأما قراءة الياء
فبسبب وجود الفاصل بينهما.
﴿فَهَذَا يَوْمُ اُلْبَعْثِ﴾ الفاء لجواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتم
منكرين البعث، فهذا يومه، أي فقد تبين بطلان إنكاركم.
البلاغة:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِتُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ جناس تام بين
قوله ﴿السَّاعَةُ﴾ التي هي القيامة، وقوله ﴿سَاعَةٍ﴾ التي هي المدة الزمنية
المعروفة.
١٢٧
الجزء (٢١) - الشُوفِنْ: ٣٠/ ٥٥-٥٧
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ القيامة، سميت بها؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من
ساعات الدنيا، أو لأنها تحدث بغتة، وصارت علماً للقيامة بالتغليب
كالكوكب للزهرة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ﴾ يحلف الكافرون ما أقاموا في
الدنيا أو في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ مدة زمنية قليلة ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾
أي مثل ذلك الصرف عن الواقع في مدة اللبث كانوا يصرفون في الدنيا عن
الحق الذي هو البعث وغيره من قول الحق والنطق بالصدق. يقال: أفك
الرجل: إذا صرف عن الصدق والحق والخير.
﴿أُوْتُواْ الْعِلْمَ وَاَلْإِيَنَ﴾ الملائكة أو الإنس المؤمنون ﴿فِي كِنَبِ اللَّهِ﴾ فيما
كتبه في سابق علمه أو قضائه ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الذي أنكر تموه ﴿ وَلَكِنَّكُمْ
كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق واقع؛ لتفريطهم في النظر ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي عذرهم
في إنكارهم له ﴿ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ لا يطلب منهم العتبى، أي الرجوع إلى ما
يرضي الله تعالى، يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي استرضاني فأرضيته.
المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد في خلق الإنسان في النشأة الأولى، ودلائل البعث
والإعادة مرة أخرى إلى الحياة، ذكر الله تعالى أحوال البعث ومقارنتها بأحوال
الدنيا، وما يحدث يوم القيامة من مناقشات بين أهل الإيمان وبين المجرمين،
واكتشاف جهل الكفار في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فعكوفهم على عبادة
الأوثان، وأما في الآخرة فإقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في
الدنيا.
التفسير والبيان:
﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ أي حين تقوم
١٢٨
الْجُزُ (٢١) - المُؤْخِزْ: ٣٠ / ٥٥-٥٧
القيامة ويبعث الله الناس من قبورهم، وما يتعرضون له من أهوال جسام
طويلة الأمد، يحلف الكفار الآثمون أنهم ما أقاموا في الدنيا أو في القبور غير
ساعة واحدة، أي مدة قليلة من الزمان، قاصدين بذلك عدم قيام الحجة
عليهم، وأنهم لم يُنْظَروا مدة معقولة، حتى يعذَروا فيما هم عليه من تقصير.
وهذا دليل واضح على قصر مدة الدنيا مهما طالت، إذا قورنت بالآخرة،
وأن الذي يوعد بالشر يستقل المدة التي عاشها، أما الموعود بالخير فيستكثر
[النازعات:
المدة مهما قلّت: ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا
٤٦/٧٩].
( كَذَلِكَ كَانُوْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي مثل ذلك الصرف عن تقدير الحقيقة والواقع في
مدة اللبث، كانوا يصرفون من الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب،
والمراد أنهم كاذبون في قولهم: ما لبثنا غير ساعة، وفي حلفهم على الكذب،
وأنهم مغترون بزينة الدنيا ومتاعها وزخرفها، فإذا عرفوا ذلك ربما حملهم على
ترك العناد، وسلوك طريق الرشاد.
وفي هذا دلالة على أن إصرارهم على الكفر، صرفهم عن التفكير فيما هو
حق وعن الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر.
ثم ذكر جواب المؤمنين لهم في موقف القيامة، فقال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِى كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ
أي فردّ المؤمنون العالمون بالآخرة على منكري البعث القائلين الحالفين بأنهم لم
يلبثوا غير ساعة: لقد لبثتم في علم الله وقضائه مدة طويلة في الدنيا من يوم
خلقتم إلى أن بعثتم.
وفي هذا إشارة إلى أن المؤمن العالم يستكثر مدة المكث في الدنيا؛ لأنه متطلع
مشتاق إلى نعيم الجنة وخلودها، وهو يعلم أن مصيره إلى الجنة، فيستكثر
المدة، ولا يريد التأخير.
١٢٩
الخُرُ (٢١) - الروضِ: ٣٠ / ٥٥-٥٧
﴿فَهَذَا يَوْمُ اٌلْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم منكرين
للبعث فهذا يومه الواقع الذي لا سبيل لإنكاره، وبه يتبين بطلان إنكاركم
إياه، غير أنكم تجهلون أنه حق واقع، لتفريطكم في النظر وغفلتكم عن أدلة
ثبوته.
﴿فَيَوْمَبِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾﴾ أي
ففي يوم القيامة لا ينفع هؤلاء الظالمين الكافرين عذرهم أو اعتذارهم عما
فعلوا، ولا تقبل منهم توبتهم؛ لأن وقت التوبة في دار الدنيا، وهي دار
العمل، أما الآخرة فهي دار الجزاء، لا وقت العمل.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ معناه أنه لا يطلب منهم الإعتاب، وهو
إزالة العتب بالتوبة والطاعة التي تزيل آثار الجريمة؛ لأنها لا تقبل منهم، ولا
يعاتبون على ذنوبهم، وإنما يعاقبون عليها، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ
فَمَا هُم ◌ِّنَ اُلْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤/٤١] فليست حالهم حال من يستعتب ويرجع
عما هو عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
اً - إن عمر الدنيا قصير جداً إذا قورن بالآخرة.
أَ - قوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ لا يعني إنكار عذاب القبر أو
التهوين من شأنه، فقد صحَّ عن النبي ◌َّر أنه تعوذ منه، وأمر أن يتعوذ منه،
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: سمع النبي وَّر أم
حَبيبَة وهي تقول: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي
معاوية، فقال لها النبي وَلير: ((لقد سألتِ الله لآجال مضروبة وأرزاق
مقسومة، ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر)).
١٣٠
الُزُ (٢١) - التروفِنْ: ٣٠/ ٥٥-٥٧
مَّ - دلّ قوله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ على أن الكفار كانوا
يكذبون في الدنيا، وينصرفون من الحق إلى الباطل، وأنهم كما صُرفوا عن
الحق في قَسَمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يُصرفون عن الحق في
الدنيا، كما وصفهم القرآن: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحِلِفُونَ لَكُمْ
وَيَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ (®)﴾
[المجادلة: ١٨/٥٨] وقال تعالى:
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَئُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَ مَا كُنَا مُشْرِكِينَ ﴿َ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾
[الأنعام: ٢٣/٦-٢٤].
٤ - العلماء بالآخرة المؤمنون بها وبالله تعالى من الملائكة والناس
يستكثرون مدة الدنيا شوقاً إلى الآخرة والجنة، أما الكافرون فيستقلُّون مدة
اللبث في الدنيا، ويختارون تأخير الحشر، والإبقاء في القبر، تحاشياً من عذاب
الآخرة، لذا يقول المؤمنون للكفار رداً عليهم: لقد لبثتم في الدنيا أو في
قبور کم إلى يوم البعث.
٥ - الواقع خير شاهد ودليل، لذا يقول المؤمنون للكفار: إن كنتم منكرين
البعث فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه.
أَ - إذا جاء الموت أو يوم القيامة لا ينفع العلم بالقيامة ولا الاعتذار
يومئذ، ولا يطلب من الكفار العتبى، أي إزالة العتب بالتوبة التي تسقط
الذنب، ولا تقبل التوبة حينئذ؛ لأن وقتها ووقت التكليف وهو دار الدنيا قد
فات، ولم يبق أمامهم إلا دار الجزاء والعقاب، فيعاقبون على أعمالهم التي
عملوها.
١٣١
الْجُرُ (٢١) - الروضِنْ: ٣٠ / ٥٨-٦٠
مهمة القرآن في بيان أدلة العقيدة
وأمر النبي بالصبر على الأذى والدعوة
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَلَيِن جِئْتَهُم بِنَايَةٍ
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ
لَيَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَا يَسْتَخِفََّّكَ الَّذِينَ لَا
٥٩
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
يُوقِنُونَ
القراءات:
﴿ اَلْقُرْءَانِ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيتهم).
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي بينا لهم في القرآن
أدلة التوحيد والبعث وصدق الرسول وَله مقرونة بالأمثلة، تنبيهاً لهم،
والْمَثَل: الصفة التي هي في الغرابة كالأمثال ﴿وَلَيِنِ﴾ اللام لام القسم
(جِئْتَهُم﴾ يا محمد ﴿بِئَايَةٍ﴾ من آيات القرآن ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾(١)
منهم، من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ ما أنتم أي
الرسول والمؤمنون إلا مزورون أصحاب أباطيل متبعون الباطل.
(١) ليقولن: حذفت منه نون الرفع لتوالي النونات، وحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين.
١٣٢
الُرُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ / ٥٨-٦٠
(@) أي مثل ذلك
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
الطبع يطبع على قلوب هؤلاء الجهلة الذين لا يطلبون العلم، ويصرّون على
خرافات اعتقدوها؛ فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب
المحق.
﴿ فَأَصْبِرْ﴾ أيها النبي على أذى قومك وعلى دعوتك ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنصرك
عليهم وإظهار دينك على الدين كله ﴿حَقٌّ﴾ لا بدّ من إنجازه ﴿وَلَا
يَسْتَخِفَتَكَ﴾ أي ولا يحملنك على الخفة والطيش والقلق بترك الصبر أي لا
تتركه ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بتكذيبهم وإيذائهم، فإنهم ضالون.
المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد والبعث وصدق الرسول بكلية، ختم الله السورة
بوصف إجمالي للقرآن وهو أنه كتاب العبر والأمثال لإزالة الأعذار، والكتاب
المخلص غاية الإخلاص للبشرية بتقديم الإنذارات الكافية، ثم أردفه ببيان
تحقيق جميع أهدافه على يد الرسول عليه الذي بلغ الغاية القصوى في تبليغ
دعوته، وأنه لم يبق منه تقصير.
فإن طلب الكفار شيئاً آخر غير القرآن وهذا النبي، فذلك عناد، لم يفدهم
بعده أي بيان؛ إذ من هان عليه تكذيب دليل، سهل عليه تكذيب الأدلة كلها.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي ولقد بينا لهم الحق
ووضحناه، وضربنا لهم فيه الأمثال الدالة على وحدانية الخالق وعلى البعث
وصدق الرسول وله، ليستبينوا الحق ويتبعوه، ولم يحصل تقصير من جانب
الرسول وَله في تبليغ الدعوة إلى الله، فإن طلب الناس شيئاً بعد ذلك، فهو
عناد، ومن هان عليه تكذيب دليل، لم يصعب عليه تكذيب الدلائل كلها كفراً
وعناداً، لذا قال:
١٣٣
الجُزُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ / ٥٨-٦٠
﴿ وَلَيِن جِئْتَهُم بِشَايَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي
وتالله لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها،
ويعتقدون أنها سحر وباطل، وما أنتم أيها الرسول والمؤمنون إلا جماعة
مبطلون تأتون بالباطل وتتبعونه؟ !.
وذلك كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَوْ جَمَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَوْ اْلْعَذَابَ الْأَلِيمَ
[يونس: ٩٦/١٠ -٩٧].
وترتب على إعراضهم عن الإيمان عناداً واستكباراً الطبع على القلوب كما
قال تعالى:
أي مثل ذلك
٥٩٦
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
الختم وحجب الخير والحق يختم الله على قلوب الجهلة الذين لا يتعلمون ولا
يعلمون حقيقة الآيات البينات في القرآن المجيد، لسوء استعدادهم،
وإصرارهم على تقليد الأسلاف، واعتقاد الخرافات.
ثم أمر الله رسوله بالصبر على مخالفتهم وأذاهم وعنادهم، فقال:
﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقُّ﴾ أي فاصبر أيها الرسول على أذى المشركين
وتابع في تبليغ رسالتك، فإن وعد الله الذي وعدك به من نصره إياك عليهم
وظفرك بهم، وجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، حق ثابت لا
شكّ فيه، ولا بدّ من إنجازه والوفاء به.
﴿وَلَا يَسْتَخِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ولا يحملنك على الخفة والقلق جزعاً
مما يقول الذين لا يوقنون بالله واليوم الآخر، فإنهم قوم ضالون، واثبت على
ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا محيد عنه، بل الحق كله منحصر فيه. وهذا
إشارة إلى وجوب مداومة النبي وَثّر على الدعوة إلى الإيمان.
١٣٤
الُزُ (٢١) - الْرُوفِزْ: ٣٠ / ٥٨-٦٠
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم والبيهقي
أن رجلاً من الخوارج نادى علياً رضي الله عنه، وهو في صلاة الغداة (الفجر)
فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ اْخَسِرِينَ
[الزمر: ٦٥/٣٩] فأنْصتَ له عليّ حتى فهم ما قال،
٦٥
فأجابه وهو في الصلاة: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌُّ وَلَا يَسْتَخِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا
يُوقِنُونَ
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن القرآن المجيد هو النعمة العظمى على الإنسانية وعلى المسلمين؛ لأنه
يرشد ببيانه العجيب وأمثلته التوضيحية إلى ما يحتاجون إليه، وينبههم على
التوحيد وصدق الرسل.
أَ - إن أتى النبي ◌َ لهبآية قرآنية أو بمعجزة مثل المعجزات المادية المحسوسة
للأنبياء السابقين كفلق البحر والعصا وغيرهما، لقال الكفار: ما أنتم يا معشر
المؤمنين إلا قوم مبطلون، أي تتبعون الباطل والسحر.
◌َ - كما طبع أو ختم على قلوب صناديد الكفر وزعماء الشرك، حتى لا
يفهموا الآيات عن الله، فكذلك يطبع على قلوب الذين لا يعلمون التوحيد
وأصول الاعتقاد، وحقيقة العبر والعظات، وآيات الله البينات، فيصبحون
عديمي الفهم لكل ما يتلى عليهم من القرآن، بسبب عنادهم وإعراضهم،
وسوء استعدادهم لقبول دعوة الحق والخير والتوحيد.
٤ - على المؤمن أن يثبت على الحق الذي لا مرية فيه، وهو دين الإسلام،
ولا يتأثر بسفاهات المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا بالبعث. والخطاب في
قوله: ﴿ وَلَا يَسْتَخِقَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ للنبي وََّ، والمراد أمته. فإن قصر
الخطاب على النبي ◌ُّ فالمراد به وجوب المداومة على الدعوة إلى الإيمان، فإنه
لو سكت لقال الكافر: إنه متقلب الرأي، لا ثبات له على مبدئه.
١٣٥
الُ (٢١) السورة (٣١) لَقْنَبَانٌ
بِسْمِ اللهِ الرََّىِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ لِقْغَمَان
مڪية، وهي أربع وثلاثون آية
تسميتها:
سميت سورة لقمان لاشتمالها على قصة (لقمان الحكيم) الذي أدرك جوهر
الحكمة، بمعرفة وحدانية الله وعبادته، والأمر بفضائل الأخلاق والآداب،
والنهي عن القبائح والمنكرات.
موضوعها:
تضمنت الكلام على موضوعات السور المكية وهي إثبات أصول العقيدة
من الإيمان بالله ووحدانيته، وتصديق النبوة، والإقرار بالبعث واليوم الآخر.
وسبب نزولها أن قريشاً سألت النبي ◌َّ عن قصة لقمان مع ابنه وعن برّه
والدیه، فنزلت.
صلتها بما قبلها أو مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بسورة الروم قبلها من وجوه:
اً - قال تعالى في آخر السورة السابقة: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا
اَلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارة إلى كون القرآن معجزة، وقال في مطلع هذه
السورة: ﴿تِلْكَ ءَيَتُ اُلْكِتْبِ الْحَكِيمِ ﴿﴿ هُدَى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
٣
١٣٦
لُجُزْءُ (٢١) السورة (٣١) لَقْغَمَانٌ
بَِايَةٍ
جِنّتهم
وَلپن
أَ - كذلك قال سبحانه فى آخر السورة المتقدمة:
إشارة إلى أن المشركين يكفرون بالآيات، وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذَا نُتْلَى
عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧/٣١].
٣ - وصف الله تعالى قدرته على بدء الخلق والبعث في كلتا السورتين، فقال
في السورة السالفة: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهٍ﴾
[الروم: ٢٧/٣٠] وقال هنا: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾
[لقمان: ٢٨/٣١].
٤ - أثبت الله تعالى في كلتا السورتين إيمان المؤمنين بالبعث، فقال في
السورة السابقة: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيَمْنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى
يَوْمِ الْبَعْثِّ﴾ [الروم: ٥٦/٣٠] وهذا عين إيقانهم بالآخرة المذكور في مطلع هذه
السورة: ﴿وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
٥ - حكى الله تعالى في السورتين ما عليه حال المشركين من القلق
والاضطراب، إذ يضرعون إلى الله في وقت الشدة، ويكفرون به وقت
الرخاء، فقال في السورة المتقدمة: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ
إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣/٣٠] وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجُ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ
اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢/٣١].
أَ - ذكر في سورة الروم: ﴿فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥/٣٠] وقد
فسر بالسماع، وفي لقمان: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ [لقمان:
٦/٣١] وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي.
٧ - قابل تعالى بين السورتين، فذكر في سورة الروم مدى اعتزاز المشركين
بأموالهم ورفضهم إشراك غيرهم فيها، وذكر هنا قصة لقمان الحكيم العبد
الصالح الذي أوصى ابنه بالتواضع وترك التكبر، كما ذكر في الأولى محاربة
الروم والفرس في معركتين عظيمتين، وذكر في السورة الثانية في قصة لقمان
الأمر بالصبر والمسالمة وترك المحاربة.
١٣٧
الُ (٢١) السورة (٣١) لقْئَانٌ
مشتملات السورة:
اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية: فبدأت ببيان معجزة النبي
الخالدة وهي القرآن دستور الهداية الربانية، وموقف الناس منه، ففريق
المؤمنين يصدِّقون بكل ما جاء فيه، فيظفرون بالجنان، وفريق الكافرين
الساخرين الهازئين الذين يعرضون عما فيه من الآيات، ويضلون عن سبيل
الله جهلاً وسفهاً، فيتلقون العذاب الأليم.
ثم تحدثت عن أدلة الوحدانية والقدرة الباهرة لله ربِّ العالمين من خلق العالم
والكون، وتلا ذلك بيان قصة لقمان الحكيم ووصاياه الخالدة لابنه، تعليماً
للناس وإرشاداً لهم، وعلى رأسها نبذ الشرك، وبرّ الوالدين، ورقابة الله على
كل صغيرة وكبيرة، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
والتواضع واجتناب الكبر، ومشي الهوينى، وإخفاض الصوت.
وأردف ذلك توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك مع مشاهدتهم أدلة
التوحيد، والنعي عليهم في تقليدهم الآباء، وجحودهم نعم الله الكثيرة التي
لا حصر لها، وإعلامهم أن طريق النجاة هو إسلام النفس الله والإحسان
بالعمل الصالح، وبيان تناقضهم حين يُقرُّون بأن الله هو خالق كل شيء ثم
يعبدون معه غيره، مع أن الله هو مالك السماوات والأرض والمنعم بجلائل
النعم، وعلمه محيط بكل شيء، وأن خلق جميع البشر وبعثهم كخلق نفس
واحدة وبعثها، فهو المدبر والمصرف الذي لا يعجزه شيء، وأنهم يتضرعون
إليه وقت الشدة ويشركون به وقت الرخاء.
ثم أضافت السورة أدلة أخرى على القدرة الإلهية من إيلاج الليل في النهار
وبالعكس، وتسخير الشمس والقمر، وتسيير السفن في البحار وغير ذلك.
وختمت السورة ببيان الأمر بالتقوى والخوف من عذاب يوم القيامة الذي
لا بدّ من إتيانه، ولا أمل فيه بنصرة أحد، وعدم الاغترار بمتع الدنيا
١٣٨
الزُُّ (٢١) - لَقْغَمَانٌ: ٣١ / ١-٥
وزخارفها، والتنبيه على مفاتيح الغيب الخمسة التي اختص الله بعلمها، وأن
الله محيط علمه بالكائنات جميعها، خبير بكل ما يجري فيها.
خصائص القرآن وأوصاف المؤمنين به
﴿الّمّ ﴾ تِلْكَ ءَيَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴿﴿ هُدَى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
٣
٠٠٠
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى هُدِّى
٥
مِّن رَّبِّهِمَّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
القراءات:
﴿وَرَحْمَةَ﴾
وقرأ حمزة (ورحمةٌ).
الإعراب:
مبتدأ وخبر والإضافة بمعنى ((من))
﴿ِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْحَكِ (@)
و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ بالنصب والرفع، فالنصب على الحال من ﴿ءَايَتُ﴾ والعامل
فيهما معنى الإشارة، ولا يجوز أن يكون منصوباً على الحال من ﴿اَلْكِنَبِ﴾
لأنه مضاف إليه، ولا عامل يعمل في الحال، وفيه خلاف. والرفع: إما خبر
﴿تِلْكَ﴾ و﴿ءَايَتُ﴾: بدلاً من ﴿تِلْكَ﴾ وإما خبر بعد خبر، كقولهم: هذا حلو
حامض، وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو هدی.
البلاغة:
﴿هُدَى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
· عبر بالمصدر عن اسم الفاعل للمبالغة.
﴿تِلْكَ ءَايَتُ﴾ إشارة بالبعيد عن القريب لبيان علو الرتبة وسمو القدر.
١٣٩
اِلُُ (٢١) - لَقْتَمَانٌ: ٣١ /١-٥
﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(٤) إطناب بتكرار الضمير ﴿هُمُ﴾ واسم الإشارة ﴿أَوَلَكَ﴾ لزيادة الثناء
عليهم وتكريمهم. وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يفيد الحصر، أي هم المفلحون لا
غيرهم.
المفردات اللغوية:
يشبه افتتاح سورة البقرة المدنية، وجاء على وفق المعروف
﴿الّ
غالباً في السور المكية التي تبدأ بأحرف هجائية، للتنبيه على إعجاز القرآن،
وللإشارة إلى أن هذه الأحرف ((ألف، لام، ميم)) ينطق بها العرب قاطبة،
ولكنهم عاجزون عن معارضتها بالإتيان بمثل سورة أو عشر سور من القرآن،
مما يدل على أنه تنزيل من حكيم حميد . ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ الْحَكِيمِ
أي هذه الآيات آيات القرآن المتصف بالحكمة.
﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي الآيات هادية راحمة ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ بيان
للمحسنين ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هم الثانية للتأكيد ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون،
لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح.
التفسير والبيان:
﴿الَّمَ ﴿ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ أي إن هذا القرآن مكوّن
من الحروف ذاتها التي تنطقون بها، فهل تأتون بمثل آياته؟ فهذه آيات القرآن
ذي الحكمة، الذي لا خلل فيه ولا عوج، ولا تناقض فيه ولا اختلاف، بل
هو آيات بينات واضحات.
ثم ذكر تعالى الغاية من تنزيله فقال:
﴿هُدَى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ أي هذه الآيات القرآنية هدى وشفاء من
الضلال، ورحمة تنقذ المؤمنين بها من العقاب، وهم الذين أحسنوا العمل،
١٤٠
الجُزُ (٢١) - لَقْئَمَانٌ: ٣١ /١-٥
واتبعوا الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وفي أوقاتها، مع نوافلها،
وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، وصدقوا وأيقنوا بوجود الآخرة
وبالجزاء العادل فيها، ورغبوا إلى الله في الثواب، دون مراءاة ولا جزاء ولا
شکور من الناس.
أي هؤلاء
﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمَّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (®َ﴾
الموصوفون بما ذكر هم في قمة الهداية والفلاح، فهم المهديون أي على بصيرة
ونور ومنهج واضح من الله، وهم الفائزون وحدهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿أُوْلَبِكَ﴾ إشارة إلى علو المرتبة والتعظيم الذي يستحقونه، إذ لا فلاح
إلا بإحسان العمل، ولا خير إلا في الإيمان.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما هو آت:
اً - إن آيات القرآن العظيم محكمة لا خلل فيها ولا تناقض، ولا عيب
فيها ولا تعارض، وهي دستور الهداية الربانية، وسبيل استحقاق الرحمة
الإلهية، التي لا يستحقها إلا المحسنون. والمحسن: الذي يعبد الله كأنه يراه،
فإن لم يكن يراه، فإنه يراه، أو هو الآتي بالإيمان، المتقي الشرك والعناد.
٢ - إن من أخص صفات المحسنين إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان
باليوم الآخر.
٣ - هؤلاء المحسنون استنارت قلوبهم وعقولهم بمنهج الله تعالى، فالتزموا
أوامره، واجتنبوا نواهيه، ففازوا وحدهم بسعادة الدنيا والآخرة.
◌َ - إن وصف القرآن بالحكمة في قوله تعالى: ﴿اَلْكِنَبِ الْحَكِيمِ﴾ مناسب
الموضوع السورة في بيان الحكمة في قصة لقمان وما يؤيدها من آي السورة في
تقرير التوحيد، وهدم الشرك وإثبات البعث والنبوة، والدعوة إلى مكارم